Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:256–268
2:256Page 42
لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦
There shall be no compulsion in [acceptance of] the religion. The right course has become distinct from the wrong. So whoever disbelieves in ṭāghūt1 and believes in Allāh has grasped the most trustworthy handhold with no break in it. And Allāh is Hearing and Knowing.
٢٥٦ - سبب نزول الآية:عن ابن عباس:أنها نزلت في أولاد الأنصار الذين تهوَّدوا قبل الإسلام، وأراد أهلوهم من الأنصار استردادهم حين أجليت بنو النضير في السنة الرابعة من الهجرة، فقال رسول الله ﷺ إِثْر نزول الآية: «قد خُيِّر أصحابكم، فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم، فأجْلوهم معهم». وعنه: أنه قال: كانت المرأة تجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّده، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار، قالت الأنصار: لا ندع أبناءنا، فنزلت الآية.﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ﴾ أي: لا إجبـار ولا إلجاء لأحد على الدخول فيه- فالجملة خبر بمعنى النهي- فهو بيِّن واضح المعالم، جلي الدلائل والبراهين، فمن هداه الله له، و نوَّر بصيرته، وشرح به صدره، دخل فيه على بينة، ومن أضله الله وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة، فلا يفيده الإكراه والقسر على الدخول فيه. وهذا بيان لكمال الدين، وأنه دين الفطرة والحكمة، والعقل والعلم، والحق والرشاد. وقيل: الجملة خبرية بمعنى: أنه ليس في الدين- وهو عقد في القلب وإذعان في النفس- إكراه وإجبار من الله تعالى، بل مبناه على التمكين والاختيار، وهو مناط الثواب والعقاب، ولولاه لما حصل الابتلاء والاختبار، فهذا كقوله: (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)الكهف(٢٩). وقيل: الجملة خبرية- أيضاً- بمعنى: أنه بعد ظهور الآيات البينات على أن الإيمان بالله وطاعته، رشد، والكفر به ومعصيته، غِي، فمن حق العاقل أن لا يحتاج إلى الإكراه على الإسلام، بل يختاره من غير تردد. فائدةقال بعض العلماء: هذه الآية عامة مخصوصة بأهل الكتاب الذين قبلوا الجزية وبذلوها عن يد وهم صاغرون. وقال البعض: إنها منسوخة بآيات القتال، وأنه يجب أن تُدعى جميع الأمم إلى الدخول في الإسلام، فإن أبوا ذلك، ولم ينقادوا له، ولم يبذلوا الجزية، قوتلوا حتى يُقتلوا أو يُسلموا. واستدلوا لقولهم:بقوله تعالى: (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون)الفتح(١٦) وقوله: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم)التوبة:(٧٣)وقوله: (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة)التوبة(١٢٣). وبما جاء في الصحيح: «عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل». يعني: الأسارى الذين يؤتى بهم إلى بلاد الإسلام في الوثاق والأغلال والقيود، ثم يسلمون وتصلح أعمالهم وسرائرهم، فيكونون من أهل الجنة. وبما رواه أحمد عن أنس أن رسول الله ﷺ قال لرجل: «أسلم»، قال: إني أجدني كارهاً، قال: «وإن كنت كارهاً». ولكن أجيب عنه: بأن النبي ﷺ دعاه إلى الإسلام ولم يكرهه عليه، فأخبره الرجل أن نفسه ليست قابلة له، بل هي كارهة له، فقال له: أسلم، وإن كنت كارهاً له، فإن الله سيرزقك حسن النية والإخلاص. وأجيب عن قول البعض بأنها منسوخة بآيات القتال: بأن الجهاد الذي فرضه الله على المسلمين ليس فيه إكراه الغير على الدخول في الإسلام، و إنما غرضه :كون الدين كله لله،لقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) الأنفال(٣٩).و حمايـة الدعوة مـن عدوان المعتديـن وظلمهم .و حمل الناس على العمل بشرع الإسلام والانقياد لأحكامه، وذلك بعد وضوح الحجج وظهـور الدلائــل والبراهــين، والإعذار إليهم. فمن بقي بعد ذلك على كفره، وجحود حق الله، وعصيانه أمره، ومحادّته، ومناوءة المسلمين، وجب قتاله. ﴿قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ﴾ أي: تميز الإيمـان مـن الكفر، والحق من الباطل، والهدى من الضلال، بوضوح الدلائل والبراهين. و الرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه، مصدر رشد يَرشُد و يَرشَد، أي: اهتدى، والمراد هنا: الإيمان والحق والهدى.والغي: الكفر والباطل والضلال، مصدر غوي يغوي، أي: ضل، والاسم: الغواية.﴿فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ﴾ و هو اسم لكل ما عبد من دون الله تعالى، وكل ما ينافي الإيمان من الشرك، وكل رأس في الضلال، وكل ما يطغي الإنسان، كالأصنام والأنداد والأوثان، والشيطان، والكاهن، والساحر، ونحو ذلك. والمعنى: فمن يكفر بكل معبود سوى الله تعالى. والطاغوت: من طغا يطغو طغواً وطُغْواناً. أو طغى- كرضي وسعى- طغياً وطُغْياناً، إذا جاوز الحد وغلا في الكفر، وأسرف في المعاصي والظلم.﴿وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّه﴾ بعد ما تميز له الرشد من الغي، عقيـدة بالجنـان، وقولاً باللسـان، وعمـلاً بالأركان ﴿فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ﴾ أي: فقد تمسك من الدين بأقوى سبب وأحكمه، وثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، وهي الإيمان أو القرآن أو الاعتقاد الحق، أو السبب الموصل لرضا الله في الدنيا والآخرة. والعروة من الدلو والكوز: مقبضه، أي: طرف الحبل إذا ربط على هيئة الحلقة، يمسك بها من ينزل إلى بئر أو يصعد منها. ومن الثوب: مدخل زرِّه، والمراد بها: وسيلة النجاة. والوثقى: تأنيث الأوثق، من وَثُقَ- بضم الثاء - وثاقة:إذا قوي وثبت، فهو وثيق، أي: ثابت محكم، شديد الربط، لا أوثق منه. ﴿لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ ﴾ أي: لا انقـطاع لها، ولا زوال، ولا انحلال، فالمتعلق بهذا العَقْد المحكم يصل بتمسكه به إلى الجنة، وينقطع عن الجنة من لم يتمسك به. و الفَصْم: الكسر. وفي الآية: تشبيه الدين بالعروة القوية الربط التي لا تنفصم. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالكم وأفعالكم.
2:257Page 43
ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥٧
Allāh is the Ally1 of those who believe. He brings them out from darknesses into the light. And those who disbelieve - their allies are ṭāghūt. They take them out of the light into darknesses.2 Those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
٢٥٧ - ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: ناصرهم وحافظهم ومعينهم، يتولاهم بعنايته، ويشملهم برعايته.﴿يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ﴾ هي ظلمات الكفر، والشرك، والريب، والشبه المضلة، والجهل وعبادة الطواغيت.﴿إِلَى ٱلنُّورِۖ ﴾ أي: نور الإيمان، والحق، والعلم، واليقين، والهداية والطاعة.﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ﴾ وهو كل ما عبد من دون الله تعالى، كالأنداد والأوثان، والشيطان وأئمة الكفر والضلال، فمن تولى غير الله تعالى، وكله الله إلى من تولاهم، وولاه ما تولى لنفسه. والطاغوت يطلق على المفرد والجمع. ﴿يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ﴾ أي: من نور الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وجاء بها أنبياء الله من الدعوة الصادقة والشرائع الصالحة، إلى ظلمات الكفر والجهل والضلال، بالوساوس وغيرها من طرق الضلال والإغواء. وفي توحيد لفظ «النور» وجمع لفظ «الظلمات»: إرشاد إلى تفرد الحق، وانتشار الباطل وتشعبه، كقوله: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)الأنعام (١٥٣) .﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ لأنهم بتوليهم غير الله ممن لا ينفع ولا يضر، حرموا أنفسهم السعادة وجلبوا لها الشقاء، فصارت النار مثوى لهم ومسكناً.
2:258Page 43
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥٨
Have you not considered the one who argued with Abraham about his Lord [merely] because Allāh had given him kingship? When Abraham said, "My Lord is the one who gives life and causes death," he said, "I give life and cause death." Abraham said, "Indeed, Allāh brings up the sun from the east, so bring it up from the west." So the disbeliever was overwhelmed [by astonishment], and Allāh does not guide the wrongdoing people.
٢٥٨ - ﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي: ألم يَنْتَه علمك يا محمد ﴿إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ﴾ أي: جادل وخاصم ﴿إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ﴾ أي: في وجود ربه عز وجل. والمحاج هو: النمرود بن كنعان، ملك بابل، وكان أول من ادعى الربوبية، وتصدى لمحاجة إبراهيم عليه السلام منكراً وجود إله غيره، بسبب ﴿أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ﴾ أي: ما حمله على ادعاء الربوبية، وإنكار وجود الله، ومحاجة إبراهيم في ذلك، إلا ملكه الذي غره وأبطره، وأورثه الكبر والطغيان والعتو. فإيتاء الملك له- من قبل الله- أبطره وأورثه الكبر. وكان الأولى به إظهار العبودية لله شُكراً له على إيتائه الملك. ﴿إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ﴾ لما طلب منه النمرود دليلاً على وجود الرب الذي يدعو إليه ﴿رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ﴾ أي: الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، فهو المنفرد وحده بالخلق والتدبير، والإحياء والإماتة، ودليل ذلك حدوث الأشياء المشاهدة بعد عدمها، وعدمها بعد حدوثها.﴿قَالَ﴾ المُحاج- وهو النمرود- مباهتاً ومعاندا ومكابراً :﴿أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ﴾ بالعفو والقتل عمن استحقا القتل، فأقتل من أردت قتله، وأستبقي من أردت استبقاءه. وعن ابن عباس قال: أُتِي النمرود برجلين استحقا القتل، فقتل أحدهما وعفا عن الآخر، وادّعى بذلك أنه أحيا وأمات. ولكن هذا مغالطة في الحق ومعاندة ومكابرة عنه، فالله تعالى يخلق الحياة والموت في الأشياء و الأجساد، وهذا مراد إبراهيم عليه السلام. وأما المحاج المعاند فإنه أراد بالإحياء: قدرته على العفو عمن استحق الموت، وبالإماتة: قدرته على إمضاء القتل عمن استحقه. فالجواب لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم عليه السلام إذ المراد: إنشاء الحياة من العدم وتكوينها لا التسبب فيها.﴿ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ ﴾ ملزماً إياه بتحقيق قوله الذي يدعي فيه أنه يحي ويميت: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ﴾ أي: إن الذي يحي ويميت، يتصرف في الوجود بمشيئته في خلق ذواته وتسخير كواكبه وحركاته، فهذه الشمس تطلع كل يوم من المشرق، فإن كنت إلها كما تدعي، تقدر على الإحياء والإماتة، فأت بها من المغرب؟ فألزمه الحجة، ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ ﴾ أي: غلب وقهر، وتحير ودهش، وانقطع في حجاجه ولجاجه. والبَهْت: الانقطاع والحيْرة والتردد. ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهم بالكفر، فلا يلهمهم إلى الحجة سبيلاً، ولا إلى المحجة دليلاً، فحجتهم عند الله داحضة باطلة. وهذه الآية من الأدلة الدالة على كمال التوحيد لله عز وجل.
2:259Page 43
أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٥٩
Or [consider such an example] as the one who passed by a township which had fallen into ruin. He said, "How will Allāh bring this to life after its death?" So Allāh caused him to die for a hundred years; then He revived him. He said, "How long have you remained?" He [the man] said, "I have remained a day or part of a day." He said, "Rather, you have remained one hundred years. Look at your food and your drink; it has not changed with time. And look at your donkey; and We will make you a sign for the people. And look at the bones [of this donkey] - how We raise them and then We cover them with flesh." And when it became clear to him, he said, "I know that Allāh is over all things competent."
٢٥٩ - ﴿أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ﴾ أي: أو رأيت مِثْل الذي مر على قرية ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ أي: ساقطة حيطانها وجدرانها على سقوفها- التي سقطت أولاً- يقال: خوي البيت، أي: سقط. أو: خالية من الناس ثابتة على عروشها وسقوفها قائمة على أركانها. يقال: خوت الدار تخوي خوياً وخواء: إذا أقوت وخلت من أهلها. والعروش: جمع عرش، وهو سقف البيت، ويسمى العريش. وكل ما يهيأ ليظل أو يُكِنّ، فهو عريش وعرش. ﴿قَالَ﴾ على وجه الشك والاستبعاد، أو: استعظاماً لقدرة الله تعالى:﴿أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ ﴾ أي: كيف أو متى يحيي؟ وهو استبعاد لإحياء القرية، وهي على تلك الحالة المشابهة لحالة الأموات، وذلك لمّا رأى من دثورها وشدة خرابها، وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه، فكأنه استبعد إحياءها بالعمارة لها والسكون فيها.وقيل: المراد: إحياء أهلها. ﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ﴾ وكان معه حمارٌ، أماته معه، وطعامٌ وشراب.[وفي قراءة بالياء بدل الهمزة: (مية عام)] ﴿ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ﴾ أي: أحياه، ليريه كيف يحيي الموتى، ضارباً له المثل في نفسه ﴿قَالَ﴾ الله له- بواسطة الملك- بعد أن بعثه: ﴿كَمۡ لَبِثۡتَۖ﴾ أي: كم مكثت ها هنا؟ أو : كم مدة بقائك ميتاً؟ ﴿قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ ﴾ على ما استقر في ظنه من أنه نام نومة يوم أو بعضه، ﴿قَالَ﴾ الله له: ﴿ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ﴾ ميتاً، وفيه الدليل الحسي في الدنيا على البعث بعد الموت، وكمال قدرة الله تعالى على ذلك، ﴿فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ﴾ أي: لم يتغير الطعام ولم يفسد الشراب بمرور السنين الطويلة عليه، وبقي على ما كان من طراوته ونداوته، بحفظ الله وقدرته. [وفي قراءة بحذف الهاء: (لم يتسنَّ) وصلاً لا وقفاً]. وفعل يتسنه: مشتق من السّنَة:والهاء فيه أصلية إذا قُدّر لام سنة هاءً، وأصلها: سَنْهة لتصغيرها على سُنَيْهة، وتجمع على سنهات، كسجدة وسجدات. يقال: سانهتُه، إذا عاملته سنة فسنة، وتسنَّه عند القوم: إذا قام فيهم سنة.أو: الهاء فيه للوقف، نحو: كتابيه، وجزمه بحذف حرف العلة، إذا قُدّر لام سنة واواً، وأصلها: سَنْوة لتصغيرها على سُنَيَّة، وتجمع على سنوات. يقال: سانيْتُه وتسنَّيْت عنده: أقمت سنين. ﴿وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ﴾ كيف تفرقت أجزاؤه، وتمزقت أشلاؤه، ونخرت عظامه، كيف يحييه الله عز وجل بعد ذلك ﴿وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ﴾ أي: فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء لنجعلك عبرة للناس، ودلالة على البعث والمعاد بعد الموت. ﴿وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا﴾ أي: نرفعها من أماكنها من الأرض، فنردها إلى أماكنها في الجسم، ونؤلف بينها، فيركب بعضها على بعض بقدرة الله تعالى. مأخوذ من الإنشاز: وهو الرفع، يقال: أنْشز الشيء، رفعه من مكانه، وأصله: النَّشَز- بفتح النون والشين، وسكونها- وهو المكان المرتفع. [وفي قراءة: (نُنْشِرُها)- بضم النون الأولى، وضم الراء- أي: نحييها، من أنشر ونشر. يقال: أنشر الله الموتى: أي: أحياهم]. ﴿ ثُمَّ نَكۡسُوهَا﴾ أي: نستر العظام بعد النشز والالتئام ﴿لَحۡمٗاۚ﴾ ثم ننفخ فيه الروح، فيحيا ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ﴾ أي: لما اتضح له عياناً ما كان مستبعدا في قدرة الله عنده، قبل عيانه ﴿قَالَ أَعۡلَمُ﴾ علم عيان ومشاهدة، أو علم طمأنينة قلب ﴿أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ مقراً بذلك على تمام وكمال قدرته سبحانه. [وفي قراءة: ( قال اعْلم): أمرٌ من الله له بالعلم].
2:260Page 44
وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٦٠
And [mention] when Abraham said, "My Lord, show me how You give life to the dead." [Allāh] said, "Have you not believed?" He said, "Yes, but [I ask] only that my heart may be satisfied." [Allāh] said, "Take four birds and commit them to yourself.1 Then [after slaughtering them] put on each hill a portion of them; then call them - they will come [flying] to you in haste. And know that Allāh is Exalted in Might and Wise."
٢٦٠ - ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ﴾ أي : اذكر حين قال إبراهيم : ربِّ بصِّرني كيفية إحيائك للموتى. لم يُرد رؤية القلب وإنما أراد رؤية العين مضافاً للقلب لتحصـل له الطمأنينـة الكامـلة ﴿قَالَ﴾ الله له: ﴿أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ﴾ بقدرتي على إحياء الموتى حتى تسألني إراءته.وقد سأله الله مع علمه تعالى بإيمانه بذلك، ليجيبه بما سأل، فيُعْلَم غرضه. وفيه إشارةٌ إلى أن الإنسان لا يُكَلّف بأكثر من الإيمان في أمور الغيب.﴿قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿بَلَىٰ﴾ علمت وآمنت أنك على كل شيء قدير ﴿وَلَٰكِن﴾ سألتك الإراءة ﴿لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ﴾ أي: ليسْكُن قلبي، بالانتقال من درجة علم اليقين إلى درجة عين اليقين، أو من درجة العلم الاستدلالي- وهو الإيمان بلا معاينة- إلى درجة العلم الضروري الناشئ عن الحس- وهو الإيمان بالمعاينة والمشاهدة- فلم يكن إبراهيم عليه السلام شاكاً قط في قدرة الله على إحياء الموتى، ولكنه طلب المعاينة الحسية- مضافة إلى الإيمان- لما جبلت عليه النفوس البشرية من رؤية ما أُخْبرت عنه، ولهذا قال النبي ﷺ: «ليس الخبر كالمعاينة» رواه أحمد في مسنده. ﴿قَالَ﴾ الله له: ﴿فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ﴾ [وفي قراءة : بكسر الصاد (فصِرْهُنَّ)] أي: فأملهن واضممهن واجمعهن إليك- لتتأملهن وتعرف أشكالهن وهيئاتهن، كيلا تلتبس عليك بعد الإحياء- ثم قطعهن قطعاً أو جزئهن أجزاءً. يقال: صاره يصوره ويصيره:إذا أماله، وصار الشيء: قطّعه وفصّله. ﴿ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ﴾ من الجبال التي حولك ﴿مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا﴾ أي: كل واحد من الطيور الأربعة جزءً، [وفي قراءة: بضم الزاي: (جُزُءً) وفي أخرى بالتشديد وحذف الهمزة: (جُزّاً )]. ﴿ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ﴾ إليك ﴿يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ﴾ أي: سريعا، وهن طائرات، على أكمل ما يكون منهن في الحياة ﴿وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يغلبه شيء، ولا يعجزه شيء، ولا يمتنع منه شيء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ﴿حَكِيمٞ﴾ في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.
2:261Page 44
مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٢٦١
The example of those who spend their wealth in the way of Allāh is like a seed [of grain] which grows seven spikes; in each spike is a hundred grains. And Allāh multiplies [His reward] for whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
٢٦١ - ﴿مَّثَلُ﴾ أي: صفة نفقات ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: في الجهاد لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه. وقيل: في طاعة الله وابتغاء مرضاته، كالإنفاق في سبيل الخير، وعلى الفقراء والمساكين، ونحو ذلك، مما يكون فيه دفع الحاجات والإعانة على البر والطاعات. ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ ﴾ فكذلك الإنفاق في سبيل الله يضاعف ثوابه إلى سبعمائة ضعف ﴿وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ﴾ [وفي قراءة: بالتشديد: (يُضَعِّفُ)] أضعافاً أكثر من ذلك ﴿لِمَن يَشَآءُۚ﴾ بحسب إخلاصه في الإنفاق، وابتغائه وجه الله ومرضاته في ذلك ﴿وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ﴾ فضله ورحمته ﴿ عَلِيمٌ﴾ بمن يستحق الثواب والمضاعفة. وفي الآية: إشارة إلى أن الأعمال الصالحة يضاعفها الله بعشر أمثالها كقوله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)الأنعام(١٦٠) إلى سبعمائة ضعف، كالإنفاق في سبيل الله والجهاد، إلى أضعاف كثيرة لا يعلمها إلا الله. وفي الحديث عند أحمد ، عن أبي عبيدة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضاً أو أماط أذى، فالحسنة بعشر أمثالها، والصوم جُنّة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله عز وجل ببلاء في جسده فهو له حِطّة -أي: كفارة لذنوبه - ».
2:262Page 44
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٦٢
Those who spend their wealth in the way of Allāh and then do not follow up what they have spent with reminders [of it] or [other] injury will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
٢٦٢ - ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وابتغاء مرضاته ﴿ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ﴾ من الخيرات والصدقات والنفقات الواجبة منها والمستحبة ﴿مَنّٗا﴾ على المنفَق عليه بقول أو فعل عدًّا للإحسان وإظهاراً له ﴿وَلَآ أَذٗى﴾ له بقول أو فعـل كذلك، كالتـطاول والتفاخر بالإنفاق أو التبرّم منه. و المنّ: إظهار الاصطناع، وأن يعتد المحسن بإحسانه على من أحسن إليه. يقال: منّ عليه و يمُنّ، أي: امتن عليه. و المن من الكبائر. والأذى: التطاول والتفاخر على المنعَم عليه بالإنفاق أو التبرّم منه. وأصل الأذى: ما يصل إلى الحيوان من الضرر. يقال: آذاه يؤذيه أذىً وأذاة وأذِيّة. وفي الحديث عند مسلم عن أبي ذر: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المنّان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». ﴿لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ﴾ أي: ثواب إنفاقهم على الله تعالى، بحسب إخلاص المنفِق وابتغائه بالنفقة الفاضلة وجه الله ومرضاته. وفي قوله: (عند ربهم) تأكيد للثواب وتشريف للمنفق في سبيل الله.﴿وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ﴾ فيما يستقبلونه من أمور الآخرة ﴿وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ فيما مـضى من أمور الدنيا، فقد حصل لهم المحبوب، واندفع عنهم المكروه والمرهوب.
2:263Page 44
۞ قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ ٢٦٣
Kind speech and forgiveness are better than charity followed by injury. And Allāh is Free of need and Forbearing.
٢٦٣ - ﴿قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ﴾ أي: كلام حسن طيب ودعاء صالح من المسئول للسائل، واعتذار له، ورد جميل. والمراد بالمعروف هنا: الإحسان القولي بجميع وجوهه، والتأنيس والترجية بما عند الله، والرد الجميل من المسئول للسائل. ﴿وَمَغۡفِرَةٌ﴾ أي: وصفح و عفو من المسئول عما يصدر من السائل عند الرد وعدم الإعطاء، أو عند إلحاحه في المسألة والحاجة، أو عند الإساءة إلى المسئول بقول أو فعل. وقيل: المراد بالمغفرة: الستر لسوء حالة المحتاج. ﴿خَيۡرٞ﴾ عند الله وأفضل ﴿مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ﴾ بالمنّ والتسلي والتطاول والتعيير له بالسؤال- لمن يحل له السؤال ، لأن السؤال من غير ضرورة حرام -و ذلك لما في الصدقة المتبوعة بالأذى من المضرة وتكدير الإحسان. وفي الآية: تقرير لقبح المنّ والأذى في الصدقة، ولم يذكر المنّ هنا لشمول الأذى له. وفي الحديث عند أحمد وابن ماجه وابن مردويه، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة عاق، ولا منّان، ولا مدمن خمر، ولا مكذب بقدر». ﴿وَٱللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن خلقه وعن صدقاتهم ﴿حَلِيمٞ﴾ بتأخير العقوبة عن المانّ والمؤذي، ليفسح له المجال للتوبة.فائدةوقد ذكر الله مراتب أربعاً للإحسان في النفقة: النفقة عن نية صالحة، ابتغاء مرضاة الله، غير متبوعة بمنّ ولا أذى.القول المعروف والاعتذار من السائل إذا لم يوافق عند المسئول شيئاً. الإحسان بالعفو والمغفرة عن الإساءة من السائل قولاً أوفعلاً. النفقة التي يتبعها صاحبها بالمنّ والأذى، وهي مفضولة بما تقدم.
2:264Page 44
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٦٤
O you who have believed, do not invalidate your charities with reminders [of it] or injury as does one who spends his wealth [only] to be seen by the people and does not believe in Allāh and the Last Day. His example is like that of a [large] smooth stone upon which is dust and is hit by a downpour that leaves it bare. They are unable [to keep] anything of what they have earned. And Allāh does not guide the disbelieving people.
٢٦٤ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم﴾ بإفساد ثوابها وأجرها، وإذهاب أثرها ﴿بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ﴾ إبطالاً ﴿كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: كإبطال صدقة المرائي الذي ينفق مراءة للناس وسمعة، لا يبغي بها رضا الله ولا جزيل ثوابه، إنما يبغى بها شكر الناس، وثناءهم عليه، ومدحهم له.[وفي قراءة بالياء بدل الهمزة: (رياء)]. وفي الآية: دليل على أن المن والأذى والمراءاة تبطل ثواب الصدقة وتمحق بركة أجرها. ﴿وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ﴾ لأن المرائي منافق، يظهر غير ما يبطن. ﴿فَمَثَلُهُۥ﴾ أي: فمثل المرائي بإنفاقه ﴿كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ﴾ أي: كمثل حجر كبير أملس صلب. من الصفاء: وهو خلوص الشيء مما يشوبه. يقال: يوم صفوان، أي: صافي الشمس. وقيل: هو جمع، واحده صفوانة. والصفا: الحجارة الملس. ﴿عَلَيۡهِ تُرَابٞ﴾ أي: على ذلك الحجر الأملس تراب ﴿فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ﴾ أي: فأصاب الحجر الأملس مطر شديد عظيم القطر. يقال: وبلت السماء تبل وبلاً ووبولاً، إذا اشتد مطرها. ﴿فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ﴾ أي: فترك الوابل ذلك الصفوان صلداً: أي أجرد نقياً من التراب الذي كان عليه. والمراد: أن أعمال المرائين بالإنفاق تبطُل وتضمحل عند الله، كما يُذهب المطر ما على الصفوان من التراب، وكذلك المرائي لا ينتفع بثواب نفقته، ولا يبقى ماله، كالصخر لا ينتفع بالمطر فينبت، ولا يبقى عليه ترابه. يقال: رأس أصلد: إذا كان لا ينبت شعراً، وصلد الزند يصلد: لم يخرج ناراً. والصلد من الحجارة: الذي لا شيء عليه ولا نبات. ﴿لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ﴾ أي: لا يجدون لهم ثواباً في الآخرة مما عملوا وأنفقوا، لبطلانه، وهم: المنان والمؤذي والمرائي. وجملة «لا يقدرون» استئناف لبيان مثل المنفق رئاء الناس، وجُمع الضمير باعتبار معنى «الذي». ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ إلى طريق الخير والرشاد.وفي الحديث عند البزار والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: « ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنّان بما أعطى».
2:265Page 45
وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥
And the example of those who spend their wealth seeking means to the approval of Allāh and assuring [reward for] themselves is like a garden on high ground which is hit by a downpour - so it yields its fruits in double. And [even] if it is not hit by a downpour, then a drizzle [is sufficient]. And Allāh, of what you do, is Seeing.
٢٦٥ - ﴿وَمَثَلُ﴾ نفقات ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ﴾ أي: طلب رضوانه وجزيل ثوابه ﴿وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ﴾ أي: وتوطيناً لأنفسهم على الإنفاق في طاعة الله، وترك ما يفسدها، من المنّ والأذى والمراءاة، ف «مِنْ» هنا بمعنى اللام. أو: تصديقا ويقيناً بلقاء الله، وتحقيقا من أنفسهم بالثواب عند الله على الإنفاق في طاعته احتسابا وعزما. فكأن نفوسهم هي الدافعة لهذا التصديق والتحقيق، فهم متحققون ومتثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك الإنفاق أوفر الجزاء. ﴿كَمَثَلِ جَنَّةِۭ﴾ أي: بستان. والجنة تطلق على الأشجار الملتفة المتكاثفة، وعلى الأرض المشتملة عليها. ﴿بِرَبۡوَةٍ﴾ [وفي قراءة: بضم الراء (برُبوة)] أي: بمكان مرتفع من الأرض مستو. وأشجار الرُّبى عادة تكون أحسن منظرا وأزكى ثمراً لارتفاعها عن السيل وتبينها للطافة الرياح والشمس. ﴿أَصَابَهَا وَابِلٞ﴾ أي: أصاب الجنة بهذه الربوة مطر شديد ﴿فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ﴾ أي: فأعطت ثمرها مثلي ما يثمر غيرها من الجنان. والأُكل: الثمر، وكل مأكول: أكل.[وفي قراءة: بسكون الكاف(أُكْلها)].﴿فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ﴾ أي: فإن لم يصب هذه الجنة بهذه الربوة مطر شديد ﴿فَطَلّٞۗ ﴾ أي: فمطر خفيف أو رذاذ يصيبها ويكفيها لطيبها وكرم منبتها، وارتفاعها. والمراد: أن هذه الجنة تزكو وتثمر، كثر المطر أو قلّ، فكذلك نفقات هؤلاء الذين يبتغون بها مرضاة الله و تثبيتاً من أنفسهم، تزكو عند الله وتطيب، كثرت أو قلت. والطلّ: أضعف المطر، المستدق القطر، وهو الرذاذ أو الندى، ويجمع على طلال وطلل. ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فلا يخفى عليه من أعمال العباد شيء، فيجازى عليه.
2:266Page 45
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢٦٦
Would one of you like to have a garden of palm trees and grapevines underneath which rivers flow in which he has from every fruit? But he is afflicted with old age and has weak [i.e., immature] offspring, and it is hit by a whirlwind containing fire and is burned. Thus does Allāh make clear to you [His] verses that you might give thought.
٢٦٦ - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ﴾ أي: أيحب أحدكم. استفهام مقرر فظاعة ما يئول إليه الأمر، وهو بمعنى النفي، أي: لا يود أحدكم ﴿أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ﴾ أي: بستان ﴿مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ﴾ خصهما بالذكر من دون سائر الثمار لكونهما أكرم الشجر ﴿تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ أي: من تحت أشجارها ﴿لَهُۥ فِيهَا﴾ ثمــر ﴿مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ﴾ أي: وقد أصابه كبر السن، فضعف عن الكسب والعمل. وكبر السن مظنّة شدة الحاجة لما يلحق صاحبه من العجز عن تعاطي الأسباب ﴿وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ﴾ أي: وعنده أولاد صغار لا قدرة لهم على أسباب العون والمساعدة، بل و مئونتهم عليه.﴿فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ﴾ أي: فأصاب تلك الجنة ريح شديدة عاصفة ﴿فِيهِ نَارٞ﴾ أي: في الإعصار سموم حارة أو صواعق محرقة ﴿فَٱحۡتَرَقَتۡۗ﴾ جنته، ففقدها أحوج ما كان إليها، وبقي هو وأولاده عجزة متحيرين لا حيلة لهم معها، لأنه لم يكن عنده قوة أن يغرس مثلها، ولم يكن عند أولاده خير يعودون به عليه. فكيف يكون تحسره وندامته على تلك الجنة، وقد جمع بين كبر السن وضعف الذرية؟. والإعصار: الريح الشديدة العاصفة التي تهب من الأرض إلى السماء، مستديرة كالعمود، وتسمى: زوبعة. وسميت هنا إعصاراً: لأنها تعصر ما تمر به من الأجسام، أو تلتف كما يلتف الثوب المعصور. وفي الآية: بيان وتمثيل لنفقة المانّ والمؤذي والمرائي في حبوطها، وذهاب أثرها، وعدم نفعها، أحوج ما يكون إليها في الآخرة- و كذا كل من عمل خيراً فأحبطه وأبطله بما ينافيه ويضاده- بحال صاحب الجنة، التي جرى عليها ما جرى من إعصار أحرق ثمارها وأباد أشجارها عند آخر عمره وضعف ذريته، ففقدها أحوج ما كان إليها. وعن ابن عباس عند البخاري في تفسير هذه الآية: هو الرجل يعمل بطاعة الله، ثم بُعث إليه الشيطان فعمل بمعاصي الله حتى أحرق أعماله .﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: كما بين لكم ما ذَكَر ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ ويضرب لكم الأمثال ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ﴾ فتعتبرون، وتفهمون الأمثال والآيات وتنزلونها على المراد منها. وهو كقوله: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)العنكبوت(٤٣).
2:267Page 45
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧
O you who have believed, spend from the good things which you have earned and from that which We have produced for you from the earth. And do not aim toward the defective therefrom, spending [from that] while you would not take it [yourself] except with closed eyes. And know that Allāh is Free of need and Praiseworthy.
٢٦٧ - أسباب نزول الآية :روى الحاكم والترمذي وصححه وابن ماجه والبيهقي في سننه وغيرهم عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل، وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحشف- أي: أرْدَأ التمر- وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم) الآية. وروى أبو داود والنسائي والحاكم عن سهل بن حنيف قال: كان الناس يتيمّمون شر ثمارهم يخرجونها في الصدقة، فنزلت: (ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون). ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ﴾ أي: زكوا ﴿مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ﴾ أي: من جيد ما كسبتم وأنفسه ومختاره وحلاله، ويدخل في طيب الكسب: زكاة المال والنقدين، والتجارة والعروض كلها المعدة للبيع والشراء ومختلف أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة. ويدخل في عموم قوله: (أنفقوا) الفرض والنفل. ﴿وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ﴾ أي: وأنفقوا مـن طيبـات الخارج مـن الأرض، ويدخل فيه: زكاة الحبوب والثمار والزروع، والمعادن والركاز- وهو دفين الجاهلية-. ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ﴾ أي: ولا تقصدوا الرديء من أموالكم- الكسْبية أو الخارجة من الأرض- تنفقونه في الزكاة، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فلا تخصوا الدنيء الرديء من أموالكم بالإنفاق. يقال: تيمّمت الشيء ويمّمته: إذا قصدته، ومنه التيمم: وهو قصد الصعيد الطاهر. ﴿وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ﴾ أي: والحال أنكم لا تأخذون الخبيث لأنفسكم ولو أُعطيتموه في حقوقكم، ولا ترضونه في معاملاتكم إلا أن تتساهلوا فيه وتتغاضوا عنه، وتتسامحوا في أخذه، وتغضوا الطرف عن رداءته كراهة وحياء، فكيف تؤدون منه حق الله؟ وكيف ترضون لله ما لا ترضون لأنفسكم؟ فلا تجعلوا لله ما تكرهون. و تغمضوا: من الإغماض. وأصله: غمض البصر، وإطباق الجفن على الجفن، ثم استعير للتغافل والتساهل. ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عنكم وعن نفقاتكم، وإن أمر بالصدقات وبالطيب منها، فهو غني عنها. ﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال، فهو المحمود في جميع أقواله وأفعاله وصفاته، وشرعه وقدره. وفي الحديث عند أحمد عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: « ولا يكسب عبد مالاً من حرام فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث».
2:268Page 45
ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٦٨
Satan threatens you with poverty and orders you to immorality, while Allāh promises you forgiveness from Him and bounty. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.
٢٦٨ - ﴿ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ﴾ أي: يخوفكم الفقر، وسوء الحال، وضعف المآل، إن تصدقتم، فتمسكوا عن الإنفاق في مرضاة الله. وأصل الفقر: كسر فقار الظهر، يقال: رجل فقر و فقير، إذا كان مكسور الفقار. ﴿وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ ﴾ أي: يغريكم بالبخل عن الإنفاق في الطاعات ومنع الزكاة خشية الإملاق. أو يأمركم بالخصلة الفحشاء: وهي إنفاق الرديء من المال، لا الجيد منه خشية الفقر. أو يأمركم ويغريكم بالمعاصي والإنفاق فيها، والمآثم والمحارم، ومخالفة أمر الله. والفاحش عند العرب: البخيل، لشدة قبح البخل عندهم. ﴿وَٱللَّهُ يَعِدُكُم﴾ على الإنفاق في مرضاته، والعمل في طاعته ﴿مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ﴾ أي: سترا لذنوبكم في الدنيا والآخرة ﴿وَفَضۡلٗاۗ﴾ بأن يخلف عليكم بالتوسعة في أرزاقكم في الدنيا، وينعم عليكم في الآخرة بما هو أفضل وأكثر وأجل. ﴿وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ﴾ فضله، كثير هباته، عظيم كرمه ﴿ عَلِيمٞ﴾ بالمنفق وبمن هو أهل لذلك، فيوفقه لفعل الخيرات وترك المنكرات. فالمال المنفَق يخلفه الله على صاحبه: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين)سبأ(٣٩). وفي الحديث عند الترمذي والنسائي وابن حبان عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن للشيطان لمّة- أي: خَطْرة تقع في القلب- بابن آدم وللملك لمّة، فأما لمّة الشطان: فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمّة الملك: فإيعاد بالخير، وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان، ثم قرأ: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء) الآية». وفي الصحيحين: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences