Al-Jami' al-WajizAl‑Kahf · 18:95–110

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:95–110

18:95Page 303

قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا ٩٥

He said, "That in which my Lord has established me is better [than what you offer], but assist me with strength [i.e., manpower]; I will make between you and them a dam.

٩٥ - ﴿قَالَ﴾ ذو القرنين ، بعفّة ، وديانة ، وصلاح، وقصد للخير:﴿مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي﴾ أي: ما بسطه الله لي من القدرة والسلطان والملك والتمكين [وفي قراءة: (ما مكّنني) بنونين من غير إدغام] أي: ما جعلني فيه مكينا من المال و الملك و السلطان ﴿خَيۡرٞ﴾ لي من خرجكم الذي تجمعونه وتبذلونه، فجعل بناء السد لهم تبرعاً، كما قال سليمان عليه السلام: (أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم)النمل(٣٦) .ولكنه طلب منهم المعاونة على ذلك، فقال : ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي : بعملة وصناع و آلات ، أي: ساعدوني بعملكم وآلات بنائكم ﴿أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا﴾ أي : حاجزاً حصيناً ، وجداراً متيناً ، وهو أوثق من السدّ وأحكم . يقال : ثوب مردَّم ، أي : فيه رقاع فوق رقاع، وسحاب مردّم : أي : متكاثف بعضه فوق بعض .

18:96Page 303

ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا ٩٦

Bring me bars of iron" - until, when he had leveled [them] between the two mountain walls, he said, "Blow [with bellows]," until when he had made it [like] fire, he said, "Bring me, that I may pour over it molten copper."

٩٦ - ﴿ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ﴾ أي : قِطَعَهُ العظيمة الضخمة .جمع زُبْره – كغُرفة- وهي: القطعة الكبيرة من الحديد. وأصل الزَّبْر: الاجتماع ، و منه : زُبرة الأسد، لما اجتمع من الشعر على كاهله، وزبرت الكتاب: أي : كتبته وجمعت حروفه. فأعطوه ذلك، فجعل يبني بها بين الجبلين ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ﴾ أي: بين جانبي أو حافتي الجبلين بالبناء ، طولاً وعرضا. [وفي قراءة : بضم الصاد و الدال: (الصُّدُفين) و في أخرى بضم الصاد و إسكان الدال:(الصُّدْفين)] .﴿قَالَ﴾ ذو القرنين للعملة والصناع: ﴿ٱنفُخُواْۖ﴾ أي : على هذه الزُّبر من الحديد بالمنافيخ ، أي : أجّجوا عليها النار ، و أوقدوها إيقاداً عظيماً، واستعملوا لها المنافيخ لتشتد وتنصهر، فنفخوا .﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ﴾ أي: الحديـد وزُبـره ﴿نَارٗا﴾ أي: كالنار المحمرّة ، بالإيقاد والنفخ .﴿قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ﴾ أي: عـلى زبــر الحـديـد ﴿قِطۡرٗا﴾ أي : نحاساً مذاباً، أو: رصاصاً مذاباً .وأصله من القطْر؛ لأنه إذا أذيب قطَر كما يقطُر الماء، ومنه قوله تعالى: (وأسلنا له عين القطر)سبأ(١٢).فأفرَغ النحاس المذاب على الحديد المحمى ، فدخل بين زُبره ، فاستحكم السدّ، واشتدّ بناؤه ، وامتنع به من وراءه من الناس من ضرر يأجوج ومأجوج .وأصل الصَّدَف : الميل في خفّ البعير إلى الجانب الوحشي ، وسُمي كل واحد من جانبي الجبلين صدفا، لكونه مصادفاً ومقابلاً للآخر، من قولك : صادفت الرجل أي: لاقيته، و لا يقال للمفرد : صدف، حتى يصادفه الآخر، فهو من الأسماء المتضايفة : كالزوج والشفع .

18:97Page 303

فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا ٩٧

So they [i.e., Gog and Magog] were unable to pass over it, nor were they able [to effect] in it any penetration.

٩٧ - ﴿فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ﴾ – سقطت التاء للخفّة – أي: يأجوج ومأجوج ﴿أَن يَظۡهَرُوهُ﴾ أي: يعلو ظهر السدّ، ويصعدوا أو يرقوْا عليه ، لارتفاعه وملاسـته ﴿وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا﴾ أي : خرقاً وثقبا من أسفله ، لشدته وصلابته ، وإحكامه وقوته ، وثخانته وسماكته.وتنويع العبارة بين (اسطاعوا) و(استطاعوا) بمعنى: أطاقوا، لمقابلة الأخف بالأخف ، والأثقل بالأثقل، من الفعلين ، فقابل الصعود إلى ظهر السدّ ب «اسطاعوا» ونقب السدّ ، وهو أشق من الظهور، ب «استطاعوا» ، أي : قابل كلاّ بما يناسبه لفظاً ومعنى .

18:98Page 304

قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا ٩٨

[Dhul-Qarnayn] said, "This is a mercy from my Lord; but when the promise of my Lord1 comes [i.e., approaches], He will make it level, and ever is the promise of my Lord true."

٩٨ - ﴿قَالَ﴾ ذو القرنين : ﴿هَٰذَا﴾ أي : السدّ ، أو: الإقدار عليه، والتمكين من بنائه ﴿رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ ﴾ بهؤلاء القوم الذين سألوه بناء السدّ ، أو : بالناس، لكونه حائلاً بينهم وبين يأجوج ومأجوج ، يمنعهم من العيث في الأرض والإفساد فيها، ومثله قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام : (هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر)النمل(٤٠) .﴿فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي﴾ بخروج يأجوج ومأجوج من السدّ ، قبيل يوم القيامة ﴿جَعَلَهُۥ﴾ الله، أي: جعل ذلك السدّ﴿دَكَّآءَۖ﴾ أي: مستوياً بالأرض، أو: جعله أرضاً مستوية، أو: مثل دكاّء، وهي الناقة لا سنام لها . يقال: ناقة دكاء: إذا كان ظهرها مستوياً، لا سنام لها .[وفي قراءة : (جعله دكّاً)] أي: مدكوكا مبسوطاً مسوّى بالأرض، كقوله سبحانه و تعالى : (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكّا)الأعراف(١٤٣).﴿وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي﴾ أي: بخراب السدّ، وخروج يأجوج ومأجوج منه قُبيل يوم القيامة ﴿حَقّٗا﴾ لا ريب فيه، أي : كائنا لا محالة، ثابتاً لا يتخلف، وهذا تذييل من ذي القرنين ، وهو آخر ما حُكي من قصته .وفي الحديث : عند أحمد و الشيخين عن زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ، قالت : «استيقظ النبي ﷺ من نومه ، وهو محمرّ وجهه، وهو يقول: لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شرّ قد اقترب ، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلّق بأصبعيه السبابة والإبهام ، قلت : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم ، إذا كثر الخبث» .

18:99Page 304

۞ وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا ٩٩

And We will leave them that day1 surging over each other, and [then] the Horn will be blown, and We will assemble them in [one] assembly.

٩٩ - قال تعالى: ﴿وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ﴾ أي:بعض الناس﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ أي : يوم يدكّ هذا السّد ويخرج منه يأجوج ومأجوج على الناس ﴿يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ﴾ أي : يختلط ويضطرب في البعض الآخر.من قولهم : ماج الناس : إذا دخل بعضهم في بعض حيارى كموج البحر .والمعنى : أن يأجوج ومأجوج عند خراب السدّ ، قرب يوم القيامة، يخرجون على الناس، فيموج ويضطرب بعضهم في بعض، ويختلطون في الناس، من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها، فيفسدون على الناس أموالهم ، و يتلفون أشياءهم ، وهذا كائن قبل يوم القيامة، وبعد الدجّال، فإن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قُرب الساعة، كقوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ٩٦ و اقترب الوعد الحق ٩٧)الأنبياء(٩٦-٩٧) أي: بقيام الساعة.و في الحديث الصحيح: «أنه عدّ من علامات الساعة العشر: خروج يأجوج ومأجوج». ويحتمل أن يكون الضمير في الآية عائدا إلى الخلائق يوم القيامة، فإنهم يجتمعون في هذا اليوم ، الجنّ والإنس فيكثرون ويختلطون ، ويموج بعضهم ببعض، من أهوال يوم القيامة .﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ﴾ أي: في القرْن ، أو: في البوق، نفخة البعث، وهي النفخة الثانية، التي يقوم فيها الخلائق من قبورهم للحساب ، والذي ينفخ فيه هو إسرافيل عليه السلام بأمر الله . وفي الحديث: عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري مرفوعاً : «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ، واستمع متى يُؤمر، قالوا : فكيف نقول يا رسول الله ؟ قال : قولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا». رواه الترمذي.﴿فَجَمَعۡنَٰهُمۡ﴾ أي: الخلائق، في مكان واحد، يوم القيامة ﴿جَمۡعٗا﴾ إلى المحشر، للحساب والجزاء على الأعمال ، كقوله : (قل إن الأولين والآخرين ٤٩ لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ٥٠)الواقعة(٤٩-٥٠)، وقوله : (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحداً)الكهف(٤٧) .

18:100Page 304

وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا ١٠٠

And We will present Hell that Day to the disbelievers, on display -

١٠٠ - ﴿وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ﴾ أي: أبرزناها وأظهـرناها ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ أي: يوم القيامة ﴿لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا﴾ فظيعاً هائلاً وإظهاراً جلياً ليروا ما فيها من العذاب والنكال، قبل دخولها، ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم.وفي «صحيح مسلم» عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك».

18:101Page 304

ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا ١٠١

Those whose eyes had been within a cover [removed] from My remembrance,1 and they were not able to hear.2

١٠١ - ﴿ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ﴾ بدل من «الكافرين» ﴿فِي غِطَآءٍ﴾ أي: في غشاء غليظ، وستر كثيف ﴿عَن ذِكۡرِي﴾ أي: عن القرآن الكريم، والذكر الحكيم ، فهم عميٌ لا يهتدون. والمعنى: أنهم تغافلوا وتعاموا عن قبول الهدى ، واتباع الحق، كقوله : (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانا فهو له قرين)الزخرف(٣٦) فهم لا ينظرون في آيات الله الكونية والتنزيلية ولا يتفكرون فيهما .﴿وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا﴾ أي: لا يقدرون على سماع آيات الله، بغضاً وحسداً وتكبراً، فهم لا يعقلون عن الله أمره ونهيه لتصامّهم عن الحق واتباع الهدى.

18:102Page 304

أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا ١٠٢

Then do those who disbelieve think that they can take My servants instead of Me as allies? Indeed, We have prepared Hell for the disbelievers as a lodging.

١٠٢ - ﴿أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي﴾ من الملائكة والجن والأنبياء وغيرهم ﴿مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ﴾ أي: أرباباً معبودين من دون الله، فيكون على هذا المعنى مشابهاً لقوله تعالى : (و يوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ٤٠ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ٤١)سبأ(٤٠-٤١) .ويحتمل أن يكون المعنى: (أفحسب الذين كفروا) بالله ورسله أن يتخذوا من دون الله أولياء ينصرونهم وينفعونهم ، ويدفعون عنهم الضرّ والأذى، فيكون هذا كقوله تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا)الإسراء(٥٦) وقوله جل في علاه: (ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة)الزخرف(٨٦)، أي: اعتقدوا أنهم يصح لهم ذلك وينتفعون به، و قوله سبحانه :(كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا)مريم(٨٢).قال تعالى رداً عليهم : ﴿إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا﴾ أي : هيأنا وأعددنا و أرصدنا ﴿جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا﴾ أي : منزلاً أو شيئاً لضيافتهم، فهي معدّة مهيأة لهم ، كالمنزل المعدّ للضيف. وأصل النزل : المنزل وما يُهيأ للضيف من القِرى والزاد تكرمة له . وفي التعبير عن جهنّم بالنزل، تهكّم واستهزاء بهم ، فبئس النزل نزلهم ، وبئست جهنم ضيافتهم .

18:103Page 304

قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣

Say, [O Muḥammad], "Shall we [believers] inform you of the greatest losers as to [their] deeds?

١٠٣ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد للناس- على وجه التحذير والإنذار-: ﴿هَلۡ نُنَبِّئُكُم﴾ أي : نخبركم ﴿ بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا﴾ أي : بأشد الناس خسراناً لأعمالهم، وهم :

18:104Page 304

ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤

[They are] those whose effort is lost in worldly life, while they think that they are doing well in work."

١٠٤ - ﴿ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ﴾ أي: بطل وخاب واضمحل عملهم ﴿فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ بضياع ثوابه وذهاب نفعه ، لكونه على غير شرع الله ،﴿وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ﴾ أي: يظنون ﴿أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا﴾ أي: عملاً يجازون عليه، وينتفعون بآثاره، فهم يعملون ما فيه ضلال بيّن ، ويعتقدون أنهم على شيء، وأن أعمالهم صالحة مقبولة عند الله، والحق: أنها باطلة مردودة عليهم، كقوله تعالى: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)الفرقان(٢٣) وقوله: (والذين كفروا بربهم أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً )النور(٣٩).وعليه: فكل عمل يكون على غير شرع الله ، غير موافق لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فهو باطل ضائع ثوابه .

18:105Page 304

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥

Those are the ones who disbelieve in the verses of their Lord and in [their] meeting Him, so their deeds have become worthless; and We will not assign to them on the Day of Resurrection any weight [i.e., importance].

١٠٥ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ أي: بدلائل توحيده، من القرآن وغيره ، من الآيات التكوينية والتنزيلية ، ﴿وَلِقَآئِهِۦ﴾ أي : وكفروا بالبعث والحساب والجزاء، والثواب والعقاب، وأمور الآخرة.﴿فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ﴾ بسبب كفرهم بآيات الله ولقائه، أي : بطلت واضمحلّ ثوابها ، لعدم وجود شرطها ومقتضاها، وهو الإيمان بالله ورسله ، وملائكته وكتبه، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره. و أصل الحبوط : انتفاخ بطن الدابة عند أكلها السام من الكلأ ، ثم هلاكها، فأشبه العمل الضار الذي ينفخ صاحبه ثم يهلك به ، بالحبوط .﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا﴾ أي: لا نجعل لهم قدْراً ، أو مقداراً واعتباراً، لحبوط أعمالهم ،وذهاب ثوابها بفقد شرطها و هو الإيمان.فقد روى الشيخان عن أبي هريرة:أن رسول الله ﷺ قال:«إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال : اقرأوا إن شئتم : (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا)».وقوله : «السمين» ليس قيداً لازماً، بل جرى مجرى الغالب في الجبابرة والظالمين بسبب ترفهم ، فالوزن عند الله للإيمان والعمل الصالح.

18:106Page 304

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦

That is their recompense - Hell - for what they denied and [because] they took My signs and My messengers in ridicule.

١٠٦ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ – خبر لمبتدأ محذوف– أي: الأمر ، هو ذلك الذي ذكرتُ، من حبوط أعمالهم، وغيره من العذاب الذي سينالهم بسبب كفرهم . ثم ابتدأ :﴿جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ﴾ أي: بسبب كفرهم ﴿وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ أي: مهزوءاً بهم ، أي: استهزأوا بهم ، وكذبوهم أشدّ التكذيب. [وفي قراءة: (هُزُؤاً) بالهمز مع ضم الزاي و سكونها (هُزْءً)].أو :(ذلك) الأمر المذكور من ترك إقامة الوزن هو (جزاؤهم) و هو (جهنم) بسبب كفرهم و هزئهم بآيات الله و تكذيب رسله.ف (ذلك) : إشارة إلى ترك إقامة الوزن ، و (جزاؤهم): خبر المبتدأ، و (جهنم) : بدل منه.

18:107Page 304

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا ١٠٧

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - they will have the Gardens of Paradise1 as a lodging,

١٠٧ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ فجمعوا بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح، وهذا الوصف شامل لجميع مراتب الدين: عقائده وعباداته، وأعماله، وأصوله، وفروعه، الظاهرة منها والباطنة.﴿كَانَتۡ لَهُمۡ﴾ أي: في علم الله ﴿جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ﴾ وهو: أعلى الجنة وأوسطها، أو: أفضل الجنة وأحسنها. والإضافة إليه للبيان .﴿نُزُلًا﴾ أي: منزلاً وضيافة، وذكر في مقابلة ذلك النزل المعدّ للكافرين. والفردوس : أفضل الجنة وأحسنها، وهو معنى قولهم: إنه ربوة الجنة ، وأوسطها، وأعلاها، وأرفعها .وفي الصحيحين : «إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ، ومنه تفجّر أنهار الجنة». وهو لفظ عربي يجمع على فراديس، وقيل: معرّب ، ومعناه : البستان الذي يجمع ما في البساتين .

18:108Page 304

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا ١٠٨

Wherein they abide eternally. They will not desire from it any transfer.

١٠٨ - ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا﴾ أي : ماكثين، مقيمين ، ساكنين فيها .﴿لَا يَبۡغُونَ﴾ أي : لا يطلبون ﴿عَنۡهَا﴾ أي : عن الجنة ﴿حِوَلٗا﴾ أي: تحـوُّلا إلى غيرها ولا انتقالاً عنها ولا بدلا، لكونها أطيب المنازل وأعلاها . وهو مصدر سماعي ل «تحوّل»، كالعوج والصغر. يقال: حال من مكانه حِولاً. وفي الحديث : عند أحمد والترمذي، عن عبادة بن الصامت : أن النبي ﷺ قال : «إن في الجنة مائة درجة، كلّ درجة منها ما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة ، ومن فوقها يكون العرش، ومنه تفجر أنهار الجنة الأربعة، فإذا سألتم الله ، فاسألوه الفردوس» .

18:109Page 304

قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا ١٠٩

Say, "If the sea were ink for [writing] the words1 of my Lord, the sea would be exhausted before the words of my Lord were exhausted, even if We brought the like of it in [continual] supplement."

١٠٩ - ﴿قُل﴾ يا محمد – مخبراً عن عظمة الله تعالى وجليل صفاته-: ﴿لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ﴾ أي : ماؤه ﴿مِدَادٗا﴾ أي: حبرا، وهو المادة التي يكتب بها. و سمي مدادا لإمداده الكاتب بالكتابة. وفيه معنى الزيادة و مجيء الشيء بعد الشيء.﴿لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي﴾ أي : لمعلوماتـه ، وآياته الدالة على وحدانيته ، وكمال علمه وحكمته وقدرته ، وذلك بأن تكتب كلمات الله بهذا المداد .﴿لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ﴾ أي : لفني وفرغ في كتابتها مع كثرته ﴿قَبۡلَ أَن تَنفَدَ﴾ أي : قبل أن تفرغ وتفنى أو تنتـهي ﴿كَلِمَٰتُ رَبِّي﴾ فهي باقية قائمة، لا يفنيها شيء، لكونها غير متناهية . [وفي قراءة: بالياء: (قبل أن ينفد كلمات ربي)] ﴿وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ﴾ أي: بمثل البحر ﴿مَدَدٗا﴾ أي: عونا و زيادة فيه، فإنه سينفد و لا تنفد كلمات الله. ونصبه على التمييز . يقال : نفِد يَنْفَدُ نَفَادا و نفدا: إذا فني وذهب، و منه : أنفده واستنفده ، أي: أفناه .والآية كقوله سبحانه و تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله)لقمان(٢٧). أي: لو كانت البحور مداداً لكلمات الله، والشجر كله أقلام ، تكتب بها كلمات الله، لانكسرت الأقلام، وفني ماء البحر، وبقيت كلمات الله قائمة ، لا يفنيها شيء، لأن الله تعالى يقول: (وما قدروا الله حقّ قدره)الزمر(٦٧) .وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان، لأن هذه الأشياء مخلوقة، وجميع المخلوقات منقضية منتهية، وأما كلمات علم الله ومعلوماته، فإنها من جملة صفاته، وصفاته تعالى غير مخلوقة، ولا حدّ لها، ولا منتهى، فأيّ سعة وعظمة تصورتها القلوب، فالله جل وعلا فوق ذلك كلّه، وكذا سائر صفاته تعالى، كعلمه وحكمته وقدرته ورحمته و غيرها.و قد يكون المراد ب«كلمات الله»: كلماته التكوينية التي هي قوله للشيء: كن فيكون ، و التي بها الإيجاد و الخلق، فإيجاد الله و خلقه للأشياء لا حد له أبدا و لا نهاية له أصلا، إذ هو الخالق دائم الإيجاد في الدنيا و الآخرة.

18:110Page 304

قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠

Say, "I am only a man like you, to whom has been revealed that your god is one God. So whoever would hope for the meeting with his Lord - let him do righteous work and not associate in the worship of his Lord anyone."

١١٠ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد ، لهؤلاء المشركين المكذبين برسالتك من أهل الكتاب وغيرهم : ﴿إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ﴾ أي: عبد من عباد الله، فلست مَلكاً ولا إلهاً، ولا أعلم الغيب ، بل أنا عبد الله ورسوله ﴿يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ﴾ الذي أدعوكم إلى عبادته ﴿إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ﴾ لا شريك له في ملكه وسلطانه، أي : يوحى إليّ وحدانية الإله تبارك و تعالى.وقوله : (يوحى إليّ) : هذا هو الوصف الفارق بينه ﷺ وبين سائر البشر، فإنه خُص بالوحي و الرسالة من دونهم. ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ﴾بالبعث والثواب و الجزاء الصالح و يأمل لقاءه و رؤيته ﴿فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا﴾ و هو ما كان موافقا لشرع الله صوابا من واجب و مستحب ، أو هو كل ما دل الشرع على أنه خيرٌ يثاب فاعله.﴿وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ من خلقه كائناً من كان ، بل تكون عبادته وعمله خالصاً لوجه الله تعالى.ويدخل في الآية: النهي عن الشرك الخفيّ، الذي هو الريّاء .وفي الآية : بيان ركني العمل المتقبل عند الله:وهو أن يكون خالصاً لوجه الله،لا يرائي به أحداً من خلق الله .وأن يكون صواباً ، موافقاً لشرع الله ، تابعاً لما جاء به محمد ﷺ من شريعة الإسلام .فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله تبارك وتعالى : أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه» .وفي لفظ أحمد عن أبي هريرة : أن الله يقول : «أنا خير الشركاء ، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري ، فأنا برئ منه، وهو للذي أشرك» . والشرك شركان : شرك أكبر و شرك أصغر :فالأكبر: هو اعتقاد شريك لله تعالى في ألوهيته وربوبيته وصفاته ، وهو المقصود بقوله : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)النساء(٤٨) وهو أيضا المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق، وضده الإيمان .وأماّ الأصغر: فهو الرّياء، وهو أن يفعل العبد عبادة يقصد بها غير الله تعالى، كثناء الناس عليه .وقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة في تحريمه و التحذير منه، مبينة أنه يبطل ثواب العمل – كحديث مسلم المتقدم - و ضده الإخلاص، الذي أمرنا الله تعالى به في كل عبادة بقوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء)البينة(٥) فلا يقبل الله تعالى من العمل ، إلا ما كان خالصاً له، موافقاً لشرعه، ويدل على هذا من الأحاديث:ما رواه أحمد في «مسنده» وابن ماجه في «سننه» عن شداد بن أوس، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول : «أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية. قلت: يا رسول الله ، أتشرك أمتك من بعدك؟ قال : نعم، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً، ولكن يراؤون بأعمالهم» الحديث .و ما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه ، عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري ، قال : سمعت رسول الله ﷺ يقول : «إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عَمِله لله أحداً، فليطلب ثوابه من عند غير الله ، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك». و الله تعالى أعلمانتهى تفسير سورة الكهف

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском