Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:178–186
2:178Page 27
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨
O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female.1 But whoever overlooks from his brother [i.e., the killer] anything,2 then there should be a suitable follow-up and payment to him [i.e., the deceased's heir or legal representative] with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that3 will have a painful punishment.
١٧٨ - أسباب نزول الآية: روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية، قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يُقتل بالعبد منا الحر منهم، والمرأة منا الرجل منهم. فنزلت فيهم. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ﴾ أي: فرض عليكم وأوجب. من الكتْب، وهو في الأصل: ضم أديم إلى أديم بالخياطة. وتعورف في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وأطلق على المضموم في اللفظ، وإن لم يكتب بالخط، ومنه الكتابة. ويطلق الكتب والكتاب والكتابة على الإيجاب والفرض، لأن الشأن فيما يوجب ويفرض أن يراد، ثم يقال ثم يكتب، ومنه قوله تعالى: (كتب عليكم الصيام)البقرة:(١٨٣)، وقوله: (و لولا أن كتَب الله عليهم الجلاء)الحشر: (٣). ﴿ٱلۡقِصَاصُ﴾ أي: المماثلة والمساواة والعدل. والقصاص: تتبع الدم . وأصله: من القص: وهو تتبع الأثر. يقال: قص أثره، أي: تتبعه، ومنه: القصة والقصص: لما فيهما من التتبع. ﴿فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ﴾ وصـفًـا- أي: فـي الحريــة والإسلـام وغيرهما- وفعلاً، بأن يُقتل القاتل على الصفة التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين الناس.فمن قتل مسلماً عمداً عدواناً، وجب قتله حقاً لأولياء المقتول، مماثلة لما فعل. ﴿ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ﴾ أي: أن يقتل الحر بالحر قصاصاً، فيدخل بمنطوقها: الذكر بالذكر، وبمفهومها: أن الحر لا يقتل بالعبد، ويخرج من عموم الآية: الحر الكافر، فلا يُقتل مسلم- ولو عبداً- بكافر- ولو حراً- عند الجمهور، لما ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقتل مسلم بكافر». رواه البخاري. فاعتبرت السُنّة المماثلة في الدين عند القصاص. ﴿وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ﴾ أي: ويقتل العبد بالعبد قصاصاً، ذكرا كان أو أنثى، تساوت قيمتهما أو اختلفت. ﴿وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ﴾ أي: تقتـل بها قصـاصا إن قتلتها، وتقتل بالرجل بطريق الأوْلى، ويقتل الرجل بالمرأة في السُنّة، لما ورد في الحديث: «وإن الرجل يقتل بالمرأة». ويخرج من عموم قوله: (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى): الأبوان وإن علوا، فلا يقتلان بالولد، لورود السُنّة بذلك. وفي الآية دليل على أن الأصل: وجوب القصاص في القتل العمد العدوان، وأن الدية بدل عنه.﴿فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ﴾ أي: من القاتلين عن جنايته ﴿مِنۡ أَخِيهِ﴾ أي: من دم أخيه المقتول ﴿شَيۡءٞ﴾ فالقاتل- عمداً وعدواناً- إذا عفي له- عن جنايته- من جهة أخيه ولي الدم شيء، بأن ترك القصاص إلى الدية، أو عفا بعض أولياء المقتول، سقط القصاص، و وجبت الدية. وتنكير «شيء» يفيد سقوط القصاص بالعفو عن بعضه و بالعفو من بعض أولياء المقتول، أو الورثة.وفي قوله: (أخيه) تعطف داع إلى العفو بالعوض أو بغير عوض، وإيذان بأن القتل لا يقطع أخوة الإيمان، وفيه: دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا: أخوة الإيمان، فلا يخرج بالقتل منها. ﴿فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ أي: فالواجب على ولي الدم- العافي- إذا قبل الدية- أن يتبع القاتل- المعفو عنه- بالمعروف، بغير شطط، بألا يأخذ منه أكثر من حقه، ولا يحمله فوق طاقته، ولا يرهقه بالدية، بل يحسن الاقتضاء والطلب، وينظره إن كان معسراً. وترتيب الاتباع على العفو يفيد: أن الواجب أحدهما، وهو أحد قولي الشافعي. والقول الثاني عنه: أن الواجب القصاص، والدية بدل عنه فلو عفا ولم يسم الدية فلا شيء عليه.قلت: وهو الراجح. ﴿وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ﴾ أي: والواجب على القاتل- المعفو عنه- أداء الدية إلى ولي الدم العافي أداء حسناً، لا مطل فيه ولا تسويف ولا بخس، ولا جحد ولا نقص، ولا إساءة في القول، أو الفعل. ويصدق هذا في كل ما يثبت للإنسان في ذمم غيره، فمن له الحق، مأمور بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق مأمور بالأداء بالإحسان. ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: الحكم المذكور من جواز القصاص، والعفو عنـه إلى الديــة- في القتـل العمـد العـدوان- ﴿تَخۡفِيفٞ﴾ أي: تسهيل ونفع، ففي شرع العفو: تسهيل على القاتـل، وفي شـرع الديـة: نفـع لأوليـاء المقتـول ﴿مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ عليكم ﴿ورحمة﴾ بكم، حيث شرع لهذه الأمة القصاص، والعفو عنه بعوض، والعفو بغير عوض، توسعة عليهم، وتيسيراً، وتفضيلا لهم على غيرهم، وقد كتب على اليهود القصاص بلا عفو ولا دية وكتب على النصارى العفو، بلا قصاص، ولا دية. ﴿فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ﴾ أي: بعد العفو، بأن أخذ الدية، ثم قتل القاتل أو غيره، أو عفى عنه، ثم اقتص منه أو من غيره. ﴿فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: مؤلم موجع شديد في الآخرة بالنار، أو في الدنيا بالقتل والقصاص. وفي الحديث عند أحمد، عن أبي شريح الخزاعي، مرفوعاً:«من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدِية، فأن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالداً فيها». فائدة فقهية ذهب الجمهور: إلى أن الحر لا يقتل بالعبد، قالوا: لأن العبد سلعة، فلو قتل خطأ لم يجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته، والعبد كذلك لا يقاد بطرفه- أي: فيما دون النفس-و في النفس بطريق الأولى. خالف في ذلك أبو حنيفة وقال: يقتل الحر بالعبد، لعموم آية المائدة، وهي قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)المائدة(٤٥)، وهو مروي عن علي وابن مسعود. قال البخاري: يقتل السيد بالعبد لعموم حديث: «من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه، ومن خصاه خصيناه». قلت: وهو المترجح عندي، لهذا الحديث. وذهب الجمهور: إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر، لما ثبت عند البخاري من حديث علي: «لا يقتل مسلم بكافر». وخالف أبو حنيفة: فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة المتقدمة. قلت: والأول هو الأظهر والأرجح لحديث علي بن أبي طالب . وذهب الجمهور: إلى أن الرجل يقتل بالمرأة، لعموم آية المائدة، ولقوله عليه الصلاة والســـلام:«المسلمــون تتــكافأ دماؤهم»، ولحديث: «وإن الرجل يقتل بالمرأة» ، و لأمره ﷺ برضّ-أي: دقّ- رأس يهودي بين حجرين، لرضه رأس جارية . أخرجه الشيخان. خالف في ذلك الحسن وعطاء وقالا: لا يقتل الرجل بالمرأة لمفهوم الآية: (الأنثى بالأنثى). و قال الليث بن سعد: إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة. وعن ابن عباس في قوله: (والأنثى بالأنثى) أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، فلما نزل قوله تعالى: (النفس بالنفس والعين بالعين)المائدة(٤٥)، جُعل الأحرار في القصاص سواء في ما بينهم، من العمد، رجالهم ونساؤهم، في النفس وفيما دون النفس، وجُعل العبيد سواء فيما بينهم، من العمد، رجالهم ونساؤهم، في النفس وفيما دون النفس. قلت: والمتعين عندي قول الجمهور للأدلة المتقدمة، والله تعالى أعلم. وذهب الجمهور والأئمة الأربعة: إلى أن الجماعة يقتلون بالواحد، لقول عمر في غلام قتله سبعة من أهل صنعاء، فقتلهم به: «لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً ». ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، فكان كالإجماع. وفي رواية عند أحمد أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة. قلت: والأول أوْلى وأظهر.
2:179Page 27
وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩
And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.1
١٧٩ - ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ﴾ أي: ولكم في تشريع القصاص- في القتل العمد العدوان أو المماثلة لفعل الجاني قتلاً أو جرحاً- بقاء النفوس وصونها. وذلك إذا علم من همّ بالقتل أنه يُقتل قصاصا، ارتدع وانكف، فأحيا نفسه وصاحبه من القتل، ومن همّ بالقتل فقتل ثم اقتص منه، ارتدع غيره من مثل صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس ، ولذا قالوا:« القتل أنفى للقتل»، وعبارة القرآن أوجز وأبلغ وأفصح، لأن القتل إذا كان عدلا كان أنفى للقتل، وإذا كان ظلماًَ كان أدعى للقتل. ﴿يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ أي: ذوي العقول والأفهام والنهي، وخصوا بالخطاب، لأنهم يُعملون أفكارهم وعقولهم في تدبر أحكام الله وشرعه. ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ القتل مخافة القصاص. أو: لعلكم تنزجرون وتتركون محارم الله ومآثمه.
2:180Page 27
كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ١٨٠
Prescribed for you when death approaches [any] one of you if he leaves wealth [is that he should make] a bequest for the parents and near relatives according to what is acceptable - a duty upon the righteous.1
١٨٠ - ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي: فرض عليكم ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ﴾ أي: أسبابه وظهور علاماته، كالمرض ونحوه، ﴿إِن تَرَكَ خَيۡرًا﴾أي: مالا كثيـراً وفيراً- في العرف- من مصدر حلال طيب ﴿ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ﴾ أي: فليـوص بشيء مـن مـال للوالدين والأقربين- غير الوارثين منهم، أو الممنوعين من الإرث، بحجب أو وصف- و تقدير الكلام: كُتب عليكم الوصية، إذا حضر أحدكم الموت، أي:وقت حضور أسبابه وعلاماته. ﴿بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ﴾ أي: بالعدل والإحسان من غير وكس ولا شطط، فلا يفضل الغني منهم، ولا يقتصر على الأباعد دون الأقارب، بل يرتبهم على القرب والحاجة. وقد أذن الله للموصي بالثلـث دون ما زاد عليـه. ﴿حَقًّا﴾ أي: واجبًـا ثابتًـا﴿عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ الله، بفعل الطاعات وترك المنكرات.فائدة فقهية يرى جمهور المفسرين: أن هذه الآية منسوخة بآيات الفرائض والمواريث في سورة النساء: (١١-١٢). وبحديث عمرو بن خارجة عند أصحاب السنن:«إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث». ويرى البعض :أنها واجبة في حق من لا يرث منهم، وأن المنسوخ وجوب الوصية للوارثين منهم. والأحسن أن يقال: إن هذه الآية في الوصية للوالدين والأقربين مجملة. ثم إن الله قدّر للوالدين والأقربين- الوارثين منهم- نصيبهم المفروض في آيات المواريث، بعد أن كان مجملا. وبقي الحكم هنا في الوالدين والأقربين- غير الوارثين منهم- الممنوعين من الإرث بالحجب أو الوصف، ثابتاً في حقهم. فبهذا يحصل الجمع بين الآيات. قلت: وهو أولى و أحسن .وقد أذن الله للموصي بالثلث دون ما زاد عليه، لما ثبت في الصحيحين أن سعداً قال: يا رسول الله، إن لي مالاً، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأوصي بثلثي مالي؟ قال: « لا»، قال: فبالشطر(أي: النصف)؟ قال: «لا»، قال: فالثلث؟ قال: «الثلث، والثلث كثير: إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس». وفي صحيح البخاري أن ابن عباس قال: لو أن الناس غضّوا من الثلث إلى الربع، فإن رسول الله ﷺ قال:«الثلث ، والثلث كثير». أن الواجب في الوصية: العدل فلا يميز أصلاً، إلا لضرورة، كعجز عن المكسب، أو اشتغال بالعلم ونحو ذلك. و الله تعالى أعلم .
2:181Page 27
فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٨١
Then whoever alters it [i.e., the bequest] after he has heard it - the sin is only upon those who have altered it. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.
١٨١ - ﴿فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ﴾ أي: بدل الإيصاء، أو الوصية، من شاهد ووصي، بأن حرفها فغير حكمها، وزاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى. ﴿بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ﴾ من الموصي، أي: بعد ما عقله، وعلمه، وعرف طرقه وتنفيذه من الموصي. ﴿فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ﴾ أي: الإيصاء المبدل، أو الوصية المغيرة المحرفة. ﴿عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ﴾ أي: فليس على الموصي من الإثم شيء، لأنه تخلص مما كان عليه بالوصية به- كما أمر الله- فوقع أجره على الله، وتعلق الإثم بالذين بدلوا وغيروا من أوصياء وشهود. وفيه إقامة الظاهر مقام المضمر. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لقول الموصي ووصيته، فينبغي له أن يراقب الله، وأن لا يجور في وصيته. ﴿عَلِيمٞ﴾ بنية الموصي، وبفعل الموصى إليه، فمجاز عليه. فإذا اجتهد الموصي، وعلم الله منه صلاح نيته، أثابه ولو أخطأ. وفيه: التحذير للموصى إليه من التبديل والتغيير في الوصية، فإن الله مطلع على ذلك فليحذر مخالفة حكم الله.
2:182Page 28
فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨٢
But if one fears from the bequeather [some] error or sin and corrects that which is between them [i.e., the concerned parties], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
١٨٢ - ﴿فَمَنۡ خَافَ﴾ أي: من توقع أو علم ﴿مِن مُّوصٖ جَنَفًا﴾ أي: ميلا عن الحق في الوصية خطأ و جهلاً بأن تصرف فيما ليس له ﴿أَوۡ إِثۡمٗا﴾ أي: ميلاً عن الحق فيها عمداً، بأن زاد على الثلث، أو زاد وارثاً، أو خص غنياً مثلاً. [و في قراءة: (مُوَصٍّ)بتشديد الصاد]. والجنف: الميل والجور، يقال: جنف في وصيته وأجنف، إذا مال وجار، فهو جنف وأجنف. والإثم: عمل ما لا يحل، يقال: أثم يأثم، فهو آثم وأثيم.﴿فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ﴾ أي: بين الموصي والموصى لهم بالعدل والسوية. والمعنى: أن للوصي والحالة هذه- بين الجنف والإثم في الوصية- أن يصلح القضية، ويعدل في الوصية بالسوية على الوجه الشرعي ، فيأمر بالعدل بين الموصي والموصى لهم من الورثة أو بين الورثة والموصى لهم، و يُصلح ما وقع بين الموصى لهم من الشقاق والاضطراب بسبب الوصية، فيبطل ما فيه ضرار ومخالفة لشرع الله، ويثبت ما هو حق وعدل. وفي الحديث عند ابن مردويه، مرفوعاً: «الجنف في الوصية من الكبائر».﴿فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ﴾ في ذلك، لأن الإصلاح والتوفيق في الوصية بالطريق الشرعي ليس من التبديل في شيء. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ ﴾ يغفر الزلات، ويصفح من التبعات، يغفر للموصي إذا نزع عن الخطأ. ﴿رَّحِيمٞ﴾ بعباده، حيث شرع لهم كل أمر يتراحمون به ويتعاطفون، ورحيم بالمصلح بين الموصي والموصى لهم.
2:183Page 28
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣
O you who have believed, decreed upon you is fasting as it was decreed upon those before you that you may become righteous -
١٨٣ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ أي: افترض الله عليكم الصوم، وهو الإمساك عن المفطرات، من طعام وشراب وجماع، مع اقتران النية به، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ أي: كما أوجبه الله على من كان قبلكم من الأمم.والمماثلة هنا في أصل الوجوب.﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ الله بما افترض عليكم من الصيام، لما فيه من امتثال أمره، واجتناب نهيه.
2:184Page 28
أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤
[Fasting for] a limited number of days. So whoever among you is ill or on a journey [during them] - then an equal number of other days [are to be made up]. And upon those who are able [to fast, but with hardship] - a ransom [as substitute] of feeding a poor person [each day]. And whoever volunteers good [i.e., excess] - it is better for him. But to fast is best for you, if you only knew.
١٨٤ - ﴿أَيَّامٗا﴾ أي: كتب عليكم أن تصوموا أياماً، أو بفعل تقديره: صوموا أياماً ﴿مَّعۡدُودَٰتٖۚ﴾ أي: معينات ومؤقتات بعدد معلوم- وهي شهر رمضان- وقيل: قلائل، إشارة إلى تقليل الأيام، تسهيلاً على المكلفين. ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم﴾ حين شهوده ﴿مَّرِيضًا﴾ فإن كان لا يطيق الصوم، كان الإفطار في حقه عزيمة، وإن كان يطيقه مع تضرر ومشقة، كان الإفطار في حقه رخصة. والمشقة تجلب التيسير، كما تقرر في الأصول. ﴿أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ﴾ مسافة قصر الصلاة أو أكثر، فأجهده الصوم- في حالي المرض والسفر- فأفطر، ﴿فَعِدَّةٞ﴾ أي: فعليه صيام عدة ما أفطره ﴿مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ﴾ يصومها بدله. وفيه: دليل على أنه يقضي عدة ما أفطره من أيام رمضان كاملاً كان أو ناقصاً، وعلى أنه يجوز أن يقضي أياماً قصيرة باردة عن أيام طويلة حارة، وبالعكس. ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ﴾ أي: يتكلفونه ويتحملونه بشدة وجهد ومشقة خارجة عن طوقهم، كالشيخ الكبير الهرم، والمرأة الكبيرة الهرمة، والمريض مرضاً مزمناً لا يرجى برؤه، والمرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما، أو ولديهما، ومن في حكمهما. ﴿فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ ﴾ أي: عليهم فدية يفدون عن كل يوم يفطرونه، قدر ما يأكله المسكين في يومه. ومقداره: مُدٌّ أو نصف صاع من قمح ، أو: صاع من تمر، أو من غالب قوت أهل البلد، عن كل يوم أفطره، أو طعام جاهز يكفي المسكين يوما.[و الصاع : أربعة أمداد ، و يعادل ٢٫٦٠٠ كيلو جرام تقريبا.][وفي قراءة: (مساكينَ) بالجمع. و في أخرى بالإضافة: (فديةُ طعامِ مساكينَ)] .والطاقة: اسم للقدرة على الشيء مع الشدة والمشقة، وضده: الوسع: وهو اسم للقدرة على الشيء على جهة السهولة. يقال: أطاق الفعل، إذا بلغ غاية طوقه أو فرغ طوقه فيه. والعرب لا تقول: أطاق الشيء، إلا إذا كانت قدرته عليه في غاية الضعف، بحيث يتحمل به مشقة شديدة. والطاقة: تشبيه بالطوق المحيط بالشيء، ومنه قوله تعالى: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) البقرة(٢٨٦). والطاقة أيضا : اسم يوضع موضع المصدر: وهو الإطاقة، كالطاعة والإطاعة، وقيل: يجوز أن تكون الهمزة في «أطاق» للسلب ، كأنه سلب طاقته بأن كلف نفسه المجهود، فسلب طاقته وقدرته عند تمامه. وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع، قال: «لما نزلت هذه الآية (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) كان من شاء منا صام، ومن شاء أفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية بعدها (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فنسختها». أي: نسخت هذا التخيير، بين الصوم والفدية. وذهب ابن عباس- كما روى البخاري وأبو داود- إلى أنها محكمة غير منسوخة، وأنها نزلت في الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، اللذين لا يستطيعان الصوم، فعليهما إطعام مسكين عن كل يوم. وعنه أنه قال: إلا الحامل والمرضع إذا أفطرتا خوفاً على الولد، فإنها باقية بلا نسخ في حقهما. قلت: و هو كما قال.والفدية: ما يقي الإنسان به نفسه من مال يبذله في عبادة يُقصِّر فيها. ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا﴾ أي: زاد فــي الفديـة عــلى القـدر المذكور، وقيـل: من أطعم مع المسكين مسكيناً آخر. [وفي قراءة: (فمن يطّوَّعْ خيراً) بالياء بدلا من التاء، وسكون العين جزما على الشرطية]. ﴿فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ﴾ أي: فالتطوع بالزيادة خير له عند ربه. ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ﴾ أيها المطيقـون من الإفطار والفدية وإن زادت ﴿إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ أنه خير لكم، فافعلوه. فائدة فقهيةالشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، والمريض الذي لا يرجى برؤه: لهم أن يفطروا ولا قضاء عليهم. ولكن هل تجب عليهم الفدية والإطعام عن كل يوم مسكيناً؟ فيه قولان: ذهب الشافعي- في أحد قوليه-: إلى أنه لا يجب عليهم فدية كالصبي، لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.وذهب الجمهور: إلى أنه يجب عليهم الفدية للآية. قلت: وهو كذلك. المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما، أو ولديهما، فيه خلاف بين العلماء على ثلاثة أقوال: يفطران وعليهما الفدية والقضاء.يفطران وعليهما الفدية، ولا قضاء.يفطران وعليهما القضاء، ولا فدية. قلت: وهو المترجح عندي، لعدم الدليل على القولين السابقين. والله تعالى أعلم.
2:185Page 28
شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥
The month of Ramaḍān [is that] in which was revealed the Qur’ān, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the crescent of] the month,1 let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allāh intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.
١٨٥ - ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ﴾ أي: شهر الصيام المفروض عليكم، هو شهر رمضان. والشهر: مأخوذ أصله من الشهرة، يقال: أشهر الشهر: إذا طلع هلاله، وأشهرنا: إذا دخلنا في الشهر. ﴿ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ﴾ أي: ابتدئ فيه إنزاله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا- وكان ذلك في ليلة القدر منه، ويدل عليه قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر)القدر(١)، وهي الليلة المباركة، كما في قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) الدخان (٣)، ثم نزل بعد مفرقاً بحسب الوقائع على رسول ﷺ. ﴿هُدٗى لِّلنَّاسِ﴾ أي: هـاديًـا لهـم مـن الضـلالـة ﴿وَبَيِّنَٰتٖ﴾ أي: آيات واضحات، ودلائل ناصعات ﴿مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ﴾ المنافي للضلال، الذي يهدي إلى الحق من الأحكام، والرشد المخالف للغي ﴿وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ الفارق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والهدى والضلال، والسعادة والشقاء. ﴿فَمَن شَهِدَ﴾ أي: حضر ﴿مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ﴾ فيه: تعيين الصيام على القادر الصحيح الحاضر بأن رأى الهلال، أو بلغه ذلك. ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ﴾ أي: من كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه أو يؤذيه، أو كان في حالة السفر بعض الشهر أو كله ﴿فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ ﴾ أي: فإذا أفطر- بسبب مرضه أو سفره- فعليه عدة ما أفطره من الأيام ، قضاء بعد رمضان. وكرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم قوله: (فمن شهد). ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [وفي قراءة: بضم السين فيهما (اليسُر)و(العسُر)] أي: إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر، مع تعيُّنه في حق المقيم الصحيح السليم، تيسيراً عليكم، وتسهيلاً لمقاصدكم، ورحمة بكم فلا يريد بكم التشديد والمشقة. وفي الحديث الصحيح: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا». وفي السُّنن: «بعثت بالحنيفية السمحة». ﴿وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ﴾ أي: إنما أمركم بالقضاء- في حق المرض والسفر ونحوهما من الأعذار- لتكملوا عدة شهركم فيكمل أجركم.[وفي قراءة : (ولتكمِّلوا) بتشديد الميم].﴿وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ﴾ أي: لتحـمدوا الله وتثـنوا عليـه، وتذكروه، عند انقضاء عبادتكم ﴿عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ﴾ أي: أرشدكم ووفقكم لمعالم دينه. ﴿وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ الله على ذلك، أي: إذا قمتم بأداء فرائضه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. وكان السلف- رضوان الله عليهم- يكبرون ليلة الفطر، فإذا رأوا هلال شوال كبروا إلى أن يخرج الإمام لصلاة العيد. وقد أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية: (ولتكبروا الله على ما هداكم). فائدة فقهية من كان مقيماً في أول الشهر، ثم سافر في أثنائه، فله الإفطار بعذر السفر في أيام سفره، ولا يتعين عليه إلا صوم ما حضره من الشهر قبل سفره. فقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ: «أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح، فسار حتى بلغ الكديد، ثم أفطر وأمر الناس بالفطر». و اختلف : هل الإفطار في السفر واجب أم لا؟ على قولين: فذهبت طائفة من الصحابة والتابعين: إلى وجوب الإفطار في السفر لقوله تعالى: (فعدة من أيام أُخر). و ذهب الجمهور:إلى أن الأمر في ذلك على التخيير، وليس بحتم، فقد كانوا يخرجون مع رسول الله ﷺ في شهر رمضان، قال: «فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم»، فلو كان الإفطار واجباً، لأنكر عليهم صيامهم. بل الذي ثبت من فعله ﷺ أنه كان في مثل هذه الحالة صائما. و قد ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء، قال: «خرجنا مع رسول ﷺ في شهر رمضان في حر شديد، حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر، وما فينا صائم إلا رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة».قلت: و هو الراجح عندي،لقوة دليله.واختُلف أيضا : أيهما أفضل: الإفطار في السفر أم الصيام؟ على أقوال:فذهب الشافعي وطائفة من العلماء: إلى أن الصيام في السفر أفضل من الإفطار، لحديث أبي الدرداء المتقدم.وذهبت طائفة: إلى أن الإفطار في السفر أفضل، أخذاً برخصة الله في قوله: (فعدة من أيام آخر). وذهب غيرهم: إلى أنهما سواء، لحديث عائشة عند البخاري ومسلم أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال: يا رسول الله، إني كثير الصيام، أفأصوم في السفر، قال: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». وقيل: إن شق الصيام، فالإفطار أفضل لحديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً قد ظلل عليه، فقال: «ما هذا»؟ قالوا: صائم، فقال: «ليس من البر الصيام في السفر». أخرجه البخاري ومسلم. قلت: والمترجح عندي: أنهما سواء، فإن شق الصيام، فالإفطار أفضل، جمعا بين الأدلة . والله تعالى أعلم. وهل يجب القضاء متتابعاً أو مفرقاً؟ فيه قولان:يجب فيه التتابع، لأن القضاء يحكي الأداء ويماثله.لا يجب فيه التتابع، بل إن شاء فرق وإن شاء تابع، وعليه الجمهور، وذلك أن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، أما بعد انقضاء شهر رمضان، فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر، فإن شاء فرق وإن شاء تابع. قلت: وهو كذلك.
2:186Page 28
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦
And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.
١٨٦ - أسباب نزول الآية:جاء رجل إلى الرسول ﷺ، فقال: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ، فأنزل الله الآية.﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ﴾ منهم بعلمي، وقريب من الداعي بالإجابة. والقرب نوعان: قرب بعلمه سبحانه و تعالى من كل خلقه.وقرب من العابد الداعي بالإجابة، والمعونة، والتوفيق. وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «يا أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». ﴿أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ﴾ [وفي قراءة: بإثبات الياء في «الداع» و«دعان»: (أجيب دعوة الداعي إذا دعاني)] أي: أقبل عبادة من عبدني، فالدعاء: العبادة، والإجابة: القبول. وقيل: الدعاء: الابتهال إلى الله سبحانه و تعالى، والإجابة: إنالة العبد ما سأل. و الدعاء نوعان:دعاء عبادة.ودعاء مسألة. وفي الحديث عند أحمد والحاكم عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: « ما من مسلم يدعو الله بدعوة، ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها». وروى مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل» قيل: يا رسول الله، وما الاستعجال؟ قال: «يقول: قد دعوت، وقد دعوت، فلم أر يستجاب لي ، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء». فمن دعا الله بقلب حاضر، ودعاء مشروع، دون مانع من الإجابة، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعد بالإجابة. ﴿فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي﴾ أي:ليلبّوا دعائي إياهم بطاعتي والإيمان بي، وامتثال أوامري، واجتناب نواهي الموجبة للإجابة، فمن أتى بأسباب الإجابة أجاب الله دعاءه. وفي الحديث عند أحمد، عن عبد الله بن عمرو: «فإذا سألتم الله، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل».﴿وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي﴾ أي: يداوموا على الإيمان بي بالأعمال الصالحة، وأداء الفرائض، وترك المحارم، وحفظ حدود الله. ﴿لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ أي: ليكونوا على رجاء من إجابة الرشد والهداية في مصالح الدين والدنيا. والرشد: الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه. يقال: رشَد و رشِد، يرشَد ويرشِد، رُشْداً ورَشَداً، أي: اهتدى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences