Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:35–43
13:35Page 254
۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥
The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.
٣٥ – ﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ﴾ باستجابتهم لأمر الله و انتهائهم عن معصيته ، أي: صفتها ونعتها وحقيقتها.والجملة مبتدأ ، خبره محذوف، أي: فيما نقص أو يُتلى عليكم من الآيات أنها : ﴿تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا﴾ أي: من تحت مساكنها وأشجارها ﴿ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ﴾ كقوله:(مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى)محمد(١٥). ﴿أُكُلُهَا﴾ [و في قراءة:بإسكان الكاف: (أُكْلها)] أي: ما يؤكل فيها من الثمار والمطاعم ﴿دَآئِمٞ﴾ لا انقطاع لأنواعه ولا فناء، كقوله : (وفاكهة كثيرة ٣٢ لا مقطوعة ولا ممنوعة ٣٣)الواقعة(٣٢-٣٣) ، ﴿وَظِلُّهَاۚ﴾ دائم أيضا لا يزول ، ولا يتقلص ، كقوله : (وندخلهم ظلا ظليلا)النساء(٥٧) ، وقوله : (وظل ممدود)الواقعة(٣٠) .﴿تِلۡكَ﴾ أي: الجنة وما فيها ﴿عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ﴾ الله بامتثال أوامره،واجتناب نواهيه ، أي: هي جزاؤهم ، ومآلهم ، وعاقبتهم التي يصيرون إليها .﴿وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ﴾ هي جزاؤهم ، ومآلهم وعاقبتهم كذلك. وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف – وفيه : أن رسول الله ﷺ قال : «إني رأيت – أو : أريت – الجنة ، فتناولت منها عنقودا ، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا» .
13:36Page 254
وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ٣٦
And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muḥammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it [i.e., the Qur’ān]. Say, "I have only been commanded to worship Allāh and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."
٣٦ – ﴿وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: التوراة والإنجيل وهم قائمون بما فيه عاملون بمقتضاه ، ممن آمن وأسلم منهم ﴿يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ﴾ من ربك ، أي: من القرآن، لموافقته ما عندهم من الكتب، ومصدقا لها ، ولما في كتبهم من الشواهد و الدلائل على صدقه والبشارة به. ﴿وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ﴾ الذين تحزبوا عليك بالمعـاداة والتكذيـب، مـن المشركين واليهود ﴿مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ﴾ أي: بعض ما جاءك من الحق، ويكذب بعض ما أنزل إليك، من القرآن ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ﴾ فيما أنزل إلي ﴿أَنۡ﴾ أي: بأن ﴿أَعۡبُدَ ٱللَّهَ﴾ وحده ﴿وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ﴾ أحدا غيره في عبادته، فعبادة الله وحده لا شريك له أمر اتفقت عليه الشرائع جميعها، وتطابقت على عدم إنكاره الملل المقتدية بالرسل. ﴿إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ﴾ أي: إلى الله ، لا إلى غيره ، وإلى سبيله أدعو الناس ﴿وَإِلَيۡهِ مََٔابِ﴾[و في قراءة: بإثبات الياء:(مآبي)] أي: و إلى الله وحده مرجعي للجزاء ومصيري، وهذا هو التوحيد الخالص الكامل .
13:37Page 254
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧
And thus We have revealed it as an Arabic legislation.1 And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allāh any ally or any protector.
٣٧- ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي: وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم مشتملة على أصول الدين ﴿أَنزَلۡنَٰهُ﴾ أي: القرآن ﴿حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ ﴾ مشتملا على أصول الشرائع وفروعها ، محكمة مبينة بلسان العرب ، تحكم به بين الناس في الوقائع و القضايا بالحكمة و العدل. ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم﴾ أي : أهواء الكفار وآراءهم، فيما يدعونك إليه من موافقتهم على ملتهم ﴿بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ الذي علمك الله إياه، من عدم اتباع أهوائهم ﴿مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ﴾ يلي أمرك وينصرك ﴿وَلَا وَاقٖ﴾ [و في قراءة: بإثبات الياء:(و لا واقي)] يقيك ، أو مانع يمنعك من عذابه. أو حافظ يحفظك منه .وفيه وعيد وتهديد لأهل العلم بعد الوقوف على أسرار الشرع أن يتبعوا سبل أهل الضلالة .
13:38Page 254
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ ٣٨
And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allāh. For every term is a decree.
٣٨ – ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ﴾ أي: أولادا ، وأنت مثلهم ، فالرسل من جنس البشر ، لهم أزواج من النساء، ولهم ذرية توالدوا منهم ومن أزواجهم ، فليس محمد ﷺ بدعا من الرسل في ذلك ، فما بالهم ينكرون عليه ما كانت عليه الأنبياء قبله ؟ وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال في حديث الرهط الذين سألوا عن عبادته ﷺ : «أما انا فأصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني» .﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ منهم، أي: ما صح له و لا استقام ﴿أَن يَأۡتِيَ بَِٔايَةٍ﴾ من الآيات أو المعجزات،ومن جملتها ما اقترح عليه الكفار ، ﴿إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ له فيه ، فليس ذلك إلى الرسول ، بل إلى الله عز وجل ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . ﴿لِكُلِّ أَجَلٖ﴾ أي: لكل مدة مضروبة و وقت معلوم ﴿كِتَابٞ﴾ مكتوب فيه موعده وتحديده، فكل شيء عنده بمقدار ، لا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه ، فليس استعجالهم بالآيات أو بالعذاب ، موجبا لأن يقدِّم الله ما كتب أنه يؤخر ، مع أنه تعالى فعّال لما يريد . أو : لكل وقت حكم معين بالحكمة.أو : أمر مقدر يناسب أحوال الناس و زمانهم .والأجل : مدة الشيء ، والمراد به: أزمنة الموجودات، فلكل موجود زمان يوجد فيه، محدود ، لا يزاد عليه ولا ينقص منه ، لا فرق في ذلك بين الأرزاق والآجال، والأحكام والشرائع ، وإتيان المعجزات، ونزول القرآن وغيره . والكتاب: ما تكتب فيه أزمنة المقدرات ، وهو: صحف الملائكة، أو : اللوح المحفوظ . وقيل : هو الحكم المعين الذي يكتب على العباد على حسب ما تقتضيه الحكمة الإلهية.فتأخر نزول العذاب بهم ، مثلا ، إنما هو لعدم حلول وقته المقدر له . قال تعالى (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم)الحجر(٤). وقيل: لكل أمر قدره الله وقضاه، كتاب عنده و أجل معين و وقت معلوم، فلا تكون الأحداث قبل أوانها .
13:39Page 254
يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩
Allāh eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.1
٣٩ – ﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ﴾ من الكتاب المذكور ﴿مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ﴾ فيه ما يشاء [وفي قراءة:بالتشديد (ويُثَبِّت)] ﴿وَعِندَهُۥٓ﴾ تعالى ﴿أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي : أصله ، الذي لا يتغير منه شيء ، ولا يتبدل وهو ما سبق في علم الله تعالى، وكتبه في الأزل . والمحو : إذهاب أثر الكتابة . والإثبات : التدوين في الكتاب .وأم كل شيء : أصله ، وهو الذي لا يتغير ولا يتبدل ، ولا يقع فيه محو ولا إثبات ، و اختلف في المراد به على قولين: اللوح المحفوظ الذي أثبت الله فيه جميع أحوال الخلق إلى يوم القيامة، وأما الكتاب الذي يقع فيه المحو والإثبات، فهو صحف الملائكة .أن المراد ب «أم الكتاب» : العلم الإلهي الأزلي ، الذي لا يكون شيء إلا على وفق ما فيه ، ومحال عليه التغيير والتبديل، والكتاب الذي يقع فيه المحو والإثبات : هو اللوح المحفوظ .فائدةو على هذا فالمحو والإثبات واقعان على قولين: إما في صحف الملائكة ، إذ هي القابلة للمحو والإثبات . أو : في اللوح المحفوظ . والأول أظهر ، إذ اللوح المحفوظ ليس فيه محو ولا تبديل ، بل فيه الناسخ والمنسوخ ، وما يبدل و ما يثبت . وأما كوْنُ حصول المحو والإثبات ، فعلى قولين أيضا:أن المحو والإثبات حاصلان في الأحكام فقط، وذلك حسبما تقتضيه المشيئة والحكمة الإلهية ، فينسخ الله ما يشاء نسخه من الأحكام، لاقتضاء الحكمة و المصلحة ذلك، ويُثبت أو يُبقي ما يشاء منها غير منسوخ ، أو: يثبت منها ما يشاء بتبديل المنسوخ بغيره، أو : ببقاء الحكم غير منسوخ، أو : بإنشاء حكم ابتداء . وقيل : يمحو ما يشاء من الأحكام الثابتة في الشرائع السابقة فينسخه، ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه بمقتضى الحكمة و المصلحة وملائمات الزمان .أن المحو والإثبات حاصلان في الأقدار ، فينسخ الله منها ما يشاء، ويثبت ما يشاء ، وقد يُستأنس لهذا القول : بما رواه أحمد في «مسنده» والنسائي وابن ماجه ، من حديث ثوبان قال : قال رسول الله ﷺ : «إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه، ولا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر». و في الصحيح:«من سره أن يُبسط له في رزقه و يُنسأ له في أثره، فليصل رحمه». و في الحديث أيضا: «إن الدعاء والقضاء ليعتلجان ما بين السماء والأرض» .فالتغيير والتبديل يقع في فروع الأشياء – لا في أصولها – كأعمال اليوم والليلة ، التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أو لمحوها أسبابا ، ولا تتعدى تلك الأسباب ما كتبه الله في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق ، وكما جعل المعاصي سببا لمحق بركة الرزق والعمر ، فالله يدبر الأمور بحسب مشيئته وإرادته وقدرته ، وما يدبره منها ، لا يخالف ما قد علمه وكتبه أزلا في اللوح المحفوظ ، والله تعالى أعلم وأحكم .
13:40Page 254
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ ٤٠
And whether We show you part of what We promise them or take you in death, upon you is only the [duty of] notification, and upon Us is the account.
٤٠ – ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمد ﴿بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ﴾ به من العذاب والنكال في حياتك ، وجواب الشرط محذوف تقديره : فذاك ، ﴿أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل ذلك ، أي : قبل تعذيبهم والتنكيل بهم. ﴿فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ﴾ أي : فليس عليك إلا تبليغ رسالة الله وأحكامه ، ﴿وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ﴾ إذا صاروا إلينا، فنحاسبهم بأعمالهم و نجازيهم عليها، كقوله: (إن إلينا إيابهم ٢٥ ثم إن علينا حسابهم ٢٦)الغاشية(٢٥-٢٦) .
13:41Page 254
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٤١
Have they not seen that We set upon the land, reducing it from its borders?1 And Allāh decides; there is no adjuster of His decision. And He is swift in account.
٤١- ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ﴾ أي : أهل مكة وغيرهم ﴿أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ﴾ أي: نقصد أرضهم ﴿نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ ﴾ أي : من جوانبها بالفتح على رسول الله ﷺ وعلى المسلمين، أرضا بعد أرض ، حتى يتم الأمر بفتح مكة نفسها ، وظهور الإسلام على الشرك ، و ذلك بزيادة أرض المسلمين و نقصان أرض أعدائهم. والمعنى : ءأنكروا نزول ما وعدناهم، أو : شكوا ولم يروا أننا نفتح أرضهم من جوانبها ، ونلحقها بدار الإسلام. أو : أولم يروا هلاك من قبلهم وخراب ديارهم ، كقوم عاد وثمود، فكيف يأمنون حلول ذلك بهم ؟ كقوله : (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى)الأحقاف(٢٧) . ﴿وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ﴾ ما يشاء في خلقه، وقد حكم بعزة الإسلام وعلوِّه على الدين كله ﴿لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ﴾ أي : لا راد لحكمه ولا مبطل لقضائه فلا يتعقب أحد حكم الله بنقض أو تغيير أو تبديل. ويدخل في هذا حكمه الشرعي والقدري والجزائي. والمعقِّب : الذي يكر على الشيء ويتعقبه فيبطله بالنقد والتجريح.﴿وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ فلا تشغله محاسبه أحد من عباده عن محاسبة غيره ، بل يحاسبهم جميعا في وقت واحد . وفي الحديث عند ابن حبان في «صحيحه» : «أنه تعالى يحاسب الخلق في قدر نصف نهار مقداره خمسون ألف سنة» .
13:42Page 254
وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ ٤٢
And those before them had plotted, but to Allāh belongs the plan entirely. He knows what every soul earns, and the disbelievers will know for whom is the final home.
٤٢ – ﴿وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ﴾ أي : من قبل أهل مكة من الأمم برسلهم وبالحق الذي جاؤوهم به، كما مكر هؤلاء بك وبدينك فهمّوا بقتلك وإخراجك، كقوله : (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك)الأنفال(٣٠). ﴿فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ﴾ أي : فلا اعتداد بمكر غيره ، لأنه لا قيمة له ولا تأثير له في مواجهة مكر الله بالماكرين ، كقوله سبحانه: (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون)النمل(٥٠).فبِيَد الله عز وجل أسباب المكر كلها، فلا يضر مكر من مكر منهم أحدا ، إلا من أراد الله ضره به .ومكر الله بهم : تدبيره رد مكرهم، وإحباط كيدهم و حفظ رسله ودعوته منهم ، أو : مجازاتهم على مكرهم. و هو صفة كمال مطلق ثابتة لله عز وجل على الوجه اللائق بجلاله وكماله . ﴿يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ﴾ من خير أو شر ، فيُعدُّ لها جزاءها، ومن كان كذلك ، كان المكر و التدبير كله له ، لأنه يأتيهم به من حيث لا يشعرون ، ويستدرجهم ويملي لهم، من حيث لا يعلمون .﴿وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ﴾ أي: العاقبة المحمودة في الدار الآخرة ، ألهم أم للنبي ﷺ وأصحابه ؟ فهي للرسل وأتباعهم في الدنيا والآخرة .[وفي قراءة : بالإفراد (وسيعلم الكافر) أي : جنسه] .
13:43Page 255
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسۡتَ مُرۡسَلٗاۚ قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَمَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ ٤٣
And those who have disbelieved say, "You are not a messenger." Say, [O Muḥammad], "Sufficient is Allāh as Witness between me and you, and [the witness of] whoever has knowledge of the Scripture."1
٤٣ – ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسۡـتَ﴾ يــا محمــد ﴿مُرۡسَلٗاۚ﴾ من الله إلى الناس.﴿قُلۡ﴾ لهم – إن طلبوا على ذلك شهيدا:﴿كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا﴾ أي: حسيبا ﴿بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ﴾ على صحة رسالتي،وصدْق دعوتي، أي : حسبي الله شهيدا ، هو شاهد عليَّ فيما بلغت عنه من الرسالة، وشاهد عليكم فيما تفترونه علي من الكذب والبهتان .وشهادته تعالى بصدق دعوة محمد ﷺ كانت :بالقول : فيما أوحاه الله إليه من القرآن الذي يثبت به رسالته.وبالفعل : في تأييد رسوله ونصره على أعدائه نصرا خارجا عن قدرته وقدرة أصحابه وأتباعه.وبالإقرار : فيما بلّغ عن ربه، من أنه رسوله ، وأنه أمر الناس باتباعه ، فمن اتبعه فله الجنة ، ومن خالفه وعصاه ، فله النار، والله أقرَّه على ذلك، لقوله : (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل ٤٤ لأخذنا منه باليمين ٤٥)الحاقة(٤٤-٤٥) .﴿وَ﴾ يشهد على رسالتي أيضا ﴿مَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ وهذا شامل لعلماء أهل الكتابيْن الذين يجدون صفة محمد ﷺ ونعته في كتبهم المتقدمه من بشارات الأنبياء به كقوله : (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)الصف(٩) . وقوله: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل)الأعراف(١٥٧) . وقوله: (أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل)الشعراء(١٩٧) .فمن آمن وأسلم من علماء أهل الكتاب واتبع الحق، فقد صرح بتلك الشهادة على صدق دعوته ﷺ، كعبد الله بن سلام ، ومن كتم ذلك منهم، فإخبار الله عنه ، أن عنده شهادة ، أبلغ من خبره هو عن نفسه ، ولو لم يكن عنده شهادة، لأنها شهادة مكتومة ، فقد كانوا يقرأون نعته في كتبهم ، ويعلمون أنه رسول الله حقا وصدقا ، ولكنهم يكتمون ذلك عن الناس، لئلا يؤمنوا به ، كقوله تعالى: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون)البقرة(١٤٦). وإنما أمر الله باستشهاد علماء أهل الكتاب ، لأنهم أهلٌ في هذا الشأن، وإنما يستشهد في كل أمر أهله ، ومن هم أعلم به من غيرهم ، بخلاف من لا علم لهم به ، كالأميين من مشركي العرب وغيرهم ، فإنه لا فائدة في استشهادهم ، لعدم علمهم ومعرفتهم .انتهى تفسير سورة الرعد
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences