Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:242–255
2:242Page 39
كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢٤٢
Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., laws] that you might use reason.
٢٤٢ - ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ﴾ وأحكامه فيما أمر ونهى، وفرض وحدّ، وأحل وحرم، بياناً واضحاً، وتفسيراً جلياً ﴿لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ أي: تتدبرون أحكامه، وتفهمون مقاصدها، فتعملون وفقاً لها.
2:243Page 39
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ ٢٤٣
Have you not considered those who left their homes in many thousands, fearing death? Allāh said to them, "Die"; then He restored them to life. And Allāh is the possessor of bounty for the people, but most of the people do not show gratitude.
٢٤٣ - ﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي: ألم تعلم، أو: ألم ينته علمك- وتستعمل للمخاطب فيما تقدم علمه به، وفيما لم يعلم به من قبل، وهو استفهام تعجيب وتشويق- والخطاب لرسول الله ﷺ، والمراد: أمته. والمقصود: حثهم على العلم بهذه القصة والاعتبار بشأنها. ﴿إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ﴾ حين حل الوباء والطاعون بها، وهم قوم من بني إسرائيل. وقيل: خرجوا من ديارهم خوفاً من الأعداء وجنباً عن لقائهم ﴿وَهُمۡ أُلُوفٌ﴾ كثيرة ﴿حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ﴾ أي: خرجوا فراراً من الموت وخوفاً من أسبابه حين وقع الطاعون بديارهم، أو خوفاً من أعدائهم حين دعاهم ملكهم إلى الجهاد. وهذا أولى من الأول. وعن ابن عباس قال: كانوا أربعة آلاف، خرجوا فراراً من الطاعون، وقالوا: نأتي أرضا ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، ﴿فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ﴾ أمر تكوين، فماتوا عن آخرهم، وعاملهم بنقيض مقصودهم ﴿ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ ﴾ فضلاً منه وإحساناً، بدعوة نبي من أنبيائهم، دعا الله أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم ، أو بغير ذلك. وقيل: أحيا منهم جيلاً عزيزاً بعد موت هذا الجيل الجبان ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ جميعاً، ومنه: إحياء هؤلاء القوم ليعتبروا، وإرشاد غيرهم من المخاطبين على سبيل العبرة والاستبصار. وتفضله تعالى على الناس موجب لشكرهم نعمه ﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ﴾ نعم الله بالاعتراف بها وصرفها في مرضاته.وفي ذكر قصة هؤلاء دلالة على أمرين: الأول: قدرته تعالى على البعث والمعاد يوم القيامة، وهو أهون عليه. والثاني: أنه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، ولا يغنى حذر من قدر. وفيه: ترغيب للمسلمين على الجهاد وطلب الشهادة في سبيل الله. وأن ترك الجهاد مخافة الموت لا يُغني عن الموت شيئاً.
2:244Page 39
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٤٤
And fight in the cause of Allāh and know that Allāh is Hearing and Knowing.
٢٤٤ - ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ بأموالكم وأنفسكم، لنصرة دينه، وإعلاء كلمته ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم وإن خفيت ﴿عَلِيمٞ﴾ بأموركم وأحوالكم فمجازيكم على ذلك.
2:245Page 39
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٤٥
Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He may multiply it for him many times over? And it is Allāh who withholds and grants abundance, and to Him you will be returned.
٢٤٥ - ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّه﴾ بإنفاق ماله في سبيل الله، أو بتقديم العمل الصالح. وذلك أن الله لما أمر بالجهاد في سبيله أمر بالإنفاق، والعمل الصالح. فإقراض الله: مثلٌ للنفقة في سبيل الله، أو لتقديم العمل الصالح المستحق للثواب. وإقراض العبد ربه: أن يعطي من ماله ما أمر الله به، أو ينفق في سبيله، شبّهه بالقرض، أي: الدّيْن. ﴿قَرۡضًا حَسَنٗا﴾ بأن ينفقه خالصاً لوجه الله، وابتغاء مرضاته، طيبة به نفسه، من غير مَنٍّ به ولا أذى.﴿فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ ﴾ أي: يكثره له وينميه إلى أضعاف كثيرة في الدنيا والآخرة لا يعلمها إلا الله. روى ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر قال: لما نزلت: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل)البقرة(٢٦١) إلى آخرها، قال رسول الله ﷺ: «رب زد أمتي» فنزلت: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافا كثيرة) الآية. [وفي قراءة: (فيُضاعفُه)بضم الفاء على الرفع، وفي أخرى:(فيُضعِّفَه) بتشديد العين المكسورة مع نصب الفاء ورفعها، أربع قراءات]. ﴿وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ﴾ أي: يضيق في الرزق على من يشاء من عباده ابتلاء ﴿وَيَبۡصُۜطُ﴾ [بالسين والصاد: (يبصط)] أي: يوسعه على من يشاء من عباده اختباراً وامتحاناً، فالقبض والبسط منه تعالى حسبما اقتضته مشيئته المبنية على الحكمة البالغة. وفي الآية: إشارةٌ إلى أن من بخل حال البسط والتوسعة يوشك أن يُبدَّل عليه حاله بالقبض والتضييق.والقبض: ضد البسط. يقال: قبضه بيده يقبضه، أي: تناوله، وقبض عليه بيده: أمسكه. ويقال: بسط يده: مدها، وبسط المكانُ القومَ: وسعهم. ﴿وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ يوم القيامة، فيجازيكم بأعمالكم. [وفي قراءة: بفتح التاء وكسر الجيم (تَرْجِعون)]. وفي الآية: حث وترغيب على الإقراض الحسن، والإنفاق، وعدم خوف الإملاق، وأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين.
2:246Page 40
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦
Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allāh"? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if battle was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allāh when we have been driven out from our homes and from our children?" But when battle was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.
٢٤٦ - ﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي: ألم ينته علمك﴿إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي: أشرافهم ووجوههم وكبرائهم وأهل الرأي فيهم. وسموا ملأ: لأنهم مليئون بما يحتاج إليه منهم. أو لأن هيبتهم تملأ الصدور. وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط .﴿مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ﴾ أي: من بعد وفاته، والمعنى: ألم ينته علمك، إلى قصتهم وخبرهم. ﴿إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ﴾ من أنبيائهم ﴿ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا﴾ أي: أقم أو عيِّن لنا ملكاً، نأتمر بأمره، ونرجع إلى رأيه، وتنتظم كلمتنا به، ﴿نُّقَٰتِلۡ﴾ معه ﴿فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ﴾ أعداءنا، وكانت الجبابرة قد سُلّطت على بني إسرائيل- بسبب بعدهم عن التوراة- وباد فيهم المُلك و بعُد عهدهم به، واستولت الأمم على ديارهم. ﴿قَالَ﴾ أي: النبي لهم: ﴿هَلۡ عَسَيۡتُمۡ﴾ [وفي قراءة: بكسر السين (عَسِيتم)] أي: هل الأمر كما أتوقعه منكم ﴿إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ﴾ أي: إن فرض عليكم، وأقام الله لكم مَلكاً تقاتلون معه ﴿أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ﴾ وتفوا بما التزمتم به من القتال معه، وتجنبوا عنه؟ وجملة: (ألا تقاتلوا): خبر عسى، والاستفهام هنا: لتقرير أن المتوقع منهم كائن. والمعنى: عسى ألا تفوا بما تعدون به من القتال والجهاد. ﴿قَالُواْ﴾ لنبيهم: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ ﴾ أي: وأي شيء يمنعنا عن القتال في سبيل الله ، مع وجود ما يقتضي ذلك، من أخذ بلادنا، وسبي أولادنا. ﴿فَلَمَّا كُتِبَ﴾ أي: فرض ﴿عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ﴾ مع من أقامه الله ملكاً عليهم ﴿تَوَلَّوۡاْ﴾ عنه وجنبوا، ونكلوا عن الجهاد لاضطـراب نياتهم، وفتور عزائمهم ﴿إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ﴾ وفوا بما وعدوا نبيهم به و ثبتوا عليه ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ فمجازيهم بنكولهم، وعدم وفائهم. وفي الآية: حث وترغيب على الجهاد في سبيل الله لإعلاء دينه، وفيها أن الجبارين سُلطوا عليهم لبعدهم عن كتاب الله وعملهم بمساخط الله. قلت: كما سُلط اليهود - في هذه الأيام- على المسلمين لبعدهم عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
2:247Page 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧
And their prophet said to them, "Indeed, Allāh has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allāh has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allāh gives His sovereignty to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing [in favor] and Knowing."
٢٤٧ - ﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ﴾ لما سألوه أن يعين لهم ملكاً ينتهون إليه، ويأتمرون بأمره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ﴾ يسَّره لكم، وأمركم بحسن طاعته، والقتال معه ﴿قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا﴾ أي: كيف يكون ملكاً علينا، أو من أين يكون له ذلك؟ ﴿وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ﴾ لأنه كما قيل: لم يكن من سبط الملك، وهم بنو يهوذا، ولا من سبط النبوة، وهم بنو لاوي، ﴿وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ﴾ يستعين به على إقامة ملكه، أي: فكيف يكون ملكاً نتبعه، والحال أنـه لا شـرف له في بيـت مُلك، أو نبوة، ولا مال لـه ﴿قَالَ﴾ النبي لهم: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُم﴾ أي: اختاره للملك بينكم، وهو أعلم به منكم، واختيار الله هو الحجة القاطعة ﴿وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ﴾ أي: سعة وامتدادا وفضيلة ﴿فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ﴾ فكان قوياً في دينه وبدنه، وحسن تدبيره أمر السياسة والحرب و اتساع إدراكه ونفاذ بصيرته. وفي الآية: دلالة على أن الملك ليس بكثرة المال ولا بشرف النسب والحسب، إنما المعتبر فيه قوة العلم والجسم والسلامة من الآفات الجسدية والعقلية، فهما آلة الشجاعة والنجدة وحسن التدبير والسياسة.﴿وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ﴾ إيتاءه بعلمه وحكمته، بلا إرث، ولا جاه، ولا مال، فالملك ملكه، والأمر أمره، ولا اعتراض عليه ﴿وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ﴾ فضله ورحمته ﴿عَلِيمٞ﴾ بمن هو أهل للملك ، ويصلح له دون غيره.
2:248Page 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٤٨
And their prophet said to them, "Indeed, a sign of his kingship is that the chest will come to you in which is assurance1 from your Lord and a remnant of what the family of Moses and the family of Aaron had left, carried by the angels. Indeed in that is a sign for you, if you are believers."
٢٤٨ - ﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ﴾ لما سألوه آية على ملك طالوت: ﴿إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ﴾ أي: علامة ملكه الدالة على تكليف الله له ﴿أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ﴾ أي: صندوق التوراة.مأخوذٌ من التّوْب، أي: الرجوع، لأنه لا يزال يرجع إليه ما يخرج منه، وتاؤه مزيدة لغير التأنيث، كجبروت.﴿فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ أي: في إتيان التابوت سكون لكم ووقار وجلال وهيبة وطمأنينة لقلوبكم، أو: في التابوت ما تسكنون إليه وتطمئنون له، وهو التوراة. أو: فيه سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت، وثبات نفوسكم عند لقاء الأعداء. والسكينة: من السكون، وهو ثبوت الشيء بعد التحرك. أو من السَّكَن- بالتحريك- وهو كل ما سكنت إليه النفس واطمأنت به من أهل وغيرهم. وقيل: السكينة: الوقار والجلالة. ﴿وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ﴾ عن ابن عباس قال: «هي عصا موسى ورضاض- أي: فتات- الألواح التي كتبت فيها التوراة ». وقيل غير ذلك. وقيل: المراد بآل موسى وآل هارون: أي: هما أنفسهما، والمعنى: مما ترك موسى وهارون. ﴿تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ﴾ عن ابن عباس قال: «كانت العماليق قد سبوا التابوت من بني إسرائيل، فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض، وهم ينظرون إليه، حتى وضعته عند طالوت، فلما رأوا ذلك قالوا: نعم. فسلموا له وملكوه، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا التابوت بين أيديهم».﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ﴾ على ملكه، أو على صدقي فيما جئتكم به من النبوة، وفيما أمرتكم به من طاعة طالوت ﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ بالله واليوم الآخر.
2:249Page 41
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩
And when Saul went forth with the soldiers, he said, "Indeed, Allāh will be testing you with a river. So whoever drinks from it is not of me, and whoever does not taste it is indeed of me, excepting one who takes [from it] in the hollow of his hand." But they drank from it, except a [very] few of them. Then when he had crossed it along with those who believed with him, they said, "There is no power for us today against Goliath and his soldiers." But those who were certain that they would meet Allāh said, "How many a small company has overcome a large company by permission of Allāh. And Allāh is with the patient."
٢٤٩ - ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ﴾ أي: فلما خرج طالوت في جنوده ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل، لمحاربة العمالقة، قوم جالوت. وقيل: لما انفصل طالوت عن بيت المقدس، ﴿قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم﴾أي: مختبركم و ممتحنكم ، وهو أعلم بكم ﴿بِنَهَرٖ﴾ أي: بالمرور على نهر وقت الحاجة إلى الماء، وكان المراد بهذا الابتلاء: معرفة الطائع من العاصي والصابر من الجازع، لما رأى من ضعف عزائمهم وفتور هممهم. ﴿فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ﴾ أي: من ماء ذلك النهر ﴿فَلَيۡسَ مِنِّي﴾ أي: فلا يتبعني ولا يصحبني في وجهتي، لما في المعصية وعدم الطاعة في هذا الموطن دليل على وفور عصيانه في مواطن أخرى، ولما في شربه دليل على قلة صبره ووفور جزعه.﴿وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ﴾ أي: ومن لم يذقه أصلا، لا قليلا ولا كثيراً. من طعم الشيء يطعمه: إذا ذاقه مأكولا أو مشروباً. واستعمال طعِم الماء بمعنى: ذاق طعمه ، مستفيض في اللغة. ﴿فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ﴾ لحسن طاعته و وفور صبره، فمن أطاع في ذلك، فهو لما عداه أطوع. ﴿إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ﴾ [وفي قراءة: بفتح الغين (غَرْفة)] أي: فاكتفى بها، ولم يزد عليها، فإنه مني، ولا بأس عليه في ذلك. فرخّص لهم في الأخذ باليد دون الكرع، ليرتفع عنهم أذى العطش، و نزع النفس شهواتها. والغُرفة:- بضم الغين المعجمة: اسم للشيء المغترف، وجمعه: غراف، وأما الغَرفة- بفتح الغين المعجمة-: فهي اسم للمرة الواحدة من الغرف. وقيل: هما لغتان بمعنى واحد . والاغتراف: الأخذ من الماء باليد، أو بآلة، وقيل: هي ما كان بالكف الواحدة ، و قيل : بالكفين معاً. ﴿فَشَرِبُواْ مِنۡهُ﴾ حد الارتواء، وعصوا طالوت، ونكلوا عن أمره، وكانـوا كثـرة ﴿إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ﴾ أطاعوا وصبروا و اقتصروا على ما أجازه لهم من الغرفة، وكانوا بعدد أهل بدر، ثلاثمائة وبضعة عشر، كما في صحيح البخاري وغيره. فعن البراء بن عازب قال: «كنا نتحدث أن أصحاب محمد ﷺ الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر، على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوزه إلا مؤمن». ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ﴾ أي: جاوز النهر طالوتُ ﴿هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ﴾ الذين اقتصروا في شربهم على الغرفة وصبروا و أطاعوا ﴿قَالُواْ﴾ أي: الذين اغترفوا أو الذين شربوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ﴾ أي: لا قدرة لنا ولا قوة بقتال جالوت وجنوده، مستقلين بأنفسهم عن كثرة عدوهم. فإن كان القائلون هم الذين اغترفوا: فقد اختلفوا في قوة يقينهم وثباتهم. وإن كان القائلون هم الذين شربوا: فهذا من ضعف إيمانهم، وقلة صبرهم، وتبريرهم لنكولهم. ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أي: يتيقنون ﴿أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ﴾ بالبعث، وهم إما علماؤهم وأهل اليقين والإيمان الكامل فيهم، أو هم الذين أطاعوا وصبروا: ﴿كَم مِّن فِئَةٖ﴾ أي: جماعة من الناس- ولا واحد له من لفظه، كالرهط والنفر- [وفي قراءة بالياء بدلاً عن الهمزة: (فية)]. ﴿قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ﴾ أي: بأمره وإرادته ومشيئته﴿وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ بالعون والتأييد والنصر، فإن وعد الله حق لا يتغير ولا يتبدل، فليس النصر من كثرة عَدد ولا عُدَد، إنما النصر مع الصبر، وما النصر إلا من عند الله.
2:250Page 41
وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠
And when they went forth to [face] Goliath and his soldiers, they said, "Our Lord, pour upon us patience and plant firmly our feet and give us victory over the disbelieving people."
٢٥٠ - ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ﴾ أي: ظهروا لقتالهم وتصافوا وانكشفوا لهم، أي: انكشف أصحاب طالوت لجالوت ومن معه. و قوله:(برزوا) أي: صاروا في البَراز وهو المتسع من الأرض .﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ﴾ أي: اصبب أو أنزل ﴿عَلَيۡنَا صَبۡرٗا ﴾ أي: أكثر لنا منه ﴿وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا﴾ بتقوية قلوبنا في الجهاد ولقاء العدو، وجنبنا الفشل والعجز والركون إلى الفرار ﴿وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: أعنّا على جالوت وجنوده حتى نغلبهم ونكسر شوكتهم. وفي الآية: دلالة على توجه المؤمن بالدعاء والاستعانة بالله عند الشدائد.
2:251Page 41
فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١
So they defeated them by permission of Allāh, and David killed Goliath, and Allāh gave him the kingship and wisdom [i.e., prophethood] and taught him from that which He willed. And if it were not for Allāh checking [some] people by means of others, the earth would have been corrupted, but Allāh is the possessor of bounty for the worlds.
٢٥١ - ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم وبأمـره وإرادتـه ومشيئتـه ﴿وَقَتَلَ دَاوُۥدُ﴾ عليه السلام وكان في عسكر طالوت ﴿جَالُوتَ﴾ ملك العمـالقــة ﴿وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ﴾ فـي بني إسرائيــل ﴿وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾ أي: النبوة، فجمع الله له-بأمره وفضله-الملك والنبوة، ولم يجتمعا لأحد قبلـه في بنـي إسرائيـل، وورثـه في ذلك ابنــه سليمان عليه السلام ﴿وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ ﴾ الله من العلم النافع الذي اختصه به. قيل: إن من ذلك تعليمه صنعة الحديد والدروع وآلة الحرب وإيتاءه الحكمة وفصل الخطاب والقضاء بين الناس.﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم﴾ وهم الذين يباشرون أسباب الشر والفساد ﴿بِبَعۡضٖ﴾ آخر منهم، وهم الذين يكفّونهم عن الشر ويردّونهم عن الفساد، بالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ﴿لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ﴾ بغلبة أهل الشر والفساد عليها، وإحداثهم فيها الشرور المهلكة للحرث والنسل. وفي الآية: بيان لفائدة الجهاد في سبيل الله. ونظير ذلك: قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً)الحج: (٤٠). [وفي قراءة: بإثبات الألف بعد الفاء (دفاع)]. ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: ذو منٍّ عليهم، ورحمة ولطف بهم، إذ دفع عنهم ببعضهم بعضاً، فله الحكمة البالغة، والحجة التامة على خلقه بما شرع وقدر.
2:252Page 41
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢
These are the verses of Allāh which We recite to you, [O Muḥammad], in truth. And indeed, you are from among the messengers.
٢٥٢ - ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا﴾ أي: نقصها ﴿عَلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿بِٱلۡحَقِّۚ﴾ والصدق والخبر الصحيح الذي لا ريب فيه، ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ إخبار بأنه من جملة رسله سبحانه، تثبيتاً لقلبه، وتحقيقاً لأمره، ورداً لقول الكفار له: لست مرسلاً. فهذه القصة بما اشتملت عليه من آيات الله الدالة على صدقه وصدق رسالته، حيث أخبر بها وحياً من الله، مطابقاً للواقع الذي بأيدي أهل الكتاب، مما علموه وكتموه.
2:253Page 42
۞ تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ ٢٥٣
Those messengers - some of them We caused to exceed others. Among them were those to whom Allāh spoke, and He raised some of them in degree. And We gave Jesus, the son of Mary, clear proofs, and We supported him with the Pure Spirit [i.e., Gabriel]. If Allāh had willed, those [generations] succeeding them would not have fought each other after the clear proofs had come to them. But they differed, and some of them believed and some of them disbelieved. And if Allāh had willed, they would not have fought each other, but Allāh does what He intends.
٢٥٣ - ﴿تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ﴾ بما خص بعضهم من مزايا الكمال، وجلال المناقب، وعظيم المراتب. ونظيره قوله تعالى: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً) الإسراء(٥٥). وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعاً: « لا تفضلوني على الأنبياء» وفي رواية: «لا تفضّلوا بين الأنبياء»، ولكن هذا على سبيل التواضع والهضم منه ﷺ، وإلا فهو أفضل رسل الله لقوله: «أنا سيد ولد آدم». وفي الحديث: دلالة على أنه لا ينبغي أن يقال: محمد أفضل من موسى، أو عيسى على التعيين، إنما هو أفضل الأنبياء والمرسلين. ﴿مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ﴾ كموسى عليه السلام كليم الله تعالى ﴿وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ﴾ وهو محمد ﷺ، بعموم دعوته وشمولها، وختم الرسالة والنبوة به، وتفضيل أمته على سائر الأمم. وقيل: هم أولو العزم من الرسل: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين.وقيل: يحتمل أن يكون إدريس عليه السلام، لقوله تعالى: (ورفعناه مكاناً عليا)مريم(٥٧). ﴿وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ أي: الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء به، كإحياء الموتى ، وإبراء المرضى، وغير ذلك، وأنه عبد الله حقاً ورسوله صدقاً. ﴿وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ﴾ أي: قوّيْناه بجبريل عليه السلام، أيده الله به، بإعانته ومؤازرته له. ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ﴾ هداية الناس﴿مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم﴾ أي: من بعد الرسل، وهم: أممهم ﴿ِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ﴾ لاختلافهم بالميول والنزعات، وتعاديهم، وتضليل بعضهم بعضاً، فكان ذلك سبباً لاقتتالهم. ﴿وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ﴾ لمشيئة الله ذلك، أي:اختلف أمم الأنبياء بعضهم مع بعض، فصاروا باختلافهم واختلاف ميولهم ونزعاتهم مللاً ونحلاًً ﴿فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ﴾ وثبت على إيمانه ﴿وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ ﴾ وارتد على عقبيه ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ﴾ عدم اقتتالهم بسبب ذلك الاختلاف والتعادي ﴿مَا ٱقۡتَتَلُواْ﴾ فكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره ومشيئته. ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ لحكمة اقتضاها فلو شاء لجمعهم على الهدى، ولكن لا راد لحكمه ولا مبدل لقضائه، ولا مانع لمشيئته، ولا معارض لأمره.
2:254Page 42
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٥٤
O you who have believed, spend from that which We have provided for you before there comes a Day in which there is no exchange [i.e., ransom] and no friendship and no intercession. And the disbelievers - they are the wrongdoers.
٢٥٤ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم﴾ في سبيل الله في جميع طرق الخير وسبل البر من الفرائض والنوافل ، مدّخرين ثواب ذلك عند الله. والدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله والخير جاء فيها ب «مِنْ» الدالة على التبعيض، أي: أنه لم يأمرهم بإنفاق جميع ما في أيديهم، بل من بعض ما رزقهم. ﴿مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ﴾ هو يوم القيامة ﴿لَّا بَيۡعٞ فِيهِ﴾ أي: لا فداء فيه بمال- ولو كان ملء الأرض ذهباً- يشتري به نجاته ﴿وَلَا خُلَّةٞ﴾ أي: ولا خالص محبة ومودة وصداقة تنفع فيه. وسميت المودة والصداقة خُلّة لتخللها النفس، وجمعها: خِلال.﴿وَلَا شَفَٰعَةٞۗ ﴾ مؤثرة لأحد إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. فإطلاق الشفاعة هنا، مقيد بقوله تعالى: (إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً )طه(١٠٩) .[وفي قراءة بالنصب: (لا بَيْعَ فيه ولا خُلّةَ ولا شَفاعةَ )].﴿وَٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ بالله أو بما افترضه عليهم، إذ كذبوا الرسل، وعصوا النُّذر. ﴿هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ لوضعهم أمر الله في غير محله، فبدلاً من الاستعانة بنعم الله على طاعته، استعانوا بها على الكفر والمعصية، فليس ظالم أظلَمَ ممن لقي الله يوم القيامة كافراً.
2:255Page 42
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٢٥٥
Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living,1 the Self-Sustaining.2 Neither drowsiness overtakes Him nor sleep. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Who is it that can intercede with Him except by His permission? He knows what is [presently] before them and what will be after them,3 and they encompass not a thing of His knowledge except for what He wills. His Kursī4 extends over the heavens and the earth, and their preservation tires Him not. And He is the Most High,5 the Most Great.6
٢٥٥ - ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ المتفــرد بجميــع معـاني الألوهية والعبودية المطلقة لجميع الخلق، فلا معبود بحق في الوجود سواه. ﴿ٱلۡحَيُّ﴾ أي: البـاقي الذي له الحياة الدائمة الكاملة التي لا تزول ولا تحول ولا تفنى، وسائر الأحياء سواه يعتريهم الموت والفناء. ويدخل في صفة الحياة الكاملة الدائمة المطلقة: جميع صفات الذات ، من السمع والبصر و القدرة و الإرادة و غيرها. ﴿ٱلۡقَيُّومُۚ﴾ أي: الدائم القيام بتدبير أمر الخلق وحفظهم، والمعطي لهم ما به قوامهم، فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها، ولا قوام لها بدون أمره. وتدخل في صفة القيومية: جميع صفات الأفعال، لأنه قام بنفسه واستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بجميع الموجودات، فأوجدها وأبقاها و دبّر أمرها. والقيوم: مبالغة في القيام.يقال: قام بالأمر: إذا حفظه ودبّره. ﴿لَا تَأۡخُذُهُۥ﴾ أي: لا تغلبه ﴿سِنَةٞ﴾ أي: نعاس أوغفوة ﴿وَلَا نَوۡمٞۚ﴾ وهذا من تمام وكمال حياته وقيّوميّته، فالسِّنَة والنوم إنما يَعرضان للمخلوق ولا يَعرضان للخالق. والمعنى: أنه تعالى لا يغفل عن تدبير أمر خلقه وحفظهم أبداً، فلا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عنهم، بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عليه خافية. والسِّنَة: النعاس، وهو الفتور أول النوم مع بقاء الشعور والإدراك، ويقال له: غفوة، وهي مصدر وسن الرجل يوسن وسناً وسِنة، فهو وسنٌ ووسنان، إذا نعس. وفي الصحيح عن أبي موسى، قال: قام فينا رسول الله ﷺ بأربع كلمات فقال: «إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القِسْط ويرفعه، يُرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل، وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه- أي:جلالته- ما انتهى إليه بصره من خلقه». ﴿لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً، فالجميع خلقه وعبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه، كقوله: (إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً)مريم(٩٣). ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ﴾ أي: لا أحد يقدر على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة،كقوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)الأنبياء(٢٨)، وقوله: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له)سبأ(٢٣)،وقوله:(و كم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء و يرضى)النجم(٢٦).وفي حديث الشفاعة: أن رسول الله ﷺ يسجد تحت العرش، ثم يقال له: «ارفع رأسك، وقل تُسمع، واشفع تُشفّع». ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ﴾ أي: ما بـين أيدي الخلق من الأمور المستقبلة، ﴿وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ﴾ من الأمور الماضية.والآية دليل على إحاطة علمه تعالى بجميع خلقه في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم من أمر الدنيا والآخرة. وهذا كقوله: (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسياً)مريم(٦٤). ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ﴾ أي: لا يعلمـون شيئاً ولا يطلعـون على شيء من علم الله ومعلوماتـه ﴿إِلَّا بِمَا شَآءَۚ﴾ أن يُعلمهم به، أو يُطلعهم عليه بإخبار الرسل. ويحتمل أن يكون المراد: لا يطلعون على شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه، كقوله: (ولا يحيطون به علماً)طه(١١٠). ﴿وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ﴾ و الكرسي غير العرش- كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة- وهما مخلوقان لله تعالى ومن المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، فنفوّض علم حقيقتهما إليه تعالى، مع كمال تنزيهه عن الجسمية وعن مشابهة المحدثات، (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)الشورى(١١). وفي الحديث عن أبي ذر، أنه سأل رسول الله ﷺ عن الكرسي، فقال: «والذي نفسي بيده ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة». فالعرش غير الكرسي، وهو أعظم المخلوقات على الإطلاق .﴿وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ﴾ أي: لا يثقلـه ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض، لكمال عظمته، وجلال اقتداره، وسعة علمه وحكمته، في أحكامه وأفعاله. يقال: آده الأمر أو الحمل- من باب قال- أي: أثقله، فهو مئود- كمقول- أي: مثقل. ﴿وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ﴾ أي: الذي له العلـو المطلق مـن جميـع الوجوه، علو الذات على جميع المخلوقات، وعلو القدر والصفات، وعلو القهر والغلبة، القاهر لكل شيء، الغالب على كل شيء. ﴿ٱلۡعَظِيمُ﴾ الجامع لكل صفات العظمة والكبرياء، والمجد والبهاء، والكمال والجلال والثناء. فائدة وهذه الآية تسمى آية الكرسي، وهي أعظم آية في القرآن:لما رواه أحمد عن أبي بن كعب، أن النبي ﷺ سأله: «أي آية في كتاب الله أعظم؟» قال: آية الكرسي، قال: «ليَهْنِك العلم، أبا المنذر».وروى أحمد والنسائي من حديث أبي ذر الغفاري قال : قلت: يا رسول الله، أيُّ ما أنزل عليك أعظم؟ قال:«آية الكرسي».وروى البخاري من حديث أبي هريرة حين وكّله رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، إذ أتاه آت يحثو من الطعام، فأخذه ليرفعه إلى رسول الله ﷺ، وهو يشكو الحاجة والعيال، فخلّى سبيله مرتين، وفي الثالثة قال له: «دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح». وفيه : أن النبي ﷺ قال له: «صدقك وهو كذوب، أتدري من تكلم منذ ثلاث؟» قال: لا، قال: «ذاك الشيطان».وروى أحمد من حديث أسماء بنت يزيد، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول- في هاتين الآيتين: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) و (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم )-: «إن فيهما اسم الله الأعظم». وروى النسائي وابن مردويه من حديث أبي أمامة، أن رسول الله ﷺ قال: «من قرأ دبر كل صلاة مكتوبة آية الكرسي، لم يمنعه من دخول الجنة، إلا أن يموت». وروى الترمذي من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: « لكل شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة، وفيها آية هي سيدة آي القرآن: آية الكرسي». وعند الحاكم زيادة بلفظ: «لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا خرج منه».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences