Al-Jami' al-WajizAn‑Nahl · 16:30–58

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:30–58

16:30Page 270

۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠

And it will be said to those who feared Allāh, "What did your Lord send down?" They will say, "[That which is] good." For those who do good in this world is good; and the home of the Hereafter is better. And how excellent is the home of the righteous -

٣٠ – ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ﴾ الله ، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، أو : اتقوا الشرك ﴿مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ﴾ على محمد ﷺ ﴿قَالُواْ خَيۡرٗاۗ﴾ أي : أنزل خيرا ، ورحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به . ثم أخبر عما وعد الله عباده فيما أنزله على رسله ، فقال : ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ﴾ أعمالهم بالإيمان والاتباع و العمل الصالح ﴿فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ﴾ أي: مثوبة حسنة من العز و النصر و الفتح و التمكين، جزاء إحسانهم ، كقوله : (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)النحل(٩٧) . ﴿وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ﴾ أي:الجنة والرضوان ﴿خَيۡرٞۚ﴾ من الدنيا وما فيها، كقوله: (والآخرة خير و أبقى)الأعلى(١٧) وقوله: (وللآخرة خير لك من الأولى)الضحى(٤)، وقوله: (وما عند الله خير للأبرار)آل عمران(١٩٨). ثم وصف الدار الآخرة فقال:﴿وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ هي، ويبدل منها:

16:31Page 270

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣١

Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allāh reward the righteous -

٣١ – ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ﴾ أي : إقامة دائمة ﴿يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا﴾ أي : من تحت أشجارها ومساكنها ﴿ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ﴾ أي : ما يتمنون ويشتهون، كقوله : (وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون)الزخرف(٧١). وفي الحديث :«إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليه».﴿كَذَٰلِكَ﴾ الجزاء، أي : مثل هذا الجزاء ﴿يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ الشرك، وما يوجب النار من المعاصي ممن آمن به واتقاه وأحسن عمله ، بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.

16:32Page 270

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٢

The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."

٣٢ – ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ﴾ [و في قراءة بالياء:(يتوفاهم)] ﴿ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ أي: طاهرين مطهرين من دنس الشرك والمعاصي ، أو : صالحين، أو : زاكية أقوالهم وأفعالهم ، أو: مخلَصين من كل نقص ودنس وسوء، أو : طيبين الأنفس ثقة بما يلقونه من ثواب الله.﴿يَقُولُونَ﴾ أي : الملائكة لهم عند الموت: ﴿سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ﴾ من كل آفة ومن كل ما تكرهون. أي : تسلم عليهم الملائكة تبشيرا لهم بالجنة، ويقال لهم في الآخرة : ﴿ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ أي : بسبب أعمالكم الصالحة ، على أن السبب الحقيقي في دخولهم الجنة: هو فضل الله ورحمته ، بقبول أعمالهم وجعلها سببا لدخول الجنة والنجاة من النار . وفي الحديث الصحيح : «سددوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله ؟ قال :ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته» .ونظير هذه الآية: قوله تعالى : (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون)الزخرف(٧٢) . فالعمل منهم عدل والرحمة منه تعالى فضل .

16:33Page 270

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٣٣

Do they [i.e., the disbelievers] await except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allāh wronged them not, but they had been wronging themselves.

٣٣ – ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ﴾ أي : هل ينتظر الكفار الذين جاءتهم الآيات ، فلم يؤمنـوا وذُكِّـروا فلـم يتذكـروا ﴿إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَـةُ﴾ لقبض أرواحـهـم أو: تأتيهم شاهدين لك بصدق نبوتك ؟ [وفي قراءة : بالياء : (إلا أن يأتيهم الملائكة)] ﴿أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ﴾ أي: القيامة التي فيها عذابهم ، أو العذاب المستأصل لهم في الدنيا؟ كقوله : (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملآئكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور)البقرة(٢١٠). وقوله : (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا)الأنعام(١٥٨).﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي : كما فعل هؤلاء من الشرك و الاستهزاء ﴿فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾أي : أسلافهم من الأمم، كذبوا رسلهم ، وأصروا على الكفر والتكذيب والاستهزاء، فأتاهم أمر الله ، فهلكوا. ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ﴾ بإهلاكهم بغير ذنب ، لأنه تعالى أعذر إليهم ، وأقام حججه عليهم ، بإرسال رسله، وإنزال كتبه ﴿وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ بالكفر وبمخالفة الرسل والتكذيب بما جاؤوا به من عند الله .

16:34Page 270

فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٤

So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.

٣٤ – ﴿فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ أي : جزاء سيئـات أعمـالهم ، أو: عقـوبات أعمـالهـم وآثارها ﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ أي : نزل أو : أحاط بهم من العذاب ﴿مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ أي: يسخرون من الرسل إذا توعدوهم بعقاب الله ، فحل بهم ذلك الأمر الذي سخروا منه ، وأنكروا وقوعه.

16:35Page 271

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٣٥

And those who associate others with Allāh say, "If Allāh had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?

٣٥ - ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ﴾ من أهل مكة وغيرهم استهزاء وتعنتا وإبطالا لبعثة النبي ﷺ والتكليف -محتجين بالقدر وبمشيئة الله على شركهم وتحريمهم ما لم يحرمه الله-: ﴿لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ﴾ أي : لو شاء الله عدم عبادتنا لشيء غيره ما عبدنا ذلك ﴿نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا﴾ الذين كانوا على ما نحن عليه من الشرك بالله . ﴿وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ ﴾ أي : ولو شاء عدم تحريمنا لشيء، ما حرَّمنا – ما لم يحرمه الله – من البحائر والسوائب والوصائل والحوام وغيرها، فإشراكنا وتحريمنا إنما هو كائن بمشيئة الله ، فهو راض به . قال تعالى رادا عليهم شبهتهم: ﴿كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ من طوائف الكفر، أي : كذبوا رسلهم فيما جاؤوا به و قالوا مثل قولهم و احتجوا بالقضاء والقدر على شركهم، حيث أشركوا بالله ، وحرموا ما لم يحرمه الله ، وجادلوا رسله بالباطل، واستهزؤوا بهم.و لكن الله كلفهم بالأمر و النهي ومكّنهم من القيام بهما بما جعل لهم من قوة و مشيئة تصدر عنها أفعالهم، فاحتجاجهم بالقضاء والقدر على شركهم من بعد إرسال الرسل إليهم-باطل محض.﴿فَهَلۡ﴾ استفهام بمعنى النفي، أي: فما ﴿عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ أي : الإبلاغ البيّن الظاهر الواضح وليس عليهم هداية ، إنما الهداية والحساب على الله تعالى .ونظير هذه الآية: قوله سبحانه و تعالى:(سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء)الأنعام(١٤٨) . ومرادهم بهذا القول : الطعن في رسالة محمد ﷺ، إذ لو كان ما قاله الرسول حقا من المنع من عبادة غير الله، والمنع من تحريم ما لم يحرمه الله، لم يقع منا ما يخالف ما أراده الله منا ، فإنه قد شاء ذلك ، وما شاءه كان، وما لم يشأه لم يكن، فلما وقعت منا العبادة لغيره ، وتحريم ما لم يحرمه، كان ذلك دليلا على أن ما وقع منا مطابق لمراده وموافق لمشيئته، فاستدلوا بوقوع الشرك منهم على رضى الله تعالى به، ولكن الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر، كقوله: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم )الزمر(٧).فكل ما يحدث من خير أو شر إنما هو بمشيئة الله تعالى ، إذ لا يعقل أن يوجد شيء أو يقع في الوجود شيء دون مشيئته، وإلا كان مكرها، وهو محال في حقه تعالى . فهناك فرق إذاً بين المشيئة والرضا.قال ابن كثير في «تفسيره» : أما مشيئته الشرعية فمنتفية عنهم لأنه نهاهم عن الشرك و التحريم على ألسنة رسله ، وأما مشيئته الكونية، وهي تمكينهم من ذلك – الشرك والتحريم – قدرا ، فلا حجة لهم فيها ، لأنه تعالى خلق النار وأهلها، من الشياطين والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر .

16:36Page 271

وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٣٦

And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allāh and avoid ṭāghūt."1 And among them were those whom Allāh guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed [i.e., travel] through the earth and observe how was the end of the deniers.

٣٦ – ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ ﴾ من الأمم ﴿رَّسُولًا﴾ لإقامة الحجة عليهم، كما بعثناك رسولا في هؤلاء ﴿أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ وحده لا شريك له ، لا إله غيره ، ولا رب سواه . ﴿وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ﴾ أن تعبدوها من دون الله، أي : اتركوا كل معبود من دون الله ، كالشيطان والكاهن والصنم والوثن، وكل من دعا إلى ضلالة. أو: اجتنبوا ما يدعو إليه مما نهى عنه الشرع.والطاغوت : كل معبود من دون الله وكل داع إلى ضلالة ، مأخوذٌ من الطغيان، و هو مجاوزة الحد.فانقسمت الأمم بحسب استجابتها لدعوة الرسل وعدمها ، قسمين : ﴿فَمِنۡهُم﴾ أي : فمن هذه الأمم التي بعث الله إليها رسله ﴿مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ﴾ علما وعملا، فأرشده ووفقه إلى دينه وتوحيده واجتناب الطاغوت ، فضلا منه تعالى ونعمة، ففاز ونجا كقوله : (ومن يؤمن بالله يهد قلبه)التغابن(١١).﴿وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ﴾ أي: وجبت وثبتت ﴿عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ﴾ في علم الله، وقضائه وقدره ، فلم يؤمن باختياره دون أن يمنعه مانع، حتى مات مصرا على الكفر ، عدلا منه تعالى وحكمة. ﴿فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ يا أهل مكة سير اعتبار وتفكر واتعاظ. ﴿فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ لرسلهم، من الهلاك والنكال، (دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها)محمد(١٠) . وذلك عند مشاهدة آثارهم كعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب مدين.و في الآية دلالة على أن أمر الله لا يستلزم موافقة إرادته و مشيئته، فإنه تعالى يأمر الجميع بالإيمان، لكنه يهدي من يشاء رحمة و فضلا ويضل من يشاء حكمة و عدلا.

16:37Page 271

إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٧

[Even] if you should strive for their guidance, [O Muḥammad], indeed, Allāh does not guide those He sends astray,1 and they will have no helpers.

٣٧ – ﴿إِن تَحۡرِصۡ﴾ يا محمد ﴿عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ﴾ أي : إن تطلب بجهدك هداهم – وقد سبق في علمه تعالى أنهم من أهل الضلالة – لم تقدر عليه ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ﴾أي: شأنه و أمره ﴿لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ﴾ أي : لا يهدي من يخلُق فيه الضلالة لسوء اختياره وفساد استعداده ، أو : لا يُرشد من أضله ، وسبق في علمه أنه من أهل الضلالة.فحرصه ﷺ على هدايتهم لا ينفعهم، إذا كان الله قد أراد إضلالهم .يقال: حرص عليه – كضرب وسمع – إذا اجتهد – والاسم : الحرص – بكسر الحاء – .ومثله قوله: (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا)المائدة(٤١). وقول نوح لقومه : (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم)هود (٣٤) . [وفي قراءة : (فإن الله لا يُهْدَى من يُضِل) بالبناء للمفعول] و يكون المعنى : إن الله كتب أن لا هادي لمن أضله، كقوله تعالى : (من يضللالله فلا هادي له)الأعراف(١٨٦) . ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ أي : مانعين من بأس الله وعذابه. أو : (ناصرين) ينصرونهم على الهداية لمن أضله الله.

16:38Page 271

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٨

And they swear by Allāh their strongest oaths [that] Allāh will not resurrect one who dies. But yes - [it is] a true promise [binding] upon Him, but most of the people do not know.

٣٨ – ﴿وَأَقۡسَمُواْ﴾ أي : المشركون المكذبون لله ورسوله، أي: حلفوا ﴿بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ﴾ أي : غاية اجتهادهم فيها ، فأكدوا الأيْمان وشددوها بأقصى وسعهم.أو: مجتهدين في الحلف بأغلظ الأيْمان وأوكدها . والمراد : أنهم حلفوا بالله أيمانا مؤكدة مغلظة أنه :﴿لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ﴾ من عباده ولا يقدر على إحيائهم بعد أن صاروا ترابا، فرد الله عليهم ذلك بقوله: ﴿بَلَىٰ﴾ يبعثهم ، ويجمعهم ليوم لا ريب فيه ﴿وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا﴾ لا خُلْف فيه ، وهما : مصدران مؤكدان ، منصوبان بفعلهما المقدر : أي : وعد ذلك وعدا وحقه حقا . ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أن ذلك يسير عليه تعالى غير عسير .

16:39Page 271

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخۡتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰذِبِينَ ٣٩

[It is] so He will make clear to them [the truth of] that wherein they differ and so those who have disbelieved may know that they were liars.

٣٩ – ثم ذكر الحكمة في البعث والمعاد فقال :﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ أي : بلى يبعثهم ليبين لهم ﴿ ٱلَّذِي يَخۡتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مع المؤمنين من أمر الدين ، فيبين حقائق الأمور و يوضحها ، كالبعث والثواب والعقاب والجنة والنار. ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ بالله وأنكروا البعث والمعاد والحساب والجزاء ﴿أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰذِبِينَ﴾ في أيمانهم وأقسامهم وإنكارهم البعث بقولهم : «لا يبعث الله من يموت».

16:40Page 271

إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠

Indeed, Our word to a thing when We intend it is but that We say to it, "Be," and it is.

٤٠ – ﴿إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ﴾ أي: أردنا كونه وإيجاده . و«قولنا» مبتدأ، خبره : ﴿أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾– بالرفع – أي : فهو يكون . [وفي قراءة : بالنصب : (فيكونَ) عطفا على «نقولَ»] والمعنى : إنما إيجادنا لشيء عند تعلق مشيئتنا به أن نوجده في أسرع ما يكون، كقوله تعالى: (وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون)البقرة(١١٧). والآية:لتقرير إمكان البعث والقدرة عليه، وقيل: لبيان كيفية التكوين مطلقا ، ومنه التكوين في البدء والإعادة بعد بيان سهولة البعث عليه سبحانه ، وهذا كقوله: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة)لقمان(٢٨).

16:41Page 271

وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١

And those who emigrated for [the cause of] Allāh after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.

٤١ – ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ﴾ أي: في سبيله وابتغاء مرضاته ورجاء ثوابه وجزائه ، وإعلاء كلمته، وإقامة دينه . والهجرة : ترك الأهل والأوطان . ﴿مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ﴾ بالأذى والشدة والمحنة من قومهم ، الذين يفتنونهم عن دينهم ، ليردوهم إلى الكفر والشرك ، فتركوا الأوطان والخلان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن، وهم : النبي ﷺ وأصحابه، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ﴾ أي : لننزلنهم ﴿فِي ٱلدُّنۡيَا﴾ مباءة أو دارا أو عطية ﴿حَسَنَةٗۖ ﴾ هي: المدينة ، وقيل : رزقا واسعا طيبا ، وعيشا هنيئا ، حيث نصرهم الله على أعدائهم ومكّن لهم في البلاد ، فغنموا منها وتموّلوا ، فإن من ترك مسكنه وماله أو شيئا لأجل الله ، عوضه الله بما هو خير له في الدنيا والآخرة . ﴿وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ﴾ وهي : الجنة ﴿أَكۡبَرُۚ﴾ من أجر الدنيا ، وأعظم مما أعطيناهم فيها من الحسنات. ﴿لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ أي : الكفار، أو : المتخلفون عن الهجرة ، ما للمهاجرين من الكرامة في الداريْن لوافقوهم . وقد كانت الهجرة في بدء الإسلام فرضا، لأنه بالهجرة قوي الإسلام واشتد عوده .

16:42Page 271

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢

[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.

٤٢ – ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ على طاعة الله وأوامره ، وعن نواهيه ، وعلى أقداره المؤلمة ، وعلى الأذية فيه ، وعلى المحن والهجرة لإظهار الدين .﴿وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُون﴾ في جميع أمورهم ، فيعتمدون عليه ، ويثقون به ، ويفوضون أمورهم إليه ، فيرزقهم الله من حيث لا يحتسبون .

16:43Page 272

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣

And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.

٤٣ – ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ﴾ يا محمد ﴿إِلَّا رِجَالٗا﴾ أي : لا ملائكة ولا نساء ﴿نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ﴾ [و في قراءة بالياء بناءً للمفعول:(يوحى إليهم)] من الشرائع والأحكام ما فيه هداية الناس وسعادتهم في الدارين. وفي الآية رد على من قال : إن من النساء رسلا .﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ﴾ أي : أهل الكتب السابقة ، والمراد : أهل العلم منهم . ﴿إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ ذلك ، أيها المشركون ، فإنهم يعلمون أبشرا كانت الرسل إليهم أم ملائكة ؟ فإن كانوا ملائكة، أنكرتم! وإن كانوا بشرا ، فلم تنكرون أن يكون محمد ﷺ رسولا ؟ وفي الآية : بيان أن الرسل الماضين قبل محمد ﷺ كانوا بشرا ، كما هو بشر ، كقوله : (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا)الإسراء(٩٣).وقوله : (قل ما كنت بدعا من الرسل)الأحقاف(٩) ، وقوله : (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي)الكهف(١١٠) .و فيها أيضا : وجوب سؤال أهل العلم فيما لا يعلم، والرجوع إليهم في جميع الأمور والحوادث ، وفيه تزكية لهم حيث أمر بسؤالهم، فدل على أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم والاتصاف بصفات الكمال.

16:44Page 272

بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤

[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message [i.e., the Qur’ān] that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.

٤٤ – ﴿بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ﴾ أي : أرسلناهم بالحجج والدلائل والبراهين الواضحات والمعجزات القاطعات للدلالة على صدقهم، وبالكتب لبيان الشرائع والأحكام والتكاليف .يقال : زبرت الكتاب – من باب : نصر وضرب - : أي : كتبته كتابة عظيمة ، والزبر : جمع زبور بمعنى: مزبور ، وهو الكتاب ، كقوله تعالى: (ولقد كتبنا في الزبور)الأنبياء(١٠٥) ، وقوله سبحانه : (وكل شيء فعلوه في الزبر)القمر(٥٢). ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ﴾ يا محمد، أي: القرآن الكريم ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ جميعا بأقوالك وأفعالك ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ﴾ من الأحكام والشرائع ، والوعد والوعيد والحلال والحرام ، وأحوال القرون الماضية، وأسرار القرآن وعلومه ، بيانا شافيا وافيا ، فكانت السُّنّة مفسرة للقرآن ، مفصلة لمجمله، مقيدة لمطلقه، مخصصة لعمومه، مبينة لما أشكل عليهم من أمور دينهم ودنياهم ، الظاهرة منها والباطنة ﴿وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذلك ، فيُعملوا أفكارهم ، ويعتبروا ويتعظوا للفوز والنجاة في الداريْن.

16:45Page 272

أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥

Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allāh will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?

٤٥ – ﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ﴾ المكرات ﴿ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ بالنبي ﷺ بسعيهم في إيذائه وإيذاء أصحابه خفية، كمكرهم به في دار الندوة ، من تقييده أو قتله ، أو إخراجه. كما ذُكر في الأنفال في قوله سبحانه و تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك)الأنفال(٣٠) . أو: احتيالهم في إبطال الإسلام ، وكيد أهله ، والتآمر عليه وعلى أتباعه . ﴿أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ﴾ أي : يهلكهم بالخسف – كما فعل بقارون – وهو : التغييب في الأرض ، أو تغييب الأرض بهم . يقال : خسف الله به الأرض خسوفا: إذا غيّبه فيها ، وخُسف هو في الأرض، وخُسف به . ﴿أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ﴾ به ولا يتوقعونه ، أي : على غرة، أو : في حال غفلتهم عنه، كما فعل بقوم لوط ، أو : من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم ، أو : من جهة لا تخطر ببالهم . و الآية كقوله :(ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور)الملك(١٦) .

16:46Page 272

أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٤٦

Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure [i.e., escape from Him]?

٤٦ – ﴿أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ﴾ أي: يصيبهم العذاب في أسفارهم ومتاجرهم ، أو : في حال إقبالهم وإدبارهم وتصرفهم في البلاد ، وذهابهم ومجيئهم بالليل والنهار ، أو : في حال اشتغالهم في معايشهم وسعيهم لها .والأخذ في الأصل : حوز الشيء وتحصيله ، والمراد به هنا : القهر والإهلاك .والتقلب : الحركة إقبالا وإدبارا والمراد به :الأسفار . ﴿فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ﴾ الله ، أي: بفائتين من عذابه بالهرب ، أو: بممتنعين من عذاب الله ، ولا مفلتين من عقابه .

16:47Page 272

أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ ٤٧

Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]?1 But indeed, your Lord is Kind and Merciful.2

٤٧ – ﴿أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ﴾ أي: على تنقّص شيئا فشيئا في الأموال والأنفس والثمرات ، حتى يهلكهم جميعا . يقال : تخوّفته: إذا تنقصته. أو: على مخافة وحذر من أن يهلكوا كمن هلك قبلهم، أو : في حال خوفهم من الهلاك والعذاب لظهور أماراته وعلاماته، فإن حصول ما يتوقع مع الخوف الشديد، أبلغ وأشد. ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ حيث يحلم عنكم ولا يعاجلكم بالعقوبة ، بل يمهل رأفة بكم ، ولكن لا يهمل. وفي الصحيحين : «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم».

16:48Page 272

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨

Have they not considered what things Allāh has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allāh, while they [i.e., those creations] are humble.

٤٨ – ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ﴾ أي : أعموا ولم يروا [وفي قراءة: بالتاء :(أولم تروا)] ﴿إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ﴾ من الأشياء ذوات الظلال أو : من جسم قائم له ظل، كالجبال والأشجار ونحوها، ﴿يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ﴾ أي : يتميّل ظلاله، أو : ينتقل ويرجع ظلّه . [وفي قراءة: بالتاء أيضا : (تتفيأ ظلاله) أي: تتميّل] ﴿عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ﴾ أي : عن جانبيهما بكرة وعشيا، أو: من جانب إلى جانب ، فتكون أول النهار على حال ، وآخره على حال، أو تكون قبل الزوال على حال، وأثناءه على حال، و بعده على حال.و المعني: تميل ظلالها تارة يمينا وتارة شمالا ، تبعا لحركة الشمس نهارا والقمر ليلا. ﴿سُجَّدٗا لِّلَّهِ﴾ أي: حال كون هذه الظلال ساجدة لله ، خاضعة لعظمته وجلاله، منقادة لأمره و حكمه وتسخيره ، جارية على ما أراده لها من امتداد وتقلص، غير ممتنعة عليه سبحانه فيما سخرها له . ﴿وَهُمۡ﴾ أي : وهذه الأشياء ذوات الظلال ﴿دَٰخِرُونَ﴾ أي: صاغرون أذلاء، منقادون لحكمه ، خاضعون لأمره سبحانه و تدبيره و تسخيره وقهره .يُقال : دَخَر يدْخَر دُخُرا ، ودخِر يدخَر دَخَرا : صغر وذل ، وأدخره فدخر : أذله فذل، وجُمعت جمع العقلاء ، لوضعها بصفتهم ، وهي: الانقياد والطاعة. والدخور: الصغار والذل. والتفيؤ: تفعّل ، من فاء يفيء: إذا رجع ، و«فاء» لازم، ويعدّى بالهمزة: كأفاءه الله ، و بالتضعيف: نحو فيأ الله الظل ، فتفيأ .و الفيء: الرجوع ، و منه قوله تعالى:(حتى تفيء إلى أمر الله)الحجرات(٩). أي : ترجع . وتفيؤ الظلال: رجوعها بعد انتصاف النهار، فلا يكون إلا بالعشي. والظل يكون بالغداة، وقيل : مطلقا. والشمائل: جمع شمال .وفي الآية : بيان أن كل ما له ظل من المخلوقات يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال ، أي : بكرة وعشيا تبعا لحركة الشمس و القمر، فإنه ساجد بظله لله تعالى. والمراد بالسجود : حقيقته ، أو: الانقياد لحكم الله ، والخضوع لأمره. و الأول أولى. ومثله قوله تعالى: (ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا و كرها وظلالهم بالغدو والآصال)الرعد(١٥) .

16:49Page 272

وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩

And to Allāh prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.

٤٩ – ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ﴾ أي : نسمة تدب عليها ، أي : له وحده سبحانه – لا لغيره – يخضع و يستسلم وينقاد كل ما في السماوات وما في الأرض من دابة تدب عليها. وغلّب في الإتيان ب «ما»: ما لا يعقل، لكثرته. ﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ خصهم بعد العموم ، لفضلهم ، وشرفهم وكثرة عبادتهم. ﴿وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ﴾ عن طاعته وعبادته ، وعن السجود له ، أي : لا يتكبرون عن ذلك .فسجود المؤمنين والملائكة لله تعالى سجود طاعة وعبادة ، وسجود غيرهم سجود خضوع وتسخير، وانقياد وتدبير ، بمعنى : أنها لا تستطيع أن تستعصي على ما يريده الله منها . وقيل : بل السجود على حقيقته ، والكيفية لا يعلمها إلا الله.

16:50Page 272

يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠

They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.

٥٠ – ﴿يَخَافُونَ﴾ أي: الملائكة ، حال من ضمير : «يستكبرون» ﴿رَبَّهُم﴾ حال كونه ﴿مِّن فَوۡقِهِمۡ﴾ أي: عاليا عليهم بالذات والقهر و الغلبة، وكمال الصفات . وصفة العلو و الفوقية ثابتة لله عز وجل بلا تحريف و لا تشبيه ولا تمثيل، ولا تكييف ولا تعطيل ولا تأويل. ﴿وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ﴾ به ، من طاعة الله تعالى ، وامتثال أوامره، طوعا واختيارا .وسجود المخلوقات لله تعالى قسمان: سجود اضطرار ، وهو عام لكل مخلوق من مؤمن وكافر وبَرٍّ وفاجر، وحيوان ناطق وغيره ، وسجود اختيار ، و هو مختص بأوليائه وعباده المؤمنين وملائكته .

16:51Page 272

۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١

And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."

٥١ – ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ ﴾ فلا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له . وخصص هذا العدد لأنه الأقل فيُعلم انتفاء ما فوقه بالدلالة . ﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ﴾ لا إله إلا هو، خالق كل شيء ومليكه .والآية : لإثبات الإلهية والوحدانية وكمال الصفات . ﴿فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾[و في قراءة: بإثبات الياء (فارهبوني)] أي : خافون دون غيري، بامتثال أمري واجتناب نهيي. و المعنى: إن رهبتم شيئا فإياي فارهبوا- أي : خافوا -دون غيري . من الرهبة: وهي خوف معه تحرز .

16:52Page 272

وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢

And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?

٥٢ – ﴿وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ ملكا وخلقا وعبيدا، وتدبيرا وتصريفا ﴿وَلَهُ ٱلدِّينُ﴾ أي: العبادة والإخلاص، أو : الطاعة والانقياد ﴿وَاصِبًاۚ﴾ أي: دائما ، أو: ثابتا واجبا لازما أو خالصا . يقال: وصب الشيء يصِبُ وصوبا ووصبا: دام وثبت، كأوصب ، و وصب على الأمر : واظب عليه، ووصب الدين: وجب وثبت . و«واصبا» حال من الضمير في «له» وفيه معنى : الاستقرار ، المفهوم من الجار و المجرور في «له» ، أي: استقر الدين لله دائما أو واجبا ، أو خالصا، فليس أحد يُطاع إلا انقطع ذلك بزوال أو بهلكة ، إلا الله تعالى، فإن الطاعة تدوم له وتجب أبدا، ومثله قوله تعالى:(ألا لله الدين الخالص)الزمر(٣). ﴿أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ أي : أتخافون غير الله ممن يسمى آلهة ، وأمرهم إلى زوال ؟ بل خافوا الله وحده، الإله الحق ، ولا إله غيره ، الذي له الدين الخالص والطاعة الدائمة . والاستفهام للإنكار والتوبيخ .

16:53Page 272

وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣

And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.

٥٣ – ﴿وَمَا بِكُم﴾ أيها الناس ﴿مِّن نِّعۡمَةٖ﴾ ظاهرة وباطنة، دينية أو دنيوية ﴿فَمِنَ ٱللَّهِۖ﴾ وحده لا شريك له ، فهو مالك النفع والضر ، وأن ما بالعباد من رزق و نعمة وعافية و نصر فمن فضله عليهم وإحسانه إليهم.والنعم تكون: إما دينية ، وهي: معرفة الحق لذاته، ومعرفة الخير لأجل العمل به .أو دنيوية، نفسانية، أو بدنية أو خارجية ، كالسعادات المالية ونحوها. فكل النعم على اختلاف أنواعها دينية أو دنيوية، ظاهرة أو باطنة، فمن الله سبحانه لا يأتي بها غيره .﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ﴾ أي : أصابكم الفقر والمرض والشدة والبلاء والحاجة ، وكل مـا يتضـرر به العبـد، ﴿فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ﴾ أي : ترفعون أصواتكم بالتضرع إليه في كشفه، أو تضجون بالدعاء والاستغاثة والتضرع إليه في دفعه و رفعه ، لعلمكم أنه لا يكشف الضر إلا الله ، ولا يدفع الشدة والبلاء إلا هو سبحانه.يقال : جأر يجأر جأرا وجُؤارا : رفع صوته بالدعاء ، وتضرع واستغاث، وأصله : صياح الوحش ، وهذا كقوله :(وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه)الإسراء(٦٧) .

16:54Page 272

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤

Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord

٥٤ – ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ﴾ بفضله وإحسانه ﴿إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ﴾ فيضعون الإشراك بالله ، الذي أنعم عليهم بكشف ما نزل بهم من الضر ، مكان الشكر له، ويقابلون النعمة بالنقمة ، والمنحة بالمحنة والمعصية .

16:55Page 273

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥

So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.

٥٥ – ﴿لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ﴾ أي: أعطيناهم من النعم ظاهرها وباطنها، واللام هنا: لام العاقبة ، أي : ما كانت عاقبة تلك التضرعات في كشف الضر، إلا هذا الكفر بنعم الله.وقيل : لام التعليل ، أي : قيضنا لهم ذلك ليكفروا ، أي : يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم ، مع أنه المسدي إليهم النعم ، الكاشف عنهم النقم . ثم توعدهم فقال : ﴿فَتَمَتَّعُواْ﴾ بما أنتم فيه من عبادة غير الله ، أو : بدنياكم قليلا . ﴿فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ﴾ عاقبة ذلك، ومآل أمركم وكفركم . وفيه تهديد لهم ووعيد .

16:56Page 273

وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ ٥٦

And they assign to what they do not know1 [i.e., false deities] a portion of that which We have provided them. By Allāh, you will surely be questioned about what you used to invent.

٥٦ – ﴿وَيَجۡعَلُونَ﴾ أي : المشركون ﴿لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أي : لآلهتهم وأصنامهم التي ليس من شأنها العلم ، لكونها جمادات لا تحس ولا تشعر ، ولا تضر ولا تنفع . ﴿نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ﴾ أي : حظا وجزءً من الحرث والأنعام، بقولهم : «هذا لله و هذا لشركائنا». فالضمير في «يعلمون» للأوثان والأنداد والأصنام، وجرى بالواو والنون مجرى من يعقل، والمعنى : ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعلم شيئا ، نصيبا مما رزقناهم.ويجوز أن يكون الضمير في «يعلمون» للمشركين، فيكون المعنى: ويجعلون لما لا يعلمون حقيقته من الأصنام والأنداد والأوثان نصيبا مما رزقناهم، يتقربون به إلى الله .﴿تَٱللَّهِ﴾ قسم من الله تعالى بنفسه الكريمة ﴿لَتُسۡـَٔلُنَّ﴾ يوم القيامة سؤال توبيخ وتقريع ﴿عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ﴾ أي: تكذبون على الله ، من أنه أمركم بذلك، فيجازيكم عليه أوفر الجزاء.

16:57Page 273

وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ ٥٧

And they attribute to Allāh daughters1 - exalted is He - and for them is what they desire [i.e., sons].

٥٧ – ﴿وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ﴾ بقولهم: الملائكة بنات الله ، فنسبوا إليه تعالى الولد ، وهو منزه عنه ﴿سُبۡحَٰنَهُۥ﴾ تنزيها له تعالى وتعظيما عن قولهم وإفكهم وزعمهم: أنهم بنات الله. ﴿وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ﴾ أي: من البنين الذكور. والمعنى : يجعلون لله البنات التي يكرهونها ولا يرضونها لأنفسهم - وهو تعالى منزّه عن الولد – ويجعلون لأنفسهم الأبناء التي يختارونها ، فيختصون بالأسنى والأرفع – في زعمهم – كقوله: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون)الصافات(١٤٩) . وقوله: (ألكم الذكر وله الأنثى ٢١ تلك إذا قسمة ضيزى ٢٢)النجم(٢١-٢٢) أي : جائرة ، تعالى الله عن قولهم وإفكهم علوا كبيرا .

16:58Page 273

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ ٥٨

And when one of them is informed of [the birth of] a female, his face becomes dark, and he suppresses grief.

٥٨ – ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم﴾ أي : أحد هؤلاء المشركين ﴿بِٱلۡأُنثَىٰ﴾ تولـد لــه ﴿ظَلَّ﴾ أي : صـار ﴿وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا﴾ أي : متغيرا مما يحصل له من الغم والهم ، وظهور الكآبة ، والانكسار والغيظ و الكراهية بولادة الأنثى ﴿وَهُوَ كَظِيمٞ﴾ أي: ممتلىء غما وهما، وغيظا وضيقا في قرارة نفسه ، يكتم غيظه وحزنه ولا يظهره ، فكيف تُنسب البنات إليه تعالى ؟ ونظير هذا قوله تعالى : (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم )الزخرف(١٧).مأخوذ من الكظامة: و هو شد فم القربة، كالمغموم الذي يطبق فاه فلا يتكلم من شدة الألم .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском