Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:23–45
18:23Page 296
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣
And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"
٢٣ - سبب نزول الآية : أخرج ابن إسحاق في السيرة: أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ عن الروح ، وعن أصحاب الكهف ، وعن ذي القرنين، فقال: «أخبركم به غداً »، ولم يقل: إن شاء الله ، فأبطأ عليه الوحي ، بضعة عشر يوماً، حتى شق عليه ، فنزلت الآية إرشاداً له ﷺ أنه إذا عزم على شيء ليفعله في المستقبل أن يردّ ذلك إلى مشيئة الله علام الغيوب . ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ﴾ أي : لأجل شيء، أو لما عزمت عليه من فعل ﴿إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا﴾ أي : فيما يستقبل من الزّمان .
18:24Page 296
إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤
Except [when adding], "If Allāh wills." And remember your Lord when you forget [it] and say, "Perhaps my Lord will guide me to what is nearer than this to right conduct."
٢٤ - ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ﴾ أي : إلا متلبّسا بمشيئة الله تعالى، بأن تقول: «إن شاء الله» .﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ﴾ يا محمد ، أي : مشيئته، معلقا بها القول ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ التعليق بها، ويكون ذكر المشيئة بعد النسيان، كذكرها مع القول . والمراد : إذا نسيت تعليق القول بالمشيئة ، ثم ذكرت أنك لم تعلِّقه بها، فائت بها. قال ابن كثير : ويحتمل في الآية وجه آخر، وهو: أن يكون الله قد أرشد من نسي الشيء في كلامه إلى ذكره تعالى، لأن النسيان منشؤه من الشيطان، كما قال فتى موسى: (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره)الكهف(٦٣) فذكر الله تعالى يطرد الشيطان، فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان ، فيكون ذكره تعالى سببا للذكر و ذهاب النسيان. و في الآية : الأمر بذكر الله عند النسيان ، حتى يتذكر ما نسي، وفيها أمر الساهي الناسي لذكر الله بذكر ربّه وأن لا يكون من الغافلين .﴿وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ﴾ [و في قراءة: بإثبات الياء : (يهديني)] ﴿رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا﴾ أي: من خبر أهل الكهف، في الدلالة على نبوتي وصدقي ﴿رَشَدٗا﴾ أي: هداية وتوفيقاً و إرشادا للناس ، أو خيرا و منفعة.أو : عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد وأدلّ من خبر أهل الكهف.وقد يكون المعنى : أن العبد لما كان مفتقراً إلى الله تعالى في توفيقه للإصابة، قولاً وعملاً، أمره الله أن يقول : (عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) أي: أمره الله أن يدعوه و يرجوه ويثق به أن يهديه لأقرب الطرق الموصلة إلى الرشد .والآية – وإن كان سبب نزولها خاصاً برسول الله ﷺ – فالخطاب فيها عامّ للمكلفين جميعاً من أمته .وفي الصحيحين عن أبي هريرة ، عن رسول الله ﷺ أنه قال : « قال سليمان ابن داود عليهما السلام : لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة – وفي رواية: مائة امرأة – تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله ، فقيل له – وفي رواية : فقال له الملَك - : قل : إن شاء الله ، فلم يقل، فطاف بهنّ ، فلم يلد منهن إلاّ امرأة واحدة نصف إنسان، فقال رسول الله ﷺ : لو قال : إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركاً لحاجته- وفي رواية: ولقاتلوا في سبيل الله فرساناً أجمعون – » .
18:25Page 296
وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥
And they remained in their cave for three hundred years and exceeded by nine.1
٢٥ - ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ﴾ أي : منذ أن أرقدهم الله، إلى أن بعثهم، وأعثر عليهم أهل ذلك الزمان ﴿ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ ﴾ أي : شمسية ﴿وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا﴾ أي: تسع سنين قمرية. فإن تفاوت ما بين كل مائة سنة بالقمرية إلى الشمسية، ثلاث سنين ، ولهذا قال بعد «الثلاثمائة» الشمسية: (وازدادوا تسعاً) أي : القمرية . [وفي قراءة : بكسر مائة دون تنوينها: (ثلاث مائةِ سنين)] .
18:26Page 296
قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦
Say, "Allāh is most knowing of how long they remained. He has [knowledge of] the unseen [aspects] of the heavens and the earth. How Seeing is He and how Hearing! They have not besides Him any protector, and He shares not His legislation with anyone."
٢٦ - ﴿قُلِ﴾ يا محمد ﴿ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ﴾ أي: بالزّمن الذي لبثوه في كهفهم ، ممّن اختلفوا فيه. وقد أخبر الله تعالى أنه ثلاثمائة سنة وتسع سنين قمرية، فهو الحق الصحيح الذي لا شكّ فيه، وهو إحدى معجزاته ﷺ.﴿لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ أي: علم ما غاب فيهما وخفي من أحوالهما، فليس لغيره من ذلك شيء، إلا من أطلعه عليه من خلقه .﴿أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ﴾ أي: ما أبصره تعالى لكل موجود، وما أسمعه لكل مسموع، فلا يخفى عليه من ذلك شيء. وهما صيغتا تعجب من كمال سمعه و بصره تعالى، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات، بعد إخباره بإحاطة علمه بالمعلومات ، غائبها وحاضرها، خفيها وجليها ، صغيرها وكبيرها .والمراد : الإخبار بأنه تعالى لا يغيب عن بصره وسمعه شيء، وذُكر بصيغة التعجب للدلالة على أن أمره في الإدراك ، خارج عمّا عليه إدراك المبصرين والسامعين، إذ لا يحجبه شيء، ولا يتفاوت عنده لطيف وكثيف، وصغير وكبير، وخفيّ وجليّ، فلا أحد أبصر ولا أسمع من الله تعالى .﴿مَا لَهُم﴾ أي: لأهل السماوات والأرض، أو: لأهل الكهف ﴿مِّن دُونِهِۦ﴾ أي: من دون الله ﴿مِن وَلِيّٖ﴾ أي: ناصر و معين يلي أمورهم وتدبيرهم . والآية : إخبار عن انفراده تعالى بالولاية العامة والخاصة، فهو الذي يتولى تدبير أمور مملكته وسلطانه وتدبير أمور عباده .﴿وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا﴾ لأنه تعالي غني عن الشريك (ألا له الخلق والأمر)الأعراف(٥٤) وهذا يشمل الحكم الكوني القدريّ ، والحكم الشرعي الديني ، فهو الحاكم في خلقه، قضاءً وقدراً، وخلقاً وتدبيراً ، والحاكم فيهم بأمره ونهيه ، وثوابه وعقابه (والله يحكم لا معقب لحكمه)الرعد(٤١) .[وفي قراءة: بالتاء وجزم الفعل على أن « لا » ناهية: (ولا تشركْ في حكمه أحدا) و الخطاب له ﷺ] .
18:27Page 296
وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ٢٧
And recite, [O Muḥammad], what has been revealed to you of the Book of your Lord. There is no changer of His words, and never will you find in other than Him a refuge.
٢٧ - ﴿وَٱتۡلُ﴾ يا محمد ﴿أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ﴾ بالمواظبة على تلاوة كتابه، واتباع ما أوحى الله إليك فيه، بمعرفة معانيه وفهمها ، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ، وإبلاغه إلى الناس، فإنه ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ﴾ أي : لا مغير لها، ولا محرّف، ولا مزيل، ولا مبدّل لحكم كلماته ، كقوله : (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً)الأنعام(١١٥) في الأخبار والأحكام .﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ﴾ أي : من دون الله ﴿مُلۡتَحَدٗا﴾ أي : ملجأ تلجأ إليه وموْئلاً أو منجىً ، أو : معدلاً تعدل إليه وتميل عند إلمام ملمّة ، أو : معاذاً تعوذُ به .أي: إنّك إن لم تتبع القرآن ، وتتله ، وتعمل بأحكامه، فلن تجد ملجأ أو منجىً لك من الله ، إلا إليه .أو : لن تجد معدلاً تعدل إليه، ومكاناً تميل إليه، ليحميك من عذاب الله.و الآية كقوله : (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)المائدة(٦٧).من الالتحاد بمعنى: الميل، يقال : ألحد، بمعنى : مال وعدل ، والتحد إلى كذا: مال ولجأ إليه.
18:28Page 297
وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨
And keep yourself patient [by being] with those who call upon their Lord in the morning and the evening, seeking His face [i.e., acceptance]. And let not your eyes pass beyond them, desiring adornments of the worldly life, and do not obey one whose heart We have made heedless of Our remembrance and who follows his desire and whose affair is ever [in] neglect.1
٢٨ - ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ﴾ يا محمد ، أي: احبسها وثبتها ﴿مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم﴾ أي: يعبدونه بذكره ، وحمده وتهليله، وتسبيحه وتكبيره، أو : بتلاوة القرآن ﴿بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ﴾ أي: في طرفي النهار ؛ أوله وآخره، وهو كناية عن دوام العبادة والذكر والدعاء. [وفي قراءة: (بالغُدوة والعشيّ)] ﴿يُرِيدُونَ﴾ أي: بعبادتهم ﴿وَجۡهَهُۥۖ﴾ تعالى ، طلبا لطاعته وابتغاء مرضاته، لا عرضاً من أعراض الدنيا.قيل: إنها نزلت في شأن فقراء الصحابة و ضعفائهم، كعمّار، وصهيب ، وبلال وأضرابهم، حين طلب سادة قريش من الرسول ﷺ أن ينحّيهم عن مجلسه،وقالوا: لو نحّيت هؤلاء لجالسناك واتبعناك.يقال : صبَرتُ زيدًا أصبره صبراً: إذا حبستُه .وفي الآية: الأمر بصُحبة الأخيار، ومجاهدة النفس على صحبتهم ، ومخالطتهم، وإن كانوا فقراء ، فإن في صحبتهم من الخير ما لا يحصى .﴿وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ﴾ أي : ولا تصرف عيناك النّظر عنهم إلى غيرهم من أهل الشرف والغنى، أو: لا تجاوزهم بصرك ، وترفع عنهم نظرك، والمراد : لا تنصرف عنهم، ولا تجاوزهم إلى غيرهم .﴿تُرِيدُ﴾ بذلك ﴿زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ﴾ أي: مجالسة أهل الشرف والغنى تألفا لقلوبهم ، أو: تريد تحصيل الزينة من متاع الدنيا وأعراضها .يقال : عَدَاه عن الأمر عَدْواناً ، أي: صرفه وشغله .﴿وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا﴾ أي : عن القرآن بأن جعلناه غافلاً ساهياً عن الله بالختم على قلبه، لفساد استعداده ، فغفل عن ذكر ربّه ﴿وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ﴾ فآثره على الحقّ، واختار الشرك على التوحيد، فشُغل عن الدين وعبادة ربّه بالدنيا ، كأولئك الذين طلبوا منه ﷺ أن ينحّي الفقراء عن مجلسه.﴿وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا﴾ أي : أقواله وأفعاله ، إفراطاً وإسرافاً. أو: ضياعاً وهلاكاً، أو : مُجاوزاً فيه الحدّ .و الفُرُط : الأمر الضائع الذي لا منفعة فيه أو المجاوز فيه الحد.وقيل : من «التفريط» ، وهو التقصير والتضييع في أمر الله ، بترك الإيمان .أي : لا تكن مطيعاً لمن هذا شأنه وحاله، ولا محباً لطريقته ، ولا تغبطه بما هو فيه، كقوله : (ولا تمدّن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى)طه(١٣١) .ونظير هذه الآية قوله تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه)الأنعام(٥٢).وفي الحديث : عند أحمد في «مسنده» عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال : «ما من قوم اجتمعوا يذكرون الله ، لا يريدون بذلك إلا وجهه ، إلاّ ناداهم مناد من السماء: أن قوموا مغفوراً لكم ، قد بُدلت سيئاتكم حسنات».وفي الآية : إثبات صفة الوجه لله تبارك وتعالى على ما يليق بجلاله وكماله، دون تحريف ولا تعطيل ، ولا تكييف ولا تمثيل و لا تأويل .
18:29Page 297
وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩
And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.
٢٩ – ﴿وَقُلِ﴾ يا محمد للناس جميعاً : هذا القرآن الذي جئتكم به هو ﴿ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ﴾ الذي لا مرية فيه ولا شك ولا شبهة ، فقد تبيّن به الرشد من الغيّ ، والهدى من الضلال.﴿فَمَن شَآءَ﴾ منكم ﴿فَلۡيُؤۡمِن﴾ به ﴿وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ﴾ وهذا من باب التهديد والوعيد الشديد- لا التخيير- فإنه لم يبق لكم بعد بعثة محمد ﷺ ونزول القرآن عليه ، إلا الإيمان أو الكفر ، بحسب توفيق الله للعبد ، وخذلانه، وقد أعطاه الله مشيئة وعقلاً، يقدر بهما على اختيار الإيمان أو الكفر ، فمن آمن بفضل الله وتوفيقه ، فقد وفّق للصّواب، ومن كفر ، فقد قامت عليه الحجة ، وليس أحد بمكره على الإيمان أبداً، لقوله: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) البقرة(٢٥٦). ثم ذكر تعالى مآل الفريقين فقال: ﴿إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا﴾ أي : أعددنا وهيأنا وأرصدنا ﴿لِلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهم بالكفر والفسوق والعصيان ﴿نَارًا﴾ عظيمة ﴿أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ﴾ أي : سورها ، أو حائطها، أو فسطاطها -وهي الخيمة- أو: ما أحاط بها . أو : هو لهبها ودخانها.والسّرادق : كلّ ما أحاط بشيء من حائط أو مضرب أو خباء ، أو : كلّ بيت من كُرسف أو قطن ، أو : الحجرة التي تكون حول الفسطاط تمنع من الوصول إليه ، وجمعه : سُرادقات .والآية : على تشبيه ما يحيط بهم من النار بالسّرادق المحيط بمن فيه . وفي الحديث : عند أحمد ، و الترمذي في «صفة النار» وابن جرير في «تفسيره»، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ أنه قال : «لسرادق النار أربعة جُدر، كثافة كلّ جدار مسافة أربعين سنة».﴿وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ﴾ من حرّ النار ، بطلب الشراب ، ليطفئ شديد عطشهم .﴿يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ﴾ أي : كعكر الزيت ، أو : كالحديد و النحاس والرصاص المذاب.﴿يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ﴾ من حرّه إذا قُرّب إليها .و المهل : ماء غليظ كدُرْديّ الزيت، أو هو دُرديّه وعكره ، أو : ما أذيب من معادن الأرض أو من النحاس، فانماع وتموّج بالغليان ، حتى بلغ أقصى الغاية في الحرارة ، أو : هو القطران الرقيق .وفي الحديث : عند أحمد والترمذي، عن رسول الله ﷺ أنه قال : «ماء كالمهل ، قال : كعكر الزيت ، فإذا قرّبه إليه سقطت فروة وجهه فيه» .وأخرج عبد الله بن المبارك ، عن أبي أمامة ، عن النبي ﷺ في قوله : (ويسقى من ماء صديد يتجرعه)إبراهيم(١٦) قال: «يُقرّب إليه فيتكرّهه، فإذا قُرّب منه ، شوى وجهه، و وقعت فروة رأسه ، فإذا شربه قطّع أمعاءه، يقول الله تعالى: (وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه)».﴿بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ﴾ شرابهم هذا ، كقوله: (وسقوا ماء حميما فقطّع أمعاءهم)محمد(١٥) .﴿وَسَآءَتۡ﴾ أي : النار ﴿مُرۡتَفَقًا﴾ أي: متكئا ، أو: منزلاً ومقيلاً ومقراً ، أو مجتمعا وموضعاً للارتفاق . مأخوذ من الارتفاق : وهو الاتكاء على مرفق اليد . وهي تمييز منقول عن الفاعل ، أي : قبح مرتفقها، وأطلق عليها «مرتفق» مشاكلة لقوله في الجنة: (وحسنت مرتفقا) وإلا فأيّ ارتفاق لأهل النارّ؟
18:30Page 297
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.
٣٠ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ فجمعوا بين الإيمان بالله وملائكته ، وكتبه و رسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره، وعمل الصالحات من الواجبات والمستحبات .﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا﴾ بل نثيبهم ونجزيهم عليه أوفر الجزاء وأحسنه. وإحسان العمل : أن يكون خالصاً لوجه الله ، متبعاً فيه شرع الله، فإن الله لا يُعبد إلا بما شرع، ولا يقبل العمل إلا بإخلاص واتباع.
18:31Page 297
أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١
Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.
٣١ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي : الموصوفون بالإيمان والعمل الصالح ﴿لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ﴾ أي: جنات إقامة واستقرار ﴿تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ أي : من تحت غُرفهم ومنازلهم وأشجارهم ﴿يُحَلَّوۡنَ فِيهَا﴾ أي: في الجنّات ﴿مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ﴾ جمع «سوار» و«أسورة»، وهي : زينة تلبس في الزند من اليد .﴿وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ﴾ وهو : ما رقّ من الحرير ، كقوله: (ولؤلؤاً و لباسهم فيها حرير)فاطر(٣٣).﴿وَإِسۡتَبۡرَقٖ﴾ وهو: ما غلُظ من الحرير وثخن . وخص الأخضر منه، لأنه الموافق للبصر، ولكونه أحسن الألوان .﴿مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ﴾ أي: على الوسائد أو السرر . جمع «أريكة»: و هي كلّ ما يتوكأُ عليه من سرير ، أو منصّة ، أو فراش، أو: هي السرير في الحجَلَة، وهي بيت كالقبة يزين للعروس بالثياب والستور والأسرّة . ﴿نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ﴾ ذلك ، الذي أثابهم الله به على إيمانهم وصالح أعمالهم .﴿وَحَسُنَتۡ﴾ الجنة ونعيمها ﴿مُرۡتَفَقٗا﴾ أي : متكئا، أو: منزلاً ومقيلا ومقاماً، أو : مجتمعاً وموضعاً للارتفاق ، يرتفقون بها، ويتمتعون بما فيها ، من اللذة والحبور ، والفرح والسرور .وفي الآية : دليل على أن الحلية عامة للذكور والإناث، كما ورد في الأخبار الصحيحة، لأنه أطلقها في قوله : (يُحلّون) وكذلك الحرير ونحوه .وفي سورة الفرقان قابل بين حال الأشقياء والسعداء فقال في النار: (إنها ساءت مستقرا ومقاماً)الفرقان(٦٦) وقال في الجنة : (خالدين فيها حسنت مستقراً ومقاما)الفرقان(٧٦).
18:32Page 297
۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢
And present to them an example of two men: We granted to one of them two gardens of grapevines, and We bordered them with palm trees and placed between them [fields of] crops.
٣٢ - ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا﴾ أي: اجعل يا محمد مثلاً للمؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، مع مكابرة مشاق الفقر، وللكافرين المستكبرين على الله، مع تقلّبهم في نعمه، المتعزّزين بالدنيا ، المستنكفين عن مجالسة الفقراء ، المفتخرين عليهم بالأموال والأحساب ، أي: اضرب للمؤمنين والكافرين مثلاً ﴿رَّجُلَيۡنِ﴾ مؤمن وكافر – قيل: كانا أخوين من بني إسرائيل، أحدهما أثرى بماله، والآخر أنفقه في طاعة الله حتى افتقر- ﴿جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا﴾ وهو الكافر منهما ﴿جَنَّتَيۡنِ﴾ أي : بُستانيْن حَسَنَيْن ﴿مِنۡ أَعۡنَٰبٖ﴾ أي : من كروم متنوعة .﴿وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ﴾ أي : جعلنا النخل محيطا بكل منهما ، أو: أحطناهما وأطَفْنَاهُما بنخل .﴿وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا﴾ أي : بين الجنتين ، أو في خلالهما ، أو :بين النخيل والعنب زرعاً مثمراً مقبلا في غاية الجودة .
18:33Page 297
كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣
Each of the two gardens produced its fruit and did not fall short thereof in anything. And We caused to gush forth within them a river.
٣٣ - ﴿كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا﴾[وفي قراءة : بإسكان الكاف(أكْلَها)] أي: أخرجت ثمرها، وهو ما يؤكل من ثمر النخل و العنب وصنوف الزرع .و«كلتا» : مفرد لفظاً ، يدل على التثنية معنىً .﴿وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ﴾ أي : ولم تَنْقُص من أكلها أو ثمرها ﴿شَيۡـٔٗاۚ﴾ من النقص في سائر السنين، وهو كناية عن تمامها ونموها دائماً. من قولهم : ظلم فلان فلانا حقه: إذا بخسه.﴿وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا﴾ أي : شققنا وأجريْنا وسط الجنتين ﴿نَهَرٗا﴾ ليسقيهما دائماً من غير انقطاع .
18:34Page 297
وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤
And he had fruit, so he said to his companion while he was conversing with him, "I am greater than you in wealth and mightier in [numbers of] men."
٣٤ - ﴿وَكَانَ لَهُۥ﴾ أي : لصاحب الجنتين ﴿ثَمَرٞ﴾ كثير، أي: من سائر الثمار غير ثمار العنب والنخيل ، أو: أموال كثيرة مثمّرة أخرى غيرهما. جمع «ثمرة» ، وهو يجمع على «ثمار» وجمعه « ثُمرُ ». أو : من ثمّر ماله : إذا كثّره .[وفي قراءة : (ثُمُر) – بضم الثاء والميم- و (ثُمْر) – بضم الثاء وسكون الميم – «كشجرة» و «شَجَر» و«خَشَبة» و «خُشُب» ، و « بَدَنة « و» بُدْن»].﴿فَقَالَ﴾ أي : صاحب هاتين الجنتين ﴿لِصَٰحِبِهِۦ﴾ المؤمن ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ﴾ أي: يراجعه الكلام.يقال : تحاوروا: إذا تراجعوا الكلام بينهم. أو : يجادله ويخاصمه و يفاخره : ﴿أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا﴾ أي: أقوى عشيرة ، أو : حشماً وأعواناً وأنصاراً.والنفر: من ينفر مع الرجل من قومه وعشيرته ، لقتال أعدائه. والمعنى: أنا أمنع منك جانباً لكثرة من يقوم معي في المطالبة بما أريد .
18:35Page 298
وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥
And he entered his garden while he was unjust to himself.1 He said, "I do not think that this will perish - ever.
٣٥ - ﴿وَدَخَلَ﴾ أي : صاحب الجنتين ﴿جَنَّتَهُۥ﴾ أي : بستانه ، ومعه صاحبه، يطوّف به فيها ، ويريه ثمارها . ولم يقل : «جنتيه» ، إرادة للروضة ، وقيل: اكتفاءً بالواحد عن الآخر.﴿وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ﴾ بكفره وعُجْبه ، وتمرده وتجبُّره، وإنكاره للمعاد .﴿قَالَ﴾ أي: الكافر لفرط غفلته وطول أمله : ﴿مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ﴾ الجنة ﴿أَبَدٗا﴾ طول الدهر، أي: ما أظن أن تهلك و تفنى ، أو : تنقطع وتنعدم وتخرب هذه الجنة أبد الدهّر. يقال : باد يبيد بيدا و بيودا : إذا هلك.وهذا اغترار منه ، لقلة عقله،وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره بالآخرة، ولهذا قال:
18:36Page 298
وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦
And I do not think the Hour will occur. And even if I should be brought back to my Lord, I will surely find better than this as a return."
٣٦ - ﴿وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ﴾ أي : كائنة ، أو : آتية، فأنكر البعث ، وكفر بالمعاد وقيام الساعة، وقال لصاحبه كفراً وعناداً :﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي﴾ أي : في الآخرة، فرضاً وتقديراً ، على زعمك ، أي: ولئن كان هناك معاد ورجعة ومردّ إلى الله، كما تزعم ﴿لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا﴾ أي : من هذه الجنة ، [وفي قراءة: (منهما)أي: من هاتين الجنتين] ﴿مُنقَلَبٗا﴾ أي: مرجعاً وعاقبة. اسم مكان ، من الانقلاب، بمعنى: الرجوع والانصراف عن الشيء إلى غيره. فأقسم لصاحبه أنه إذا فرض ثمة بعث في الآخرة، ليجدنّ فيها خيراً من جنّته التي في الدنيا ، قال هذا قياساً للغائب على الحاضر، وأنه لما كان غنياً في الدنيا، فسيكون كذلك في الأخرى لما له من الكرامة عند الله ، اغتراراً منه بما صار إليه من الغنى، الذي هو استدراج له من الله.ومثله قوله : (ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى)فصلت(٥٠) وقوله: (أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدا)مريم(٧٧).
18:37Page 298
قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧
His companion said to him while he was conversing with him, "Have you disbelieved in He who created you from dust and then from a sperm-drop and then proportioned you [as] a man?
٣٧ - ﴿قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ﴾ المؤمن ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ﴾ أي: يجاوبه ويراجعه، واعظاً وناصحاً له، وزاجراً عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار : ﴿أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ﴾ أي : ابتدأ خلق أبيك آدم من تراب، وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربّه الذي خلقه من تراب .﴿ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ﴾ أي : من مَنِيّ، كقوله سبحانه : (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين)السجدة(٨).﴿ثُمَّ سَوَّىٰكَ﴾ أي : عدّلك وصيّرك ﴿رَجُلٗا﴾ أي : إنساناً كامل الأعضاء والحواس سوياً، وفيه تلويح وإشارة بالدليل على البعث ، فإنّ القادر على الابتداء، قادر على الإعادة، فكلاهما هيّن عليه ، يسير لديه .والآية كقوله : (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم)البقرة(٢٨). أي: كيف تجحدون ربّكم ، ودلالته عليكم ظاهرة جليّة ، فجعل كفره بالبعث ، كفراً بالله تعالى، فإن القدرة على الخلق من العدم، دليل على القدرة على البعث .
18:38Page 298
لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨
But as for me, He is Allāh, my Lord, and I do not associate with my Lord anyone.
٣٨ - ﴿لَّٰكِنَّا۠﴾ أي : لكن أنا أقول: ﴿هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي﴾ أي : أعترف لله بالوحدانية والربوبية المطلقة ﴿وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا﴾ من خلقه ، أي : كما فعلت أنت ، بل هو الله المعبود وحده لا شريك له في ملكه وسلطانه. وقوله: (لكنا) : أصله: «لكن أنا» فنقلت حركة الهمزة إلى النون ، أو: حُذفت الهمزة ، ثم أدغمت النون في مثلها. [وتقرأ: بحذف الألف وصلاً، وفي قراءة : بإثباتها وصلًا].
18:39Page 298
وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩
And why did you, when you entered your garden, not say, 'What Allāh willed [has occurred]; there is no power except in Allāh'? Although you see me less than you in wealth and children,
٣٩ - ﴿وَلَوۡلَآ﴾ أي : هــلا ، وهـي كلمـة تحضيـض ﴿إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ﴾ أي: عند دخولك لها، وإعجابك بها: هذا - أي : ما أراه بها من الحسن والنضارة - هو ﴿مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ أي : ما شاءه الله تعالى ؟ فرددت الأمر فيه إلى المشيئة الإلهية بقاءً وفناءً، تحضيضا له على الاعتراف بأنها وما فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله ، إن شاء أبقاها، وإن شاء أفناها .﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾ تحضيض على الاعتراف بالعجز ، وأن ما تيسر له من عمارتها، إنما هو بمعونة الله وتأييده لا بقوته وقدرته ، وأنه لا يقوى أحد على ما في يده من مُلْك ونعمة، إلا بالله ، ولا يكون إلا ما شاء الله .﴿إِن تَرَنِ﴾[و في قراءة : بإثبات الياء: (ترني)] ﴿ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا﴾ فإن ما عند الله في الآخرة خير وأبقى.و «لولا»: كلمة تحضيض ، ك«هلّا»، وإذا دخلت على الماضي أفادت التوبيخ .وفي الحديث : عند البيهقي في «الشعب» ،وأبي يعلى الموصلي ، عن أنس بن مالك ، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أنعم الله على عبد نعمة، من أهل ، أو مال ، أو ولد، فيقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، إلا دفع الله عنه كلّ آفة، حتى تأتيه منيته». وفي رواية : "فيرى فيه آفة دون الموت".وفي الصحيح عن أبي موسى الأشعري ، أن رسول الله ﷺ قال:«ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله» .وفي رواية عند أحمد ، عن أبي هريرة: قال لي رسول الله ﷺ : «ألا أدلك على كنز من كنز الجنة تحت العرش؟ أن تقول : لا قوة إلا بالله» . قال أبو بلخ – راوي الحديث – وأحسبه قال: فإن الله يقول: «أسلم عبدي واستسلم» .و في الآية : بيان مشروعية قول : «ما شاء الله لا قوة إلا بالله» إذا أعجب الإنسان شيء من ماله أو ولده ، أو مال غيره أو ولده ، ليكون شاكرا متسببا لبقاء النعمة و دوامها عليه.
18:40Page 298
فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠
It may be that my Lord will give me [something] better than your garden and will send upon it a [disastrous] penalty from the sky, and it will become a smooth, dusty ground,
٤٠ - ﴿فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ﴾ [وفي قراءة : بإثبات الياء: (يؤتيني)] ﴿خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ﴾ أي: في الدار الآخرة. والآية جواب الشرط، أي: إن ترن أنا أقل منك مالاً وولداً، فأرجو الله أن يرزقني خيراً من جنتك، فإن ما عند الله خير وأبقى .﴿وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا﴾ أي : على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى.﴿حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي : عذاباً من السماء ، كالصواعق والآفات والسموم، أو : مَرامي من عذابه، إما بَردَاً ، أو حجارة، أو مطراً عظيماً، أو غيره مما يشاء . وقيل: يرسل عليها مقداراً قدّره الله عليها وحسبه، وهو الحكم بتدميرها من صواعق وآفات . و الحسبان : جمع حسبانة، أي: صواعق، أو مطراً يقلع زرعها وأشجارها.﴿فَتُصۡبِحَ﴾ بسبب ذلك ﴿صَعِيدٗا﴾ أي: تراباً أو أرضاً ﴿زَلَقًا﴾ جُرُزا لا نبات فيها، أو : مُزْلقة لا تثبت عليها قدم لملاستها و دروس ما كان نابتا فيها. والمراد : أنها تصبح عديمة النفع حتى منفعة المشي عليها، قد اقتلعت أشجارها ، وتلفت ثمارها ، وغرق زرعها ، وزال نفعها .يقال : مكان زَلَق ، أي : دحض، وهو في الأصل : مصدر زلقت رجله، تزلق زلقاً، ومعناه: الزلل في المشي ، لوحْل ونحوه .
18:41Page 298
أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا ٤١
Or its water will become sunken [into the earth], so you would never be able to seek it."
٤١ - ﴿أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا﴾ أي : ماء الجنة ﴿غَوۡرٗا﴾ أي : غائراً ذاهباً في الأرض. مصدر وُصف به للمبالغة، وهو بمعنى الفاعل ، أي: غائر . يقال : غار الماء يغور غوراً وغُئُوراً، أي : سفَل في الأرض وذهب فيها .والغائر ضدّ النابع الذي يطلب وجه الأرض، فالغائر يطلب أسفلها . كقوله : (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين)الملك(٣٠) أي :جار وسائح .﴿فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا﴾ أي : لا تقدر عليه بحيلة تدركه بها . وإنما دعا المؤمن على جنته بالهلاك غضباً لربّه ، وانتصاراً لدينه، لكونها غرته وأطغته وألْهَته ، فاطمأن إليها، لعله يراجع رشده ، وينيب إلى ربه ، ويتبصّرفي أمره .و في الآية : جواز الدعاء بتلف مال من كان ماله سبب طغيانه و كفره وخسرانه .
18:42Page 298
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢
And his fruits were encompassed [by ruin], so he began to turn his hands about [in dismay] over what he had spent on it, while it had collapsed upon its trellises, and said, "Oh, I wish I had not associated with my Lord anyone."1
٤٢ - ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ﴾ أي : أهلكت أمواله وأثماره، وأفنيت كلها ، مع جنّتيه .مأخوذ من إحاطة العدو بالإنسان ، وهي : استدارته به من جميع جوانبه، ومنه قوله تعالى : (إلا أن يحاط بكم)يوسف(٦٦).﴿فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ﴾ أي: يقلبهما ظهراً لبطن ، ندماً وتحسراً . وتقليب الكفين : كناية عن الندم والتحسر .﴿عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا﴾ أي : في عمـارتها وإصـلاحها من الأموال.﴿وَهِيَ﴾ أي: الجنة ﴿خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ أي: ساقطة على دعائمها وسقوفها التي تقوم عليها الكروم، بأن سقطت الدعائم ، ثم سقطت الكروم. أو : ساقط بعض تلك الجنة على بعض. ﴿وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا﴾ فتمـنّى عند مشاهدته لهلاك جنته أنه لم يشرك بالله أحدا من خلقه حتى تسلم جنته من الهلاك، أو كان هذا القول منه لقصد التوبة من الشرك، فإن الله إذا أراد بعبد خيراً عجّل له العقوبة في الدنيا.
18:43Page 298
وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣
And there was for him no company to aid him other than Allāh, nor could he defend himself.
٤٣ - ﴿وَلَمۡ تَكُن﴾ [و في قراءة : بالياء (ولم يكن)] ﴿لَّهُۥ فِئَةٞ﴾ أي: جماعة أو عشيرة أو النفر الذين افتخر بهم واستعز﴿يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ عند هلاك جنته ﴿وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾ أي: ممتنعاً بقوته عن إهلاك الله لجنّته، وانتقامه منه . أو : ما كان منتصراً بنفسه عند هلاك جنته.
18:44Page 298
هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا ٤٤
There1 the authority is [completely] for Allāh, the Truth. He is best in reward and best in outcome.
٤٤ - ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: يوم القيامة، أو: في ذلك المقام ، وتلك الحال، التي وقع فيها الإهلاك ، أو : التي أجرى الله فيها العقوبة على من طغى، والكرامة على من آمن وعمل صالحاً﴿ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ﴾ أي: النصرة له تعالى وحده ، لا يقدر عليها غيره، [و قرأ الكسائي بكسر الواو ورفع «الحق»: (الوِلاية لله الحقُّ)] أي: الملك والحكم الحق لله . و «الحق» بالجرّ : صفة الجلالة ، وبالرفع : صفة الولاية. كقوله : (تم ردوا إلى الله مولاهم الحقِّ)الأنعام(٦٢) .وقد يكون المعنى : أنه إذا وقع العذاب ، فكل أحد – مؤمن أو كافر– يرجع إلى الله وإلى موالاته، والخضوع له ، كقوله : (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده)غافر(٨٤) وقوله حكاية عن فرعون : (حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين)يونس(٩٠) .﴿هُوَ﴾ تعالى ﴿خَيۡرٞ ثَوَابٗا﴾ أي : جزاء لأوليائه في الدنيا والآخرة .﴿وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا﴾[و في قراءة : بضم القاف : (عُقُبا)] أي: وهو تعالى خير عاقبة ومآلاً لمن والاه. ونصبهما على التمييز .والعُقْب والعُقُب – بسكون القاف وضمها - : العاقبة. يقال : عاقبة أمره كذا، وعُقْباه وعُقُبه ، أي: آخره وما يصير إليه منتهاه .
18:45Page 298
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥
And present to them the example of the life of this world, [its being] like rain which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it1 and [then] it becomes dry remnants, scattered by the winds. And Allāh is ever, over all things, Perfect in Ability.
٤٥ - ﴿وَٱضۡرِبۡ﴾ يا محـمـد ﴿لَهُـم﴾ أي: للنــاس ﴿مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: في حسنها ونضارتها ، ثم في سرعة زوالها وفنائها وانقضائها ، ﴿كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: السحاب ﴿فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ﴾ أي : فالتف و تكاثف وكثر بسبب نزول الماء ﴿نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ﴾ حتى خالط بعضه بعضا، فامتزج الماء بالنبات، فروي وحسن، وأزهر وأينع .﴿فَأَصۡبَحَ﴾ أي : فصار النبات بعد هذا كلّه ﴿هَشِيمٗا﴾ أي : يابساً متفتتاً، بعد البهجة والنضارة والزهو. من الهشْم : وهو كسر الشيء اليابس، ومنه : هشم الثريد يهْشمه : كسره وثرده.﴿تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ﴾ أي : تفرقه و تنسفه، أو : تنثره وتنشره ، وتذهب به في نواحي الأرض ، [وفي قراءة بالإفراد: (تذروه الريح)] .يقال : ذرت الريح الشيء تذروه ، ذَرْواً وتذرية : أطارته وأذهبته.والمعنى : شبّه الدنيا بنبات حسن، فيبس ، فتكسّر ، ففرقته الرياح، وهكذا الدنيا ، لا بقاء لها ، وشأنها إلى زوال وانقضاء.﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا﴾ أي: قادراً على الإحياء والإفناء ، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. ونظير هذه الآية : قوله في سورة يونس(٢٤): (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام).وقال في سورة الحديد(٢٠):(اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو و زينة و تفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما).وفي الحديث الصحيح : "إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences