Al-Jami' al-WajizAl‑Isra · 17:59–78

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:59–78

17:59Page 288

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩

And nothing has prevented Us from sending signs [i.e., miracles] except that the former peoples denied them. And We gave Thamūd the she-camel as a visible sign, but they wronged her. And We send not the signs except as a warning.

٥٩ - سبب نزول الآية:أخرج أحمد و النسائي والحاكم والطبراني ، عن ابن عباس ، قال : سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجعل لهم الصّفا ذهبا، وأن ينحّي عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له : إن شئت أن نستأني بهم -أي : أن لا يُجابوا- وإن شئت نؤتهم الذي سألوا، فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم من الأمم ، قال: «بل استأن بهم يا رب»، فأنزل الله :(وما منعنا أن نرسل بالآيات) الآية . وأخرج الطبراني وابن مردويه عن الزّبير نحوه.﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ﴾أي : بالمعجزات المادية الحسّية، كالتي اقترحها أهل مكّة ، من جعل الصّفا ذهباً ، وتنحية الجبال عنهم للزراعة ﴿إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ﴾ من الأمم الماضية ، لمّا أرسلناها إليهم ، فأهلكناهم بذنوبهم. أي: فإن أرسلناها وكذّب بها هؤلاء ، لاستحقّوا الإهلاك و عوجلوا ولم يُمهلوا ، كما هي سنّة الله تعالى في عباده.والمعنى : وما كان سبب تركنا إرسال الآيات التي اقترحها المشركون ، إلاّ علمنا بأنهم سيكذّبون بها ، كما كذّب بأمثالها الأوّلون ، فيستوجبون مثلهم عذاب الاستئصال على ماجرت به السنّة الإلهية، وقد قضينا بإمهال المكذّبين من هذه الأمّة لحكم نعلمها.وقد جرت سنّة الله في عباده أنّهم لايؤخّرون إن كذّبوا بالآيات بعد نزولها ، كقوله تعالى: (قال الله إني منزّلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذّبه عذاباً لا أعذّبه أحداً من العالمين)المائدة(١١٥) وقوله عن ثمود حين سألوا الناقة وكذّبوا: (فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب)هود(٦٥) .﴿وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ﴾ أي : أعطينا قوم صالح ﴿ٱلنَّاقَةَ﴾ آية ﴿مُبۡصِرَةٗ ﴾ أي: بيّنة واضحة دالة على وحدانية الله تعالى وصدق رسوله ﴿فَظَلَمُواْ بِهَاۚ﴾ أي فجحدوها وكفروا بها، فأُهلكوا، أو :فظلموا أنفسهم وعرّضوها للهلاك بسبب عقرهم النّاقة. و خص ثمود بالذكر دون غيرهم من الأمم ، لأن آثار هلاك قريتهم قريبة من مشركي مكة و في طريق تجارتهم إلى الشام.﴿وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ﴾أي بالمعجزات ﴿إِلَّا تَخۡوِيفٗا﴾ للعباد وترهيباً لهم وإنذاراً ليؤمنوا ويعتبروا ويرتدعوا عمّا هم عليه من الكفر، أي : فليس المقصود من الآيات أن تكون داعية وموجبة للإيمان الذي لا يحصل إلاّ بها، بل المقصود منها التخويف والترهيب.وفي الحديث المتفق عليه :«إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن الله عز و جل يخّوف بهما عباده فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره».

17:60Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠

And [remember, O Muḥammad], when We told you, "Indeed, your Lord has encompassed the people."1 And We did not make the sight which We showed you2 except as a trial for the people, as was the accursed tree [mentioned] in the Qur’ān. And We threaten [i.e., warn] them, but it increases them not except in great transgression.

٦٠ -﴿وَ﴾ اذكر يامحمّد ﴿إِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ﴾ علماً وقدرة ، فهم في قبضة قدرته ، وتحت مشيئته وقهره وغلبته، ومنهم كفّار مكّة، فبلّغهم رسالة ربّك ، ولا تستعجل لهم ، فالله يعصمك منهم . ﴿وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ﴾ عيانا ليلة الإسراء ﴿إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ﴾أي: امتحاناً واختباراً لأهل مكّة ، إذ كذّبوا بها، لمّا أخبرهم ﷺ بما عاينه ليلة الإسراء من العجائب السماوية والأرضية.﴿وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ﴾ أي: وما جعلنا الشجرة التي جاء القرآن بلعن آكليها- وهي شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم- إلاّ فتنة لبعض الناس ،حيث كذّبوا خلق شجرة في النّار ، وقالوا:النّار تحرق الشجر ، فكيف تنبته ؟ استهزاءًوتكذيباً.﴿وَنُخَوِّفُهُمۡ﴾ أي : الكفار بالآيات أو : بالوعيد و العذاب والنكال ﴿فَمَا يَزِيدُهُمۡ﴾ تخويفنا بإرسال الآيات ﴿إِلَّا طُغۡيَـٰنٗا كَبِـيرٗا﴾ أي : تجـاوزا للحـد في كفرهم وتمردا وتماديا فيما هم فيه من الضلال والخذلان .وأطلق على ما عاينه النبي ﷺ من الآيات ليلة أسري به : «رؤيا» مع أنه كان يقظة ،لأن الرؤيا تطلق حقيقة على رؤية المنام و رؤية اليقظة ليلا أو على سبيل التشبيه بالرؤيا ، لما فيها من العجائب أو لوقوعها ليلا و سرعة تقضيها كأنها منام.والمراد من الآية : أنه إذا كان هذان الأمران ، وهما الرؤيا والشجرة - أي ما رآه النبي ﷺ عيانا من الأمور والآيات التي كانت ليلة الإسراء وأنه رأى الجنة والنار ورأى شجرة الزقوم التي تنبت في أصل الجحيم- قد صارا فتنة للناس حتى استلج الكفار بكفرهم وازداد تكذيبهم. أي: إذا كان أمر الإسراء وما فيه من الآيات والخوارق التي أوجبت لهم التكذيب ، فكيف لو شاهدوا الآيات العظيمة والخوارق الجسيمة، أليس هذا أدعى أن يزداد بسببه تكذيبهم وكفرهم ، ولذلك رحمهم الله وصرف عنهم ما اقترحوه من الآيات لعلمه أنهم سيكذبون بها كما كذب بها من قبلهم من الأمم .

17:61Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"

٦١ - ﴿وَ﴾ اذكر يا محمد ﴿قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ﴾ سجود تحية و تكريم، لا عبادة وخضوع ﴿فَسَجَدُوٓاْ﴾ جميعا له طاعة و امتثالا لأمر الله ﴿إِلَّآ إِبۡلِيسَ﴾ استكبر عن أمر الله للسجود لآدم و ﴿قَالَ﴾ متكبرا : ﴿ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا﴾ أي : من طين. نُصب بنزع الخافض .

17:62Page 288

قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢

[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."

٦٢ - ﴿قَالَ﴾ إبليس للرب جل وعلا: ﴿أَرَءَيۡتَكَ﴾ أي: أخبرني عن ﴿هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ﴾ أي: فضلت وشرفت ﴿عَلَيَّ﴾ بالأمر بالسجود له: لم فضلته عليّ وكرمته و أنا خير منه وأكرم، خلقتني من نار وخلقته من طين؟ والكاف في (أرأيتك) توكيد للخطاب. ﴿لَئِنۡ﴾ لام قسم ﴿أَخَّرۡتَنِ﴾ [و في قراءة: بإثبات الياء وصلا ووقفا: (أخرتني)] ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ أي: استبقيتني حيا إلى وقت النفخة الأولى ، أو :أنظرتني إلى ذلك اليوم ﴿لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ﴾ أي: لأستولين عليهم استيلاءً قويا بالإغواء والإضلال ، أو لأقودنهم حيث شئت . من قولهم : حنك الدابة يحنُكها ويحنِكها و أحنكها : إذا جعل في حنكها الرسن ليقودها به. أو : لأستميلنهم و لأحتوين عليهم. يقال : احتنك فلان ما عند فلان من مال : إذا احتوى عليه. أو : لأستاصلنهم ، أو لأهلكنهم بالإغواء والإضلال. من قولهم : احتنك الجراد الأرض: إذا أكل نباتها وأتى عليه.﴿إِلَّا قَلِيلٗا﴾ منهم ممن عصمته ، وهم المخلصون الذين ذكرهم الله تعالى في قوله : (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)الحجر(٤٢) .

17:63Page 288

قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣

[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.

٦٣ - ﴿قَالَ﴾ الله تعالى له : ﴿ٱذۡهَبۡ﴾ أي: امض لشأنك مُنظرا مؤخّرا إلى وقت النفخة الأولى ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ﴾ أي: من ذرية آدم وأطاعك ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ﴾ على أعمالكم، أي: جزاء إبليس ومن اتبعه ﴿جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا﴾ أي: وافرا كاملا غير منقوص ، أو مدّخرا لكم موفرا، جزاء أعمالكم.

17:64Page 288

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤

And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.

٦٤ - ﴿وَٱسۡتَفۡزِزۡ﴾ أي: واستخفف أو استعجل، أو أزعج ﴿مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم﴾ أي : من بني آدم أن تستفزه فتخدعه ﴿بِصَوۡتِكَ﴾ أي: بدعائك إياهم إلى معصية الله وطاعتك. فيدخل في هذا كل داع إلى المعصية.يقال استفزه : إذا استخفه فخدعه و أوقعه فيما أراده منه. واستفزني فلان: أزعجني . ﴿وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم﴾ أي: صح عليهم وسُقهم ﴿بِخَيۡلِكَ﴾ أي: بفرسانك الراكبين على الخيل من قبيلك وأتباعك ﴿وَرَجِلِكَ﴾[و في قراءة: بسكون الجيم (و رَجْلك)] أي: وبجندك المشاة في المعاصي وإغواء بني آدم. ويدخل في هذا كل راكب و ماش في معصية الله فهو من خيل الشيطان ورجله. أو: أجمع عليهم خيلك ورجلك بالدعاء إلى طاعتك. والمعنى : تسلطْ على بني آدم بكل ما تقدر من إغواء وإضلال وإغراء و وسوسة، وهذا أمر كوني قدري ، كقوله سبحانه: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزّا)مريم(٨٣) أي : تسوقهم إلى المعاصي سوْقا وتزعجهم إليها إزعاجا .والمقصود: أن الله ابتلى العباد بهذا العدو المبين الداعي لهم إلى معصية الله بأقواله و أفعاله وخيله و رجله. والآية : تمثيل لتسلط الشيطان على بني آدم بالإغواء والإضلال تسليطا قدريا ، بقائد جند يفعل ذلك بعدوه للتمكن منه و إهلاكه .و أجلِب : من الجلبة، بمعنى: الصياح و ارتفاع الأصوات. يقال : جلب على فرسه وأجلب : إذا صاح به من خلفه واستحثه للسبق .وأجلب فلان على فلان : إذا صاح عليه . و منه في الحديث : «النهي في المسابقة عن الجلب والجنب». أو: أجلب ، بمعنى : أجمِع. يقال : أجلب على العدو بخيله، أي: جمع عليه الخيل. و رَجِلك : من الرَّجْل، جمع راجل، أي : ماش غير راكب، كالركب جمع راكب. يقال : فلان يمشي رجِلا، أي : غير راكب .﴿وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ﴾ وهذا شامل لكل معصية لله تعلقت بأموالهم و أولادهم ، فكل ما عُصي الله فيه أو به ، أو أطيع الشيطان فيه أو به ، فهو مشاركة للشيطان فيه. فأما المشاركة في الأموال : فهي كل تصرف فيها يخالف وجه الشرع، سواء كان أخذا من غير حق أو وضعا في غير حق ، كالغصب والسرقة، والربا والإسراف ، والتبذير وإنفاق الأموال في معاصي الله ، واكتسابها من الحرام ، ومنع الزكاة، والصدقات، والحقوق الواجبة في الأموال ، وأكل مال اليتيم وأموال الناس بالباطل ، ونحو ذلك .وأما المشاركة في الأولاد : فكل ما يُعصى الله بفعله به ، كدعوى الولد بغير سبب شرعي ، وتحصيله بالزنا، وتسميتهم أولادهم بعبد اللات وعبد العزى ، وعبد فلان ، وقتلهم أولادهم سفها بغير علم ، من وأد للبنات مخافة العار ، وقتل للأولاد خشية إملاق ، وتصيير أولادهم على غير ملة الإسلام . ويدخل في مشاركة الشيطان في الأموال والأولاد: ترك التسمية عند الطعام والشراب والجماع ، كما جاء في الصحيحين : أن رسول الله ﷺ قال : «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال : باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد، لم يضره الشيطان أبدا» . ﴿وَعِدۡهُمۡۚ﴾ المواعيد الباطلة والأماني الكاذبة بأنه لا بعث ولا نشور، ولا حساب ولا جزاء ، ولا جنة ولا نار، ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ بذلك ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ أي : إلا وعدا باطلا خادعا، كقوله تعالى حكاية عن إبليس يوم القيامة :(إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم)إبراهيم(٢٢) وقوله:(الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء و الله يعدكم مغفرة منه و فضلا)البقرة(٢٦٨). وأصل الغرور : تزيين الباطل بما يوهم أنه حق . يقال : غر فلانا : إذا أصاب غِرته – أي: غفلته – ونال منه ما يريد . وغره يغُره غُرورا : إذا خدعه ، وأصله : من الغُرّ ، وهو الأثر الظاهر من الشيء ، ومنه غرة الفرس .

17:65Page 288

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥

Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1

٦٥ -﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ المؤمنين المخلصين الذين أطاعوني و اتبعوا أمري ﴿لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ﴾ أي : تسلط وقدرة على إغوائهم ، أو حجة على ذلك ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا﴾ لمن توكل عليه ، أي : حافظا و مؤيدا ونصيرا و كفيلا لهم منك، فيدفع عنهم، بتوكلهم واعتمادهم عليه كيد الشيطان ، ويعصمهم من إغوائه .والآية : إخبار بتأييده تعالى عباده المؤمنين ، وحفظه إياهم ، وحراسته لهم من الشيطان الرجيم . وفي الحديث : عند أحمد ، عن أبي هريرة مرفوعا : «إن المؤمن ليُنضي شياطينه – أي : يأخذ بناصيته ويقهره – كما يُنضي أحدكم بعيره في السفر» .

17:66Page 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.

٦٦ -﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي﴾ أي: يسوق ويدفع ، أو: يُسيِّر ويجري برفق ﴿لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ﴾ أي: السفن ﴿فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ﴾ أي : لتطلبوا ﴿مِن فَضۡلِهِۦٓۚ﴾ تعالى ، أي: من رزقه بالتجارة وغير ذلك من المنافع والمصالح . ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ ولم يزل ﴿بِكُمۡ رَحِيمٗا﴾ في تسخيرها لكم، وتسهيلها لمصالحكم، وتسييرها لمنافعكم في دنياكم .يقال : أزجى الإبل ، أي: ساقها برفق ، والريح تُزجي السحاب ، أي: تسوقه سوقا رفيقا .

17:67Page 289

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧

And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.

٦٧ – ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ﴾ أي: الشدة ﴿فِي ٱلۡبَحۡرِ﴾ من خوف غرق أو هلاك، ونحوهما ﴿ضَلَّ﴾ أي: غاب عن خاطركم وبطل عنكم ﴿مَن تَدۡعُونَ﴾ أي : تعبدون وتسألون من الآلهة ، في حال الرخاء ، فلا تدعونه ﴿إِلَّآ إِيَّاهُۖ﴾ وحده ، أو : ذهب عن قلوبكم كل ما تعبدون من دونه، من صنم أو جن أو ملَك أو بشر ، غير الله تعالى . فهو استثناء منقطع ، إذا أريد ب « من تدعون» : آلهتهم، ومتصل، إذا أريد به : آلهتهم والله تعالى .والمراد : أن الناس إذا مسهم الضر دعوا ربهم وحده منيبين إليه ، مخلصين له الدين ، لعلمهم بالفطرة أنه لا يكشف الضر إلا الله .﴿فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ﴾ من الغرق ، وأوصلكم بفضله ﴿إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ﴾ عن الإخلاص لله وتوحيده ، ودعائه وسؤاله ورجعتم إلى الإشراك به ، ودعاء آلهتكم وسؤال أصنامكم ، والاستغاثة بهم ، أي : عرفتم الله في الشدة والعسر ، ونسيتموه في الرخاء واليسر .﴿وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا﴾ أي : كثير الكفران جحودا لنعم الله ، أي: سجيته كذلك ، ينسى النعم ويجحدها ويكفرها، إلا من رحم الله وعصم.

17:68Page 289

أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨

Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.

٦٨ - ﴿أَفَأَمِنتُمۡ﴾ أي : بخروجكم إلى البر ، انتقام الله وعذابه ﴿أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ﴾ أي : يغوِّر و يُغيِّب بكم تحت الثرى ﴿جَانِبَ ٱلۡبَرِّ﴾ أي : الأرض – كمـا فعل بقارون- ﴿أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي : ريحا شديدة ترميكم بالحصباء ، وهي : الحجارة الصغار- واحدتها: حصبة . يقال: حصب فلان فلانا : إذا رماه بها . أو: (حاصبا) أي : مطرا فيه حجارة، كقوله تعالى حكاية عن قوم لوط: (إن أرسلنا عليهم حاصبا)القمر(٣٤) وقوله:(و أمطرنا عليهم حجارة من سجيل)الحجر(٧٤) . ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا﴾ أي: حافظا ونصيرا يمنعكم من بأس الله. [وفي قراءة : بالنون في الفعلين : (أن نخسف بكم جانب البر أو نرسل عليكم حاصبا)].

17:69Page 289

أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩

Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2

٦٩ - ﴿أَمۡ أَمِنتُمۡ﴾ أيها المعرضون عن الله ، بعدما اعترفتم بتوحيده في البحر ، وأشركتم به في البر ﴿أَن يُعِيدَكُمۡ﴾[و في قراءة بالنون : (أن نعيدكم)] ﴿فِيهِ﴾ أي: في البحر، بأن يهيء لكم أسباب ركوبه ﴿تَارَةً﴾ أي: مرة ﴿أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ﴾[و في قراءة بالنون: (فنرسـل)] ﴿عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ﴾ [و في قراءة: بالجمع: (من الرياح)] أي : ريحا شديدة عاصفة ، تقصف وتكسر ما أتت عليه من سفنكم ومراكبكم. أو : ريحا لها قصيف ، أي: صوت شديد ، كأنها تقصف، أي : تتكسر.والقاصف: الريح الشديدة المهلكة التي تقصف لشدتها ما مرت به من الأشجار وغيرها ، فتحطمه وتدقه ، من قولهم : قصف فلان ظهر فلان : إذا كسره.﴿فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ﴾ أي : بسبب كفركم وإعراضكم عن الله.[وفي قراءة: بالنون (فنغرقكم) وبالتاء:(فتغرقكم)و بالتاء و التشديد: (فتُغرِّقكم بما كفرتم)] ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا﴾ أي : تابعا مطالبا يطالبنا بما فعلنا بكم انتصارا لكم ، ودركا للثأر من جهتنا . فعيل بمعنى فاعل ، أي: تابع، بمعنى : مطالب بالثأر، ويقال لكل من طالب بثأر أو غيره : تابع وتبيع . أو : ناصرا لكم ثائرا ، يأخذ بثأركم منا، فإن الله لم يظلمكم مثقال ذرة .

17:70Page 289

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.

٧٠ - ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ﴾ أي: فضلناهم على سائر الخلق ، من الدواب وغيرها ، بالعلم والمعرفة والعقل و التمييز والتكليف، وإرسال الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم، وخَلْقنا لهم على أحسن الهيئات، وأكملها ، كقوله : (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)التين(٤) وإنعامنا عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة في أمور دينهم ودنياهم ، ومعاشهم ومعادهم ﴿وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ﴾ على الدواب من الأنعام والخيل والبغال ، وما يصنعونه بأنفسهم من المراكب و وسائل النقل ﴿وَٱلۡبَحۡرِ﴾ أي : وحملناهم في البحر على السفن. والمعنى : يسرنا لهم أسباب المعاش والمعاد بالسير في طلبها فيهما . ﴿وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ﴾ من المطاعم والمشارب ، والملابس والمناكح ، فما من طيب تتعلق به حوائجهم ، إلا وقد أكرمهم الله به ، ويسره لهم .﴿وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا﴾ فعليهم أن يتلقوا ذلك بالشكر، ويحذروا كفر النعم . وقد استدل بهذه الآية : على أفضلية جنس البشر على جنس الملائكة ، لأن «مَن» في قوله: (ممن خلقنا) للعاقل، ولكن لا يلزم من تفضيل الجنس ، تفضيل كل فرد من أفراده،إذ هم أفضل من البشر غير الأنبياء، أما الكافر ، فلا فضل له ولا كرامة ، لأنه قد أهان نفسه بكفره ، فأهانه الله تعالى، كما قال: (ومن يهن الله فما له من مكرم)الحج(١٨). وفي الحديث : عند الطبراني عن عبد الله بن عمرو مرفوعا ، وعبد الرزاق عن زيد بن مسلم ، موقوفا، وابن عساكر عن أنس بن مالك مرفوعا، عن النبي ﷺ قال :«إن الملائكة قالت: يا ربنا ، أعطيت بني آدم الدنيا، يأكلون فيها ويشربون ويلبسون ، ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو ، فكما جعلت لهم الدنيا ، فاجعل لنا الآخرة ، قال : لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له: كن، فكان».

17:71Page 289

يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١

[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].

٧١ – ﴿يَوۡمَ نَدۡعُواْ﴾ أي : اذكر يوم القيامة ، يوم ندعو ﴿كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ﴾ أي : بنبيهم ، فيقال : يا أتباع موسى ، ويا أتباع عيسى ، ويا أتباع محمد ﷺ، كقوله : (ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط)يونس(٤٧) . أو : بكتابهم الذي أنزل عليهم ، فيقال : يا أهل التوراة، ويا أهل الإنجيل ، ويا أهل القرآن. أو : بكتاب أعمالهم ، فيقال : يا صاحب الخير ، ويا صاحب الشر، كقوله : (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)يس(١٢) وقوله :(و وضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه)الكهف(٤٩) وقوله : (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون)الجاثية(٢٩).ويحتمل أن يكون المراد ب «إمامهم»: أي : بمن ائتموا به من نبي أو كتاب أو دين ، فكل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإيمان ائتموا بالأنبياء والرسل، وأهل الكفر ائتموا بطواغيتهم ، كقوله: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار)القصص(٤١). وفي الصحيحين عنه ﷺ قال : «لتتّبع كل أمة ما كانت تعبد ، فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت ..». قال ابن كثير : وهذا لا ينافي أن يجاء بالنبي إذا حكم الله بين أمته، فإنه لا بد أن يكون شاهدا على أمته بأعمالها، كقوله تعالى:(وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء)الزمر(٦٩) وقوله : (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)النساء(٤١). ولكن الراجح : أن المراد ب«الإمام» ههنا : هو كتاب الأعمال، والمراد ب«اليوم» : هو يوم القيامة. ﴿فَمَنۡ أُوتِيَ﴾ منهم ﴿كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ﴾ أي : أعطي صحائف أعماله بيمينه، تشريفا وبشارة ، وهم السعداء في الدنيا والآخرة ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ﴾ من فرحهم وسرورهم بما فيه من صالح أعمالهم، كقوله سبحانه و تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه)الحاقة(١٩) .﴿وَلَا يُظۡلَمُونَ﴾ من أجورهم ، أي: لا ينقصون من أعمالهم ، ﴿فَتِيلٗا﴾ أي: قدر فتيل ، وهو الخيط الرقيق الذي في الحز الكائن في ظهر النواة أو في شق النواة طولا . وهو كناية عن أنهم لا يُنقصون أدنى شيء من ثوابهم .

17:72Page 289

وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢

And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.

٧٢ – وأما الذين يؤتون كتابهم بشمالهم، فهم الذين عنـاهم الله بقـوله: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ﴾الدنيــا ﴿أَعۡمَىٰ﴾ البصيرة عن الحق ، وعن حجة الله وآياته وبيناته وعظيم قدرته ﴿فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ﴾ عن طريق النجاة ، فلا يهتدي إلى الجنة ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلٗا﴾ منه في الدنيا ، وأبعد طريقا عنه ، لاستحالة تداركه ما فات . وفي الآيتين : دليل على أن كل أمة تدعى إلى دينها وكتابها ، هل عملت به أم لا ؟ وأنهم لا يؤاخذون بشرع نبي لم يؤمروا باتباعه ، وأن الله لا يعذب أحدا من خلقه ، إلا بعد قيام الحجة عليه ، ومخالفته لها .

17:73Page 289

وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣

And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.

٧٣ - ﴿وَإِن كَادُواْ﴾ أي: هموا وقاربوا. «وإن» مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن ، أي : وإن الشأن قاربوا، أو : إنهم قاربوا في ظنهم الباطل ﴿لَيَفۡتِنُونَكَ﴾ أي : ليصرفونك بفتنتهم ، أو : ليستنزلونك عن طريق الحق و ليوقعونك في الفتنة - و هي المحنة الشديـدة-﴿عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡـكَ﴾ من القـرآن ﴿لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ﴾ أي : لتختـلق وتتقوّل علينا غير ما أوحينا إليك فتجيء بما يوافق أهواءهم ، وتدع ما أنزل الله عليك.﴿وَإِذٗا﴾ لو فعلت ذلك ، واتبعت أهواءهم ﴿لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا﴾ أي: حبيبا صفيا ، أي: لوالوْك ، وصافوك ورضوا عنك . والخليل: الصاحب المقرّب . والآية مكية ، نزلت فيما عرضه كفار قريش عليه ﷺ من جعل آية الرحمة آية عذاب وبالعكس . وقيل : مدنية ، نزلت في وفد ثقيف ، وقد سألوه ﷺ أن يحرم واديهم ، كما حرم مكة ، وأن ينسب هذا التحريم إلى الله ، ولكنه سبحانه حافظ لرسوله من كيد هؤلاء الحريصين على فتنته بكل سبيل .

17:74Page 289

وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤

And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.

٧٤ - ﴿وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ﴾ يا محمد، أي : و لولا تثبيتنا إياك على الحق بالعصمة عن موافقتهم ، ﴿لَقَدۡ كِدتَّ﴾ أي : قاربت ﴿تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ﴾ أي : تميل إليهم ﴿شَيۡـٔٗا﴾ من الميل والركون فيما اقترحوه عليك ﴿قَلِيلًا﴾ لشدة احتيالهم ، وكثرة معالجتهم وإلحاحهم، وقوة خَدْعهم ، ومحتبك لهدايتهم . ولكن الله تعالى ثبتك على الحق تثبيتا، فمنعك بالعصمة من أن تقارب الميل - فضلا عن الميل نفسه- إليهم . وهو صريح في أنه ﷺ لم يركن ولا قارب.و «لولا» : حرف يدل على امتناع الجواب لوجود الشرط ، أي: امتناع القرب من الركون لوجود التثبيت بالعصمة ، و إذا امتنع القُرب منه ، امتنع هو بالضرورة.

17:75Page 289

إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥

Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.

٧٥ – ﴿إِذٗا﴾ أي : لو ركنت إليهم ﴿لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ﴾ عذاب ﴿ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ﴾ عذاب ﴿ٱلۡمَمَاتِ﴾ أي: مثلي ما يُعذب غيرك في الدنيا والآخرة.والمراد : لأذقناك عذابا مضاعفا في الحياة الدنيا ، وعذابا مضاعفا في الممات ، و يشمل العذاب في القبر، والعذاب بعد البعث . أو: ضعف العذاب المعجل للعصاة في الدنيا ، وضعف العذاب المؤجل لهم بعد الموت . وضعف الشيء : مثله .وهذا العذاب المضاعف لكمال معرفته ﷺ بالله لو ركن إليهم، وحاشاه من ذلك. ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا﴾ أي: مانعا يمنع عنك عذاب الله ، أو يدفعه أو يصرفه عنك ، و لكن الله عصمك بالحق وثبتك عليه ، وهداك إلى الصراط المستقيم، فلم تركن إليهم بوجه من الوجوه .والآيات ٧٣-٧٥ إخبار من الله تعالى عن تأييده رسوله ﷺ وتثبيته على الحق وعصمته به ، وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار ، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره ، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه ، بل هو وليه وحافظه وناصره ، ومظهر دينه على من عاداه ، ومتم أمره إلى قيام الساعة .

17:76Page 290

وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦

And indeed, they were about to provoke [i.e., drive] you from the land [i.e., Makkah] to evict you therefrom. And then [when they do], they will not remain [there] after you, except for a little.1

٧٦ – ﴿وَإِن كَادُواْ﴾ أي : وإن الشأن قاربوا، أو : وإنهم قاربوا . والمراد : أهل مكة ﴿لَيَسۡتَفِزُّونَكَ﴾ أي: ليستخفونك أو : ليزعجونك بعداوتهم ومكرهم ﴿مِنَ ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي : أرض مكة ﴿لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ﴾ أي: من مكة ﴿وَإِذٗا﴾ لو أخرجوك ﴿لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ﴾ أي: لايبقون بعدك فيها [وفي قراءة:(خَلْفك)] ﴿إِلَّا﴾ زمنا ﴿قَلِيلٗا﴾ ثم يهلكون .أي: فلو أخرجه كفار مكة منها، لاستؤصلوا عن بكرة أبيهم ، ولكنهم لم يخرجوه ، بل هاجر بأمر ربه ، وقد أخبره الله تعالى بذلك قبل الهجرة . والآية مكية. وقد قيل : إنها نزلت في كفار قريش لما هموا بإخراج رسول الله ﷺ من بين أظهرهم ، فتوعدهم الله بهذه الآية، وأنهم لو أخرجوه ، لما لبثوا بعده بمكة إلا يسيرا. وكذلك وقع، فإنه لم يكن بعد هجرته ﷺ من بين أظهرهم، بعدما اشتد أذاهم له، إلا سنة ونصفا، حتى جمعهم الله وإياه ببدر على غير ميعاد، فأمكنه الله منهم وسلطه عليهم، وأظفره بهم، فقتل أشرافهم وسبى ذراريهم. أفاده ابن كثير في تفسيره.

17:77Page 290

سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧

[That is Our] established way for those We had sent before you of Our messengers; and you will not find in Our way any alteration.

٧٧ - ﴿سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ﴾ أي : كسُنّتنا وعادتنا في الذين كفروا برسلنا ، أنهم إذا أخرجوا نبيهم من بين أظهرهم ، أو قتلوه ، ينـزل عذابـنا بهـم . ﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا﴾ أي : تغييرا وتبديلا .

17:78Page 290

أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا ٧٨

Establish prayer at the decline of the sun [from its meridian] until the darkness of the night1 and [also] the Qur’ān [i.e., recitation] of dawn.2 Indeed, the recitation of dawn is ever witnessed.

٧٨ - ﴿أَقِمِ﴾ يا محمد ﴿ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ﴾ أي: لزوالها، والمراد: بعد أو عند زوالها ، وهو : ميلها عن وسط السماء إلى جهة الغرب . يقال : دلكت الشمس تدلك ، أي: مالت وانتقلت من وسط السماء إلى ما يليه. ومادة «دلك» : تدل على التحول والانتقال . ويدخل في إقامة الصلاة بعد الزوال : صلاتا الظهر والعصر .﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ﴾ أي : شدة ظلمته .يقال: غسِق الليل وأغسق، وظلم وأظلم، ودجا وأدجى، وغبس وأغبس، وغبش وأغبش بمعنىً. وأصل معنى الغسق: السيلان . يقال : غسقت العين – كضرب وسمع – أي : سال دمعها ، فكأن الظلمة تنصب على العالم وتسيل عليهم. ويدخل في ذلك: صلاتا المغرب والعشاء .وعليه : فالمراد بالصلاة التي تقام من بعد الدلوك إلى الغسق : صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء.﴿وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ﴾ أي : وأقم قراءة الفجر ، أي : صلاته، وسميت قرآنا ، لأن القراءة ركنها ، من تسمية الشيء باسم جزئه، كتسمية الصلاة ركوعا وسجودا وقنوتا. وقيل : لمشروعية إطالة القراءة فيها، أطول من غيرها.﴿إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ﴾ أي : صلاته ﴿كَانَ مَشۡهُودٗا﴾ أي : تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار .فقد أخرج البخاري في «صحيحه» عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال : «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد، خمس وعشرون درجة، وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر» يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا).وأخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه ، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله : (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) قال «تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار» .وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر ، فيعرج الذين باتوا فيكم ، فيسألهم ربهم – وهو أعلم بهم – كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : أتيناهم وهو يصلون ، وتركناهم وهم يصلون» .وفي الآية : ذكر الأوقات الخمسة للصلوات المكتوبة ، وأن الصلوات المذكورة في الآية فرائض ، لتخصيصها بالأمر . ومنها : أن الوقت شرط لصحة الصلاة ، وأن الظهر والعصر يجمعان، والمغرب والعشاء كذلك للعذر ، لأن الله جمع وقتهما جميعا . وفيه : فضيلة صلاة الفجر، وفضيلة إطالة القراءة فيها، وأن القراءة فيها ركن ، لأن العبادة إذا سميت ببعض أجزائها ، دل ذلك على فرضيتها .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском