Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Maryam 19:35–64
19:35Page 307
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥
It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.
٣٥ – ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ﴾ أي : ما صح ذلك ولا استقام ، أو: ما ينبغي ذلك ولا يليق بكماله وجلاله اتخاذ صاحبة ولا ولد ، ﴿سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ﴾ تنزيها له تعالى عن النقائص كلها ، وتقديسا عن اتخاذ الولد والصاحبة.من التسبيح بمعنى : التقديس والتنزيه عن النقائص . ﴿إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا﴾ أي : إذا أراد شيئا أن يحدثه،﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ كما أراده وقدّره وقضاه، ومن ذلك: خلق عيسى من غير أب ، كقوله : (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)آل عمران(٥٩). [وفي قراءة بالنصب : (كن فيكونَ)] .
19:36Page 307
وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦
[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."
٣٦ – ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ﴾ هذا من تمام كلام عيسى عليه السلام ومما أمر به قومه وهو في مهده ، كقوله: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم)المائدة(١١٧). [وفي قراءة: بفتح الهمزة (وأن الله ربي وربكم)] ﴿فَٱعۡبُدُوهُۚ﴾ أي : فأخلصوا له العبادة.و فيه : الإقرار بتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية ، والاستدلال بالأول على الثاني . ﴿هَٰذَا﴾ أي : الذي جئتكم به عن الله ، أو : ذكرته لكم من أن الله ربي وربكم فاعبدوه ، هو ﴿صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ﴾ أي : طريق قيم ، معتدل ، لا اعوجاج فيه، من اتبعه رشد و هدى ، ومن خالفه ضل وغوى .
19:37Page 307
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧
Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.
٣٧ – ﴿فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ﴾ أي : اختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى ابن مريم ، بعد بيان أمره ووضوح حاله ، وأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه .فاليهود قالوا : إنه ابن يوسف النجار، ورموا أمه الطاهرة بالزنا. والنصارى اختلفت فرقهم فيه ، فقال فريق منهم: هو ابن الله ، وقال فريق: إنه هو الله ، وقال فريق ثالث : إنه ثالث ثلاثة ، والثلاثة : الله وعيسى ومريم أو روح القدس جبريل عليه السلام ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا .﴿فَوَيۡلٞ﴾ أي : فهلاك وشدة عذاب، وقيل : هو اسم واد في جهنم ﴿لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهم : المختلفون في أمر عيسى القائلون فيه وفي أمه قول الكفر، أو هم : الكافرون بالله ورسله وكتبه ، ويدخل فيهم اليهود والنصارى من باب أولى . ﴿مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ﴾ أي : من شهود وحضور يوم القيامة وما فيه من أهوال الحشر والحساب والعقاب والجزاء على الأعمال . وفي قوله : (فويلٌ للذين كفروا) بعد قوله : (فاختلف الأحزاب من بينهم) ولم يقل : «فويل لهم» حيث يعود الضمير إلى الأحزاب – دليل على أن من الأحزاب المختلفين طائفة أصابت الصواب و وافقت الحق في أمر عيسى، فقالوا : هو عبد الله ورسوله، فآمنوا به واتبعوه، فهؤلاء المؤمنون غير داخلين في هذا الوعيد، ولذا خصه الله بالكافرين منهم . وفي الآية: تهديد أكيد و وعيد شديد لمن كذب على الله وافترى ، وزعم أن له ولدا ، ولكن الله أنظرهم إلى يوم القيامة وأجّلهم حِلْما بهم ، فإنه لا يعجل بالعقوبة على من عصاه ، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال : «لا أحد أصبر على أذى سمعه ، من الله ، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم» .وفي الحديث الصحيح المتفق على صحته ، عن عبادة بن الصامت ، قال: قال رسول الله ﷺ : « من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم و روح منه ، وأن الجنة حق والنار حق ، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».
19:38Page 307
أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨
How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.
٣٨ – ﴿أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ﴾ بهم ، أي: ما أسمعهم وما أبصرهم ﴿يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا﴾ يوم قدومهم على ربهم في الآخرة ، للحساب والجزاء ، ﴿لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ﴾ أي: في الدنيا ﴿فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ أي : بيّن واضح ، بسبب كفرهم وضلالهم، صموا عن سماع الحق ، وعموا عن إبصاره .والمعنى: أعجِبْ منهم يا مخاطب في سمعهم وإبصارهم في الآخرة ، بعد أن كانوا في الدنيا صما وعميا عن الحق والصواب ، فما أسمعهم وما أبصرهم في ذلك اليوم، لما يخلع قلوبهم و يُسوِّد وجوههم ، وقد كانوا في الدنيا صما وعميانا ، ففي القيامة يستيقنون حقيقة ما هم عليه ويقولون: (ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون)السجدة (١٢) . و «أسمع وأبصر»: صيغتا تعجب، لفظهما لفظ الأمر، و معناهما: التعجيب أي: حمل المخاطب على التعجب من الأمر المذكور ، وفاعلهما: الضمير المجرور بالباء .
19:39Page 308
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩
And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.
٣٩ – ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ﴾ يا محمد ، أي : خوِّف الناس جميعا ﴿يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ﴾ أي: يوم الندامة الشديدة على ما فات، وهو يوم القيامة ، يتحسر فيه المسيء على ترك الإحسان في الدنيا، والمحسن على عدم استكثاره من الخير، كقوله: (أن تقول نفسٌ يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله)الزمر(٥٦) . ﴿إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ﴾ أي: فُصل بين أهل الجنة وأهل النار ، وصار كل فريق إلى ما صار إليه مخلدا فيه ، أو: فُرغ من الحكم والحساب. والإنذار: الإعلام بالمخوف والإخبار بصفاته على وجه الترهيب . ﴿وَهُمۡ ﴾ في الدنيا ﴿فِي غَفۡلَةٖ﴾ عن يوم القيامة، أو عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة. ﴿وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون به ولا بمجيئه .وقد أخرج الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مناد : يا أهل الجنة ، فيشرئبون وينظرون ، فيقول لهم : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم، هذا الموت ، وكلهم قد رآه ، ثم ينادي : يا أهل النار ، فيشرئبون وينظرون ، فيقول لهم : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم ، هذا الموت، وكلهم قد رآه ، فيُذبح ، ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ، ثم قرأ ﷺ : (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر)» . زاد أحمد في روايته : وأشار بيده ثم قال : «أهل الدنيا في غفلة الدنيا».
19:40Page 308
إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠
Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.
٤٠ – ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا﴾ مـن العقلاء وغيرهم، بإهلاكهم ، فلا يبقى عليها أحد من أهلها يرث الأموات ما خلفوه من الديار والمتاع، فالخلق كلهم هالكون، فلا أحد يدّعي ملكا ولا تصرفا، والله هو الوارث لجميع خلقه ، الباقي بعدهم، الحاكم فيهم بأمره وقدره. ﴿وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ﴾ أي: يردون إلينا يوم القيامة، فنجازي كلا بعمله، ولا تظلم نفس شيئا، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر ، فمن عمل خيرا ، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه.[وفي قراءة : بالبناء للفاعل : (و إلينا يَرْجِعون) أي: يصيرون إلينا بالبعث و النشور].
19:41Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا ٤١
And mention in the Book [the story of] Abraham. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
٤١ – ﴿وَٱذۡكُرۡ﴾ يا محمد ﴿فِي ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: في القرآن ﴿إِبۡرَٰهِيمَۚ﴾ أي : خبره وقصته ، والمراد : اتل على الناس خبر إبراهيم وقصته ﴿إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا﴾ أي: مبالغا في الصدق، كثير التصديق لآيات الله ، صادقا في أقواله وأفعاله وأحواله، ﴿نَّبِيًّا﴾ رسولا، من أولى العزم منهم ، فجمع الله له بين الصدّيقية والنبوة .
19:42Page 308
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا ٤٢
[Mention] when he said to his father, "O my father, why do you worship that which does not hear and does not see and will not benefit you at all?
٤٢ – ﴿إِذۡ قَالَ﴾ أي : إبراهيم ﴿لِأَبِيهِ﴾ آزر متلطفا في دعوته إلى التوحيد ونبذ عبادة الأصنام : ﴿يَٰٓأَبَتِ﴾ وكان أبوه يعبد الأصنام مع قومه [وفي قراءة: بالنصب (يا أبتَ)] ﴿لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ﴾ دعاءك إياه ﴿وَلَا يُبۡصِرُ﴾ عبادتك له ﴿وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا﴾ من نفع أو ضر ، فلا يجلب لك نفعا ، ولا يدفع عنك ضرا . أي: فكيف تعبد أصناما ناقصة في ذاتها وأفعالها ؟
19:43Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا ٤٣
O my father, indeed there has come to me of knowledge that which has not come to you, so follow me; I will guide you to an even path.
٤٣ – ﴿يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ أي : من اليقين والمعرفة بالله ، وما يكون بعد الموت ، وذلك بطريق الوحي الإلهي ﴿مَا لَمۡ يَأۡتِكَ﴾ أي: ما لم تعلمه أنت ، ولا جاءك ولا اطلعت عليه ﴿فَٱتَّبِعۡنِيٓ﴾ على ما أنا عليه من الدين ﴿أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا﴾ أي: طريقا مستقيما مستويا موصلا إلى نيل المطلوب والنجاة من المرهوب، أو : معتدلا قصدا لا اعوجاج فيه، أو : طريقا وسطا لا إفراط فيه و لا تفريط.أي: أرشدْك إلى دين مستقيم ، فيه النجاة لك من غضب الله ونقمته وعذابه ، وهو: عبادة الله وحده لا شريك له ، وطاعته ، والإخلاص في ذلك .و في الآية من لطف الخطاب و لينه مع أبيه ما لا يخفى .
19:44Page 308
يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا ٤٤
O my father, do not worship [i.e., obey] Satan. Indeed Satan has ever been, to the Most Merciful, disobedient.
٤٤ – ﴿يَٰٓأَبَتِ لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ﴾ أي: لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام، فإن عبادة الأصنام عبادة له ، لأنه هو الذي يسولها ويغري بها ، وكل من عبد غير الله، فقد عبد الشيطان وأطاعه ، لأنه هو الداعي إلى ذلك، والراضي به ، كقوله تعالى : (ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين)يس(٦٠).﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا﴾ أي: كثير العصيان، مخالفا مستكبرا عن طاعة ربه ، فلا تتبعه ، فإن طاعته عصيان لله. و في الآية: إشارة إلى أن المعاصي تمنع العبد من رحمة الله، وتغلق عليه أبوابها، كما أن الطاعة من أكبر الأسباب لنيل رحمة الله .
19:45Page 308
يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا ٤٥
O my father, indeed I fear that there will touch you a punishment from the Most Merciful so you would be to Satan a companion [in Hellfire]."
٤٥ – ﴿يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ أي: على شركك وعصيانك لأمر الله ، وإصرارك على الكفر ، وتماديك في الطغيان ، وعدم رجوعك إلى الله بالتوبة و الإنابة والإيمان ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا﴾ أي: ناصرا وقرينا ، تليه ويليك في العذاب، أي: فتكون بسبب موالاتك له ، واتباعك إياه ، قرينا له في العذاب، أو : إن موالاتك له، واتباعك إياه ، موجب لإحاطة العذاب بك ، كما قال تعالى : (فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم)النحل(٦٣) .
19:46Page 308
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا ٤٦
[His father] said, "Have you no desire for my gods, O Abraham? If you do not desist, I will surely stone you, so avoid me a prolonged time."
٤٦ – ﴿قَالَ﴾ أي: آزر ، أبو إبراهيم، في جواب ولده إبراهيم حين دعاه إلى الله ، مُصرّا على عناده لفرط غلوه في الضلال : ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ﴾ أي: أمعرض أنت عن عبادتها ، ومنصرف إلى عبادة غيرها؟ ﴿لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ﴾ عن التعرض لها بقبيح الكلام، أو : عن دعوتي إلى عبادة غيرها ﴿لَأَرۡجُمَنَّكَۖ﴾ أي: بالحجارة، أو: بالكلام القبيح ، فاحذرني ﴿وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا﴾ أي: فارقني و اتركني، أو اجتنبني دهرا طويلا. من الملاوة – بتثليث الميم – وهي : البرهة الطويلة من الدهر ، والمراد : أبد الدهر . وعن ابن عباس : (واهجرني مليا) أي : سويا سالما، قبل أن تصيبك مني عقوبة ، واختاره ابن جرير الطبري .
19:47Page 308
قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا ٤٧
[Abraham] said, "Peace [i.e., safety] will be upon you.1 I will ask forgiveness for you of my Lord. Indeed, He is ever gracious to me.
٤٧ – ﴿قَالَ﴾ إبراهيم لأبيه متلطفا به: ﴿سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ﴾ مني سلام توديع ومتاركة ، لا أصيبك بمكروه ، ولا ينالك مني أذى ، قولي أو فعلي، لحرمة الأبوة . وهذا كقوله تعالى في صفة المؤمنين: (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما)الفرقان(٦٣) . وقوله : (سلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين)القصص(٥٥)، و لكن﴿سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ ﴾ أي: سأسأل الله لك الهداية إلى الإسلام ، والمغفرة من الذنوب.﴿إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا﴾ أي: بارا ملطفا، فيجيب دعائي لك ، أو: رحيما مكرما لي في إجابة دعائي . وقد وفىّ إبراهيم بوعده في الاستغفار لأبيه، تألفا له، وطمعا في لينه ، وذهاب قسوته ، فقال : (واغفر لأبي إنه كان من الضالين)الشعراء(٨٦). وقال: (ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب)إبراهيم(٤١) . وكان هذا الوعد منه قبل أن يتبين له أنه عدو لله ، قال تعالى : (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواهٌ حليم)التوبة(١١) . يقال : حفي به حفاوة ، إذا اعتنى به وبالغ في إكرامه ، فهو حاف وحفي.
19:48Page 308
وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا ٤٨
And I will leave you and those you invoke other than Allāh and will invoke1 my Lord. I expect that I will not be in invocation to my Lord unhappy [i.e., disappointed]."
٤٨ – ﴿وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: أفارقكم وأجتنبكم وأتبرأ منكم ومما تعبدون من دون الله . أو : أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم التي تعبدونها و تدعونها من دون الله دعاء عبادة وسؤال ﴿وَأَدۡعُواْ رَبِّي﴾ وحده لا شريك له دعاء عبادة وسؤال . ﴿عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا﴾ أي: خائبا ضائع السعي ، أي: عسى أن لا أشقى بعبادة ربي كما شقيتم أنتم بعبادة أصنامكم ، أو : عسى الله أن يسعدني ، بإجابة دعائي ، وقبول أعمالي .و «عسى» منه موجبة ، فإنه سيد الأنبياء بعد محمد ﷺ.
19:49Page 308
فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا ٤٩
So when he had left them and those they worshipped other than Allāh, We gave him Isaac and Jacob, and each [of them] We made a prophet.
٤٩ -﴿فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ﴾ أي : أهله وقومه ﴿وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي : واعتزل معبوداتهم من دون الله، في الله ، بأن ذهب إلى الأرض المقدسة، مهاجرا في سبيل الله بدينه، تاركا وراءه أهله وأرضه ووطنه . ﴿وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ﴾ ولده من سارة عليها السلام، وكان قد رزق قبله بإسماعيل عليه السلام من السيدة هاجر ﴿وَيَعۡقُوبَۖ﴾ عليه السلام ، وهو ابن إسحق ، وكان يسمى بإسرائيل، أي : عبد الله. ﴿وَكُلّٗا﴾ من إسحق ويعقوب ﴿جَعَلۡنَا نَبِيّٗا﴾ فاصطفاهم الله للنبوة والرسالة .
19:50Page 308
وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠
And We gave them of Our mercy, and We made for them a mention [i.e., reputation] of high honor.
٥٠ – ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُم﴾ أي : لإبراهيم وإسحق ويعقوب عليهم السلام ﴿مِّن رَّحۡمَتِنَا﴾ أي : النبوة ، والمال وسعة الرزق ، والذرية الصالحة ، التي كثر فيها الأنبياء والمرسلون .﴿وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ﴾ أي : ثناء حسنا ﴿عَلِيّٗا﴾ أي : رفيعا ، في أهل كل دين ، يثنون عليهم ويمدحونهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. واستعمال اللسان فيما يصدر عنه وهو الثناء ، كاستعمال اليد في العطاء .
19:51Page 308
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥١
And mention in the Book, Moses. Indeed, he was chosen, and he was a messenger and a prophet.1
٥١ – ﴿وَٱذۡكُرۡ﴾ يا محمد ﴿فِي ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي : في القرآن ﴿مُوسَىٰٓۚ﴾ عليه السلام، أي : اذكره على وجه التبجيل له ، والتعظيم والتعريف بمقامه الكريم .﴿إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا﴾ أي : مصطفىً مختارا، أخلصه الله تعالى له ، واصطفاه واختاره لدينه ورسالته ، كقوله : (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي)الأعراف(١٤٤). [وفي قراءة : (مخلِصا) بكسر اللام ، أي : مخلصا عبادته لله].﴿وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا﴾ إلى بني إسرائيل بالتوراة ، وهو أحد الخمسة من أولي العزم من الرسل ، وهم : نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم و سلم أجمعين ، وقد جمع الله له بين الرسالة والنبوة، فالرسالة تقتضي تبليغ كلام المرسِل إلى المرسَل إليهم، والنبوة تقتضي إيحاء الله إليه وتخصيصه بإنزال الوحي عليه، فالنبوة بين النبي وبين ربه ، والرسالة بينه وبين الخلق .
19:52Page 309
وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا ٥٢
And We called him from the side of the mount1 at [his] right and brought him near, confiding [to him].
٥٢ – ﴿وَنَٰدَيۡنَٰهُ﴾ أي : بقولنا :(يا موسى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري)طه(١٤).أو : كلمناه ﴿مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ﴾ أي : الذي يلي يمين موسى حين أقبل من «مدين» . ويحتمل أن المراد : يمين الجبل نفسه، أو : الأيمن ، أي: الأبرك ، من اليُمْن والبركة ، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى : (أن بورك من في النار ومن حولها)النمل(٨) . و الطور : اسم الجبل الذي كلم الله موسى عنده .﴿وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا﴾ أي : أدنيناه مناجيا لنا، تقريب مكانة وتشريف وتكريم، بإسماعه كلامنا بلا واسطة . من المناجاة ، وهي : المسارة بالكلام.وفي الآية : إثبات صفة الكلام لله تعالى وأنواعه من النداء – وهو الصوت الرفيع – والنجاء – وهو ما دون ذلك – على الوجه اللائق بجلاله و كماله و عظمته كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ، وفيها أن الله خص موسى عليه السلام بأجل أنواع الوحي وأفضله ، وهو تكليمه ومناداته ، وتقريبه ومناجاته ، فهو بهذه الخصوصية : كليم الله .
19:53Page 309
وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا ٥٣
And We gave him out of Our mercy his brother Aaron as a prophet.
٥٣ – ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ﴾ أي : من نعمتنا عليه ﴿أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا﴾ ليشد أزره في أداء الرسالة، فالنبوة هي المقصودة بالهبة . أو: وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه – وكان أكبر منه سنّا – فجعلناه نبيا معه كقوله في الآية الأخرى : (واجعل لي وزيرا من أهلي ٢٩ هارون أخي ٣٠ اشدد به أزري ٣١ وأشركه في أمري ٣٢)طه(٢٩-٣٢) إلى قوله: (قال قد أوتيت سؤلك يا موسى)طه(٣٦). وقوله: (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون ٣٤ قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ٣٥)القصص(٣٤-٣٥).
19:54Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا ٥٤
And mention in the Book, Ishmael. Indeed, he was true to his promise, and he was a messenger and a prophet.
٥٤ – ﴿وَٱذۡكُرۡ﴾ يا محمد ﴿فِي ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي : في القرآن ﴿إِسۡمَٰعِيلَۚ﴾ بن إبراهيم – عليهما السلام – وهو والد عرب الحجاز كلهم ، ومن نسله جاء سيد ولد آدم ، محمد ﷺ .﴿إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ﴾ فما وعد شيئا، إلا وفىّ به، وهذا شامل للوعد الذي يعقده مع الله أو مع العباد ، وقد وعد أباه الصبر على ذبحه في قوله : (ستجدني إن شاء الله من الصابرين)الصافات(١٠٢) فوفّى بذلك ، ومكّن أباه من ذبحه ، فافتداه ربه بذبح عظيم، -كما سيأتي في سورة الصافات آية ١٠٢، إن شاء الله تعالى- .و الثناءُ عليه بصدق الوعد مع كون جميع الأنبياء كذلك – أنه كان مشهورا به ، مبالغا فيه . ﴿وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا﴾ وفيه دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحق عليهما السلام ، لأنه إنما وصف إسحق بالنبوة فقط ، و وصف إسماعيل بالنبوة والرسالة .وقد ثبت في «صحيح مسلم» أن رسول الله ﷺ قال : «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل» الحديث .
19:55Page 309
وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا ٥٥
And he used to enjoin on his people prayer and zakāh and was to his Lord pleasing [i.e., accepted by Him].
٥٥ - ﴿وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ﴾ كقوله تعالى لرسوله ﷺ: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)طه(١٣٢) فكان صابرا على طاعة الله ، آمرا بها أهله.﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا﴾ أي : رضيا زاكيا صالحا ، لاستقامة أقواله وأفعاله . وفي الحديث : عند أبي داود ، وابن ماجه عن أبي هريرة، قال : قال رسول الله ﷺ : «رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته ، فإن أبت نضح في وجهها الماء ، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ، وأيقظت زوجها ، فإن أبى نضحت في وجهه الماء» .وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، عند أبي داود والنسائي وابن ماجه – واللفظ له – عن النبي ﷺ قال: «إذا استيقظ الرجل من الليل ، وأيقظ امرأته ، فصليا ركعتين ، كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات».
19:56Page 309
وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا ٥٦
And mention in the Book, Idrees. Indeed, he was a man of truth and a prophet.
٥٦ – ﴿وَٱذۡكُرۡ﴾ يا محمد ﴿فِي ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: في القرآن ﴿إِدۡرِيسَۚ﴾ عليه السلام، أي : اذكره على وجه الإجلال والتعظيم ، والوصف بصفات الكمال ﴿إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا﴾ أي: كثير الصدق والتصديق لآيات الله ﴿نَّبِيّٗا﴾ فجمع له بين الصدّيقية والنبوة ، الجامعة للتصديق التام ، والعلم الكامل ، واليقين الثابت، والعمل الصالح وبين اصطفائه لوحيه ، واختياره لرسالته .
٥٧ – ﴿وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ ذا علو وارتفاع، فكان عالي الذكر بين العالمين، عالي المنزلة والمكانة بين المقرّبين. أو : المراد: رفع مكان ، ففي «صحيح مسلم» عن مالك بن صعصعة ، قال : قال النبي ﷺ : «لما عرج بي إلى السماء ، أتيت على إدريس في السماء الرابعة». وقيل : المراد برفعه: ما أعطيه من شرف النبوة ، وقيل: المراد بذلك: رفعه إلى الجنة.
19:58Page 309
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا۩ ٥٨
Those were the ones upon whom Allāh bestowed favor from among the prophets of the descendants of Adam and of those We carried [in the ship] with Noah, and of the descendants of Abraham and Israel [i.e., Jacob], and of those whom We guided and chose. When the verses of the Most Merciful were recited to them, they fell in prostration and weeping.
٥٨ – ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ مبتدأ ﴿ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم﴾ بالنبوة والرسالة – صفة للمبتدأ ﴿مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ﴾ المذكورين في هذه السورة وغيرهم، وهو بيان الصفة، فالمراد ب «النبيين» جنس الأنبياء عليهم السلام ، لا ذكر أشخاصهم . ثم وصفهم بقوله : ﴿مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ﴾ وهو إدريس عليه السلام ﴿وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ﴾ أي: ومن ذرية من حملنا مع نوح في السفينة ، وهم من عدا إدريس ، كإبراهيم – عليه السلام - ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ وهم الباقون منهم، كإسماعيل وإسحاق ويعقوب – عليهم السلام – ﴿وَإِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي: ومن ذرية إسرائيل – وهو : يعقوب عليه السلام – ومنهم : موسى وهارون وزكريا ويحي وعيسى ابن مريم – عليهم السلام .﴿وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا﴾ أي: ومن جملة من هدينا إلى الإسلام والحق ﴿وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ﴾ أي : اصطفينا من العباد و اخترنا للرسالة والوحي . من الاجتباء ، بمعنى : الاختيار.وخبر «أولئك» : ﴿إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ أي: حججه ودلائله وبراهينه ، ووعده ووعيده ، أي: كانوا إذا سمعوا كلام الله وآياته ﴿ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا﴾[و في قراءة: بكسر الباء (و بِكيا)] أي : ساجدين وباكين ، خضوعا وخشوعا ، وخوفا وحذرا ، وتعظيما وتمجيدا لله تعالى .جمع ساجد وباك. وأصل «بكيا» : بكويٌ ، فقلبت الواو ياء ، وأدغمت، وحركت الكاف بالكسر لمناسبة الياء. وفي إضافة الآيات إلى اسم «الرحمن» دلالة على أن آياته من رحمته بعباده و إحسانه إليهم حيث هداهم بها إلى الحق وبصرهم بها من العمى وأنقذهم من الضلالة، و علمهم من الجهالة .وقد أجمع العلماء على شرعية السجود عقب هذه الآية، اقتداءً بهم واتباعا لمنوالهم . ففي «صحيح البخاري» عن مجاهد: أنه سأل ابن عباس : أفي (ص) سجدة ؟ قال : نعم ، ثم تلا ابن عباس هذه الآية: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)الأنعام(٩٠) ، قال : فنبيكم – محمد ﷺ – ممن أُمر أن يقتدي بهم ، قال : وهو منهم – أي: داود عليه السلام.أي : من جملة من أُمر النبي ﷺ أن يقتدي بهم ، وذلك في قوله : (وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب)ص(٢٤) .
19:59Page 309
۞ فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا ٥٩
But there came after them successors [i.e., later generations] who neglected prayer and pursued desires; so they are going to meet evil1 -
٥٩ – ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ﴾ أي: من بعد الأنبياء وأتباعهم وصالحي ذرياتهم ﴿خَلۡفٌ﴾ أي: عقب سوء، كاليهود والنصارى ، وعـصاة أمـة محمـد ﷺ ﴿أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ بتركها، أو : بعدم الإتيان بها على الوجه المشروع ، أو : بتأخيرها عن وقتها .والظاهر : أن من أخر الصلاة عن وقتها ، أو ترك فرضا من فروضها، أو شرطا من شروطها ، أو ركنا من أركانها ، كان مضيعا لها ، وأشد منه إضاعة لها ، من تركها بالكلية ، أو جحد وجوبها . وفي الحديث : عند مسلم وأبي داود والترمذي عن جابر مرفوعا: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة» وحديث : «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». وعن عمر بن الخطاب : من ضيعها فهو لما سواها أضيع . ﴿وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ﴾ من المعاصي والمحرمات ﴿فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا﴾ أي: ضلالا وخسرانا، أو : خيبة وشرا، أي: جزاء غي ، وهو العذاب في الآخرة. وقيل: هو واد في جهنم .والمشهور : استعمال الخلْف – بالسكون – في الشر ، كما في الآية، وبالفتح في الخير ، فيقال : خلَف صالح .
19:60Page 309
إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا ٦٠
Except those who repent, believe and do righteousness; for those will enter Paradise and will not be wronged at all.
٦٠ – ﴿إِلَّا﴾ أي: لكـن ﴿مَن تَابَ﴾ مما فـرط منـه من تضييع الصلاة ، واتباع الشهوات ، فأقلع عنها، وندم عليها، وعزم عزما جازما أن لا يعاودها، فرجع إلى طاعة ربه ﴿وَءَامَنَ﴾ به ﴿وَعَمِلَ﴾ عملا ﴿صَٰلِحٗا﴾ وهو ما كان موافقا شرع الله ، قاصدا به وجه الله .﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي : الذين جمعوا بين التوبة والإنابة والإيمان والعمل الصالح ﴿يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ﴾ [وفي قراءة: بالبناء للمفعول: (يُدْخَلون الجنة)] ﴿وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا﴾ من أعمالهم ، أي : لا ينقصون من ثوابهم ، وأجور أعمالهم شيئا ، بل يجدونها كاملة ، موفرة أجورها ، مضاعفا ثوابها .وفي الحديث : عند ابن ماجه عن ابن مسعود ، والحكيم الترمذي عن أبي سعيد الخدري : «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» .
19:61Page 309
جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا ٦١
[Therein are] gardens of perpetual residence which the Most Merciful has promised His servants in the unseen. Indeed, His promise has ever been eminent.1
٦١ - ﴿جَنَّٰتِ عَدۡنٍ﴾ أي : جنات إقامة دائمة ﴿ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ﴾ أي : وعدهم إياها حال كونهم غائبين عنها ، فآمنوا بها، وصدقوا غيبها ، وسعوا لها سعيها ، مع أنهم لم يروها ، فكيف لو رأوها، لكانوا أشد لها طلبا ، وأعظم فيها رغبة ، وأكثر لها سعيا ، فيكون في هذا المعنى ، مدح لهم بإيمانهم بالغيب وشدة إيقانهم وقوة إيمانهم. ويحتمل أن يكون قوله : «بالغيب» متعلق ب «عباده» أي : الذين عبدوه في حال غيبهم ، وعدم رؤيتهم لربهم، فكيف لو رأوه ، لكانوا أشد له عبادة، وأعظم إنابة ، وأكثر حبا، وأجل شوقا.ويحتمل أيضا أن يكون المعنى: هذه الجنات التي وعدها الرحمن عباده، من الأمور الغيبية التي لا تدركها الأوصاف ، ولا يعلمها أحد إلا الله ، ففيه من التشويق لها ، ما يهيج النفوس إلى طلبها ، فيكون هذا مثل قوله سبحانه و تعالى : (فلا تعلم نفسٌ ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون)السجدة(١٧) .﴿إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ﴾ أي : موعــوده ، وهــو الجنـة ، ﴿مَأۡتِيّٗا﴾ أي : آتيا أهله ، وهم: عباده الذين وعدهم بها في الدنيا ، وهي غائبة عنهم غير حاضرة . و مأتيا: اسم مفعول بمعنى : فاعل .و أصله : مأتوي – فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت بالياء، وكسرت التاء مناسبة لها . أو : موعوده – وهو الجنة – يأتيه أهله، وهم المؤمنون العاملون، فيدخلونها بفضل الله ورحمته .أو : كون هذا الوعد وعدا منجزا . والآية تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره، فإن الله لا يخلف الميعاد، ولا يبدله ، كقوله : (كان وعده مفعولا)المزمل(١٨) أي : منجزا أو : كائنا لا محالة.
19:62Page 309
لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢
They will not hear therein any ill speech - only [greetings of] peace - and they will have their provision therein, morning and afternoon.
٦٢ - ﴿لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا﴾ أي : فـي هـذه الجنات ﴿لَغۡوًا﴾ من الكلام ، أي: فضولا منه ، لا نفع فيه ، أو باطلا وقبيحا منه . فاللغو: هو الهذَر من الكلام ، الذي لا طائل تحته ، ولا نفع منه . وقيل : هو كل ما لم يكن فيه ذكر الله . ﴿إِلَّا﴾ أي : لكن يسمعون فيها ﴿سَلَٰمٗاۖ ﴾ من الملائكه عليهم ، أو: من بعضهم على بعض. والاستثناء منقطع ، كقوله: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما ٢٥ إلا قيلا سلاما سلاما ٢٦)الواقعة(٢٥-٢٦). ﴿وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا﴾ من المطاعم والمشارب وأنواع الملذات .﴿بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا﴾ أي : في أوقات معلومة، في مقدار طرفي النهار في الدنيا ، أي : في مثل وقت البكرات و وقت العشيات ، إذ ليس في الجنة نهار ولا ليل ، والمراد: دوام الرزق فيها وعدم انقطاعه .وفي الحديث : عند أحمد والبخاري ومسلم ، عن أبي هريرة ، مرفوعا-في وصف زمر أهل الجنة-: «يسبحون الله بكرة وعشيا» .وروى أحمد في «المسند» عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله ﷺ : «الشهداء على بارق نهر بباب الجنة، في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا» .
19:63Page 309
تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣
That is Paradise, which We give as inheritance to those of Our servants who were fearing of Allāh.
٦٣ – ﴿تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ﴾ المتقدم ذكرها ووصفها ﴿ٱلَّتِي نُورِثُ﴾ أي : نعطى وننزل [وفي قراءة : بالتشديد: (نُورِّث)] ﴿مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا﴾ لله بطاعته ، وعبادته، أي : نجعلها لأهل التقوى بعد أن نحرمها على غيرهم ، ونحفظها لهم كما يُحفظ المال للوارث، كقوله: (أولئك هم الوارثون ١٠ الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ١١)المؤمنون(١٠-١١).
19:64Page 309
وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤
[Gabriel said],1 "And we [angels] descend not except by the order of your Lord. To Him belongs that before us and that behind us and what is in between. And never is your Lord forgetful -
٦٤ – سبب نزول الآية :روى البخاري في «صحيحه» في باب «التفسير» وأحمد في «المسند» عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ لجبريل عليه السلام : «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» قال: فنزلت الآية .﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ﴾ أي : قـل يا جبريـل لمحمد ﷺ لما استبطأ نزول الوحي عليه :(وما نتنزل) أي: الملائكة ﴿إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ﴾ بالتنزيل، فنحن عباد مأمورون ، إذا بُعثنا نزلنا، وإذا حُبسنا احتبسنا .﴿لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا﴾ أي : أمامنا من أمور الآخرة ﴿وَمَا خَلۡفَنَا﴾ من أمور الدنيا ﴿وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ﴾ أي: ما بين الدنيا والآخرة ، أو : ما يكون بينهما إلى قيام الساعة، أي: له علم ذلك جميعه، فله علم الأمور الماضية والحاضرة والمستقبلة في الزمان والمكان والجهة، كقوله : (قل إن الأمر كله لله)آل عمران(١٥٤). ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا﴾ أي : ذا نسيان، أو لم يكن ربك لينساك بتأخير الوحي عنك ، كقوله : (ما ودعك ربك وما قلى)الضحى(٣) و لم يكن ربك لينسى شيئا، كما في الحديث ، عند ابن أبي حاتم ، عن أبي الدرداء، مرفوعا: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرمه فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئا ، ثم تلا قوله تعالى: (وما كان ربك نسيا)».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences