Al-Jami' al-WajizAr‑Ra'd · 13:1–16

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

الرعد

Ar-Ra'd

The Thunder · Medinan · 43 ayahs

13:1Page 249

الٓمٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١

Alif, Lām, Meem, Rā.1 These are the verses of the Book; and what has been revealed to you from your Lord is the truth, but most of the people do not believe.

١ – ﴿الٓمٓرۚ ﴾ وهي- كما تقدم في سورة البقرة – للحجة والإعجاز والبيان والبرهان وإثبات أن هذا القرآن منزل من عند الله حقا ، لا شك فيه ولا مرية، ولا ريب. ﴿تِلۡكَ﴾ أي: هذه الآيات ﴿ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ﴾ أي: القرآن ، والإضافة بمعنى «مِن» أي: من آيات الكتاب. ثم عطف على ذلك عطف صفات، فقال : ﴿وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿مِن رَّبِّكَ﴾ هو ﴿ٱلۡحَقُّ﴾ المبين الثابت.الذي لا شك فيه . والمراد به : القرآن الكريم، فإخباره صدق ، وأوامره ونواهيه ، وأحكامه عدل وحق.وقيل : (تلك) التي قصصت عليك خبرها (آيات الكتاب) الذي أنزلته ، أي : التوراة و الإنجيل. ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بهذا الحق الذي أنزله الله عليك ، إما جهلا وإعراضا عنه، وإما ظلما وعنادا ، كقوله :(وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين)يوسف (١٠٣).

13:2Page 249

ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ ٢

It is Allāh who erected the heavens without pillars that you [can] see; then He established Himself above the Throne1 and made subject2 the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. He arranges [each] matter; He details the signs that you may, of the meeting with your Lord, be certain.

٢ – ثم بيّن تعالى ما في خلقه من آيات في السماوات والأرض ، تدل على كمال قدرته ، وعظيم سلطانه وحكمته وانفراده بالخلق والتدبير فقال: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ﴾ أي: بغير دعائم ﴿تَرَوۡنَهَاۖ﴾ أي: رفعها ، مرئية لكم ، بغير دعائم تدعمها أو أساطين تقيمها. والجملة في محل نصب ، حال من السماوات. والمعنى: رفعها بلا عمد أصلا ، وأنتم ترونها كذلك ، فجملة «ترونها» مستأنفة ، وضميرها يعود للسماوات .وقيل : إن جملة «ترونها» صفة ل «عمد» والضمير عائد إليها، والمعنى : رفعها بغير عمد مرئية. وانتفاء العمد المرئية : يحتمل انتفاء الرؤية فقط ، أي: لها عمد، ولكنها غير مرئية ، ويحتمل انتفاء العمد والرؤية جميعا، أي: لا عمد لها أصلا ، كما ترونها ، وهو الظاهر لقوله:(ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه)الحج(٦٥) . و عَمَد: اسم جمع ، مفرده : عماد ، وهو الإسطوانة ، يقال : عمدت الحائط ، أعمده عمدا ، وأعمدته، إذا دعمته، فانعمد واستند.﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ﴾ استواء يليق بجلاله وكماله، أي: علا وارتفع من غير تكييف ولا تشبيه، ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تأويل.والاستواء في اللغة : الارتفاع والعلو . قال الإمام مالك : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة .قال سبحانه و تعالى : (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش)الأعراف(٥٤).والعرش: أعظم مخلوقات الله عز وجل ، وفي الحديث: «العرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل» . وفي رواية: «ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة ، والكرسي في العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة» .﴿ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ ﴾ أي: ذللهما لما يراد منهما من منافع الخلق ومصالح العباد ﴿كُلّٞ﴾ أي: من الشمس والقمر ﴿يَجۡرِي﴾ بتدبير الله ﴿لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ﴾ أي : لوقت معلوم وهو فناء الدنيا وقيام الساعة ، كقوله: (والشمس تجري لمستقر لها)يس(٣٨).وقيل : المراد بقوله: (لأجل مسمى) أي: إلى مستقرهما تحت عرش الرحمن. وقيل : إلى درجاتهما ومنازلهما الفلكية ، وهي سنة للشمس ، وشهر للقمر . وذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر الكواكب السيارة وتسخيره لهما تسخير لغيرهما من الكواكب بطريق الأوْلى والأحرى. ﴿ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ ﴾ أي: يصرفه على ما يريد بقدرته وحكمته، ويقضي ويقدر بمشيئته أمر ملكه على أكمل الوجوه، كقوله: (ألا له الخلق والأمر)الأعراف(٥٤). ﴿يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ أي : يبينها و يوضحها ويميزها، وهي : الآيات الدالة على كمال قدرته و عظيم حكمته وسلطانه، وأنه لا إله غيره ، ولا رب سواه ، ومن هذه الآيات ما تقدم من رفع السماء بغير عمد ، وتسخير الشمس والقمر، وجريهما لأجل مسمى ، احتجاجا بها عليكم . ﴿لَعَلَّكُم﴾ يا أيها الناس ﴿بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ﴾ أي: بالبعث بعد الموت ﴿تُوقِنُونَ﴾ أي : تصدقون بذلك وبوحدانيته ووعده ووعيده ، فلا تشكون فيه، ولا تمترون في صدقه . والآية بيان لكمال قدرته تعالى وعظيم حكمته في العالم العلوي . ثم شرع في ذِكر قدرته وحكمته وإحكامه للعالم السفلي فقال:

13:3Page 249

وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٣

And it is He who spread the earth and placed therein firmly set mountains and rivers; and from all of the fruits He made therein two mates; He causes the night to cover the day. Indeed in that are signs for a people who give thought.

٣ - ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ﴾ أي: بسطها طولا وعرضا في رأي العين إلى ما لا يدرك البصر منتهاه ، لإمكان الاستقرار عليها . من المد : وهو البسط ، ولا تنافي بين المد و كُريّة الأرض ، لأن الأول بحسب رؤية العين ، والثاني بحسب الحقيقة.﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ﴾ أي: خلق فيها جبالا ثوابت راسخات في أحيازها ، تمسكها عن الاضطراب كيلا تميد. من الرسوّ : وهو ثبات الأجسام الثقيلة، يقال : رسا الشيء يرسو رسوا و رُسوًّا : ثبت ، كأرسى ، وأرسيت الوتد في الأرض : أثبته . ﴿وَأَنۡهَٰرٗاۖ﴾ أي : وجعل فيها أنهارا ، ليسقي ما جعل فيها من الثمرات والزروع على اختلاف أشكالها وألوانها ﴿وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ أي: ومن كل نوع منها ﴿جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ﴾ أي: نوعين وضربين ﴿ٱثۡنَيۡنِۖ﴾ ذكر و أنثى . وفيه تصريح معجز بما عُلم حديثا من وجود الجنسين في كل ثمرة.﴿يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ﴾ أي: يجعل الليل غاشيا للنهار وساترا له ، فيغطي الليل بظلمته النهار، أي: يأتي به بدله، فيصير مظلما بعدما كان مضيئا.أو يلبس النهار ظلمة الليل أو الليل ضياء النهار ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ المذكور ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي: دلالات على وحدانيته تعالى ﴿لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في صنع الله، وينظرون في آياته نظرة اعتبار واستبصار واستدلال. وخصهم بالذكر لأنهم المنتفعون بعقولهم دون غيرهم .

13:4Page 249

وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٤

And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise,1 watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.

٤ – ﴿وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ﴾أي: بقاع مختلفة الطبائع والصفات والخواص ﴿مُّتَجَٰوِرَٰتٞ﴾ أي: متلاصقات متقاربات متدانيات ، يجاور بعضها بعضا ، فمنها طيب ينبت ، ومنها سبخ لا يُنبت شيئا ، ومنها قليل الريع وكثيره ، وهو من دلائل قدرته وعظيم حكمته تعالى. ﴿وَجَنَّٰتٞ﴾ أي: بساتين ﴿مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ﴾ بالرفع ، عطفا على «وجناتٌ»﴿وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ﴾ أي: مجتمعٌ في أصل واحد، صفة لنخيل. جمع: صنوٍ ، وهي : النخيلات يجمعها أصل واحد ، وتتشعب فروعها. ﴿وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ﴾ أي: غير مجتمع أو:منفردة ، و هي ما كان على أصل واحد ، كسائر الشجر ، أي: المفترق أصله . [و في قراءة: بالجر: (وزرعٍ ونخيلٍ صنوانٍ وغيرِ صنوانٍ) عطفا على «أعنابٍ»] . ﴿يُسۡقَىٰ﴾ أي: المذكور من الأعناب والزرع والنخيل [وفي قراءة: بالتاء (تُسقى)] أي: الجنات وما فيها من زروع وثمار ﴿بِمَآءٖ وَٰحِدٖ﴾ لا تفاوت فيه ولكنها مع ذلك تنبت أنواعا مختلفة من الثمار.والصنو : الفرع الذي يجمعه وآخر أصل واحد ، فإذا خرج نخلتان أو ثلاث من أصل واحد ، فكل واحدة منهن صنو ، والاثنتان صنوانِ – بكسر النون – والجمع صنوانٌ – بضم النون – وأصله : المثل ، ومنه قيل لعم الرجل : صنو أبيه ، أي: مثله . وفي الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال لعمر : «أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه» . فأُطلق على كل غصن صنو، لمماثلته للآخر في التفرع من ذلك الأصل . و مثله قنوٌ و قنوان.﴿وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ﴾ [و في قراءة: بإسكان الكاف: (الأكْل)] أي: فيما يؤكل من الحب والثمر طعما ونفعا ، ولذة ورائحة ولونا وشكلا، فمن حلو، ومن حامض ، ومن جيد ومن رديء ، ونحو ذلك من الصفات والخواص. وفي الحديث عند الترمذي – وقال: حسن غريب – عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله تعالى : (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) قال: «الدقل والفارسي، والحلو والحامض» . والدقل – بفتح الدال المهملة والقاف – هو: رديء التمر، والفارسي : الجيد منه. والأكُل – بضم الهمزة والكاف ، أو : بضم الهمزة وسكون الكاف: الأكْل-: اسم لما يؤكل من الثمر والحب ، وإنما اقتصر على الأكل – دون غيره – لكونه أعظم المنافع .فهذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها ، وطعومها ، وروائحها ، وأوراقها وأزهارها ، وحلوها ، ومرها، وحامضها ، وجيدها ورديئها مع أن المكان متجاور ، والماء الذي تسقى به واحد ، دليل على كمال قدرة الله ، وبديع صنعه .[وفي قراءة : بالياء : (ويُفضل بعضها على بعض في الأكل)] . ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ المذكور ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ دالة على كمال قدرته تعالى ﴿لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ﴾ عن الله أوامره ونواهيه، ويتدبرون آياته ، متفكرين فيها ، معتبرين بها .

13:5Page 249

۞ وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٥

And if you are astonished,1 [O Muḥammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles2 upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.

٥ – ﴿وَإِن تَعۡجَبۡ﴾ يا محمد ، من تكذيب المشركين بالمعاد ، مع ما يشاهدونه من آيات الله ودلائله في خلقه ﴿فَعَجَبٞ﴾ أي: فحقيق بالعجب ﴿قَوۡلُهُمۡ﴾ منكرين للبعث والمعاد : ﴿أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ﴾ أي: أنبعث ونعاد ؟ والجواب عنه : إن القادر على بدء الخلق وإنشائه على غير مثال سبق، قادر على إعادتهم، كقوله: (أو لم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير)الأحقاف(٣٣). و العجب : تغير نفسي عند خفاء السبب.ثم نعت المكذبين بهذا ، المنكرين لقدرته على البعث والمعاد ، فقال : ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المنكرون لقدرته تعالى على البعث والمعاد، هم ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ﴾ وجحدوا وحدانيته ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ﴾ يسحبون بها في النار . جمع غُل ، وهو : طوق من حديد تشد به اليد إلى العنق، من الغلل ، وأصله: تدرُّع الشيء وتوسطه ، ومنه قيل للماء الجاري بين الشجر : غلل . أي: هذا شأنهم في الآخرة . وقيل : هو تمثيل لحالهم في الدنيا – من حيث إباؤهم الإيمان ، وعدم التفاتهم إلى الحق – بحال من في أعناقهم أغلال ، فلا يستطيعون معها التفاتا. ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها أبدا ، لا يحولون عنها ولا يزولون.

13:6Page 250

وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٦

They impatiently urge you to bring about evil before good,1 while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is the possessor of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.

٦ - ﴿وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ﴾ أي: هؤلاء المكذبون ﴿بِٱلسَّيِّئَةِ﴾ أي: بالعذاب والعقوبة ﴿قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ﴾ أي: قبل السلامة والعافيه منها ، أو : قبل الرحمة . كقوله : (ويستعجلونك بالعذاب)الحج(٤٧)، وقوله (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها)الشورى(١٨)، وقوله : (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب)ص(١٦). وقوله:(سأل سائل بعذاب واقع)المعارج(١). فكانوا من شدة كفرهم وتكذيبهم وعنادهم ، يستعجلون نزول العذاب بهم ، طعنا في خبر القرآن، واستهزاء به .والاستعجال : طلب الأمر قبل مجيء وقته .﴿وَقَدۡ خَلَتۡ﴾ أي: سبقت ومضت ﴿مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ﴾ أي: العقوبات الفاضحات المنكِّلات بأمثالهم من المكذبين ، كالرجفة والخسف والغرق وغير ذلك من عقوبات الله، أفلا يعتبرون بهم ، ويحذرون من حلول ما حل بهم ؟أي: إن هؤلاء يستعجلونك بإنزال العقوبة بهم ، والحال أنه قد مضت من قبلهم وقائع الله وأيامه وعقوباته في الأمم المكذبة ،(فما لهم عن التذكرة معرضين)المدثر(٤٩) . والمثُلات: جمع مثُلة ، وهي العقوبة الفاضحة التي تنزل بالإنسان، فيجعل مثالا يرتدع غيره به. وسميت العقوبات مثلات : لمماثلتها للأفعال المعاقب عليها في السوء .﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ ﴾ أي: لذو عفو وصفح ، وستر وإمهال. ﴿لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ﴾ إذا تابوا فلا يُعاجلهم بالعقوبة مع استمرارهم في الذنوب والمعاصي ، أي: فلولا حلمه وعفوه لعاجلهم بالعقوبة، كقوله تعالى : (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة)فاطر(٤٥).﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ لمن عصاه، وأصر على ذنبه ، وأبى التوبة والاستغفار . وهذا من باب قرن الرجاء بالخوف، كقوله : (إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم)الأعراف(١٦٧) . وقوله : (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين)الأنعام (١٤٧). وقد أخرج ابن أبي حاتم ، عن سعيد بن المسيب قال : لما نزلت هذه الآية: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) قال رسول الله ﷺ : «لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتّكل كل أحد». و هو مرسل.

13:7Page 250

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ ٧

And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.

٧ – ﴿ وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ تعنـتا وعنادا : ﴿لَوۡلَآ﴾ أي: هلا ﴿أُنزِلَ عَلَيۡهِ﴾ أي: على محمد ﷺ ﴿ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ ﴾ أي: علامة و حجة على صدقه أو معجزة حسية ، كالعصا واليد والناقة ، ونحو ذلك من آيات المرسلين ، كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهبا ، وأن يزيح عنهم الجبال ، ويجعل مكانها مروجا وأنهارا .قال تعالى في جوابهم :﴿ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ ﴾ أي: مخوف للكافرين ، تنذرهم النار ، وليس عليك إتيان الآيات ، إنما عليك أن تبلغ رسالة ربك التي أمرك بها، وتنصح لهم . ﴿وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ﴾ [و في قراءة:بإثبات الياء:(هادي)] أي: نبي يدعوهم إلى الله ، أو : داع يدعوهم إلى الهدى والرشاد ، من الرسل وأتباعهم، وذلك بما يعطيهم الله من الآيات والأدلة والبراهين ، لا بما يقترح الكفار على الله والرسل من الآيات. و قيل: المنذر: هو محمد ﷺ والهادي: هو الله تعالى .

13:8Page 250

ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ ٨

Allāh knows what every female carries1 and what the wombs lose [prematurely] or exceed.2 And everything with Him is by due measure.

٨ – ﴿ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ﴾ من أنواع الأجنة و صفاتها وأحوالها و أعمارها . أي: من ذكر أو أنثى، واحد أو متعدد، شقي أو سعيد ، ويعلم رزقه وعمله وأجله، كقوله:(ويعلم ما في الأرحام)لقمان(٣٤). ﴿وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ ﴾ أي: ويعلم ما تنقصه الأرحام أو تسقطه وما تزداده في البنية ، وفي المدة وفي العدد . يقال : غاض الشيء وغاضه غيره ، نحو نقص و نقصه غيره ، فيستعمل لازما ومعتديا ، وكذا ازداد . والمراد: النقص والزيادة الحسية والمعنوية .﴿وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ﴾ أي: بقدر وحدّ ، لا يجاوزه ولا ينقص عنه ، كقوله : (إنا كل شيء خلقناه بقدر)القمر(٤٩) لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه، إلا بما تقتضيه حكمته وعلمه .وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله إليه ملكا ، فيؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وعمره ، وعمله وشقي أو سعيد» .وفي البخاري عن ابن عمر :أن رسول الله ﷺ قال : «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله : لا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» .

13:9Page 250

عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ ٩

[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.

٩ – ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾ أي: يعلم ما غاب عن الحواس وما يشاهد بها، أو : السر والعلانية، فيعلم كميته وكيفيته ، وزمنه ومكانه، وسائر أحواله، لا يخفى عليه من ذلك شيء. ﴿ٱلۡكَبِيرُ﴾ في ذاته وأسمائه وصفاته ، أي : العظيم الذي كلُّ شيء دونه ﴿ٱلۡمُتَعَالِ﴾ [وفي قراءة: بإثبات الياء و صلا ووقفا:(المتعالي)] أي : المستعلي على كل شيء ، بذاته وصفاته وأفعاله ، وقدرته وعظمته وقهره . والآيتان : بيان لما يدل على كمال علمه تعالى وقدرته وعظيم سلطانه، وحكمته في قضائه وقدره .

13:10Page 250

سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠

It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.

١٠ – ﴿سَوَآءٞ مِّنكُم﴾ أي : في علمه تعالى ، ﴿مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ﴾ في نفسه ﴿وَمَن جَهَرَ بِهِۦ﴾ لغيره ﴿وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ﴾ أي : مستتر بظلامه ﴿وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ﴾ أي: ومن هو ذاهب في سربه وطريقه، ظاهرا بالنهار ، يبصره كل أحد . يُقال : سرب في الأرض يسرُب سربا وسروبا ، أي: ذهب في سربه – بفتح السين ويجوز كسرها مع سكون الراء – أي : طريقه . وفي «القاموس المحيط» : السارب: الذاهب على وجهه في الأرض. وسرب الشيء : إذا ظهر وبرز والمراد: إحاطة علمه تعالى بجميع خلقه ، وأنه يستوي في علمه السر والجهر، والخفي والظاهر، كقوله: (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى)طه(٧) . وقوله: (ويعلم ما تخفون وما تعلنون )النمل(٢٥) .

13:11Page 250

لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١

For him [i.e., each one] are successive [angels]1 before and behind him who protect him by the decree of Allāh.2 Indeed, Allāh will not change the condition of a people until they change what is in themselves. And when Allāh intends for a people ill,3 there is no repelling it. And there is not for them besides Him any patron.

١١ – ﴿لَهُۥ﴾ أي : للعبد المذكور، ممن أسرَّ القول أو جهر به ، والمراد : لكل الناس ﴿مُعَقِّبَٰتٞ﴾ أي : ملائكة يتعاقبون عليه بالليل والنهار لحفظه وكلاءته، ولكتابة أقواله وأعماله . ﴿مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ﴾ أي : من أمامه ﴿وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ﴾ أي : ومن ورائه ، والمراد : أن الحفظة من الملائكة يحيطون به من جميع جوانبه ، وتعتقب في حفظه ورعايته .من التعقيب : وهو أن يؤتى بشيء بعد آخر . يقال : عقَّب الفرس في عدوه : أي : جرى بعد جريه ، وعقبه تعقيبا : جاء عقبه . و معقبات : جمع معقِّبة ، بمعنى : معقب ، أي: ملك معقب ، والتاء للمبالغة ، كما في علاّمة ، أو : بمعنى: جماعة معقبة.وفي الصحيح :«يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار»، وفي حديث آخر : «إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع ، فاستحيوهم وأكرموهم». وعند مسلم وأحمد ، عن عبد الله ابن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة، قالوا : وإياك يا رسول الله؟ قال : وإياي ، ولكن الله أعانني عليه، فلا يأمرني إلا بخير».﴿يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ﴾ أي: يحفظونه بأمره تعالى وإذنه من الجن والأسواء والحادثات ، وغير ذلك ، فهم يحفظونه بما أمرهم الله به . أو : يحفظونه بسبب أمر الله لهم وإعانته على ذلك. ف «مِن» بمعنى : باء السببية . وقيل : يحفظونه من أمر الله بأمر الله، فإذا جاء قدر الله ، خلوا عنه ، كما في الحديث: أنهم قالوا : يا رسول الله، أرأيت رقىً نسترقي بها ، هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فقال:«هي من قدر الله» .وقيل : يراقبون ما يلفظ من قول وما يأتي من عمل خيرا كان أو شرا، بأمره و إذنه .﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ﴾ مـن النعمـة والإحسان، والعافية، و رغد العيش، أي: لا يسلبهم نعمته وإحسانه وعافيته ﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ ﴾ من طاعة الله إلى معصيته، ومن شكره إلى كفره ، ومن الخير والأعمال الصالحة ، إلى ضدها ، فإنه قد جرت السنة الإلهية بأنه تعالى لا يبدل ما بقوم من نعمة وعافية وخير بضده، حتى يعتدوا فيبدلوا أحوالهم: من جميل إلى قبيح ، ومن صلاح إلى فساد ، ومن طاعة إلى عصيان .وقد أخرج ابن أبي حاتم في « تفسيره» عن إبراهيم النخعي موقوفا، وورد نحوه في حديث مرفوع رواه ابن أبي شيبة : «أن الله أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: أن قل لقومك: إنه ليس من أهل قرية ، ولا أهل بيت، يكونون على طاعة الله ، فيتحولون عنها، إلى معصية الله، إلا حوّل الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون» ثم قال : إن تصديق ذلك في كتاب الله : (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) . ﴿وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا﴾ أي: هلاكا وعذابا وشدة، أو : أراد أن ينزل بهم نقمته وجزاءه ، لاستحقاقهم ذلك ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ﴾ أي : فلا راد لأمره ، ولا معقب لحكمه ، فإن إرادته ومشيئته وقضاءه نافذ فيهم . ﴿وَمَا لَهُم﴾ أي: الذين أراد الله بهم سوءا ﴿مِّن دُونِهِۦ﴾ أي: من غير الله ﴿مِن وَالٍ﴾ [و في قراءة : بإثبات الياء : (من والي)] أي: من ولي أو ناصر ، يلي أمورهم، ويدفع عنهم السوء الذي أراده الله بهم ، ويجلب لهم الخير. من الولاية: وهي النصرة وتولي الأمر . يقال : ولي على الشيء ولاية، فهو وال .

13:12Page 250

هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ١٢

It is He who shows you lightning, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.

١٢ – ثم ذكر تعالى خمسة أنواع من الظواهر الكونية ، جعل فيها شبها بالنعم و شبها بالنقم ، وكلها دلائل على عظيم قدرته ، وبديع صنعته تعالى، الموجبين لإفراده بالعبادة والسؤال، فقال : ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا ﴾ من الصواعق وأنواع الضرر، ﴿وَطَمَعٗا﴾ في الغيث والخير والمنفعة ﴿وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ﴾ أي: ويخلق الغيم المنسحب في الهواء ﴿ٱلثِّقَالَ﴾ بماء المطر، أي : الموقرة بالماء المثقلة به . جمع ثقيلة ، أي : مثقلة به .

13:13Page 250

وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ ١٣

And the thunder exalts [Allāh] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allāh; and He is severe in assault.

١٣ – ﴿وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ﴾ تسبيحا متلبسا ﴿بِحَمۡدِهِۦ﴾ تعالى، كقوله:(وإن من شيء إلا يسبح بحمده)الإسراء(٤٤). ﴿وَ﴾ تسبح ﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ﴾ أي: من خوف الله تعالى وخشيته ورهبته ، خشعا خضعا له . و التسبيح : تنزيهه تعالى عما لا يليق بجلاله و كماله .﴿وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ من خلقه، فيهلكه ، أي : يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء . وقد جاء في سبب نزول هذه الآية :ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي، وابن جرير عن أنس بن مالك : « أنها نزلت في رجل بعث إليه النبي ﷺ من يدعوه إليه ، فقال : من رسول الله؟ وما الله؟ أمن ذَهَبٍ هو؟ أم من فضة؟ أم من نحاس؟ فنزلت به صاعقة ، فذهبت بقحف رأسه - أي : بعظم رأسه». وأخرجه البزار والنسائي عنه.وروى الطبراني عن عطاء بن يسار عن ابن عباس: أنها نزلت في عامر بن الطفيل وأَربَد بن ربيعة، قدما على رسول الله ﷺ المدينة ، فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر، فأبى عليهما، فحاولا قتله ، فحماه الله منهما وعصمه ، فخرجا من المدينة، فانطلقا في أحياء العرب، يجمعان الناس لحربه ﷺ، فأرسل الله على أَربَد سحابة فيها صاعقة، فأحرقته ، وأرسل على عامرالطاعون فقتله .﴿ وَهُمۡ ﴾ أي: الكفار ﴿يُجَٰدِلُونَ﴾ أي: يخاصمون النبي ﷺ ﴿فِي ٱللَّهِ﴾ أي: يشكون في عظمته ، وأنه لا إله إلا هو . أو : يخاصمونه بإنكار البعث واستعجال العذاب. و الجدال: أشد الخصومة.﴿وَهُوَ﴾ سبحانه و تعالى ﴿شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ﴾ أي: شديد الكيد والمكر ، والحول والقوة ، والتدبير والأخذ، والعذاب والعقاب ، والهلاك والعداوة . كالمماحلة ، يُقال : محل به – مثلثة الحاء – محلا ومحالا: إذا كاده وعرضه للهلاك ، أي: شديد المماحلة والمكايدة لأعدائه. وفيه من التهديد لهم ما لا يقدر قدره. والمكر من الله : التدبير بالحق، وإيصال المكروه إلى من يستحقه . و هي صفة كمال ثابتة لله على الوجه اللائق بكماله و جلاله . وفي الحديث عند الترمذي- وقال: حسن صحيح – عن ابن عباس : «أن النبي ﷺ سُئل عن الرعد: ما هو؟ فقال : ملك من الملائكة موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار، يسوق بها السحاب حيث شاء الله فقالوا : فما هو الصوت الذي نسمع؟ فقال: زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر» .وأخرج البخاري في « كتاب الأدب» و الترمذي والنسائي والحاكم وأحمد : أن رسول الله ﷺ كان إذا سمع الرعد والصواعق قال :«اللهم لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك» .وفي الحديث عن أبي هريرة ، مرفوعا : أنه ﷺ كان إذا سمع الرعد قال : «سبحان من يسبح الرعد بحمده».و روى الطبراني عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ : «إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا».وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ، أن رسول الله ﷺ قال : «تكثر الصواعق عند اقتراب الزمان، حتى يأتي الرجل القوم، فيقول : من صعق قبلكم الغداة؟ فيقولون: صعق فلان وفلان وفلان».

13:14Page 251

لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ١٤

To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus].1 And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e., futility].

١٤ - ﴿لَهُۥ﴾ أي : لله تعالى وحده ﴿دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ﴾ أي : كلمة التوحيد، وهي : لا إله إلا الله ، وما فيها من إخلاص العبادة والسؤال له .أو له الدعاء الحق بالعبادة و التضرع والإنابة. ﴿وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ﴾ أي: والأصنام ، أو: الآلهة، الذين يدعونهم الكفار من دون الله ، دعاء عبادة وسؤال ﴿لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم﴾ أي: لا يستجيبون لعابديهم وسائليهم ﴿بِشَيۡءٍ﴾ مما يطلبونه منهم، من نفع أو دفع ضر ﴿إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ﴾ أي: إلا استجابةً كاستجابة الماء لمن بسط كفيه إليه من بعيد ، يطلبه ويدعوه ﴿لِيَبۡلُغَ﴾ الماء ﴿فَاهُ﴾ بنفسه ، من غير أن يؤخذ بشيء، كإناء ونحوه .﴿وَمَا هُوَ﴾ أي : الماء ﴿بِبَٰلِغِهِۦۚ﴾ أي: ببالغ فاه الداعي أبدا ، لكونه جمادا لا يشعر بعطشه ، ولا ببسط كفيه إليه ، ولا بدعوته له وحاجته إليه، فكذلك هذه الأصنام ، ماهم بمستجيبين لهم لكونهم جمادات لا تحس بعبادتهم ، ولا تستطيع إجابتهم بشيء . وهو مثل ضربه الله لمن يدعو من دونه آلهة لا تضر ولا تنفع .﴿وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أصنامهم وآلهتهم ، دعاء عبادة وسؤال ، من دون الله ﴿إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ﴾ أي : في ضياع وبطلان و هلاك و خسران، لا منفعة فيه لأن الوسيلة تبطل ببطلان غايتها . أو : في غير هدى ، ولا استقامة . وتشبيه دعاء الكافرين لغير الله ، بالذي يبسط كفيه إلى الماء ، تشبيه بأمر محال، فكما أن هذا محال فالمشبه به محال أيضا ، والتعليق على المحال، من أبلغ ما يكون في نفي الشيء كقوله: (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط)الأعراف(٤٠) .

13:15Page 251

وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩ ١٥

And to Allāh prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.

١٥ – ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: جميع من فيهما من الملائكة والثقلين ، خاضعون لعظمته، منقادون لأمره و أحكامه، إيجادا و إعداما ، فهم تحت قهره ومشيئته. ﴿طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا﴾ أي: شاؤوا ذلك أم أبوْا ، من غير مداخلة حكم غيره فيهم . يستوي في ذلك مؤمنهم وكافرهم ، فالمؤمن خاضع بذاته وبظاهره ، والكافر خاضع بذاته، متمرد بظاهره. ﴿وَظِلَٰلُهُم﴾ أي : وتسجد له تعالى ظلال المخلوقات أو ظلال من له ظل منهم ، وتنقاد لأمره وتخضع لحكمه ﴿بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ﴾ أي : بالبُكر والعشايا . فهي تحت قهره ومشيئته في الامتداد والتقلص، والفيء والزوال، إذ الحركة والسكون بيده تعالى، والمتحرك و الساكن في قبضته. وخص الغدو والآصال بالذكر، لأنه يزداد ظهور الظلال فيها . و المراد من السجود هنا : الخضوع والانقياد لأمر الله وحكمه ، وقيل: المراد : حقيقة السجود ، وسجود كل شيء يكون بحسب حاله .و الظلال : جمع ظل ، وهو الخيال الذي يظهر للجرم كقوله : (أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله)النحل(٤٨) . والغدو: جمع غداة :و هي البكرة، أو: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وهو أول النهار. والآصال: جمع أصيل ، وهو العشي، أو : ما بين العصر إلى غروب الشمس وهو آخر النهار .

13:16Page 251

قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ ١٦

Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allāh." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allāh partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?"1 Say, "Allāh is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."2

١٦- ثم أكد تعالى على أنه هو الإله المعبود حقا ، وأن إلاهية غيره باطلة، وبرهن على ذلك ، فقال: ﴿قُلۡ﴾ يا محمد ، لهؤلاء المشركين بالله ، أوثانا وأندادا ﴿مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾؟ أي: خالقهما و متولي أمرهما. ثم حكى جوابهم وما يعتقدونه ، فقال:﴿قُلِ ٱللَّهُۚ﴾ لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو ربهما ومدبرهما . ﴿قُلۡ﴾ لهم إلزاما و تبكيتا: ﴿أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ﴾ أي: من غير الله ﴿أَوۡلِيَآءَ﴾ تتولونهم بالعبـادة ، أي:أصنـاما تعبدونهـا ﴿لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ﴾ ولا لكم ﴿نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ﴾ فلا يجلبون لكم ولا لأنفسهم منفعة، ولا يدفعون عنكم ولا عن أنفسهم مضرة ، فكيف يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله، ومن عبد الله وحده لا شريك له الذي بيده الخلق والتدبير، والنفع والضر؟ و الاستفهام للتوبيخ والتقريع .﴿قُلۡ﴾ لهم : ﴿هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ﴾ أي: الكافر و المؤمن ؟ فالكافر أعمى في دينه ، والمؤمن بصير فيه ، ﴿أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي﴾[و في قراءة : بالياء (يستوي)] ﴿ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ﴾ أي: الكفر والإيمان أو الهدى والضلالة؟ لا .و جمع « الظلمات» و أفرد «النور» لأن طريق الحق واحدة و طرق الباطل متعددة .﴿أَمۡ جَعَلُواْ﴾ أي: بل أجَعَلوا ﴿لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ﴾ أي: كخلق الله ، أي: أجعل المشركون مع الله آلهة تماثله في الخلق ﴿فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ﴾ أي: خلق الشركاء بخلق الله ﴿عَلَيۡهِمۡۚ﴾ فاعتقدوا استحقاق عبادتهم بخلقهم؟ والاستفهام للإنكار ، أي: ليس الأمر كذلك ، ولا يستحق العبادة إلا الله وحده الخالق.والمعنى : أنهم ما اتخذوا لله شركاء خالقين مثله ، حتى يتشابه خلق الشركاء بخلق الله ، فيقولون : هؤلاء خلقوا كخلق الله ، واستحقوا بذلك العبادة كما استحقها الله ؟ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على شيء، فكيف يصنعون ذلك ؟ قال الله تعالى : ﴿قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ﴾ لا شريك له في الخلق، فكذلك لا شريك له في العبادة ﴿وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ﴾ المنفرد بالألوهية ﴿ٱلۡقَهَّٰرُ﴾ الغالب لعباده، فكل ما يدعى من دون الله ليس له شيء من خلق المخلوقات ، فكيف يستحق العبادة ؟

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском