Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:79–99
17:79Page 290
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ٧٩
And from [part of] the night, pray1 with it [i.e., recitation of the Qur’ān] as additional [worship] for you; it is expected that2 your Lord will resurrect you to a praised station.3
٧٩ - ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ﴾ أي: وتيقظ من نومك في بعض الليل، وهو الثلث الأخير منه ﴿فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ﴾ أي: فصلّ بالقرآن صلاة الليل، ﴿نَافِلَةٗ لَّكَ﴾ أي : فريضة زائدة على الصلوات الخمس ، خاصة بك دون أمتك، بناء على أن فرص التهجد لم ينسخ في حقه ﷺ، فمعناه: أنك مخصوص بوجوب ذلك وحدك ، أي : أن قيام الليل واجب في حقه دون أمته . أو : فضيلة لك على الصلوات المفروضة، وزيادة درجات ، بناء على أنه مندوب في حقه ، وأن الوجوب منسوخ في حقه ، كما نسخ في حق أمته ، ومعناه: أن قيام الليل في حقه نافلة وفضيلة على الخصوص، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . وأما قيام الليل في حق أمته : فتطوع، يُكفَّر به عن الذنوب ، ويجبر به نقص الفرائض، لحديث : «انظروا هل لعبدي من تطوع» .والتهجد : الصلاة بعد القيام من النوم ليلا ، وقيل : الاستيقاظ من النوم ليلا للصلاة ، من الهجود : وهو النوم ليلا ، ثم استعملت صيغة «تهجُّد» في إزالته ، كتأثّم وتحرّج ، في إزالة الإثم والحرج .وفي الحديث : عند مسلم ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله ﷺ سُئل : أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ فقال: «صلاة الليل» . وقد ثبتت الأحاديث عن رسول الله ﷺ : «أنه كان يتهجد بعد نومه» .﴿عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ﴾ أي : يُقيمك ﴿رَبُّكَ﴾ في الآخرة ﴿مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا﴾ يحمدك فيه الأولون والآخرون، أي: افعل هذا الذي أمرتك به من قيام صلاة الليل ، لنقيمك يوم القيامة مقاما محمودا ، يحمدك فيه الخلائق كلهم ، وخالقهم تبارك وتعالى . وهو : مقام الشفاعة العظمى في فصل القضاء ، أو مقام الشفاعة لأمته ﷺ يوم القيامه ، ليريحهم ربهم سبحانه مما هم فيه من عظيم أهوال ذلك اليوم فيحمده على ذلك المقام أهل المحشر ، وبيده ﷺ لواء الحمد.و «عسى» و «لعل» من الله واجبة.فقد أخرج البخاري عن ابن عمر قال : «إن الناس يصيرون يوم القيامه جثاء ، كل أمة تتبع نبيها، يقولون : يا فلان اشفع ، يا فلان اشفع ، حتى تنتهي الشفاعة إلى محمد ﷺ ، فذلك يوم يبعثه الله مقاما محمودا» .وفي رواية للبخاري عنه : «إن الشمس لتدنو ، حتى يبلغ العرق نصف الأذن ، فبينما هم كذلك، استغاثوا بآدم ، فيقول : لست بصاحب ذلك ، ثم بموسى ، فيقول كذلك ، ثم بمحمد ﷺ فيشفع بين الخلق ، فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا ، يحمده أهل الجمع كلهم» .وأخرج البخاري عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله ﷺ قال : «من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آت محمدا الوسيلة والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته – حلت له شفاعتي يوم القيامة» .وعن أُبيّ بن كعب ، عند أحمد والترمذي وابن ماجه ، عن النبي ﷺ قال : «إذا كان يوم القيامة ، كنت إمام الأنبياء وخطيبهم و صاحب شفاعتهم غير فخر» .وعن كعب بن مالك عند أحمد في «مسنده» أن رسول الله ﷺ قال: «يبعث الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تل ، ويكسوني ربي عز وجل حلة خضراء ، ثم يؤذن لي، فأقول ما شاء الله أن أقول ، فذلك المقام المحمود» .وعن أبي الدرداء عند أحمد -أيضا- قال : قال رسول الله ﷺ : «أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له فيرفع رأسه، فأنظر إلى ما بين يدي فأعرف أمتى من بين الأمم، فقيل: وكيف تعرفهم ؟ قال : هم غر محجلون من أثر الوضوء ، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيْمانهم ، وتسعى من بين أيديهم ذريتهم» وفي «صحيح مسلم» قال رسول الله ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر يوم القيامة ، وأول شافع ، وأول مشفع». وعنه ﷺ في قوله تعالى : (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) قال :«هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه» .وفي حديث الشفاعة: عند أحمد في «مسنده» والشيخين في «صحيحيهما»، عن أبي هريرة وأنس بن مالك: «أن الناس يحشرون في صعيد واحد ، وتدنو الشمس منهم، ويبلغ بهم من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون ، فيقول بعضهم لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه ، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيأتون آدم عليه السلام، فيذكر معصيته بالأكل من الشجرة، ويقول: نفسي نفسي ، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا عليه السلام، فيذكر أنه كان له دعوة جعلها على قومه – وهي : (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا) –» .وفي رواية أنس :«أنه يذكر معصيته بسؤاله ربه ما ليس له به علم ، ويقول : نفسي نفسي . اذهبوا إلى إبراهيم خليل الله ، فيأتون إبراهيم عليه السلام، فيقول : نفسي نفسي، اذهبوا إلى موسى كليم الله، فيأتون موسى عليه السلام ، فيذكر أنه قتل نفسا لم يؤمر بقتلها ، فيقول: نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحه ، فيأتونه ، فيقول: نفسي نفسي ، اذهبوا إلى محمد ﷺ، فيأتونه ، ويسألونه أن يشفع لهم إلى ربه تبارك وتعالى ، فيقوم فيأتي تحت العرش، فيقع ساجدا لربه عز وجل ، ثم يفتح الله عليه ويلهمه من محامده وحسن الثناء عليه ، فيقال له : ارفع رأسك، وسَل تعطه ، واشفع تشفع ، فيرفع رأسه ويقول: أمتي يا رب ؟ فيقال له: يا محمد ، أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب» . وفي رواية أنس: «أنه يقول بعد أن يشفع : فيخرج من النار من قال : لا إله إلا الله ، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج منها من قال : لا إله إلا الله ، وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرّة ، ثم يخرج منها من قال : لا إله إلا الله ، وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة». وهذا من عظيم فضله ورحمته سبحانه، وجليل منته تعالى على عباده .
17:80Page 290
وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا ٨٠
And say, "My Lord, cause me to enter a sound entrance1 and to exit a sound exit2 and grant me from Yourself a supporting authority."
٨٠ – ﴿وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي﴾ أي : المدينة ﴿مُدۡخَلَ صِدۡقٖ﴾ أي : إدخال عز ، أو : إدخالا حسنا مرضيا جيدا في كل ما أدخل فيه من أمر ديني أو دنيوي ، أو مكان. فهو مصدر بمعنى : الإدخال، كالمجرى والمرسى ، وإضافته من إضافة الموصوف لصفته.﴿وَأَخۡرِجۡنِي﴾ أي : من مكة ﴿مُخۡرَجَ صِدۡقٖ﴾ أي : إخراج نصر ، أو من الدنيا إخراجا مرضيا. والمراد: اجعل مداخلي ومخارجي كلها في طاعتك ، وعلى مرضاتك .﴿وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا﴾ أي : قهرا وعزا وقوة ودولة تنصر به الإسلام وأهله ، فجعل الله له سلطة ودولة بالمدينة ، تنصر كتاب الله ، وتحفظ حدود الله ، وتقيم فرائضه ، وترفع شأن دين الله، فإنه لا بد مع الحق من قهر وقوة لمن عاداه وناوأه ، ولهذا قال تعالى : (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس )الحديد(٢٥) . وفي الحديث : «إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن» أي : ليمنع بالسلطان والقوة عن ارتكاب الفواحش والآثام ما لا يمتنع كثير من الناس بالقرآن ، وما فيه من الوعيد الأكيد والتهديد الشديد .وقيل : (سلطانا نصيرا) أي : حجة ظاهرة ، وبينة قاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني . والأول أظهر. وقد قيل : إن الآية نزلت لما أُمر ﷺ بالهجرة من مكة إلى المدينة . أخرجه الترمذي و ابن مردويه عن ابن عباس.
17:81Page 290
وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١
And say, "Truth has come, and falsehood has departed. Indeed is falsehood, [by nature], ever bound to depart."
٨١ - ﴿وَقُلۡ﴾ يا محمد، استبشارا بنصر الله وترهيبا للمشركين: ﴿جَآءَ ٱلۡحَقُّ﴾ أي : جاء الإسلام ، أو: الدين الحق، وهو ما وعد الله نبيه ﷺ من ظهور الإسلام وانتصاره ، ﴿وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ﴾ أي : زال الشرك، وهلك، وبطل الكفر واضمحل ، فإن الباطل لا ثبات له مع الحق ولا بقاء ، كقوله: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون)الأنبياء(١٨) . ﴿إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا﴾ أي : زائلا ذاهبا مضمحلا، فإن الباطل لا تكون له صولة وجولة إلا في الأزمنة والأمكنة الخالية من الحق والعلم بآيات الله .وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال : «دخل النبي ﷺ مكة، وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب – أي : صنم – فجعل يطعنها بعود في يده ، ويقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)». (جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد)سبأ(٤٩) . وروى الحافظ أبو يعلى نحوه عن جابر بن عبد الله .يقال : زهقت نفسه تزهق زُهوقا : خرجت من الأسف على الشيء ، وزهق السهم : إذا جاوز المرمى إلى ما وراءه .
17:82Page 290
وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢
And We send down of the Qur’ān that which is healing and mercy for the believers, but it does not increase the wrongdoers except in loss.
٨٢ – ﴿وَنُنَزِّلُ﴾ [بالتشديد والتخفيف: (ونُنْزِل)] ﴿مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ﴾ للقلوب من أمراض الشك والريب، والجهالة والضلالة، والشرك والنفاق، والزيغ والميل ، والعوج والانحراف، والشهوات و الشبهات، وشفاء للأبدان من آلامها وأسقامها لما فيه من الحكمة، وطلب الخير والرغبة فيه .و «مِن» للبيان لا للتبعيض . فالقرآن كله يشفي من أمراض القلوب والعقول والأبدان كلها.﴿وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ المصدقين به المتبعين له ، لما فيه من الإيمان واليقين، والعلوم النافعة المشتملة على ما فيه صلاح الدين والدنيا، والمعاش والمعاد ، ولما في تلاوته وتدبره من الأجر العظيم، ومغفرة الله ورضوانه . ﴿وَلَا يَزِيدُ﴾ القرآن ﴿ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ المكذبين به ، الذين وضعوا التكذيب به موضع التصديق له ﴿إِلَّا خَسَارٗا﴾ أي : هلاكا بسبب كفرهم به ، فكلما نزلت آية تجدّد تكذيبهم وكفرهم بها، فازدادوا بسبب ذلك بعدا وهلاكا وكفرا وخسارا ، لعدم انتفاعهم بها .والخسار والخسارة : الهلاك والضلال . والآية كقوله سبحانه و تعالى : (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى)فصلت(٤٤) وقوله جل في علاه: (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ١٢٤ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ١٢٥)التوبة(١٢٤-١٢٥).
17:83Page 290
وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا ٨٣
And when We bestow favor upon man [i.e., the disbeliever], he turns away and distances himself; and when evil touches him, he is ever despairing.
٨٣ - ﴿وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ﴾ بالنعم الظاهرة والباطنة ، من مال وغنى ، وصحة وعافية ، وفتح ورزق ونصر ﴿أَعۡرَضَ﴾ عن طاعة الله وعبادته ، فلا يشكر ربه على ما أنعم عليه ولا يذكره .﴿وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ﴾ أي : بعُد منا بنفسه ، تكبرا وتعاظما، كأن لم تنله نعمة منا، [وفي قراءة بالمد:(وناء بجانبه)] أي : ثنى ولوى عنا عطفه ، وأولانا ظهره تكبرا و عنادا ، فلا يكون منه إلا التكبر والبعد بنفسه عن القيام بحقوق المنعم من الطاعة والعبادة والشكر والذكر .والمراد بالإنسان : جنسه ، أي : فهذه طبيعة الإنسان من حيث هو ، إلا من عصمه الله تعالى ، وهداه ووفقه للشكر والصبر في حالتي السراء والضراء .و نأى : من النأي ، وهو : البُعد . و الجانب : النفس ، يقال: جاء من جانب فلان كذا ، أي : منه ، وهو كناية، كما يُعبر بالمقام والمجلس عن صاحبه . والآية كقوله : (فلما نجاكم إلى البر أعرضتم)الإسراء (٦٧). ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ ﴾ من مرض وفقر، وشدة ومحنة ، ونائبة وحادثة ، ﴿كَانَ﴾ أي : الإنسان ﴿يَـُٔوسٗا﴾ أي: شديد اليأس والقنوط من رحمة الله، إن ظفر بالمقصود نسي المعبود، وإن فاته المؤمل والمراد ، استولى عليه الحزن ، وغلب عليه القنوط واليأس، فقطع من ربه رجاءه ، بقنوطه من الخير كله.وأما من هداه الله ووفقه ، فإنه عند النعم يشكر ربه ويخضع له ، وعند الضراء ، يتضرع إليه ويرجو منه عافيته . والآية كقوله : (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور ٩ ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ١٠)هود( ٩-١٠).
17:84Page 290
قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا ٨٤
Say, "Each works according to his manner, but your Lord is most knowing of who is best guided in way."
٨٤ - ﴿قُلۡ كُلّٞ﴾ أي : كل واحد من المعرض والمقبل، أو : من الكافر والمؤمن ﴿يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ﴾ أي: على طريقته وناحيته ومذهبه الذي يشاكل حاله ويشابهه في الهدى والضلال ، والحسن والقبح . من قولهم : طريق ذو شواكل، أي: طرق تتشعب منه ، مأخوذة من الشكل – بالفتح – وهو : المثل والنظير ، يقال : لست على شكلى ولا شاكلتي . أو : خليقته وملكته الغالبة عليه . ﴿فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا﴾ أي : طريقا ، منا ومنكم وأقوم منهجا ، فيجزى كل عامل بعمله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .والآية تهديد للمشركين ووعيد لهم ، كقوله تعالى: (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم)هود(١٢١) .
17:85Page 290
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٥
And they ask you, [O Muḥammad], about the soul. Say, "The soul is of the affair [i.e., concern] of my Lord. And you [i.e., mankind] have not been given of knowledge except a little."
٨٥ – أسباب نزول الآية :أخرج الإمام أحمد في «مسنده» والترمذي في «جامعه» عن ابن عباس، قال : قالت قريش ليهود: أعطونا شيئا نسأل عنه هذا الرجل ، فقالوا: سلوه عن الروح ، فسألوه ، فنزلت الآية .وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مسعود، قال : كنت أمشي مع رسول الله ﷺ في خرب المدينة، وهو متكئ على عسيب فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه، وقال بعضهم: لا تسألوه ، فسألوه فقالوا: يا محمد ، ما الروح؟ فما زال متوكئا على العسيب ، وظننت أنه يوحى إليه ، فأنزل الله هذه الآية .قال ابن كثير : وهذا السياق يقتضي أن تكون هذه الآية مدنية ، مع أن السورة كلها مكية ، وقد يجاب عنه: بأن الآية قد تكون نزلت عليه بالمدينة ، مرة ثانية ، كما نزلت عليه بمكه قبل ذلك، أو : بأن الوحي نزل عليه بالآية نفسها ليجيبهم عما سألوه من أمر الروح .﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ﴾ أي : اليهود ، أو : أهل مكة تعنتا وامتحانا : ﴿عَنِ ٱلرُّوحِۖ﴾ الذي يحيا به البدن ، ويعيش به الإنسان ، أي : عن كنهها وحقيقتها. والروح يذكر ويؤنث . ﴿قُلِ﴾ لهم : ﴿ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي﴾ أي : مما استأثر الله تعالى بعلمه ، فهي من شأنه الذي لا يعلمه إلا هو . وعن عبد الله بن بريدة : أن الله تعالى لم يطلع على الروح ملكا مقربا ، ولا نبيا مرسلا ، بدليل هذه الآية .﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ بالنسبة إلى علمه تعالى ، أي : لم يطلعكم الله إلا على القليل من علمه، فعلمكم الذي علمكم الله إياه في علم الله قليل .وفي الآية : دليل على أن المسئول إذا سئل عن أمر ليس في الجواب عنه عظيم فائدة للسائل ، فإن الأولى به أن يعرض عن إجابة السائل عما سأل عنه ، ولكن يدله على ما يحتاج إليه ، و يرشده إلى ما ينفعه .وقد جاء ذكر الرُّوح – بضم الراء – في القرآن الكريم مرارا وعلى معان مختلفة :فمنها : الروح التي يحيا بها البدن، وهو المعنى الذي يتبادر إلى الذهن عند الإطلاق ، ومنه قوله تعالى في آدم عليه السلام :(فإذا سويته ونفخت فيه من روحي)الحجر(٢٩) أي: روح آدم التي خلقها الله تعالى، ومثله قوله في مريم عليها السلام : (فنفخنا فيها من روحنا)الأنبياء(١١٩) وقوله : (فنفخنا فيه من روحنا)التحريم(١٢) أي: من الروح التي خلقها الله تعالى لعيسى ابن مريم. وإضافة الروح إلى الله تعالى في آيات آدم وعيسى عليهما السلام – إضافة تشريف وتكريم و مخلوق إلى خالق عليم قدير ، لا بمعنى أن لله تعالى روحا ، فالله حي قيوم دائم، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير. وقد سميت الروح روحا ، لأنها تروح ، أي: ترجع وتعود إلى خالقها ، و لو بعد حين ، وهي سر من الأسرار ، لا يعلم كنهها وحقيقتها إلا الله وحده.ومنها : الروح ، أي : جبريل عليه السلام ، كقوله تعالى : (تنزل الملائكة والروح فيها)القدر(٤) . أي: جبريل عليه السلام . وقوله سبحانه و تعالى : (فأرسلنا إليها روحنا)مريم(١٧) أي: جبريل عليه السلام. وهو الروح الأمين في قوله سبحانه: (نزل به الروح الأمين ١٩٣ على قلبك لتكون من المنذرين ١٩٤)الشعراء(١٩٣-١٩٤). و روح القدس في قوله : (قل نزله روح القدس من ربك بالحق)النحل(١٠٢). أي: الروح المقدسة الطاهرة. ومنها : الروح ، أي : الوحي والقرآن ، كقوله في سورة غافر (١٥):(يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده) أي : الوحي، وقوله في سورة الشورى (٥٢) : (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا) أي : القرآن .أما الرَّوْحُ – بفتح الراء – فلها معان أخر : منها الراحة والنعيم ، كقوله: (فروْحٌ وريحان وجنة نعيم)الواقعة(٧٩). ومنها الرحمة ، كقوله سبحانه في سورة يوسف (٨٧) : (ولا تيأسوا من روْح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) أي : من رحمته تعالى .
17:86Page 290
وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا ٨٦
And if We willed, We could surely do away with that which We revealed to you. Then you would not find for yourself concerning it an advocate against Us.
٨٦ - ﴿وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ﴾ أي : بالقرآن ، بأن نمحوه من الصدور والمصاحف . واللام في « لئن» لام قسم .﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ﴾ أي : بالقرآن ، بعد إذهابه عنك ﴿عَلَيۡنَا وَكِيلًا﴾ أي: من يتعهد باسترداده وإعادته إليك بعد ذهابه ، كما يلتزم الوكيل ذلك فيما يوكل فيه . وفي الآية : امتنانٌ من الله تعالى بحفظ القرآن وإبقائه إلى قرب قيام الساعة .
17:87Page 291
إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا ٨٧
Except [We have left it with you] as a mercy from your Lord. Indeed, His favor upon you has ever been great.
٨٧ - ﴿إِلَّا﴾ أي : لكن أبقيناه محفوظا في صدرك ﴿رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ﴾ وتفضلا عليك ﴿إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا﴾ أي : عظيما لا يقادر قدره ، حيث جعلك نبيا رسولا ، وأنزل الكتاب عليك ، وصيّرك سيد ولد آدم ، وأعطاك المقام المحمود ، وغير ذلك من الفضائل والنعم ، كقوله: (وكان فضل الله عليك عظيما)النساء(١١٣) .
17:88Page 291
قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨
Say, "If mankind and the jinn gathered in order to produce the like of this Qur’ān, they could not produce the like of it, even if they were to each other assistants."
٨٨ - ﴿قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ﴾ أي: اتفقت ﴿عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ﴾ في الفصاحة والبلاغة ، وحُسن النظم وجزالة اللفـظ ﴿لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ﴾ أي : لا يقدرون على الإتيان بمثله في بلاغته وفصاحته، وحُسن نظمه ، وتأليفه وبديع أسلوبه . ﴿وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا﴾ أي: معينا ونصيرا. ومنه : أظهره الله على عدوه ، أي : أعانه، واستظهر به، أي : استعان. والمعنى: لو تعاون الإنس و الجن جميعا على ذلك، ما قدروا على الإتيان بمثله، وقد عجز فصحاء العرب – وهم أئمة البيان ، وفرسان البلاغة ، وذوو اللسن في الخطب – عن معارضته بعد التحدي ، فكان غيرهم أعجز . وتتابعت القرون وتضافرت جهود الأعداء ، فلم يستطع أحد أن يأتي بمثله ، فكان ذلك آية من آيات الله، ودليلا على أنه كلام الله وليس من كلام البشر ، فالله ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.
17:89Page 291
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٨٩
And We have certainly diversified for the people in this Qur’ān from every [kind of] example, but most of the people refused except disbelief.
٨٩ – ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا﴾ أي : بيّنا ووضحنا ، أو : نوّعنا وكررنا ﴿لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ﴾ أي : مثلا من جنس كل مثل ، ليتعظوا ويعتبروا. صفة لمحذوف. أو : من كل معنىً هو كالمثل في غرابته وتأثيره في النفس. والمعنى: كررنا ورددنا البينات والعبر في القرآن بأساليب مختلفة ، وأتينا فيه من البدائع، ما يشبه في حسنه وغرابته الأمثال ، ليهتدي الناس بهديه . أو : نوّعنا فيه المواعظ والأمثال، مما يوجب الاتعاظ والاعتبار ، من الأحكام والشرائع، والأوامر والنواهي، و الترغيب و الترهيب، والوعد والوعيد، والقصص والأمثال، والجنة والنار ، والجزاء والقضاء.أو : ثنّيْنا فيه المعاني ، ورددناها وكررناها على وجوه مختلفة وأساليب متباينة ، مما فيه صلاح العباد في دينهم ودنياهم ، ومعاشهم ومعادهم ، ليتعظوا ويعتبروا . ﴿فَأَبَىٰٓ﴾ أي : لم يرض ﴿أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا﴾ أي: جحودا للحق ، وردا للصواب ، تعنتا واستخفافا وإمعانا في التكذيب بعد قيام الحجة عليهم. من الكَفْر، وهو : الستر والتغطية .
17:90Page 291
وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا ٩٠
And they say, "We will not believe you until you break open for us from the ground a spring
٩٠ - ﴿وَقَالُواْ﴾ مقترحين على رسول الله ﷺ واحدا من هذه الأمور الستة التي اشتملت عليها الآيات ، تعنتا واستخفافا، وكفرا وعنادا . والقائلون هم : رؤساء مكة . وقوله : «وقالوا» عطف على قوله: «فأبى» .﴿لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ﴾ يا محمد ﴿حَتَّىٰ تَفۡجُرَ﴾ [وفي قراءة بالتشديد: (تُفَجِّر)] ﴿لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ﴾أي: تشقق لنا من أرض مكة﴿يَنۢبُوعًا﴾ أي : عينا لا ينضب ماؤها ولا يغور . من نبع الماء من العين ينبع – بتثليث الباء فيها - : إذا خرج. وكانوا قد سألوه أي يجري لهم عينا معينا في أرض الحجاز، كأنهار الشام والعراق ، وذلك سهل على الله يسير لديه ، لو شاء تعالى لفعله ، ولأجابهم إلى ما سألوا وطلبوا ، ولكنه علم أزلا أنهم لا يهتدون ، فلو سألوا ذلك استرشادا، لأجيبوا ، ولكنهم إنما يطلبون ذلك كفرا وعنادا ، كقوله: (إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ٩٦ ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ٩٧)يونس(٩٦-٩٧).
17:91Page 291
أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا ٩١
Or [until] you have a garden of palm trees and grapes and make rivers gush forth within them in force [and abundance]
٩١ - ﴿أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ﴾ أي : بستان ﴿مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ﴾ بأرضنا ، أي : تشققها، والمراد: فتجريها بقوة ﴿خِلَٰلَهَا﴾ أي : وسْطها، والمراد: وسط تلك الجنة أو خلال النخيل والكـروم ﴿تَفۡجِيرًا﴾ كثيرا ، أي: سيلا يسيل بينها .
17:92Page 291
أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢
Or you make the heaven fall upon us in fragments as you have claimed or you bring Allāh and the angels before [us]
٩٢ - ﴿أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا﴾ [و في قراءة : بإسكان السين(كِسْفا)] أي : قطعا بالعذاب.جمع كسفة – بكسر الكاف وسكون السين – أي : قطعة. يقال : كسفت الثوب : قطعته .وقولهم له : (كما زعمت) : أي : أنك وعدتنا أن يوم القيامة تنشق فيه السماء وتتدلى أطرافها ، فعجِّل لنا ذلك في الدنيا ، وأسقطها علينا كسفا. وكان قوم شعيب قد سألوا نبيهم ذلك فقالوا : (فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين)الشعراء(١٨٧) فعاقبهم الله بعذاب يوم الظلة ، إنه كان عذاب يوم عظيم . وأما رسول الله ﷺ فسأل إنظارهم وتأجيلهم، لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبده لا يشرك به شيئا.﴿أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا﴾ أي : مقابلة وعيانا، فنراهم يشهدون لك بما جئت به ، أو : كفيلا بما تدعيه، شاهدا بصحته . أو : تأتي بهم جماعة بعد جماعة يشهدون لك بصحة رسالتك .
17:93Page 291
أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٣
Or you have a house of ornament [i.e., gold] or you ascend into the sky. And [even then], we will not believe in your ascension until you bring down to us a book we may read." Say, "Exalted is my Lord! Was I ever but a human messenger?"
٩٣ - ﴿أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ﴾ أي : من ذهب ، أو : مُزيّن كثير الزخارف . وأصل الزخرف : الزينة ، وإطلاقه على الذهب ، لأن الزينة به أعجب .﴿أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ أي : تصعد في معارجها ، صعودا حسيا . يقال: رقى يرقى رَقْيا و رُقِيّا : صعد.﴿وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ لو رقيت فيها، ﴿حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا﴾ [و في قراءة: بالتخفيف :(تُنْزِل علينا)] من السماء ﴿كِتَٰبٗا﴾ فيه تصديقك ﴿نَّقۡرَؤُهُۥۗ﴾ فيصدقك، ويشهد على نبوتك .﴿قُلۡ﴾ لهم : ﴿سُبۡحَانَ رَبِّي﴾ أي : تنزيها له تعالى وتقديسا ، عن أن يعجزه شيء، وفيه : معنى التعجيب من قولهم واقتراحهم [وفي قراءة : (قال سبحان ربي)] ﴿هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا﴾ كسائر الرسل ، أبلغكم رسالات ربي ، وأنصح لكم ، وأعلم من الله ما لا تعلمون . وأمْرُكم فيما سألتم واقترحتم إلى الله عز وجل، فإنه ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله .وقد روى ابن جرير عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال لهم – لما سألوه هذه الآيات واقترحوا عليه ما اقترحوا - : «ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثني إليكم رسولا ، وأنزل علي كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلّغتُكم رسالات ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم».وفي الحديث : عند أحمد والترمذي – وقال : حديث حسن – عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال : «عرض علي ربي عز وجل أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا ، فقلت : لا يا رب ، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما ، فإذا جعت، تضرعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعت ، حمدتك وشكرتك».
17:94Page 291
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤
And what prevented the people from believing when guidance came to them except that they said, "Has Allāh sent a human messenger?"
٩٤ – ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ﴾ أي : أكثرهم ﴿أَن يُؤۡمِنُوٓاْ﴾ ويصدقوا ويتابعوا الرسل ﴿إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ﴾ من الله ﴿إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ﴾ أي : ما منعهم إلا قولهم منكرين: ﴿أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا﴾ ولم يبعث ملكا؟ فقد كان المانع من إيمانهم استعجابهم وإنكارهم من بعثة البشر رسلا ، أو كون الرسل من جنس البشر، كقوله: (أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس)يونس(٢) ، وقوله سبحانه : (ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا)التغابن(٦) ، وقوله عن فرعون وملئه: (أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون)المؤمنون(٤٧)، وقوله عن قول الأمم لرسلهم: (إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا)ابراهيم(١٠) .
17:95Page 291
قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥
Say, "If there were upon the earth angels walking securely,1 We would have sent down to them from the heaven an angel [as a] messenger."
٩٥ - ﴿قُل﴾ لهم : ﴿لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي : لو وجد فيها ، بدل البشر ﴿مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ﴾ عليها ، مستقرين فيها كالبشر ﴿لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا﴾ من جنسهم، يمكنهم مخاطبته والفهم عنه . أي : فلما كنتم أنتم بشرا بعثنا فيكم رسلا منكم ، لطفا ورحمة بكم .والآية : تنبيه على لطف الله ورحمته بعباده ، أنه يبعث إليهم الرسول من جنسهم ، ليفقهوا عنه ، ويفهموا منه لتمكنهم من مخاطبته ومكالمته ، وأنه لو بعث إلى البشر رسولا من الملائكة لما استطاعوا مواجهته ، ولا الأخذ عنه ، وذلك لأمرين : أحدهما : أنه لو أرسل إليهم رسولا من الملائكة، لجعله في صورة البشر ليأنسوا به ، ويأخذوا عنه ، فلا يخرجون بذلك من الإشكال واللبس، كما قال تعالى: (ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون)الأنعام(٩) . وثانيهما : ما بيّنه الله في هذه الآية ، وهو أنه لو أرسل رسولا ملكا على حقيقته ، ومكن البشر من رؤيته، لاستغربوا خلقه ، ولأدى هذا الاستغراب إلى وقوع التنافر بينه وبينهم ، فلا يأخذون عنه شيئا ولا يتلقون منه .
17:96Page 291
قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٩٦
Say, "Sufficient is Allāh as Witness between me and you. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing."
٩٦ – ﴿قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ﴾ على صدقي فيما جئتكم به من أمر الرسالة ، إذ لو كنت كاذبا عليه لانتقم مني أشد الانتقام، كقوله: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل ٤٤ لأخذنا منه باليمين ٤٥ ثم لقطعنا منه الوتين ٤٦)الحاقة(٤٤-٤٦). ﴿إِنَّهُۥ كَانَ﴾ ولا يزال ﴿بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا﴾ أي : عالما بجميع أحوالهم، محيطا بظواهرهم وبواطنهم ، عليما بمن يستحق منهم الإنعام والهداية والإحسان ، ممن يستحق الشقاء والإزاغة والإضلال ولهذا قال :
17:97Page 292
وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧
And whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - you will never find for them protectors besides Him, and We will gather them on the Day of Resurrection [fallen] on their faces - blind, dumb and deaf. Their refuge is Hell; every time it subsides, We increase [for] them blazing fire.
٩٧ - ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ﴾ أي : ومن يرد الله هدايته فييسره لليسرى، ويجنبه العسرى ببيان سبل الهداية ﴿فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ﴾[و في قراءة: بإثبات الياء وصلا و وقفا: (المهتدي)] إلى الحق والصواب الموفق إليهما ﴿وَمَن يُضۡلِلۡ﴾ أي : ومن يرد الله إضلاله ، فيخذله ويكله إلى نفسه ، أو : يخلق فيه الضلالة بسوء اختياره ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ يهدونهم إلى الحق ﴿مِن دُونِهِۦۖ﴾ سبحانه أو ينصرونهم من عذابه، ﴿وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ أي: نبعثهم يوم القيامة منكبين ﴿عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ﴾ إهانة لهم وتعذيبا، إما مشيا على الوجوه أو سحبا عليها، و جائزٌ أن يكون الأمران في حالين، قبل دخولهم النار. وأما بعد دخولهم النار ، فيسحبون فيها على وجوههم، كما قال تعالى:(يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر)القمر(٤٨). وفي الصحيحين ومسند أحمد عن أنس بن مالك ، قال: قيل : يا رسول الله، كيف يحشر الناس على وجوههم؟ قال :«الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم».وعند أحمد في «المسند» عن أبي ذر قال: حدّثني الصادق المصدوقﷺ : «أن الناس يحشرون على ثلاثة أفواج: فوج راكبين طاعمين كاسين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم وتحشرهم إلى النار» .﴿عُمۡيٗا ﴾ لا يبصرون ﴿وَبُكۡمٗا﴾ لا ينطقون ﴿وَصُمّٗاۖ﴾ لا يسمعون ، وهذا هو شأنهم في بعض المواقف يوم القيامة ، جزاء لهم كما كانوا في الدنيا ، بكما وعميا وصما عن الحق ، فجوزوا في محشرهم من جنس عملهم في الدنيا ، ﴿مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ﴾ أي : منقلبهم ومصيرهم ، أو مقرهم ومكانهم الذي يأوون إليه ﴿كُلَّمَا خَبَتۡ﴾ أي : سكن لهبها ، وصار عليها خباء – أي: غشاء – من رماد، وقيل : سكنت وطفئت ، أي: ذهب لهبها . ﴿زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا﴾ أي: تلهبا واشتعالا وتوقدا وتأججا ، أو: لهبا ووهجا وجمرا ، كما قال تعالى: (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا)النبأ(٣٠) .
17:98Page 292
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا ٩٨
That is their recompense because they disbelieved in Our verses and said, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected [in] a new creation?"
٩٨ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي : العذاب و بعثهم عميا وبكما وصما ﴿جَزَآؤُهُم﴾الذي يستحقونه ﴿بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ أي: بسبب كفرهم بها، فلم يصدقوا بالآيات التنزيلية ، ولا تفكروا في الآيات التكوينية .﴿وَقَالُوٓاْ﴾ منكرين للبعث ، مستبعدين وقوعه :﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا﴾ أي: ترابا أو غبارا ، أو : أجزاءً متفتتة . ﴿أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا﴾ أي : بعد أن صرنا إلى ما صرنا إليه من البلى والهلاك ، والتفرق والذهاب في الأرض، نعاد مرة ثانية ؟ قال تعالى:(وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه)الروم(٢٧) .
17:99Page 292
۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا ٩٩
Do they not see that Allāh, who created the heavens and earth, is [the one] Able to create the likes of them? And He has appointed for them a term, about which there is no doubt. But the wrongdoers refuse except disbelief.
٩٩ - ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ﴾ أي : يعلموا ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ﴾ مع عظمهما ﴿قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ﴾ أي : يوم القيامة ، يعيد أبدانهم وينشئهم نشأة أخرى ، كقوله :(كما بدأكم تعودون)الأعراف(٢٩).والآية : جواب عن استبعادهم قدرة الله تعالى على الإعادة في اليوم الآخر ، فإذا كان من هو قادر على خلق السماوات والأرض – وهي أكبر من خلق الإنسان – فهو على إعادة ما هو دون ذلك أقدر . ونظير هذه الآية قوله : (أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى)الأحقاف(٣٣). وقوله سبحانه: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم)يس(٨١).﴿وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا﴾ مضروبا ومدة مقدرة ، أي : للموت، أو للبعث والنشور ، ﴿لَّا رَيۡبَ فِيهِ﴾ ولا شك في مجيئه و وقوعه ، كقوله : (وما نؤخره إلا لأجل معدود)هود(١٠٤). ﴿فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أنفسهم بالشرك والكفر ، بعد قيام الحجة عليهم، والأدلة على البعث ﴿إِلَّا كُفُورٗا﴾ أي : جحودا ، وتماديا في باطلهم وضلالهم .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences