Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:84–106
16:84Page 276
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤
And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness [i.e., their prophet]. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allāh].
٨٤ – ﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا﴾ وهو نبيها، يشهد لها بالإيمان والتصديق ، وعليها بالكفر والتكذيب في الرسالة والتبليغ وذلك يوم القيامة . ﴿ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ في الاعتذار ، لأنه لا حجة لهم ولا عذر . أو : لا يؤذن لهم في الرجوع إلى الدنيا ليستدركوا مافاتهم ، كقوله تعالى: (هذا يوم لا ينطقون ٣٥ ولا يؤذن لهم فيعتذرون ٣٦)المرسلات(٣٥-٣٦) . ﴿وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ﴾ أي : لا يطلب منهم العتبى، أي: إرضاء ربهم بالتوبة و العمل الصالح أو الرجوع عما أغضب الله تعالى منهم، إلى ما يرضيه، فلا يسترضون باستجابة طلبهم الرجوع إلى الدنيا، ليعملوا صالحا ، إذ الدار الآخرة دار جزاء وحساب لا دار عمل وتكليف.والاستعتاب : طلبك إلى المسيء الرجوع عن إساءته. يقال : استعتبه أي : استرضاه ، و أعتبه : أزال عتبه ، و ترك ما كان يغضب عليه لأجله.والعتبى: الرضا، و هو رجوع المعتوب عليه عن الإساءة إلى ما يرضي العاتب. و في الحديث :«لك العتبى حتى ترضى» . وأصل الكلمة: من العتْب: وهو لومك صاحبك على إساءة كانت منه إليك ، فإذا ذكّر كل منهما صاحبه بما فرَط منه ، كان عتابا ومعاتبة .
16:85Page 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥
And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.
٨٥ – ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بالشرك والكفر ﴿ٱلۡعَذَابَ﴾ يوم القيامة و هو عذاب جهنم، الذي يستحقونه بسبب شركهم وكفرهم ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ﴾ أي: ذلك العذاب ﴿وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ﴾ أي : يمهلون ويؤخرون ليتوبوا لأن وقت التوبة والإنابة قد فات ومضى.
16:86Page 276
وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٨٦
And when those who associated others with Allāh see their "partners," they will say, "Our Lord, these are our partners [to You] whom we used to invoke [in worship] besides You." But they will throw at them the statement, "Indeed, you are liars."
٨٦ – ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ﴾ الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا مع الله أو من دونه ، كالأصنام والأوثان و نحوها ﴿قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ﴾ أي : نعبدهم ، أو : نسألهم سؤال عبادة من دونك ، ومرادهم : إحالة الذنب على تلك المعبودات من دون الله . ﴿فَأَلۡقَوۡاْ﴾ أي: الشركاء ﴿إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ﴾ أي: قال الذين اتخذهم الكفار شركاء لله ، وعبدوهم من دونه و ردوا عليهم الدعوى : ﴿إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ﴾ في زعمكم أننا شركاء لله، مبطلون في عبادتكم إيانا من دونه، كقوله في آية أخرى : (ما كانوا إيانا يعبدون)القصص(٦٣) وقوله : (كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا)مريم(٨٢) .أو : بالتكذيب في دعواهم أنهم حملوهم على عبادتهم .
16:87Page 276
وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٨٧
And they will impart to Allāh that Day [their] submission, and lost from them is what they used to invent.
٨٧ – ﴿وَأَلۡقَوۡاْ﴾ أي : الكفار ﴿إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ﴾ أي : الاستسلام والانقياد والخضوع لحكمه تعالى ، في ذلك اليوم بعد أن كانوا في الدنيا متكبرين عن حكمه . والمعنى: أنهم استسلموا يومئذ لله، وخضعوا لحكمه ، وانقادوا لأمره، وذلوا له. يقال : ألقيت إليه كذا ، أي: قلت له .﴿وَضَلَّ عَنۡهُم﴾ أي : غاب وذهب واضمحل ، أو: ضاع وبطل عنهم ﴿مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ﴾ على الله ، من عبادة الشركاء وكونهم لهم شفعاء، فلا ناصر لهم يومئذ، ولا معين . قال تعالى : (فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك)هود(١٠١) .
16:88Page 277
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ ٨٨
Those who disbelieved and averted [others] from the way of Allāh - We will increase them in punishment over [their] punishment for what corruption they were causing.
٨٨ – ﴿ٱلَّذِيـنَ كَفَرُواْ﴾ أي : فـي ذات أنفسـهم ﴿وَصَدُّواْ﴾ غيرهم ﴿عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي : عن دينه وعن اتباع الحق. ﴿زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا﴾ على إضلالهم غيرهم وصدهم إياهم عن سبيل الله ﴿فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ﴾ الذي استحقوه لأجل ضلالهم في ذات أنفسهم ﴿بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ﴾ في الأرض، بصدهم الناس عن الإيمان والإسلام .أي: فلهم عذابان : عذاب على الكفر في ذات أنفسهم، وعذاب على صد غيرهم عن سبيل الله .وفيه : دليل على تفاوت الكفار في عذابهم، كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم ، كما قال تعالى: (قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون)الأعراف(٣٨) .
16:89Page 277
وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩
And [mention] the Day when We will resurrect among every nation a witness over them from themselves [i.e., their prophet]. And We will bring you, [O Muḥammad], as a witness over these [i.e., your nation]. And We have sent down to you the Book as clarification for all things and as guidance and mercy and good tidings for the Muslims.1
٨٩ – ﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم﴾ هو نبيهم الذي يشهد عليهم ﴿مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ﴾ أي : من جنسهم ، إتماما للحجة وقطعا للمعذرة. ﴿وَجِئۡنَا بِكَ﴾ يا محمد ﴿شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ﴾ أي : على أمتك. ونظير هذه الآية قوله : (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)النساء(٤١). ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي : القرآن ﴿تِبۡيَٰنٗا﴾ أي : بيانا كاملا ﴿لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾ يحتاج إليه الناس في أمر دينهم ودنياهم ، ومعاشهم ومعادهم ، من أصول الدين وفروعه ، وأحكامه وشرائعه. ﴿وَهُدٗى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ﴾ بالجنة ﴿لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ الموحدين .
16:90Page 277
۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٩٠
Indeed, Allāh orders justice and good conduct and giving [help] to relatives and forbids immorality and bad conduct and oppression. He admonishes you that perhaps you will be reminded.
٩٠ – ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ﴾ فيما أنزله عليك يا محمد ﴿بِٱلۡعَدۡلِ﴾ أي: بالقسط والإنصاف والاعتدال والتوسط في الأمور كلها : اعتقادا وعملا وخُلقا ، وإيصال كل ذي حقٍّ حقه.و العدل : كلمة جامعة لمعنى المماثلة والمساواة، والاستقامة و التوسط شاملة للعدل بين العبد وربه ، بإيثار حقه تعالى على حظ نفسه ، وتقديم رضاه على هواه ، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ، وللعدل بين العبد ونفسه ، بمنعها مما فيه هلاكها وفسادها ، و للعدل بين العبد والخلق، بالإنصاف من نفسه، وبذل النصيحة ، و ترك الخيانة والإساءة إليهم ، و الصبر على الأذى ، وأداء الحقوق كاملة موفورة .ويتحقق العدل بالتوسط في كل الأمور ، بين طرفي الإفراط والتفريط، اعتقادا : كالتوحيد المتوسط بين التعطيل و التشريك ، وعملا : كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب ، وخلقا : كالجود المتوسط بين البخل والتبذير، فبالعدل قامت السموات والأرض ، والعدل خاصة هذه الأمة ، كقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا)البقرة(١٤٣) أي : عدولا خيارا .﴿وَٱلۡإِحۡسَٰنِ﴾ ويطلق على إتقان العمل وإحكامه وإكماله ، وعلى إيصال النفع إلى الخلق قولا أو فعلا ومقابلة الخير بأكثر منه و الشر بالصفح والعفو.وهو مصدر أحسن يحسن إحسانا. يقال : أحسنت كذا ، أي: أتقنته وأكملته ، و أحسنت إلى فلان، أي: أوصلت إليه ما ينتفع به – ويدخل فيه الإحسان إلى الحيوان وغيره – وكلاهما مأمور به شرعا .والإحسان : التفضل بما لم يجب، كصدقة التطوع ، وما يثاب عليه العبد مما لم يوجبه الله عليه في العبادات والمعاملات وغيرها.و هو أيضا : أداء الفرائض ، أو : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، كما عرفه النبي ﷺ في الحديث المتفق عليه عن عمر بن الخطاب .والآية دالة على شرعية العدل وفرضيته ، و ندبية الفضل وسنّيته، كقوله تعالى:(وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله)الشورى(٤٠) . وقوله سبحانه: (والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له)المائدة(٤٥) . ﴿وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ أي: وإعطاء القرابة ما تدعو إليه حاجتهم من الحقوق والواجبات ، وفيه الأمر بصلة الأرحام وبرهم كقوله:(وآت ذا القربى حقه)الإسراء(٢٦) . وخصهم بالذكر : لتأكد حقهم وتعيّن صلتهم و برهم.﴿وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ﴾ وهو: مـا عظم قبحـه من الذنوب ، قولا أو فعلا ، كالشرك بالله ، والقتل بغير حق ، والزنا والسرقة ، والربا والعجب والكبر والغيبة والنميمة وغير ذلك.﴿وَٱلۡمُنكَرِ﴾ وهو : كل ما أنكره الشرع والعقل والفطر السليمة و يشمل جميع الذنوب و المعاصي المتعلقة بحق الله تعالى وحق عباده .﴿وَٱلۡبَغۡيِۚ﴾ وهو التطاول على الناس بالظلم والتجبر والعدوان، في الدماء والأموال والأعراض .وأصل البغي: التعدى ومجاوزة الحد والقدر في كل شيء .وفي الحديث :«ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة ، من البغي وقطيعة الرحم». رواه أبو داود.وخصّ البغي بالذكر ، مع تقدم ذكر الفحشاء و المنكر، اهتماما بالنهي عنه، وتأكيدا لذلك . ﴿يَعِظُكُمۡ الله بما يأمركم به من الخير، وينهاكم عنه من الشر ﴿لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ فتتعظون بما وعظكم به مما فيه جلب المصالح والمنافع لكم ودرء المفاسد والمضار عنكم في المعاش والمعاد . وفي «المستدرك» للحاكم ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «هذه أجمع آية في القرآن للخير والشر». فهذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات ، وهي قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات فكل مسألة مشتملة على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى ، فهي مما أمر الله به ، وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو منكر أو بغي فهي مما نهى الله عنه، وبها يعلم حسن ما أمر الله به وقبح ما نهى الله عنه .
16:91Page 277
وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٩١
And fulfill the covenant of Allāh when you have taken it, [O believers], and do not break oaths after their confirmation while you have made Allāh, over you, a security [i.e., witness]. Indeed, Allāh knows what you do.
٩١ – ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ﴾ وميثاقه، ﴿إِذَا عَٰهَدتُّمۡ﴾ وهذا يشمل الوفاء بجميع العهود والمواثيق بين العبد وربه ، كالنذور والأيمان ، وبينه وبين غيره ، كالبيع والأحلاف والعقود، وغيرها ، وتتميـمها مع القـدرة ﴿وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ﴾ أي: لا تخالفوا ما تعاقدتم عليه بالأيمان﴿بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا﴾ أي: بعد توثيقها وتشديدها، بل احفظوها بالوفاء وحافظوا عليها. ﴿وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ﴾ بالوفاء بها ، أي : شاهدا رقيبا، أو: ضامنا مراعيا ، يرعى الموفي والناقض. والجملة حال من فاعل: «تنقضوا». والآية : أمر في الوفاء بالعهود والمواثيق ، والمحافظة على الأيْمان الموكدة لها .﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُون﴾ من وفاء ونقض فيجازيكم به . وفيه : تهديد ووعيد لمن نقض الأيْمان بعد توكيدها .قال ابن كثير : ولا تعارض بين قوله: (ولا تنقضوا الأيْمان بعد توكيدها) وقوله : (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم)البقرة(٢٢٤) وقوله: (واحفظوا أيمانكم)المائدة (٨٩) أي: لا تتركوها بلا كفارة ، وقوله ﷺ في الصحيحين:«إني و الله – إن شاء الله – لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ، إلا أتيت الذي هو خير و تحللتها – وفي رواية- : وكفَّرت عن يميني»لأن الأيْمان – في الآية الأولى – المراد بها: الداخلة في العهود والمواثيق ، لا الأيْمان التي هي واردة على حث أو منع، اهـ . وقد قيل : إن هذه الآية نزلت في بيعة من بايع رسول الله ﷺ على الإسلام فأمروا بالوفاء بما عاهدوا عليه وعدم نقض الأيْمان .
16:92Page 277
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٩٢
And do not be like she who untwisted her spun thread after it was strong [by] taking your oaths as [means of] deceit between you because one community is more plentiful [in number or wealth] than another community.1 Allāh only tries you thereby. And He will surely make clear to you on the Day of Resurrection that over which you used to differ.
٩٢ – ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ أي: في نقضكم للعهود والمواثيق والأيْمان ﴿كَٱلَّتِي﴾ أي: كمثل التي ﴿نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا﴾ أي: أفسدت ما غزلته ﴿مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ﴾ أي: من بعد إبرام للغزل وإحكام له، فجعلته ﴿أَنكَٰثٗا﴾ أي: أنقاضا محلول الفتل، أي جعلت غزلها محلولا إحكامه ، كما كان قبل أن تغزله . جمع «نكث» وهو ما نُقض ليغزل ثانيا، وفعله من باب: قتل. و«أنكاثا» حال . وكل شيء نُقض بعد الفتل فهو أنكاث ، حبلا كان أو غزلا .وهو مثل ضُرب لناقضي العهود والمواثيق والأيْمان، بعد توكيدها وتوثيقها ، بمن تغزل غزلا قويا مستحكما طول يومها ، ثم تنقض غزلها أنقاضا ، بعد إبرامه وإحكامه، سفاهة منها وحماقة . أي: لا تكونوا كناقضة غزلها من بعد إحكامه وإبرامه .﴿تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ﴾ حال من ضمير «تكونوا» أي: لا تكونوا متشبهين بامرأة هذا شأنها ، حال كونكم متخذين أيْمانكم ﴿دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ﴾ أي: وسيلة للغدر والخيانة ، والمكر والخديعة ، أو للفساد والغش بينكم. والدخَل : العيب ، واستعمل فيما يدخل الشيء وليس منه ، ثم كنّي به عن الغدر أو الفساد والعداوة المستبطِنة . والمعنى : لا تحلفوا غشا وفسادا، ومكرا و خديعة و غرورا بينكم ، ليطمأن إليكم بها ، وأنتم تضمرون الغدر وترك الوفاء .﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ أي: لأجل أو بسبب أن تكون جماعة أخرى ﴿هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ﴾ أي : أكثر عددا ، وأعز نفرا، وأوفر مالا من التي عاهدتموها. وكانت العرب تفعل ذلك ، فكانوا يحالفون الحلفاء ، فإذا وجدوا غيرهم أكثر منهم وأعز ، نقضوا حلف أولئك، وحالفوا هؤلاء الذين هم أكثر وأعز ، فنُهوا عن ذلك ، بل عليكم الوفاء بعهد الله وميثاقه، وإن قلَّ من عاهدتموهم عن أولئك. والآية : نهي عن نقض العهود والأيْمان المؤكدة لها و انتظار الفرص فيها . فإذا كان العاقد لها ضعيفا ، غير قادر على الآخر ، أتمها، لا لتعظيم العقد واليمين ، بل لعجزه عن نقضه. وإن كان قويا ، يرى مصلحته الدنيوية في نقْضه ، نقَضَه غير مبال بعهد الله ويمينه ، كل هذا تقديما لهوى النفوس على مراد الله وحكمه ، وعلى المروءة الإنسانية، والأخلاق المرضية ، فنهى الله المسلمين عن العودة إلى ما كانوا عليه في الجاهلية من مثل هذه الأخلاق .و أربى : أزيد عددا وأقوى وأكثر. يقال : ربا الشيء يربو : إذا كثر .﴿إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ﴾ أي : يختبركم ويمتحنكم ﴿بِهِۦۚ﴾ أي: بما أمركم به من الوفاء بالعهد لينظر ويعلم علم تمييز و ظهور ، المطيع منكم والعاصي . أو : إنما يبلوكم الله بكون أمة أربى وأكثر من أخرى، لينظر أتفون بعهدكم أم تنقضون اغترارا بالكثرة والعزة والمال ؟﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ﴾ أي : ليوضحن وليظهرن لكم ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ في الدنيا من أمر العهد وغيره فيجازى كل عامل بعمله، بأن يعذب الناكث الغادر ويثيب الوافي الصادق .
16:93Page 277
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٩٣
And if Allāh had willed, He could have made you [of] one religion, but He sends astray whom He wills and guides whom He wills.1 And you will surely be questioned about what you used to do.
٩٣ – ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ﴾ أيها الناس ﴿أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ﴾ متّفقة على الحق والهدى أو على ملة واحدة لا تختلفون ولا تفترقون ﴿وَلَٰكِن﴾ بحكم الإلهية وتفرده تعالى بالهداية والإضلال، تبعا لعلمه وحكمته، ﴿يُضِلُّ مَن يَشَآءُ﴾ من عباده ، بخذلانه إياهم، عدلا منه فيهم، حتى يستسهلوا النكث والنقض للعهود والمواثيق ﴿وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ﴾ منهم ، بتوفيقه إياهم إلى الصواب والوفاء بالعهود والمواثيق، فضلا منه عليهم ﴿وَلَتُسۡـَٔلُنَّ﴾ أيها الناس ، يوم القيامة ، سؤال تبكيت وتقريع، أي : غلبة بالحجة ومجازاة، لا استفسار وتفهم ﴿عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ في الدنيا، من خير وشر، فيجازيكم عليه أتم الجزاء وأعدله .
16:94Page 278
وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤
And do not take your oaths as [means of] deceit between you, lest a foot slip after it was [once] firm, and you would taste evil [in this world] for what [people] you diverted from the way of Allāh,1 and you would have [in the Hereafter] a great punishment.
٩٤ – ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ﴾وعهودكم ومواثيقكم ﴿دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ﴾ أي : مكرا وخديعة، أو : وسيلة للغدر والخيانة ، أو للفساد بينكم ، أي: لا تعقدوا الأيمان مع الانطواء على المكر والخديعة والغدر ليطمأن إليكم بها، و أنتم تضمرون الغدر و عدم الوفاء.والآية : تصريح بالنهي عن اتخاذ الأيمان دخلا ، بعد النهي الضمني عنه في الآية السابقة ، حيث وقع قيدا لقوله : (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها)– مبالغة في قبح المنهي عنه، وتمهيدا لقوله: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمُۢ﴾ أي: أقدامكم عن محجة الإسلام ﴿بَعۡدَ ثُبُوتِهَا﴾ أي : بعد رسوخها واستقامتها على الصراط المستقيم . وهو مثل يضرب لكل من وقع في بلية ومحنة ، بعد عافية ونعمة .﴿وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ﴾ أي : العذاب الذي يسوؤكم ويحزنكم في الدنيا ﴿بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: بصدكم عن الوفاء بالعهد ، أو : بصدكم غيركم عنه ، لأنه يستن بكم، أو : بصدكم عن سبيل الله ودينه، حيث ضللتم وأضللتم غيركم .﴿وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ في الآخرة . وقيل : المراد بهذه الآية : من بايع رسول الله ﷺ على الإسلام ثم نقض يمينه وصد عن سبيله ، دون من ينتقل من حلف قوم إلى آخرين.قال ابن كثير : والآية مثل لمن كان على الاستقامة ، فحاد منها وزل – بعد رسوخ قدمه – عن طريق الهدى بسبب الأيْمان الحانثة ، ونقض العهود والمواثيق ، المشتملة على الصد عن سبيل الله ، لأن الكافر إذا رأى المؤمن قد عاهده ثم غدر به ، لم يبق له وثوق بالدين ، فيُصد بسببه عن الدخول في الإسلام .
16:95Page 278
وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩٥
And do not exchange the covenant of Allāh for a small price. Indeed, what is with Allāh is best for you, if only you could know.
٩٥ – ﴿وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ﴾ أي: لا تعتاضوا ولا تستبدلوا بعهد الله وميثاقه ﴿ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ﴾ من الدنيا وزينتها ، أي : عوضا يسيرا ، تنالونه بالنقض والنكث وعدم الوفاء . ﴿إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي : من الثواب والجزاء الحسن في الآخرة ﴿هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ﴾ من الدنيا وما فيها لمن آثر رضاه، و أوْفى بما عاهد عليه الله. ﴿إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ ذلك ، أي : إن كنتم من ذوي العلم والتمييز ، فلا تنقضوا الأيْمان والعهود والعقود والمواثيق ، امتثالا لأمر الله و رجاء ما عنده من الثواب العاجل والآجل في الدنيا والآخرة .
16:96Page 278
مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٦
Whatever you have will end, but what Allāh has is lasting. And We will surely give those who were patient their reward according to the best of what they used to do.
٩٦ – ﴿مَا عِندَكُمۡ﴾ أي : من متاع الدنيا ونعيمها ﴿يَنفَدُ﴾ أي : ينقضي و يفنى و يزول ، فهو إلى ذهاب وتحول و انقطاع و زوال وإن بلغ في الكثرة أيَّ مبلغ. يقال : نفد الشيء ينفد نفادا ونفَدا ونُفودا : إذا ذهب وفني ، ضد : بقي.﴿وَمَا عِندَ ٱللَّه﴾ أي : في الآخرة من نعيم الجنة ﴿بَاقٖۗ﴾ لا انقطاع له ولا نفاد ، دائم لا يفنى ولا يزول، ولا ينقضي ولا يحول ، أي : فآثروا ما يبقى على ما يفنى. [وفي قراءة: بإثبات الياء وقفا :(باقي)] .وهذا كقوله :(بل تؤثرون الحياة ١٦ الدنيا و الآخرة خير و أبقى ١٧)الأعلى(١٦-١٧) . وقوله : (وما عند الله خير للأبرار)آل عمران( ١٩٨).وفي الآية : الحث والترغيب على الزهد الحقيقي في الدنيا ، وهو الزهد فيما لا ينفع في الدين والدنيا، والرغبة والسعي في كل ما ينفع فيهما .﴿وَلَنَجۡزِيَنَّ﴾ [و في قراءة بالياء: (وليجزين)] ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ﴾ على الوفاء بالعهود ، وعلى طاعة الله وعلى أقداره، وعن معصيته ، وعن شهوات أنفسهم وأهوائها ﴿أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ من الطاعات ، أي: بأحسن جزاء و أكرم مثوبة مما عملوا من طاعات في الدنيا ، أي: لنجزينهم أجرا حسنا مضاعفا ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء. والآية : قَسَمٌ من الرب تبارك وتعالى مؤكد باللام أنه يجزى الصابرين بأحسن أعمالهم ، أي : و يتجاوز عن سيئها .
16:97Page 278
مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧
Whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - We will surely cause him to live a good life, and We will surely give them their reward [in the Hereafter] according to the best of what they used to do.
٩٧ – ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا﴾ و هو العمل التابع الموافق لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ﴿مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ﴾ بالله و رسوله ، فإن الإيمان شرط في صحة الأعمال الصالحة وقبولها، فهو مقتض لها . و الإيمان: ما وقر في القلب ، ونطق به اللسان ، وصدَّقه عمل الجوارح والأركان ، من الواجبات والمستحبات. والعمل الصالح : هو ما كان خالصا لوجه الله ، موافقا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ﴿فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ﴾ في الدنيا، والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت، أي : بالقناعة والرضا بما قسم الله وقدّره و بالرزق الحلال الطيب ، وبالتوفيق إلى حلاوة الطاعة وحسن العبادة، وبطمأنينة القلب و سكون النفس وسعادتها . أو: حياة طيبة في الآخرة وهي حياة الجنة ، أو : في القبر . وفي الحديث : عند أحمد عن عبد الله ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «قد أفلح من أسلم ، ورزق كفافا، وقنّعه الله بما آتاه» . وفي رواية عند أحمد والترمذي والنسائي : «قد أفلح من هُديَ للإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع به» .﴿وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ﴾ أي : في الآخرة ﴿أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ من الطاعات والعبادات في الدنيا . وفي الحديث عند أحمد ومسلم ، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يعطى بها في الدنيا ، و يُثاب عليها في الآخرة، وأما الكافر ، فيطعم بحسناته في الدنيا ، حتى إذا أفضى إلى الآخرة ، لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا» .والآية : ترغيب للمؤمنين والمؤمنات في الإتيان بكل ما كان من شرائع الإسلام ، وذلك شأن كامل الإيمان.
16:98Page 278
فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨
So when you recite the Qur’ān, [first] seek refuge in Allāh from Satan, the expelled [from His mercy].
٩٨ – ﴿فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ﴾ أي : أردت قراءته ﴿فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ﴾ أي : فاعتصم به تعالى و الجأ إليه و استجر به و اسأله أن يعيذك من وساوس الشيطان ، حتى لا يصرف قلبك عن التأمل في القرآن ، ولا يلقي فيه الشبه والشكوك، ولا يزين لك الانصراف عنه . والرجيم: بمعنى المرجوم، أي : المطرود من رحمة الله .ولفظ الاستعاذة المختار عند جميع القراء هو : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» . وحكم الاستعاذة على قولين: الأول: الندب و الاستحباب قبل القراءة عند أكثر العلماء . وحكى ابن جرير الطبري الإجماع على ذلك . الثاني : وذهب بعضهم : إلى القول بوجوبها أخذا بظاهر الأمر بها في الآية .قلت: و الأول هو الصحيح عندي، لعدم الدليل على الوجوب.
16:99Page 278
إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩
Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.
٩٩ – ﴿إِنَّهُۥ﴾ أي : الشيطان ﴿لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ﴾ أي: تسلط وقهر بالإغواء والكفر ، أو : ولاية ، وقيل: لا حجة له ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي : يفوِّضون أمورهم إليه في كل قول و فعل ، ويثقون به ويعتمدون عليه ، فإن الإيمان بالله والتوكل عليه يمنعان تسلط الشيطان و ولايته على المتصفين بذلك ، كقوله : (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)الحجر(٤٢).
16:100Page 278
إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ ١٠٠
His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allāh.
١٠٠ – ﴿إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ﴾ أي : تسلطه بالإغواء و الوسوسة ، أو : ولايته أو حجته ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ﴾ أي : يتخذونه وليا مطاعا من دون الله، أو : يتولونه بالطاعة ، أي : يطيعونه في وساوسه، ويعصون الله تعالى في أوامره . يقال : توليته ، أي : أطعته ، وتوليت عنه : أي : أعرضت عنه وتركته .﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ﴾ أي : أشركوه في عبادة الله وطاعته . ويحتمل أن تكون الباء سببية ، والمعنى: والذين هم من أجله وبسببه، أي : بسبب طاعتهم للشيطان ، مشركون بالله تعالى كافرون به.
16:101Page 278
وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١
And when We substitute a verse in place of a verse - and Allāh is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muḥammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.
١٠١ – ﴿وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ﴾ أي: رفعناها وأثبتنا غيرها ، أو نسخنا آية بآية أخرى أو حكما بحكم آية أخرى، لمصلحة العباد، كقوله : (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها)البقرة(١٠٦) . ﴿وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ أي: أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما يُغير و يُبدل من أحكامه، فلعل ما يكون مصلحة في وقت ، يصير مفسدة بعده، فينسخه ، وما لا يكون مصلحة حينئذ ، يكون مصلحة الآن ، فيثبته مكانه . ﴿قَالُوٓاْ﴾ أي : المشركون المكذبون لرسول الله ﷺ الجاهلون بأحكام النسخ : ﴿إِنَّمَآ أَنتَ﴾ يا محمد ﴿مُفۡتَرِۭۚ﴾ أي: مختلق على الله ، متقوِّل عليه ما لم يقل .و هو رد لقولهم : إن محمدا يسخر بأصحابه ، يأمرهم اليوم بأمر ، وينهاهم عنه غدا ، ما هو إلا مفتر يتقوَّل من تلقاء نفسه ، و يختلقه من عنده . ﴿بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ حقيقة القرآن، وفائدة النسخ ، والحكمة فيه، فقد يكون في شرع شيء مصلحة مؤقتة بوقت ، ثم تكون المصلحة بعد ذلك الوقت في شرع غيره ، فالله هو الذي يشرع الأحكام و يبدل حكما مكان آخر لحكمته ورحمته بعباده .و يُبعد حملَ الآية على الآيات التكوينية – صريحُ هذه الآية وما بعدها ، وما وقع في القرآن من نسخ بعض الأحكام إلى بدل وإلى غير بدل .
16:102Page 278
قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ١٠٢
Say, [O Muḥammad], "The Pure Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."
١٠٢- ﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمد: ﴿نَزَّلَهُۥ﴾ أي: القرآن ﴿رُوحُ ٱلۡقُدُسِ﴾ أي : جبريل عليه السلام ، المطهر من أدناس البشرية. و القدس - بضم الدال و سكونها-: الطهر. ﴿مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ﴾ أي : بالصدق والعدل . متعلق ب «نزّل» ، أي : إن تنزيله كان من عند الله بالحق الثابت الموافق للحكمة فهو مشتمل على الحق في أخباره، وأوامره ونواهيه، و أحكامه و شرائعه ﴿لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ على الإيمان به ، فيصدقوا بما أنزل منه على رسول الله ﷺ، فتخبت له قلوبهم ﴿وَهُدٗى﴾ من الضلالة ﴿وَبُشۡرَىٰ﴾ بالجنة ﴿لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ الموحدين.فنزول القرآن عليهم كان هاديا لهم من الضلالة و مبشرا لهم بالجنة على إيمانهم به وبما أنزل فيه من الأحكام الناسخة والمنسوخة .
16:103Page 279
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣
And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.
١٠٣ – ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ﴾ أي : أن هؤلاء المشركين المكذبين لك ﴿يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ﴾ أي: إنما يعلم محمدا ﷺ القرآن ، هو ﴿بَشَرٞۗ ﴾ أي : من بني آدم ، غير مَلَك . قيل : إن هذا البشر – الذي زعموا عليه ما زعموا – هو غلام الفاكه بن مغيرة ، واسمه جبر ، وكان نصرانيا فأسلم . وكانت قريش تقول : إنما يعلمه عبد بني الحضرمي ، وكان يقرأ الكتب ، وكان نصرانيا . قال تعالى رادا عليهم: ﴿لِّسَانُ﴾ أي : لغة ﴿ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ﴾ أي: يميـلون قـولهم عن الاستقامـة، ويعرضون ﴿إِلَيۡهِ﴾ فيزعـمون أنـه يُعلِّـم النبـي ﷺ ﴿أَعۡجَمِيّٞ﴾ أي : لغة أعجمية غير عربية .﴿وهذا﴾ أي : القرآن ﴿لسان عربي مبين﴾ أي : ذو بلاغة وفصاحة وبيان واضح ، أعجزكم بفصاحته وبلاغته، وأنتم أهل اللّسن والبيان، فكيف يقدر من هو أعجمي على مثله؟ و أين فصاحة القرآن من عجمته ؟ و إذا كنتم قد عجزتم عن معارضة سورة منه وأنتم أهل الفصاحة والبلاغة ، فكيف تزعمون أنه يعلمه أعجمي ، أو أن بشرا يعلمه من العجم ؟والإلحاد : الميل ، يقال : لحد و ألحد، إذا مال عن القصد . [وفي قراءة : (يَلْحَدون) بفتح الياء والحاء ، من : لحد، والقراءة الأولى: من ألحد] . ومنه : لحد القبر : لأنه حفرة مائلة عن وسطه ، والملحد : لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها . و الأعجمي: منسوب إلى الأعجم، وهو الذي لا يفصح في كلامه ، سواء أكان من العرب أم من العجم، وزيدت فيه ياء النسب توكيدا .و العجمة: الإخفاء و ضدها : البيان، و رجل أعجم و امرأة عجماء، أي : لا يفصح.
16:104Page 279
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤
Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.
١٠٤ – ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ الدالة على الحق المبين ، فيردونها، ولا يقبلونها ، ولا يصدقـون بها ﴿لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ﴾ إلى الحـق ، ولا إلى الإيمـان بآياته ، وما أرسل به رسله في الدنيا، لما علم أزلا من شقاوتهم، فإنهم لما جاءهم الهدى ردوه ، فعوقبوا بحرمانه ، وخذلان الله لهم . ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: مؤلم موجع ، في الآخرة ، بسبب ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب في الدنيا .
16:105Page 279
إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥
They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.
١٠٥ – ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ﴾ ويختلقه على الله وعلى رسوله ﷺ هم: ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ﴾ أي : بالقرآن ، وذلك قولهم:(إن هذا إلا قول البشر)المدثر(٢٥) . ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المتصفون بذلك، من الكفار والمشركين ﴿هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ﴾ فالكذب منحصر فيهم ، فهو نعت لازم لهم ، وعادة من عاداتهم ، وكرره تأكيدا. والآية رد لقولهم:(إنما أنت مفتر).
16:106Page 279
مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦
Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;
١٠٦ – ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ﴾ فارتد عن الإسلام طائعا مختارا، ﴿إِلَّا﴾ أي : لكن ﴿مَنۡ أُكۡرِهَ﴾ على الكفر بقول أو فعل ، و قيل : بل بقول فقط، فنطق لسانه بكلمة الكفر ﴿وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ﴾ فلا شيء عليه . و«مَن» مبتدأ ، أو شرطية، والخبر أو الجواب محذوف، تقديره: فعليه غضب من الله ، دل عليه قوله: ﴿وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا﴾ له، أي : فتحه و وسعه ، والمعنى: رضي بالكفر واختاره وباح به طائعا واعتقده استحبابا ، واطمأن إليه ، وطابـت بـه نفسـه ، ﴿فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ بسبب ردتهم عن الإسلام، وعدولهم عنه ، بعد إيمانهم وإسلامهم، ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ في الآخرة .فائدة فقهيةوالآية فيمن يرتد عن الإسلام بأن ينطق بقول الكفر، أو بفعله ، بعد أن يكون قد دخل في الإسلام، فله حالتان : الأولى: فأما من أُكره على الكفر ، حتى خشي على نفسه القتل، فإنه لا إثم عليه بقول يقوله، أو فعل يفعله، كالسجود لغير الله ، إن صدر منه ذلك، وقلبه مطمئن بالإيمان ، ولا يحكم عليه بحكم الكفر . وذهب الحسن والأوزاعي والشافعي وسحنون من المالكية: إلى أن هذه الرخصة إنما جاءت في القول ، فأما الفعل فلا رخصة فيه .الثانية: وأما من ارتد عن الإسلام، طائعا مختارا، غير مكره ، أي : عامدا، ولو كان هازلا، كمن أشرك بالله ، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته ، أو صفة من صفاته ، أو كذب بالقرآن ، وبما جاء به محمد ﷺ من ربه ، أو جحد أركان الإسلام والإيمان ، أو استهزأ بالله ، أو كتبه أو رسله ، أو سب الله أو رسله، وغير ذلك، بفعل صريح أو قول ، فقد كفر، و عليه غضب من الله، و له عذاب عظيم .وقد أخرج عبد الرزاق في «مصنفه»، وابن سعد في «طبقاته» ، وابن جرير، عن ابن عباس : أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر ، حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ ، فوافقهم على ذلك مكرها ، وجاء معتذرا إلى النبي ﷺ ، فقال له : كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان ، قال : إن عادوا فعُد .وفيه : أنه سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير . قال ابن كثير : ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر ، يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته ، أي : كما فعل عمار ، ويجوز له أن يأبى ، كما كان بلال يأبى عليهم. قال : والأفضل والأوْلى أن يثبت المسلم على دينه ، ولو أفضى ذلك إلى قتله . ودلّ على ذلك أن كلام المكره على الطلاق أو العتاق أو البيع أو الشراء أو سائر المعاوضات والعقود، لا عبرة به ، ولا يترتب عليه حكم شرعي ، لأنه إذا لم يعاقب على كلمة الكفر عند الإكراه عليها ، فغيرها من باب أولى وأحرى .و في الحديث : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان و ما استكرهوا عليه» . رواه ابن ماجه و الحاكم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences