Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:228–232
2:228Page 36
وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٢٨
Divorced women remain in waiting [i.e., do not remarry] for three periods,1 and it is not lawful for them to conceal what Allāh has created in their wombs if they believe in Allāh and the Last Day. And their husbands have more right to take them back in this [period] if they want reconciliation.2 And due to them [i.e., the wives] is similar to what is expected of them, according to what is reasonable.3 But the men [i.e., husbands] have a degree over them [in responsibility and authority]. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
٢٢٨ - سبب نزول الآية:أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه، عن ابن عمر موقوفاً: أن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية قالت: طُلقت على عهد رسول الله ﷺ، ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله العدة للطلاق في قوله: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن) الآية. ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ﴾ أي: والنساء الحرائر اللواتي طلقهن أزواجهن- بعد الدخول بهن- ينتظرن ويعتددن ﴿بِأَنفُسِهِنَّ﴾ عن النكاح ﴿ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ﴾ أي: مدة ثلاث حيضات، أو ثلاثة أطهار- وهو الفاصل بين الحيضتين- تمضي من حين وقوع الطلاق عليها. وهذه الثلاث حيض، أو أطهار، هي عدّة المطلقة المدخول بها. والحكمة منها: العلم ببراءة الرحم وعدم الحمل، لئلا يفضي إلى اختلاط الأنساب. وقروء: جمع قرء- بفتح القاف وضمها- وهو الحيض، وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد، أو الطُهْر الفاصل بين الحيضتين، وإليه ذهب مالك والشافعي.قلت : و الأول أولى، لما سيأتي من حديث فاطمة بنت أبي حبيش ، من أن القُرْءَ هو الحيض. فائدة فقهيةعدة المطلقة المدخول بها ثلاثة قروء- حيض، أو أطهار- كما في الآية . أما غير ذلك فعلى التفصيل التالي:- غير المدخول بهن: لا عدة عليهن، لقوله تعالى: (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها) الأحزاب(٤٩).ولأن الحكمة من عدة المطلقة المدخول بها: العلم ببراءة الرحم وعدم الحمل، فانتفى ذلك في حال غير المدخول بهن.الآيسة من الحيض والصغيرة: عدتهن ثلاثة أشهر، لقوله: (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن)الطلاق(٤). الحوامل: عدتهن أن يضعن حملهن، لقوله تعالى: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن)الطلاق: (٤).أما الإماء: فعدتهن قَرآن-أي:حيضتان أو طهران- بالسُنّة، لأنها على النصف من الحرة- والقرء لا يتبعض- ولحديث «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان». قال ابن كثير: حديث غريب. وقال بعض أهل الظاهر: بل عدتها كعدة الحرة، لعموم الآية، ولاستواء الحرة والأمة في هذا الأمر. قلت: و الأول أولى ، لما تقدم.المدة التي تمكثها المرأة بعد طلاق زوجها لها: ثلاثة قروء، واختلف في الأقراء على قولين: الأول: القرء: هو الحيض، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة، وزاد بعضهم: وتغتسل منها، وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد والثوري والأوزاعي، وحكى الأثرم عن أحمد، قال: الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: الأقراء: الحيض. ويؤيد هذا حديث فاطمة بنت أبي حبيش، أن رسول الله ﷺ قال لها: «دعي الصلاة أيام أقرائك». فلو صح هذا لكان صريحا في أن القرء، هو الحيض. الثاني: القرء: هو الطهر الفاصل بين الحيضتين، فتنقضي عدتها بالدخول في الحيضة الثالثة، وهو مذهب الإمام مالك والشافعي، واستدلوا بقوله تعالى: (فطلقوهن لعدتهن) أي: في الأطهار، وبقول ابن عمر: «إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة، فقد برئت منه وبرئ منها ». وعلى هذا يكون الطهر الأول هو الطهر الذي طلقت فيه، والطهر الثاني واقع بين الحيضة الأولى والثانية، والطهر الثالث هو الواقع بين الحيضة الثانية والثالثة. قلت: والمترجح عندي : القول الأول، لحديث فاطمة بنت أبي حبيش ، عند أبي داود و النسائي، المصرح بكون القُرء حيضا. و الله تعالى أعلم . ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ﴾ من الحمل أو الحيض، لما يترتب على ذلك من مفاسد كثيرة. أما كتمان الحمل، فيترتب عليه إلحاق الولد بغير أبيه- وذلك رغبة منها في الولد، أو استعجالا لانقضاء العدة- وفيه ما فيه من قطع الرحم والإرث، وثبوت توابع ذلك من الشر والفساد. وأما كتمان الحيض- إما استعجالاً منها لانقضاء العدة، أو رغبة في تطويلها- فيترتب عليه انقطاع حق الزوج عنها وإباحتها لغيره- في حال النقصان- أو ثبوت نفقة غير واجبة في حق الزوج لها، أو مراجعتها بعد انقضاء عدتها- في حال الزيادة- فيكون ذلك سفاحاً، لكونها أجنبية عنه، وتوابع ذلك من الشر والفساد. ﴿إِن كُنَّ يُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ﴾ فيه تهديد لهن ووعيد شديد إذا أخبرن خلاف الحق وكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الحمل أو الحيض، رغبة منهن في زيادة أو نقصان. فمن كتمت ذلك منهن كان دليلاً في حقها عدم إيمانها بالله واليوم الآخر، إذ الإيمان يقتضي الصدق في كل شيء. وفي الآية: دليل على قبول خبر المرأة إذا أخبرت عن نفسها بالأمر الذي لا يطلع عليه- في العادة- غيرها، كالحمل والحيض، إذ هو أمر لا يعلم إلا من جهتها، ويتعذر إقامة البينة عليه غالباً. ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ أي: أزواجهـن- الذين طلقوهـن- ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أي: أولى برجعتهن إليهم- ولو أبَيْن- ﴿فِي ذَٰلِكَ﴾ أي: في حال العدة وزمن التربص ﴿إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ﴾ بالمراجعة، أي: إن كان قصده بردها ورجعتها الإصلاح والخير، والألفة والمودة، لا المضارة والمشاقة. وقوله: (أحق) : لا تفضيل فيه، إذ لا حق لغيرهم في نكاحهن في العدة. وبعولة: جمع بعل، وهو الذكر من الزوجين. يقال: بعل الرجل يبعل بعولة، إذا صار زوجاً. فائدة فقهيةومفهوم الآية: أنهم إن لم يريدوا بالمراجعة الإصلاح، فليسوا بأحق بردهن في العدة، ولكن هل يملك الرجل مراجعتها مع القصد بعدم الإصلاح؟ فيه قولان: الأول: ذهب الجمهور: إلى أنه يملك مراجعتها مع التحريم، إن قصد بمراجعته لها الإضرار بها. حيث فهموا الآية على أنها تحريض لقصد الإصلاح، لا شرط لجواز المراجعة. الثاني: لا يملك مراجعتها إن لم يرد الإصلاح، كما هو ظاهر الآية، حيث جعلوا الإصلاح شرطاً لجواز الرجعة. قلت: والأول أولى، لأن إرادة الإصلاح غيب لا يعلمه إلا الله.وهذه المراجعة من الأزواج لهن، خاصة بالطلاق الرجعي، الذي تعتد فيه المرأة ويراجعها زوجها قبل انقضاء عدتها. أما الطلاق البائن- بينونة صغرى- فليس الزوج بأحق برجعتها، لعدم مراجعته لها قبل انقضاء عدتها، فإذا انقضت عدتها ولم يراجعها بانت منه- بينونة صغرى- فإن تراضيا على التراجع بعد ذلك، فلا بد من عقد جديد مجتمع الشروط.﴿وَلَهُنَّ﴾ على الأزواج من الحقوق والواجبات ﴿مِثۡلُ ٱلَّذِي﴾ للأزواج ﴿عَلَيۡهِنَّ﴾ من الحقوق والواجبات الشرعية الواجبة منها والمستحبة، كل يؤدي ما عليه من الحقوق والواجبات إلى الآخر ﴿بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾ شرعاً، من حسن العشرة وترك الإضرار، ونحو ذلك. فمرجع الحقوق بين الزوجين إلى المعروف في غير معصية الله. وفيه: دليل على أن النفقة والكسوة والعشرة والمسكن والوطء مرده كله إلى المعروف. ومرد المعروف إلى العادة الجارية والعرف السائد بين الناس باختلاف الزمان والمكان.وفي خطبة الوداع من حديث جابر عند مسلم، أن رسول الله ﷺ قال: «فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فُرُشَكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك، فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف». وفي حديث معاوية بن حيدة القشيري، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تُقبّح، ولا تهجر، إلا في البيت». رواه أبو داود. ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ ﴾ أي: زيادة في الحق من وجوب طاعتهن في غير معصية الله، أو فضيلة منزلة بالقيام بأمرهن، ورعاية شؤونهن ومصالحهن، والإنفاق عليهن، كما قال تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)النساء(٣٤). وهي درجة القِوامة. والدرجة في الأصل: ما يُرتقى عليه، واستعملت في المنزلة الرفيعة والفضيلة مجازاً، وهي في حق الرجل تكليف، لا تشريف لقوله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)الحجرات(١٣). أما تحديد الحقوق والواجبات فمتروك للعرف الشرعي الذي لا يحل حراماً، ولا يحرم حلالاً، وأما اشتغال النساء ببعض الأعمال والوظائف إذا اقتضت ضرورة العيش ذلك، فلا مانع منه شريطة مراعاة الدين والخلق وعدم الفتنة،قال تعالى: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض)الأحزاب(٣٢). ﴿وَٱللَّهُ عَزِيزٌ﴾ في ملكه وسلطانه وانتقامه ممن عصاه وخالف أمره ﴿حَكِيمٌ﴾ في أمره وشرعه، وتدبيره، وقدره.
2:229Page 36
ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٢٩
Divorce is twice. Then [after that], either keep [her] in an acceptable manner or release [her] with good treatment. And it is not lawful for you to take anything of what you have given them unless both fear that they will not be able to keep [within] the limits of Allāh.1 But if you fear that they will not keep [within] the limits of Allāh, then there is no blame upon either of them concerning that by which she ransoms herself. These are the limits of Allāh, so do not transgress them. And whoever transgresses the limits of Allāh - it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].
٢٢٩ - أسباب نزول الآية :أخرج الترمذي والحاكم وابن مردويه عن عائشة، قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطلق الرجل امرأته ثم يراجعها ما لم تنقض العدة، وإن رجلاً قال لأهله: والله لأتركنك، لا أيماً ولا ذات زوج- أي: لا أطلقك أبداً ولا آويك أبداً- فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي، راجعها، ففعل ذلك مراراً، فنزل قوله تعالى: (الطلاق مرتان). وأخرج النسائي عن هشام بن عروة نحوه، وفيه: أنه قال لامرأته: والله لا أطلقك أبداً ولا آويك أبداً، قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله ﷺ، فذكرت ذلك له، فأنزل الله: (الطلاق مرتان). الآية.﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ﴾ أي: الطلاق الشرعي الرجعي- الذي تثبت به الرجعة للأزواج من غير قصد مضارة ولا مشاقة- هو مرتان، أي: تطليقة بعد تطليقة على التفريق، ولا رجعة بعد الثالثة حتى تنكح زوجاً آخر. فقوله: (مرتان) أي: مرة بعد مرة، لا طلقتان دفعة واحدة. ﴿فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ﴾ أي: إذا طلقها واحدة أو اثنتين، فهو مخير فيها بين أمرين:إما إمساك بمعروف، أي: أن يردها إليه ويراجعها- ما دامت عدتها باقية- ناوياً الإصلاح بها والإحسان إليها بحسن الصحبة والعشرة، وأداء الحقوق من غير ضرار ولا شقاق.أو تسريح بإحسان، أي: أن يترك مراجعتها حتى تنقضي عدتها، فتبين منه بينونة صغرى- فيفارقها ويُطْلق سراحها ويرسلها إلى أهلها محسناً إليها، لا يظلمها من حقها شيئاً، ولا يضار بها، ويعطيها المتعة، وهي هدية أو مال، لجبر خاطرها.﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ﴾ أيها الأزواج ﴿أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ﴾ ودفعتم إليهن من المهور والأصدقة، أو ببعضـه على وجـه المضـارة لهـن والتضييـق عليهـن ﴿شَيۡـًٔا﴾ من ذلك إذا طلقتموهن، فأما إن وهبته المرأة شيئاً عن طيب نفس منها- فجائز، وهذا كقوله تعالى: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن)النساء(١٩) و قوله سبحانه: (فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا)النساء(٤).﴿إِلَّآ أَن يَخَافَآ﴾ أي: الزوجان ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ ﴾ أي: أن لا يأتيا بما حده الله لهما من الحقوق والواجبات، وحسن العشرة والطاعة، وذلك إذا تشاقق الزوجان، ولم تقم المرأة بحقوق الرجل ولم تقدر على عشرته بالمعروف، كأن كرهته لخَلْقه أو خُلُقه أو نقص دينه، وخافت ألا تطيع الله فيه. [وفي قراءة: (يُخافا) بالبناء للمفعول ، أي: من قبل ولاة الأمور أوالحكام]. ﴿فَإِنۡ خِفۡتُمۡ﴾ والخطاب فيه للأئمة والحكام، أو المتوسطين بين الزوجين للإصلاح ﴿أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾ بحسـن الصحبة والعشرة والطاعة في المعروف ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا﴾ أي: لا إثـم ولا حـرج عـلى الزوجين ﴿فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ﴾ نفسها من المال ليطلقها، فلا حرج على الزوج في أخذه ولا على الزوجة في بذله، لأنه عوض لتحصيل مقصودها من الفرقة. وافتداء الزوجة نفسها من زوجها بما أعطاها من المال ببذلها له لأجل طلاقها، هو الخُلع، وهو جائز إن لم يكن من الزوج عَضْل ولا إضرار بها، وكان لها عذر في افتدائها منه، كأن كرهته ولم تطق عشرته وخافت أن لا تطيع الله فيه. أما إذا لم يكن لها عذر وسألت الافتداء منه: ففي الحديث عند أحمد وأبي داود وابن ماجه، أن رسول الله ﷺ قال: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير بأس، فحرام عليها رائحة الجنة».وعند أحمد والترمذي - وفيه غرابة-: «المختلعات هن المنافقات». وجاء في سبب نزول آية المخالعة: ما رواه البخاري عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي ﷺ، فقالت: يا رسول الله، ما أعيب عليه في خلق ولا دين، ولكن أكره الكفر في الإسلام- أي: كفر نعمة العشير وخيانته في فراشه- فقال رسول الله ﷺ: «أتَرُدّين عليه حديقته؟» قالت: نعم، فقال: «اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة».وفي رواية عند البخاري، أنها قالت: «لا أطيقه- يعني: بغضاً». وفي رواية ابن جرير قالت: «والله ما كرهت منه ديناً ولا خلقاً، إلا أني كرهت دمامته». فائدة فقهيةوالخلع جائز في حال الشقاق بين الزوجين، وذلك على قولين: ذهب الجمهور: إلى أنه لا يجوز الخلع إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة، فيجوز للرجل حينئذ قبول الفدية، واحتجوا بالآية، وقالوا: لم يشرع الخلع إلا في هذه الحالة، فلا يجوز في غيرها إلا بدليل، والأصل عدمه. وقال مالك والأوزاعي: لو أخذ منها شيئاً وهو مضار لها، وجب رده إليها، وكان طلاقه رجعياً بخلاف الخلع فإنه بائن. قال مالك: وهو الأمر الذي أدركت الناس عليه. وذهب الشافعي: إلى أنه يجوز الخلع في حالة الشقاق، وعند الاتفاق بطريق الأولى والأحرى. قلت: وهو كذلك، لحديث ابن عباس في قصة امرأة ثابت بن قيس. ﴿تِلۡكَ﴾ أي: الأحكام الشرعية المتقدمة من النكاح والفراق ﴿حُدُودُ ٱللَّهِ﴾ أي: أحكامه التي شرعها لكم، وفرضها عليكم، وأمر بامتثالها والوقوف عندها ﴿فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ﴾ بالمخالفـة لها، ومجاوزة الحـلال إلى الحرام. وفي الحديث الصحيح: «إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم محارم فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم، غير نسيان، فلا تسألوا عنها». رواه الدارقطني .﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أنفسهم بمخالفة حدود الله ومجاوزتها.والظلم ثلاثة أقسام: الظلم الأكبر: وهو الشرك بالله، ولا يغفره الله إلا بالتوبة النصوح.وظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، وهذا يكون تحت المشيئة، إن لم يتب منه.وظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الخلق، وهذا لا يترك الله منه شيئاً، إلا إذا استحله العبد من أصحاب الحقوق في الدنيا. وقد استَدل بهذه الآية من ذهب إلى أن جمع الطلقات الثلاث بكلمة واحدة، حرام، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم، وإنما السنة عندهم أن يطلق واحدة بعد واحدة على التفريق، لقوله: (الطلاق مرتان)، ولقوله: (تلك حدود الله فلا تعتدوها) . و قد روى النسائي- بسند منقطع- أن رسول الله ﷺ أُخْبر عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضبان ثم قال: «أيُلْعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم». فائدة فقهيةاختلف العلماء: هل يجوز للمرأة في المخالعة أن تفتدي نفسها من زوجها بأكثر مما أعطاها من المهور والأصدقة؟ على ثلاثة أقوال: الأول: فذهب الجمهور: إلى جواز ذلك لعموم قوله تعالى: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به)، ولحديث الربيع بنت معوذ، أنه كان لها زوج يُقلّ عليها الخير، فاختلعت منه بكل شيء تملكه، فأجاز عثمان الخلع وأمره أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها. وإلى هذا ذهب ابن عمر وابن عباس ومجاهد، وهو مذهب مالك والشافعي. الثاني: وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى التفصيل فقالوا: إن كان الإضرار من قِبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه، فإن ازداد جاز ذلك في القضاء. إن كان الإضرار من قِبله لم يجز أن يأخذ منها شيئاً، فإن أخذ جاز في القضاء. الثالث: وذهب الإمام أحمد: إلى أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهو قول علي وسعيد بن المسيب وعطاء، واستدلوا بما في رواية ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، أن رسول الله ﷺ أمره: «أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد». وبما روي عن عطاء، عن النبي ﷺ: «أنه كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، يعني: المختلعة». وحملوا معنى الآية: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) أي: من المال الذي أعطاها ونحلها إياها، لتقدم قوله: (ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً). قلت: والمتعين عندي: قول أحمد، لحديث ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، والله تعالى أعلم. واختلف العلماء: هل يعتبر الخلع طلاقاً، أم لا؟ على قولين: الأول: فذهب ابن عباس وعثمان وابن عمر وأحمد والشافعي في القديم: إلى أن الخلع ليس بطلاق.فعن عكرمة قال: كل شيء أجازه المال فليس بطلاق. وعن ابن عباس أنه سئل عن رجل طلق امرأته تطلقتين، ثم اختلعت منه، أن يتزوجها؟ قال: نعم، ليس الخلع بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك، فليس الخلع بشيء. وهو ظاهر الآية. الثاني: وذهب أبو حنيفة، ومالك والشافعي في الجديد: إلى أن الخلع يعتبر طلاقاً بائناً، إلا أن ينوي أكثر من ذلك. فعند الحنفية أنه إذا نوى المخالع بخلعه تطليقة، أو اثنتين، أو أطلق فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثاً، فثلاث. وعند الشافعي أنه متى نوى الخلع، ولم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن البينة، فليس بشيء بالكلية. قلت: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق، فهو فرقة، ولا سبيل له عليها. وإن كان بلفظ الطلاق- كحديث ابن عباس في قصة ثابت بن قيس بلفظ: «وطلقها تطليقة»، فهو طلاق بائن . لكن أمره ﷺ للرُّبيِّع بنت معوِّذ-كما عند الترمذي-: أن تعتدّ بحيضة في الخلع ، مما يقوّي كون الخلع فسخا لا طلاقا. والله تعالى أعلم. واختلفوا: هل يجوز للمخالع أن يراجع المختلعة في عدتها، على قولين: الأول : فذهب الجمهور والأئمة الأربعة: إلى أنه لا يجوز للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء. الثاني : وذهب سفيان الثوري وأهل الظاهر: إلى أنه: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق، فهو فرقة، ولا سبيل له عليها. وإن كان الخلع بلفظ الطلاق، فهو أملك لرجعتها ما دامت في عدتها. قلت: و المتعين عندي عدم الجواز، لأن الخلع فسخ- كما تقدم - و الله تعالى أعلم .واختلفوا: هل له أن يوقع على المختلعة طلاقاً آخر في العدة؟ على أقوال ثلاثة:الأول: فذهب الشافعي وأحمد: إلى أنه ليس له ذلك، لأنها قد ملكت نفسها وبانت منه.الثاني: وقال مالك: إن أتبع الخلع طلاقاً من غير سكوت بينهما وقع الطلاق، وإن سكت بينهما لم يقع، وكان الخلع طلاقاً بائناً.الثالث: وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي: إلى أنه يقع عليها الطلاق بكل حال ما دامت في العدة. قلت: والأول أظهر، لأنها قد ملكت نفسها بافتدائها منه . واختلفوا: هل الطلاق الثلاث في المرة الواحدة يقع طلقة واحدة، أم ثلاثاً؟ على قولين: الأول: فذهب الجمهور: إلى أن الطلاق الثلاث في المرة الواحدة يقع ثلاثاً، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما : «كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وخلافة أبي بكر وصدر من خلافة عمر بن الخطاب، الطلاق الثلاث واحدة. فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم ، فأمضاه عليهم». الثاني: وذهب طائفة من العلماء منهم ابن تيمية: إلى أن الطلاق الثلاث يقع واحدة، واستدلوا بظاهر الآية من قوله: (مرّتان) أي: مرة في إثر مرة، وبأن طلاق الثلاث يقع واحداً كان على عهد رسول الله وخلافة أبي بكر، قبل أن يشتد عمر بن الخطاب فيه لما استباح الناس الطلاق. قلت: وهو المتعين عندي، لأن المرفوع منه: هو أن الطلاق الثلاث كان يقع واحدة على عهد رسول الله ﷺ. و الله تعالى أعلم .
2:230Page 36
فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٢٣٠
And if he has divorced her [for the third time], then she is not lawful to him afterward until [after] she marries a husband other than him.1 And if he [i.e., the latter husband] divorces her [or dies], there is no blame upon them [i.e., the woman and her former husband] for returning to each other if they think that they can keep [within] the limits of Allāh. These are the limits of Allāh, which He makes clear to a people who know [i.e.,understand].
٢٣٠ - سبب نزول الآية :أخرج ابن المنذر، عن مقاتل بن حيان، قال: نزلت هذه الآية في امرأة رفاعة القرظي، طلقها زوجها- وهو ابن عمها- طلاقاً بائناً، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي، فطلقها، فأتت النبي ﷺ، فقالت: إنه طلقني قبل أن يمسني، أفأرجع إلى الأول؟ قال ﷺ: لا حتى يمسّ، ونزل فيها: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره) فيجامعها، فإن طلقها بعدما جامعها، فلا جناح عليهما أن يتراجعا. ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ زوجها- بعد الطلقتين السابقتين- الطلقة الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ﴾ أي: فإنها تحرم عليه من بعد الطلقة الثالثة ﴿حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ﴾ أي: تنكـح زوجاً آخر- غير الأول- نكاحا صحيحا يطؤها فيه. ويدخل في النكاح الشرعي الصحيح: العقد والوطء بالاتفاق، فلا تحل له بواحد منهما . ويشهد لذلك: ما ثبت في الصحيح، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثاً، فتزوجت بعده رجلاً، فطلقها قبل أن يدخل بها، أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا، حتى يكون الآخر قد ذاق من عُسيْلتها وذاقت من عُسيْلته» كناية عن الجماع. فائدة فقهيةوالمقصود من النكاح الثاني أن يكون نكاح رغبة لا نكاح تحليل، فمقصود الزوج الثاني منه أن يكون راغباً في المرأة، قاصداً لدوام عشرتها، كما هو المشروع من النكاح، فإن قصد الزوج الثاني بنكاحه أن يحلها للأول، فهو المحلِّل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه، كحديث جابر عند الترمذي والنسائي أن رسول الله ﷺ قال: «لعن الله المحلِّل والمحلَّل له». وعند ابن ماجه: ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى، قال: «هو المحلِّل، لعن الله المحلِّل والمحلَّل له». وعند الجوزجاني السعدي عن ابن عباس، قال: سئل رسول الله ﷺ عن نكاح المحلِّل، قال: «لا، إلا نكاح رغبة، لا نكاح دُلسة، ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عُسيْلتها». فإن صرح بمقصود التحليل في العقد، بطل النكاح عند الأئمة الأربعة. اشترط الإمام مالك أن يطأها الثاني وطأً مباحاً، فلو وطئها وهي محرمة، أو صائمة، أو معتكفة، أو حائض أو نفساء، أو الزوج صائم، أو محرم، أو معتكف، لم تحل للأول بهذا الوطء غير المباح. وكذا لو كان الزوج الثاني ذمياً، لم تحل للمسلم الأول، لأن أنكحة الكفار باطلة.قلت: و لا دليل على هذا الشرط في الآية و لا في المرفوع عنه ﷺ. ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ أي: الزوج الثاني وفارقها وانقضت عدتها- بعد أن وطئها في نكاح صحيح، راغباً فيها، لا محللاً لها- أو فارقها بموت أو فسخ. ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ﴾ أي: الزوج الأول والمرأة ﴿أَن يَتَرَاجَعَآ﴾ أي: يرجع كل واحد منهما لصاحبه- بعد انقضاء عدتها من الزوج الثاني- ويعقدا عقداً جديداً بينهما، وتكون عنده على ثلاث تطليقات أخر. وفيه : دليل على اعتبار التراضي في الرجعة.﴿إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ﴾ وحقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر بحسن العِشرة والطاعة في المعروف. ومفهومه: أنه إن لم يظنا أن يقيما حدود الله، بأن غلب على ظنهما سابقة الحال من عشرة سيئة، ونحو ذلك، فإن عليهما في الرجعة جناحاً و إثما. ﴿وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّه﴾ أي: شرائعه وأحكامه المفروضة المذكورة في الآية ﴿يُبَيِّنُهَا﴾ أي: يوضحها ﴿لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ﴾ أي: يتدبرون ما فيها فينتفعون وينفعون. وفيها : دلالة على فضيلة أهل العلم وأن الله يحب من عباده معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله والتفقه بها. فائدة فقهيةواختلف العلماء فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة، أو طلقتين، وتركها حتى انقضت عدتها فبانت منه بينونة صغرى ثم تزوجت بآخر، فدخل بها ثم طلقها، فانقضت عدتها، ثم تزوجها الأول: هل تعود إليه بما بقي من الثلاث، أم أن الزواج الثاني يهدم ما قبله من الطلاق؟ على قولين: الأول: فذهب مالك والشافعي وأحمد، وهو قول طائفة من الصحابة: إلى أنها تعود إلى الأول بما بقي من التطليقات الثلاث. الثاني: وذهب أبو حنيفة وأصحابه: إلى أن الزواج الثاني يهدم ما قبله من الطلاق، فإن عادت إلى الأول تعود إليه بمجموع الثلاث. وحجتهم:أن الزواج الثاني إذا هدم الثلاث- في حال طلاق البينونة الكبرى- فلأن يهدم ما دونها من المرة والمرتين- في حال طلاق البينونة الصغرى- أولى و أحرى . قلت: والمترجح عندي: الأول، لأنها لم تبن منه بينونة كبرى. طلاق البينونة الصغرى والكبرى: البينونة الصغرى: إذا طلق الرجل زوجته مرة أو مرتين ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فقد بانت منه بينونة صغرى، فإن أراد مراجعتها بعد انقضاء عدتها، فله ذلك، ولكن بعقد ومهر جديدين، وتعود على ما بقي لها من التطليقات الثلاث. البينونة الكبرى: إذا طلق الرجل زوجته الطلقة الثالثة، فقد بانت منه بينونة كبرى، فإن أراد مراجعتها بعد انقضاء عدتها، فليس له ذلك حتى تتزوج رجلاً آخر بعقد ووطء صحيحين، فإن طلقها الثاني بعد ذلك، فللأول الحق في مراجعتها بعقد ومهر جديدين مستقبلاً بها ثلاث تطليقات أخر.
2:231Page 37
وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٣١
And when you divorce women and they have [nearly] fulfilled their term, either retain them according to acceptable terms or release them according to acceptable terms, and do not keep them, intending harm, to transgress [against them]. And whoever does that has certainly wronged himself. And do not take the verses of Allāh in jest. And remember the favor of Allāh upon you and what has been revealed to you of the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the Prophet's sunnah] by which He instructs you. And fear Allāh and know that Allāh is Knowing of all things.
٢٣١ - ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ أي: طلاقاً رجعياً لمرة، أو مرتين ﴿فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن أو شارفن انقضاء عدتهن وميقاتهن الذي وُقّت لهن من انقضاء الأطهار أو الأقراء الثلاثة إن كانت من أهل القَرء، أو الأشهر الثلاثة إن كانـت من أهل الشهور ﴿فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ﴾ بأن تراجعوهن- قبل انقضاء عدتهن- إلى عصمة النكاح بحسن عشرتهن، والقيام بحقوقهن من غير قصد لضرار أو شقاق. وللرجل أن يشهد على رجعتها وينوي عشرتها بالمعروف ﴿أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ﴾ أي: أو اتركوهن من غير مراجعة لهن حتى تنقضي عدتهن، ثم أخرجوهن من بيوتكم من غير ضرار أو شقاق، أو مخاصمة، إلى أهلهن. ﴿وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ﴾ بالرجعة ﴿ضِرَارٗا﴾ أي: مضارة لهن واعتداء عليهن، لا رغبة فيهن، ولا محبة لهن.﴿لِّتَعۡتَدُواْۚ﴾ عليهن بالإلجاء إلى افتداء أنفسهن والمخالعة أو لقصد تطويل العدة، مما فيه ضرر وإيذاء لهن.وعن ابن عباس قال: كان الرجل يطلق امرأته، فإذا قاربت انقضاء العدة، راجعها ضراراً، لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها، فتعتد فإذا شارفت على انقضاء العدة، طلق، لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك وتوعدهم عليه، فقال: ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ﴾ بتعريضها لعذاب الله وسخطه بسبب مخالفة أمر الله. ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ﴾ [وفي قراءة: ( هُزُؤاً) بإثبات الهمزة، وبإثباتها وسكون الزاي: ( هُزْؤاً )] أي: لا تتخذوا آيات الله- وأحكامه في الطلاق والرجعة ونحوهما- سخرية ولعباً مهزوءً بها، بالتجرؤ عليها ومخالفتها، وعدم الامتثال لها، والتهاون في المحافظة على أحكامها، ومجاوزة حدودها. ومنه استعمال المضارة في الإمساك، أو الفراق، أو كثرة الطلاق في غير كنهه أو الذي يفعل فعل الجاهلية، فإنه كان الرجل منهم يطلق، أو يعتق، أو يتزوج، ويقول: كنت لاعباً. وعن ابن عباس قال: طلق رجل امرأته وهو يلعب لا يريد الطلاق، فأنزل الله: (ولا تتخذوا آيات الله هزواً) الآية فألزمه رسول الله ﷺ الطلاق. وعلى هذا فمن طلق هازلاً، فإن الطلاق يلزمه. وفي الحديث عند أبي داود والترمذي وابن ماجه، أن رسول الله ﷺ قال: «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة». وقال الترمذي: حسن غريب. ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ﴾ بإرساله الرسول ﷺ بالهدى والبينات وشريعة الإسلام. وذكر النعم يكون باللسان، ثناءً وحمداً، وبالقلب، اعترافا و إقراراً، وبالجوارح والأركان ، فعلاً وعملاً ﴿وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم﴾ أي:و اذكروا ما أنزل عليكم ﴿مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: القرآن ﴿وَٱلۡحِكۡمَةِ﴾ أي: أسرار الشريعة وأحكامها، لما فيها من حكمة الله في أمره ونهيه، أو: السُّنة، أو: إصابة الحق في القول والعمل، وإنزالها عليهم، أي: إنزال ما يُرشد إليها. وأصل الحكمة في اللغة:مصدر من الإحكام، وهو الإتقان في العلم، أو القول أو العمل، أو فيها جميعاً. ﴿يَعِظُكُم بِهِۦۚ﴾ أي: يعلمكم بما أنزل عليكم وأرشدكم إليه من أمره ونهيه، ويتوعدكم به، ففيه الترغيب بامتثال أوامره وشكر نعمه والعمل بها، والترهيب بارتكاب زواجره. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ في جميع أموركم، فيما تأتون وتذرون ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ فلا يخفى عليه شيء من أموركم في سرها وعلانيتها.
2:232Page 37
وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢٣٢
And when you divorce women1 and they have fulfilled their term, do not prevent them from remarrying their [former] husbands if they [i.e., all parties] agree among themselves on an acceptable basis. That is instructed to whoever of you believes in Allāh and the Last Day. That is better for you and purer, and Allāh knows and you know not.
٢٣٢ - سبب نزول الآية :روى البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم عن معقل بن يسار، أنه زوج أخته رجلاً من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت عدتها، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لُكَع، أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبداً، فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إليه، فأنزل: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن)، فلما سمعها معقل، قال: سمعاً لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك. ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ طلاقـاً رجعياً دون الثـلاث ﴿فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: انقضت عدتهن- دون مراجعة أزواجهن لهن في العدة- ﴿فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ﴾ أي: أيها الأولياء لا تمنعوهن من الزواج بمن يردن- بعد انقضاء عدتهن- تضييقاً عليهن . والخطاب يشمل: عَضْل الأزواج: بأن يمنعوهن من أن يتزوجن من أرَدْن بعد انقضاء عدتهن، حمية وغَيْرة على من كنَّ تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم . وعضْل الأولياء: بأن يمنعوهن من أن يرجعن إلى أزواجهن في عدتهن، أو بعد انقضاء عدتهن، أو يمنعوهن من أن يتزوجن من أرَدْن بعد انقضاء عدتهن.والعضل: التضييق والمنع الشديد. يقال: عضلت الناقة بولدها: إذا نشب في بطنها، وتعسر عليه الخروج. ومنه قولهم: أعضل به الأمر: إذا اشتد عليه، ومنه «الداء العضال»: لضيقه عن العلاج وتجاوزه حد الأدواء.﴿أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ﴾ أي: يرجعن إلى أزواجهن المطلِّقين لهن بعد انقضاء عدتهن- تعود إليه بعد انقضاء العدة بعقد ومهر جديدين على ما بقي لهما من الثلاث التطليقات. ﴿إِذَا تَرَٰضَوۡاْ﴾ أي: الأزواج والزوجات ﴿بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ﴾ شرعاً ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: النهي عن العضْل ﴿يُوعَظُ بِهِۦ﴾ أي: يأتمر به، وينفعل له، أو يتّعظ به ﴿مَن كَانَ مِنكُمۡ﴾ أيها الأزواج، أو الأولياء ﴿يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ﴾ أي: يؤمن بشرع الله ويخشى وعيده وعذابه، لأنه وحده المنتفع به، فإيمانه يمنعه من العضْل. ﴿ذَٰلِكُمۡ﴾ أي: ترك العضْل، واتباع شرع الله، وترك الحمية والغيرة الجاهلية ﴿أَزۡكَىٰ لَكُمۡ﴾ أي: أنمى وأنفع ﴿وَأَطۡهَرُۚ ﴾ لكم ولهن من الأدناس والأرجاس، ولقلوبكم من الشك والريبة ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ﴾ ما فيه من مصلحة لكم فيأمر به، وما فيـه مفسدة فينهى عنـه ﴿وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ ذلك فاتبعـوا أوامره واجتنبوا نواهيه. وفي الآية: دلالة على أن المرأة لا تملك تزويج نفسها، وأنه لا بد في النكاح من ولي، لأنه نهى الأولياء عن العضْل، ولا ينهى إلا عن أمر لهم فيه حق.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences