Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:23–48
14:23Page 258
وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ٢٣
And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"
٢٣ – ﴿وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ وهـم الذيـن قاموا بالديـن قـولا وعملا واعتقـادا ﴿جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارها ومساكنها ﴿ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ﴿خَٰلِدِينَ﴾ أي: ماكثين ﴿فِيهَا﴾ لا يحولون ولا يزولون عنها، ﴿بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ﴾ أي : بأمره ومشيئته، وحوله وقوته . ﴿تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا﴾ أي :تحية الله والملائكة لهم في الجنة، وتحيتهم فيما بينهم ﴿سَلَٰمٌ﴾ كقوله : (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم)الزمر(٧٣). وقوله : (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ٢٣ سلام عليكم بما صبرتم ٢٤)الرعد(٢٣-٢٤). وقوله جل في علاه: (ويلقون فيها تحية وسلاما)الفرقان(٧٥). وقوله سبحانه: (دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين)يونس(١٠).
14:24Page 258
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٢٤
Have you not considered how Allāh presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?
٢٤ – ﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي: ألم تنظر أو تعلم أيها المخاطب ﴿كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا﴾ أي: صفة لكلمتي الإيمان والكفر. أو لمعرفة الله تعالى ومحبته وطاعته، وضد ذلك . ويبدل منه: ﴿كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ﴾ هي كلمة التوحيد والإسلام: لا إله إلا الله، أو : كل كلمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ﴿كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ﴾ هي: النخلة، فشبّه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة. ﴿أَصۡلُهَا ثَابِتٞ﴾ أي: راسخ ضارب بعروقه في الأرض. ﴿وَفَرۡعُهَا﴾ أي: أعلاها ﴿فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ لطول جذعها.
14:25Page 259
تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٥
It produces its fruit all the time, by permission of its Lord. And Allāh presents examples for the people that perhaps they will be reminded.
٢٥ – ﴿تُؤۡتِيٓ﴾ أي : تُعطي ﴿أُكُلَهَا﴾ أي: ثمـرها الذي يؤكل ﴿كُلَّ حِينِۭ﴾ أي: كل وقت كاملا حسنا كثيرا طيبا مباركا ﴿بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ﴾ وأمره و إرادته ومشيئته. فكذلك كلمة التوحيد والإيمان ، ثابتة في قلب المؤمن تثمر الخير ، وعملُه الصالح يصعد إلى السماء، وينال بركته وثوابه، كل وقت وحين فينفع نفسه و غيره.﴿وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ﴾ أي: يبيّنها لهم ﴿لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أي: يتعظون ، فيؤمنون . وفي الصحيحين عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم – وفي رواية : كالرجل المسلم-لا يتحات ورقها صيفا ولا شتاء ، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها» . قال ابن عمر: فوقع في نفس أنها النخلة ، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان ، فكرهت أن أتكلم ، فقال رسول الله ﷺ: «هي النخلة» .
14:26Page 259
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ ٢٦
And the example of a bad word is like a bad tree, uprooted from the surface of the earth, not having any stability.
٢٦ – ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ﴾ هي كلمة الكفر والضلال ، أو : كل كلمة تأمر بالمنكر و تنهى عن المعروف. ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي : شجرة الحنظل، خبيثة المأكل والمطعم . وفي الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري : أن النبي ﷺ ضرب بهذه الشجرة مثلا للمنافق الذي لا يقرأ القرآن ، فقال : «ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ، ليس لها ريح – أي: طيب – وطعمها مر» . وقد جاء تفسير هذه الشجرة الخبيثة «بالحنظلة» في روايات عن أنس بن مالك ، بعضها مرفوع ، كما في روايات ابن أبي حاتم وابن جرير و أبي يعلى ، ورواية عند الترمذي من حديث حماد بن سلمة، لكن قال الترمذي: والأصح عن العلماء أنها موقوفة .﴿ٱجۡتُثَّتۡ﴾ أي: استؤصلت، واقتلعت جثتها، أي: شخصها وذاتها ، وأصلها لانعدام الخير فيها، ﴿مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ﴾ لقرب عروقها من سطح الأرض . يقال : اجتثثت الشيء اجتثاثا : إذا اقتلعته واستأصلته، وهو افتعال من لفظ الجثة ، وهي شخص الشيء . ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٖ﴾ أي: مستقر وثبات، فكذلك كلمة الكفر والضلال ، ليس لها ثبوت نافع في القلب ، إذ لا أصل لها ولا ثبات ، ولا فرع ولا بركة ، فلا تثمر إلا الشر ، وكل قول وعمل خبيث ، يؤذي صاحبه ، ولا يصعد إلى الله منه عمل صالح ، فلا ينفع نفسه ، ولا ينتفع به غيره .
14:27Page 259
يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧
Allāh keeps firm those who believe, with the firm word,1 in worldly life and in the Hereafter.2 And Allāh sends astray the wrongdoers. And Allāh does what He wills.
٢٧ – ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ قولا وعملا واعتقادا ﴿بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ﴾ الحق وهي :كلمة التوحيد ولوازمها من الخير والعمل الصالح ﴿فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي : في مدتها وذلك عند ورود الشبهات ، بالهداية إلى اليقين ، وعند عروض الشهوات ، بتقديم مرضاة الله على هوى النفس ومرادها ، وكذلك عند الموت ، بالثبات على الإسلام، والخاتمة الحسنة . ﴿وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ ﴾ أي: ويثبتهم بالقول الثابت في القبر عند السؤال، أو في يوم القيامة. والمراد بالثبات في القبر : أي: عند سؤال الملكين لهم: من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في الرجل الذي بعث فيكم ؟ كما في حديث البراء بن عازب عند أحمد. فأما المؤمن فيقول بتوفيق الله : الله ربي، والإسلام ديني ، ومحمد رسول الله ﷺ نبي . ﴿وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ﴾ أي: الكافرين والمنافقين عن حجتهم، فلا يهتدون إلى الصواب ، في القبر ولا عند الحساب، بل يقولون في جواب الملكيْن : لا ندري ، كنا نقول كما يقول الناس . ﴿وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ من التثبيت و الإضلال حسبما تقتضيه حكمته البالغة، لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه .فائدةوفي الآية دلالة على فتنة القبر وعذابه ونعيمه ، كما تواترت بذلك النصوص عن النبي ﷺ .فقد روى الجماعة عن البراء ابن عازب أن رسول الله ﷺ قال : «المسلم إذا سئل في القبر، شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فذلك قوله : (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة)»إبراهيم(٢٧). وفي الصحيحين – واللفظ للبخاري – عن أنس قال : قال رسول الله ﷺ : «إن العبد إذا وضع في قبره ، وتولى وذهب أصحابه، حتى إنه ليسمع قرع نعالهم ، أتاه ملكان فأقعداه ، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد ﷺ؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعدا من الجنة، قال النبي ﷺ: فيراهما جميعا، وأما المنافق، فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس، فيقال: لا دريت ولا تليت ، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين – أي : الإنس والجن–» واسم الملكين: منكر ونكير ، كما في حديث حسّنه الترمذي . فسؤال الملكين في القبر ، حق . وفي رواية عند أحمد من حديث البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال في حديث القبر : «فيأتيه ملكان، فيجلسانه ، فيقولان له : من ربك؟ فيقول : ربي الله ، فيقولان له : ما دينك ؟ فيقول: ديني الإسلام ، فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله. وأما الكافر فيقول هاه ، هاه ، هاه ، لا أدري» .وأما عذاب القبر فحق أيضا، لما رواه البخاري عن ابن عباس ، أن رسول الله ﷺ مرّ بقبرين فقال : «إنهما يعذبان ، وما يعذبان في كبير، بلى إنه كبير ، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله» . وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يستعيذ بالله تعالى من عذاب القبر، ففي حديث أحمد عن البراء ابن عازب أن رسول الله ﷺ قال : «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثا . وعند أبي داود في «سننه» ، من حديث عثمان قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الرجل، وقف عليه وقال : «استغفروا لأخيكم ، واسألوا له التثبيت ، فإنه الآن يسأل» .وكلٌّ من العذاب والنعيم يصل إلى روح الميت وجسده بطريقة لا يعلمها إلا الله ، لقوله ﷺ في حديث أحمد عن البراء بن عازب : «فتُعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه». وقوله : «ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه» .
14:28Page 259
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ ٢٨
Have you not considered those who exchanged the favor of Allāh for disbelief1 and settled their people [in] the home of ruin?
٢٨ – ﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي : ألم تنظر، أو : ألم تعلم أيها المخاطب ﴿إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ﴾ وهي : الإيمان وإرسال محمد ﷺ برسالة الإسلام ، فبدلوا شكرها ﴿كُفۡرٗا﴾ بها وصدا عنها . أو صيّروا نعمة الله عليهم بإرسال محمد ﷺ كفرا . وهم : كفار قريش.والآية تعجيب من حالهم ، حيث بدلوا شكر نعمة الله عليهم بإرسال محمد ﷺ إليهم، كفرا بها ، بتكذيبهم محمدا ﷺ، وصدهم أنفسهم والناس عن دعوته. و يحتمل أن يكون المعنى: جميع الكفار ، فإن الله تعالى بعث محمدا ﷺ نعمة للناس ، ورحمة للعالمين، فمن قبلها وقام بشكرها ، دخل الجنة و من ردها و كفر بها، دخل النار. ﴿وَأَحَلُّواْ﴾ أي : وأنزلوا ﴿قَوۡمَهُمۡ﴾ الذين شايعوهم واتبعوهم بإضلالهم إياهم وصدهم عن سبيل الله ﴿دَارَ ٱلۡبَوَارِ﴾ أي: دار الهلاك ، وهي جهنم. والبوار : الهلاك ، يقال بار يبور بوْرا: إذا هلك وبطل. ومنه قوله تعالى : (قوما بورا) أي: هالكين. ويطلق البوار أيضا على الكساد ، يُقال : بار المتاع بوارا : إذا كسد ، والكاسد في حكم الهالك .
14:29Page 259
جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ ٢٩
[It is] Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the settlement.
٢٩ – ﴿جَهَنَّمَ﴾ عطف بيان على قوله : «دار البوار» ﴿يَصۡلَوۡنَهَاۖ﴾ أي: يدخلونهـا ، أو : يقاسـون حرهـا ﴿وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ﴾ أي : المقر والمستقر هي .
14:30Page 259
وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ ٣٠
And they have attributed to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy yourselves, for indeed, your destination is the Fire."
٣٠ – ﴿وَجَعَلُواْ﴾ أي: كفار قريش ﴿لِلَّهِ أَندَادٗا﴾ أي: أمثالا في التسمية أو في العبادة ، أو : نظراء وشركاء عبدوهم مع الله ، وهي : الأصنام والأوثان. جمع ند : وهو النظير والمثيل.﴿لِّيُضِلُّواْ﴾ أي : العباد [وفي قراءة: بفتح الياء: (ليَضِلوا) هم] ﴿عَن سَبِيلِهِۦۗ﴾ أي : عن سبيل الله ودينه ، وهو : الإسلام .والمعنى : أنهم اتخذوا لله أندادا ليوقعوا أنفسهم وقومهم بدعوتهم إلى عبادتها في الضلال عن سبيل الله ﴿قُلۡ﴾ لهم متوعدا ومهددا : ﴿تَمَتَّعُواْ﴾ بكفركم وضلالكم في دنياكم قليلا ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ﴾ أي : مرجعكم ومآلكم ﴿إِلَى ٱلنَّارِ﴾ وبئس المرجع والمآل هي ، كقوله: (نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ)لقمان(٢٤) . وقوله : (متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون)يونس(٧٠) .
14:31Page 259
قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ ٣١
[O Muḥammad], tell My servants who have believed to establish prayer and spend from what We have provided them, secretly and publicly, before a Day comes in which there will be no exchange [i.e., ransom], nor any friendships.
٣١- ﴿قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ قولا وعملا واعتقادا ﴿يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ ظاهرا وباطنا ، بالمحافظة على أدائها في أوقاتها ، بواجباتها ومستحباتها، وأركانها وحدودها. ﴿وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ﴾ بأداء الزكوات الواجبة، والنفقات المستحبة على القرابات وغيرهـم ﴿سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ﴾ أي: مـسريـن بها ومعـلنين ، في الخفية والجهر. وقيل سرا : صدقة التطوع ، كالنفقات المستحبة، وعلانية : صدقة الفرض، كالزكاة .﴿مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ﴾ هو : يوم القيامة ، ﴿لَّا بَيۡعٞ فِيهِ﴾ أي: لا فداء فيه ، فلا يقبل من أحد فدية ، بدفع عوض عن تقصيره في جنب الله، كقوله : (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا)الحديد(١٥) . ﴿وَلَا خِلَٰلٌ﴾ أي : ولا مخالة ، فلا صداقة ولا موادة في يوم القيامة تنفع في تدارك ما فات ، بل العدل والقسط . مصدر خاللت فلانا ، أو جمع خليل أو خلة، بمعنى : الصداقة ، كقُلّة وقلال . [وفي قراءة : بالنصب فيهما: (لا بيعَ فيه ولا خلالَ)]. ونظير هذه الآية قوله : (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون)البقرة(٢٥٤) .
14:32Page 259
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ ٣٢
It is Allāh who created the heavens and the earth and sent down rain from the sky and produced thereby some fruits as provision for you and subjected for you1 the ships to sail through the sea by His command and subjected for you the rivers.
٣٢ – ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ﴾ على اتساعهما وعظمهما، وما فيهما من الآيات الكونية الدالة على كمال قدرته وعظيم حكمته وسلطانه ، ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ﴾ هو : ماء المطر الذي ينزله الله بقدرته من السحاب ﴿فَأَخۡرَجَ بِهِۦ﴾ أي: بذلك الماء النازل من السماء ﴿مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ والزروع والغلال ، على اختلاف أشكالها وألوانها وأنواعها و مطاعمها ومنافعها.﴿رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ ﴾ ولأنعامكم، تعيشون به وتنتفعون منه ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ﴾ أي: السفن ﴿لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ﴾ بركوبكم وحمل أمتعتكم وتجارتكم، وتيسير مصالحكم ﴿بِأَمۡرِهِۦۖ﴾ أي: بإذنه وإرادته وقدرته ومشيئته . فهو الذي يسر لكم صناعتها ، وأقدركم عليها وجعلها مسخرة مذللة لكم . ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ﴾ أي : ذللها لكم، بالركوب عليها واستعمالها في الشرب وسقي الحرث والزرع ، وغير ذلك من المنافع والمصالح .
14:33Page 259
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣
And He subjected for you the sun and the moon, continuous [in orbit], and subjected for you the night and the day.
٣٣ – ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ﴾ لتنتفعوا بهما وتستضيئوا بضوئهما ﴿دَآئِبَيۡنِۖ﴾ أي : دائمين في إصلاح ما يصلحانه من الأبدان والنبات وغيرهما ، ومعرفة عدد السنين وحساب الأزمنة والشهور ، أو: دائمين جاريين – بأمر الله – في السير في مدارهما بغير اختلال ، لا يفتران عن ذلك ما دامت الدنيا. من الدأب – بسكون الهمزة وفتحها – وهو العادة المستمرة على حالة واحدة مطردة. و منه قوله تعالى:(كدأب آل فرعون والذين من قبلهم)آل عمران(١١). ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ﴾ لتسكنوا فيه ﴿وَٱلنَّهَارَ﴾ لتبتغوا من فضله ، سعيا في أمور معاشكم وكسبكم .
14:34Page 260
وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤
And He gave you from all you asked of Him.1 And if you should count the favor [i.e., blessings] of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.2
٣٤ – ﴿وَءَاتَىٰكُم﴾ أي: وأعطاكم ﴿ِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ﴾ أي : طلبتموه بلسان الحال ، أو بلسان المقال على حسب مصالحكم مما تعلقت به أمانيكم وحاجاتكم ، في معاشكم وأحوالكم. وقيل : آتاكم من كل ما سألتموه ، وما لم تسألوه .أو على معنى التكثير. ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ﴾ أي: إنعامه عليكم وإحسانه لكم ﴿لَا تُحۡصُوهَآۗ﴾ أي: لا تطيقوا عدها وإحصاءها فضلا عن القيام بشكرها لكثرتها ولعدم تناهيها . وفي «صحيح البخاري» ، أن رسول الله ﷺ كان يقول : «اللهم لك الحمد، غير مكفي ولا مودّع ولا مستغنىً عنه ربنا» .﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ﴾ أي : كثير الظلم لنفسه بالمعاصي، والتقصير في حقوق الله و حقوق عباده ﴿كَفَّارٞ﴾ أي : شديد كفران نعم الله عليه ، جاحد لها ، لا يشكرها ولا يعترف بها .والمراد : أن الإنسان بطبيعته ظلوم كفار ، إلا من هداه الله للإيمان والعمل الصالح، فهو شاكر لأنعم الله، عارف حقوق الله، وحقوق عباده ، قائم بها. و نظير هذه الآية قوله:(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم)النحل(١٨). والآيات (٣٢)،(٣٣)،(٣٤) تشتمل على عشرة أدلة على وحدانية الله تعالى وعلمه وكمال قدرته وحكمته.
14:35Page 260
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥
And [mention, O Muḥammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [i.e., Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.
٣٥ - ﴿وَ﴾ اذكر ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ﴾ أي : مكة المكرمة ﴿ءَامِنٗا﴾ أي : ذا أمن من كل أذىً وسوء . وقد أجاب الله دعاءه شرعا وقدرا، فجعله حرما آمنا لا يسفك فيه دم ، ولا يظلم فيه أحدٌ، و لا يقطع فيه شجر و لا يصاد فيه صيد، ولم يرده أحد بسوء إلا قصمه الله ، كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم، كقوله سبحانه : (أولم نمكن لهم حرما آمنا)القصص(٥٧). وفي الصحيحين من حديث ابن عباس وأبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال لما فتح مكة : «إن هذا البلد حرام، لا يُعضد شوكه – أي : لا يقطع – ولا يختلي خلاه – أي: لا يقطع حشيشه النابت بنفسه – ولا يُنفّر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرّف – أي : يُعرّف بها» .وقد تقدم في سورة البقرة قوله : (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا)البقرة(١٢٦) . فلم يُعرِّف البلد، و عرَّفه ههنا ، لأنه دعا به بعد بناء مكة ، و يُرشد له قوله : (الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق)إبراهيم(٣٩). و معلوم أن إسماعيل أكبر من إسحق بثلاث عشرة سنة .﴿وَٱجۡنُبۡنِي﴾ أي: أبعدني ونحِّني ﴿وَبَنِيَّ﴾ قيل : أراد بنيه من صلبه، وقيل : أراد جميع ذريته ما تناسلوا عن ﴿أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ . والصنم: هو التمثال الذي كانت تصنعه أهل الجاهلية من الأحجار ونحوها ، فيعبدونه من دون الله . وإذا كان إبراهيم عليه السلام قد دعا ربه أن يجنبه عبادة الأصنام ، فغيره أولى بالخوف من ذلك ، فإن لكل عصر أصنامه التي تعبد من دون الله .و (اجنبني): من جنبته عن كذا : إذا أبعدته عنه ، وجنّبتُه –بالتشديد- أجنِّبه مبالغة في الإبعاد، أي: بعَّدته.
14:36Page 260
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦
My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me;1 and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.
٣٦ – ثم ذكر السبب في سؤال الله تجنيبه وذريته عبادتها، فقال: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ﴾ أي : الأصنام ﴿أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ ﴾ بعبادتهم لها ، فهي مع كونها جمادات لا تعقل ، إلا أنها كانت سببا لضلال الناس ، فكأنها أضلتهم . ﴿فَمَن تَبِعَنِي﴾ على التوحيد والإخلاص لله والإسلام له . ﴿فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ ﴾ أي: من أهل ديني، حنيفا مسلما ﴿وَمَنۡ عَصَانِي﴾ فخالفني، ولم يتابعني على ديني ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ تغفر الذنوب جميعا ، وترحم عبادك رحمة وسعت كل شيء. والمراد بالعصيان هنا : فيما دون الشرك ، لقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)النساء(٤٨) .وهذا القول من إبراهيم عليه السلام في رد أمرهم إلى الله : إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم ، كقول عيسى عليه السلام : (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)المائدة(١١٨) .
14:37Page 260
رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧
Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.
٣٧ – ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أي: مـن بعضهم، وهو: ابنه إسماعيل عليه السلام وذريته . وكان قد رُزق به من السيدة هاجر، و أوحي إليه أن ينقلهما من الشام إلى مكة ، عند المكان الذي سيبني فيه البيت المحرم، ولذا قال : ﴿بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ﴾ وهو وادي مكة ، وكان إذ ذاك لا ماء فيه ولا زرع . ﴿عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ﴾ الذي كان قبل الطوفان ، قيل: إنه محرم على الجبابرة، أو: محرم من أن تنتهك حرمته أو يستخف به.﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أي: أسكنتهم عند البيت وجعلته محرما ، ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده. وذكر إقامة الصلاة لأنها أخص العبادات الدينية وأفضلها ، فمن أقامها، كان مقيما لدينه .﴿فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: قلوب بعض الناس ﴿تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ﴾ أي: تسرع إليهم، وتميل ، وتحن ، شوقا و ودادا .يقال : هوى يهوي هُويا : إذا أسرع في السير. أو : تريدهم ، كما تقول: رأيت فلانا يهوي نحوك ، أي : يريدك . ﴿وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ التي تنبت فيه ، أو تجلب إليه وتجبى ، ليكون ذلك عونا لهم على طاعتك . ﴿لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ﴾ نعمك التي أنعمت بها عليهم ، وأجلها توحيد الله وعبادته وحده . وقد استجاب الله له ذلك، كما قال: (أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا)القصص(٥٧). فمع أنه ليس في مكة شجرة مثمرة ، فإن الثمرات تجبى إليها من كل مكان ، استجابة لدعاء الخليل عليه السلام ، كما وافترض الله حج هذا البيت ، وجعله محجا للناس في حجهم وعمرتهم ، فلا يقضون منه وطرا ، بل يزدادون إليه توقا وشوقا .
14:38Page 260
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨
Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allāh on the earth or in the heaven.
٣٨ – ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ﴾ أي : ما نسر وما نظهر ، من النوايا والأقوال والأفعال ، فأنت أعلم بنا منا .﴿وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ فإنك تعلم الأشياء كلها ، ظاهرها وباطنها، لا يخفى عليك منها شيء . ويحتمل أن يكون قوله سبحانه و تعالى : (وما يخفى على الله من شيء) من كلام الله أو : من كلام إبراهيم عليه السلام .
14:39Page 260
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩
Praise to Allāh, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.
٣٩ – ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي﴾ أي: أعطاني ﴿عَلَى ٱلۡكِبَرِ﴾ أي: على كبر سـني ، وسن امـرأتي ﴿إِسۡمَٰعِيلَ﴾ من السيدة هاجر ﴿وَإِسۡحَٰقَۚ﴾ من السيدة سارة ليقوما مقامي في الدعوة إلى الله. وإسماعيل أسنّ من أخيه إسحق بثلاث عشرة سنة،على ما قيل .﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ﴾ أي : لقريب الإجابة ممن دعاه ، وقد دعوته، فاستجاب لي فيما سألته من الولد كقوله: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان)البقرة(١٨٦) .
14:40Page 260
رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠
My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.
٤٠ – ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ﴾ أي: محافظا عليها، مقيما لحدودها تامة أركانها وشروطها ، مستمرا ثابتا على عبادتك ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ﴾ أي: واجعل منهم من يقيمها كذلك . وأتى ب «مِن» لإعلام الله تعالى له : أن منهم من لا يقيمها . ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ﴾ المذكور وعبادتي وتضرعي إليك ، فإنها خالصة لك [وفي قراءة بإثبات الياء : (وتقبل دعائي)].
14:41Page 260
رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١
Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."
٤١ – ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ﴾ وكان طلب المغفرة لوالديه ، قبل أن يتبين له أن والده عدو لله ، فلما تبين له ذلك تبرأ منه و نُهي عن الاستغفار له. ﴿وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ كلهم ممن تبعني على ديني ، فأطاعك في أمرك ونهيك. وخصهم من عباد الله بدعاء المغفرة ، لأنه لا يجوز الدعاء للكفار بها .﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ﴾ أي : يوم يثبت ويتحقق حساب المكلفين في المحشر بأعمالهم ، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، أو : يوم يقوم الناس للحساب.
14:42Page 260
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٤٢
And never think that Allāh is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them [i.e., their account] for a Day when eyes will stare [in horror].
٤٢ – ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ﴾ يا محمد ﴿ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ﴾ أي: لا يقع في ظنك إذ ترى الظالمين في صحة و أمن ونعمة ورغد من العيش، أن الله تعالى غفل عن استحقاقهم للعذاب ، فلا تحسبنه إذا أنظرهم وأجّلهم و أمهلهم و أدرّ عليهم الأرزاق، وتركهم يتقلبون في البلاد آمنين مطمئنين ، أنه غافل عنهم مهمل لهم ، لا يعاقبهم على كفرهم وظلمهم ، فليس في هذا ما يدل على حسن حالهم ، فإن الله يُحصي عليهم ذلك ، ويعده عدا ، وإن الله ليملي للظالم ويمهله، ليزداد إثما، حتى إذا أخذه لم يفلته . والظلم هنا: يشمل الظلم فيما بين العبد وربه، وظلمه لعباد الله.﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ﴾ بلا عذاب، أي: يمهلهم متمتعين بشهواتهم ويؤخر جزاءهم على ظلمهم ، فلا يؤاخذهم في الحال ﴿لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ أي: ترتفع فيه أبصار أهل الموقف ، فلا تطرف أجفانهم من هول ما يرونه في ذلك اليوم ، وهو : يوم القيامة . والخطاب في الآية لرسول الله ﷺ والمراد : أمته .يقال: شخص بصره يشخَص فهو شاخص : إذا فتح عينيه ، وجعل لا يطرف ، وشخص شخوصا : ارتفع.
14:43Page 261
مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ ٤٣
Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them,1 and their hearts are void.
٤٣ – ﴿مُهۡطِعِينَ﴾ أي: مسرعين إلى الداعي بذلة واستكانة ، كقوله: (مهطعين إلى الداع)القمر(٨).يقال: أهطع في عدْوه ، يُهطع إهطاعا: إذا أسرع كإسراع الأسير والخائف. ﴿مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ﴾ أي: رافعيها إلى السماء ، مديمي النظر بأبصارهم إلى ما بين أيديهم من غير التفات إلى شيء .يقال : أقنع رأسه : إذا نصبه ورفعه، أو : لم يلتفت يمينا وشمالا، بل جعل طرفه موازنا . ﴿لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ﴾ أي: لا ترجع إليهم أجفانهم، التي يكون فيها الطرف – أي : التحريك – فعيونهم مفتوحة من غير تحريك للأجفان ﴿وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ﴾ أي : وقلوبهم فارغة خالية عن العقل والفهم ، لا تعي شيئا ولا تعقل من شدة الخوف والدهشة والفزع والحيرة .والآية : بيان لكيفية قيامهم من قبورهم ، وعجلتهم إلى قيام المحشر، وإجابة الداعي الذي يدعوهم إلى الحضور بين يدي الله عز وجل للحساب والجزاء على الأعمال .
14:44Page 261
وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ ٤٤
And, [O Muḥammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?1
٤٤ – ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ﴾ يا محمد ﴿يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ﴾ يوم القيامة، أي: خوّفهم هذا اليوم وحذرهم منه و من الأعمال الموجبة للعذاب، ﴿فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بالكفر والتكذيب والمعاصي،سائلين الرجعة إلى الدنيا في غير وقتها : ﴿رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ﴾ أي : أمهلنا إلى أمد من الزمان معلوم غير بعيد بالرجعة إلى الدنيا ﴿نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ﴾ لعبادك على ألسنة أنبيائك بالتوحيد والإيمان، ﴿وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ﴾ فنعمل بما بلغوه إلينا من شرائعك وأحكامك وهذا كقوله : (حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون)المؤمنون(٩٩) وقوله: (وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل)فاطر(٣٧) .فيقال لهم توبيخا وتقريعا :﴿أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم﴾ أي: حلفتم ﴿مِّن قَبۡلُ﴾ أي: في الدنيا ﴿مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ﴾ عنها ، وانتقال إلى الآخرة؟ أي: أنكرتم البعث والمعاد والحساب والجزاء في الدنيا وهذا كقوله سبحانه: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت)النحل(٣٨) .
14:45Page 261
وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ ٤٥
And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."
٤٥ – ﴿وَسَكَنتُمۡ﴾ أي: واستقررتم في الدنيا ﴿فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾ بالكفر و المعاصي من الأمم السالفة كعاد وثمود وغيرهم.﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ﴾ بمشاهدة ديارهم وآثارهم ﴿كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ﴾ من العقوبة والعذاب ، بسبب كفرهم وتكذيبهم ، فلم تنزجروا ﴿وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ﴾ والآيات البينات في القرآن ، فلم تعتبروا . أو : (وضربنا لكم الأمثال) في كتب الله ، وعلى ألسنة رسله ، إيضاحا لكم وتقريرا، وإلزاما للحجة عليكم وتكميلا ، فلم تتعظوا بذلك كله ولم تعتبروا .
14:46Page 261
وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ٤٦
And they had planned their plan, but with Allāh is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.1
٤٦ – ﴿وَقَدۡ مَكَرُواْ﴾ أي: كفار مكة، وغيرهم من المكذبين لرسلهم ﴿مَكۡرَهُمۡ﴾ بأنبياء الله ورسله ، أي: دبروا تدبيرهم الخفي بهم حيث عملوا على رد الحق وإثبات الباطل، وحيث كادوا لرسلهم بالقتل والتقييد والإخراج ، واستفرغوا في ذلك وسعـهم وطاقتهـم ﴿وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ﴾ أي: وعند الله علم مكرهم أو: جزاؤه ، فهو محيط بهم وبمكرهم علما وقدرة. ﴿وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ﴾ في العظم والشدة ﴿لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ﴾ أي: بالغٌ في الكيد وحسن التدبير إلى إزالة الجبال الراسيات ، فإن الله ناصر دينه ورسله وأولياءه.[وفي قراءة :(لَتَزولُ) بفتح اللام ورفع الفعل] والمعنى: وإنه كان مكرهم ، على عظمه وشدته ، لتزول الجبال الراسيات بسببه ، عن أماكنها. فالمراد : تعظيم مكرهم، كقوله : (ومكروا مكرا كبارا)نوح(٢٢) . أي: لا يقدر قدره، ولكن الله أبطله وذهب به ، ورد كيدهم في نحورهم .وقيل : المعنى : وما كان مكرهم، وإن عظم ، لتزول منه الجبال ، لضعفه ووهنه ، والمراد : أنه لا يعبأ بمكرهم، ولا يضرون به إلا أنفسهم، فإن وبال مكرهم عائد عليهم . وهذا يشبه قوله سبحانه وتعالى : (ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا)الإسراء(٣٧).وقيل : إن المراد بالمكر : كفرهم وشركهم ، والمعنى: وإن كان كفرهم وشركهم لتزول منه الجبال، ويناسبه قوله: (تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا ٩٠ أن دعوا للرحمن ولدا ٩١)مريم(٩٠-٩١).
14:47Page 261
فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٖ ٤٧
So never think that Allāh will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.1
٤٧ – ﴿فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ﴾ بالنصر و التأييد والتمكين في الأرض ، وهو ما وعدهم به سبحانه في قوله :(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)غافر(٥١) ، وفي قوله : (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)المجادلة(٢١) .﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ﴾ غالب ، لا يغالبه أحد، ولا يعجزه شيء أراده ﴿ذُو ٱنتِقَامٖ﴾ ممن كفر به وعصاه وجحده .
14:48Page 261
يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ٤٨
[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and they [i.e., all creatures] will come out before Allāh, the One, the Prevailing,
٤٨ – اذكر يا محمد ﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ﴾. وقيل : إن جملة (يوم تبدل الأرض) ظرف للانتقام ، أي: فإذا أراد الله أن ينتقم من أحد ، فإنه لا يعجزه ولا يفوته ، وذلك حاصل (يوم تبدل الأرض). وقيل: إن وعده لرسله حاصل (يوم تبدل الأرض غير الأرض).﴿وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ﴾ أي: وتبدل السموات غير السموات، وهذا كائن يوم القيامة ، وتبديل الأرض والسموات في ذلك اليوم إنما هو تبديل صفات لا تبديل ذات، أي: تغيير صفاتهما وهيآتهما عما كانتا عليه في الدنيا.يقال : بدلت الحلقة خاتما : إذا غيرت شكلها . وفي الصحيحين عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ : «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء ، كقرصة النقي، ليس فيها معلم لأحد» .وروى أحمد ومسلم والترمذي – وقال : حسن صحيح – وابن ماجه: عن عائشة أنها قالت : «سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: (يوم تبدل الأرض غير الأرض) قلت: أين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ قال: على الصراط» . وروى مسلم في «صحيحه» من حديث ثوبان أن حبرا من أحبار يهود جاء يسأل رسول الله ﷺ فقال: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات ؟ فقال : «هم في الظلمة دون الجسر» الحديث .﴿وَبَرَزُواْ﴾ أي: الخلائق جميعا ، خرجوا من قبورهم وأجداثهم سراعا ﴿لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ المتفرد بالوحدانية والعظمة ، الذي قهر كل شيء وغلبه ، وكل الخلائق تحت قهره وتدبيره . والمعنى : أنهم خرجوا من قبورهم ليستوفوا جزاءهم كاملا غير منقوص.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences