Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:282–286
2:282Page 48
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢
O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allāh has taught him. So let him write and let the one who has the obligation [i.e., the debtor] dictate. And let him fear Allāh, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of them [i.e., the women] errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allāh and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allāh. And Allāh teaches you. And Allāh is Knowing of all things.
٢٨٢ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم﴾ أي: تعاملتم ﴿بِدَيۡنٍ﴾ أي: بمعاملات مؤجلة في الذمة، كالسَّلَم- أي: السّلف، و هو الشراء المقدم ثمنه، المؤجل قبضه- والقرض، والشراء المؤجل ثمنه.والديْن عند العرب: ما كان غائباً، والعين: ما كان حاضراً. ﴿إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى﴾ أي: معلوم. وفي الآية:جواز المعاملات في الديون المؤجلة إلى أجل معلوم، كالسَّلم والقرض وبيع الأعيان إلى أجل.و وجوب تسمية الأجل في جميع المداينات وحلول الإجارات. وكون الأجل معلوماً، فالأجل المجهول لا يحل، لما فيه من غرر وجهالة، وقرب من الميسر، والجهالة تُفْسد العقد. وعن ابن عباس قال: أنزلت- هذه الآية- في السَّلم إلى أجل معلوم.وفي الصحيحين عن ابن عباس، قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يُسْلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث، فقال رسول الله ﷺ: «من أسلف فليُسْلف في كيل معلوم، و وزن معلوم، إلى أجل معلوم». ﴿فَٱكۡتُبُوهُۚ﴾ أي: فاكتبوا الديْن بأجله المعلوم استيثاقاً وحفظاً، ودفعاً للنزاع، وقطعاً للخلاف. والأمر فيه على قولين: الأول: للوجوب ، و الثاني: للإرشاد والاستحباب، حيث جعلوا قوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذين ائتمن أمانته)البقرة(٢٨٣) قرينة صارفة للأمر من الوجوب إلى الندب. واستدلوا بحديث أبي هريرة عند أحمد والبخاري، وفيه: «أن رجلاً من بني إسرائيل اسْتَسْلف رجلاً ألف دينار، فسأله كفيلاً، فقال-أي:المُستسلِف-: كفى بالله كفيلا، فسأله شهيداً، فقال: كفى بالله شهيداً، فرضي المسلِّف بذلك». والحديث وإن كان في شرع من قبلنا، فهو مقرر في شرعنا، لا سيما و أن النبي ﷺ لم ينكر عدم الكتابة والإشهاد. وفي الآية: إرشاد إلى كتابة المعاملات المؤجلة، ليكون ذلك أحفظ لمقدارها وميقاتها وأضبط للشاهد فيها.﴿وَلۡيَكۡتُب﴾ كتاب الديْن ﴿بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ أي: بالحق والقسط في كتابته، فلا يزيد في المال والأجل ولا ينقص منهما. و فيه الأمر والإرشاد للكاتب أن يكتب بين المتعاملين بالديْن بالعدل دون ميل قلبي أو قلمي. ﴿وَلَا يَأۡبَ﴾ أي: ولا يمتنع ﴿ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ﴾ أي: من أن يكتب كتاب التداين بين المتداينين إذا دُعي إليه- ولكن لا ضرورة عليه في ذلك- ﴿كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ﴾ أي: فضَّله بالكتابة وعلمه ما لم يكن يعلم. أو: كما علَّمه الله بقوله: «بالعدل» أي: أن يكون عارفاً بالعدل، معروفاً به، فليتصدَّق على غيره ممن لا يحسن الكتابة. ﴿فَلۡيَكۡتُبۡ﴾ كتاب الدين بينهم بالحق والعدل- تأكيد لما سبق من أمر الكتابة-. وعن مجاهد وعطاء: واجب على الكاتب أن يكتب. وفي الحديث: «إن من الصدقة أن تعين صانعاً، أو تصنع لأخرق». وفي حديث آخر: «من كتم علماً يعلمه، أُلجم يوم القيامة بلجام من نار». وفي الآية: إرشاد إلى:أن الكتابة فيها حفظ الحقوق وبراءة الذمم.وكون الكاتب معروفاً بالعدل ومشهوراً به.وأن من تمام الكتابة والعدل فيها: أن يحسن الكاتب الإنشاء والألفاظ الشرعية المعتبرة في كل معاملة بحسبها. ﴿وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ﴾ أي: وليمل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين لغيره، وليقر بذلك ليُعلم ما عليه من الديْن. فالمملي: هو من عليه الحق، أي: الديْن ، أمره الله تعالى بالإملاء، لأنه المقر المشهود عليه، فالشهادة تكون على إقراره بثبوت الديْن في ذمته. والإملال والإملاء لغتان بمعنى واحد. يقال: أملَّ وأملى. ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ﴾ فيما يمليه على الكاتب مما في ذمته من الديْن ﴿وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ﴾ أي: ولا ينقص من الحق الذي عليه- وهو الديْن- شيئاً في الإملاء، فلا ينقص في قدره ولا في وصفه ولا في شرط من شروطه أو قيد من قيوده. يقال: بخس زيد عمراً حقه، يبخسه، أي: نقصه، ومنه قوله تعالى: (وشروه بثمن بخس)يوسف(٢٠). ﴿فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ﴾ أي: الديْن ﴿سَفِيهًا﴾ أي: سيء التصرف في ماله، لنقص عقل أو تبذير، أو: محجوراً عليه ﴿أَوۡ ضَعِيفًا﴾ عن الإملاء لصغر أو كبر أو عجز أو مرض، أو ذهول عقل ﴿أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ﴾ بنفسه، لخرس، أو عيّ- و هو عدم القدرة على التعبير- أو جهـل بموضع الصـواب مـن الخطأ ﴿فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ﴾ أي: فليمل عن المذكورين من السفهاء والضعفاء وغيرهم- أولياؤهم وأوصياؤهم، والقائمون عليهم، بالحق والقسط. وفي الآية: إرشاد إلى:أن الاعتراف من أعظم السبل التي تثبت بها الحقوق بين العباد.وثبوت الولاية أو الوصاية على القاصرين، لسفه أو ضعف، أو نحو ذلك.وأن الولي يقوم مقام مولّيه في جميع حقوقه. ﴿وَٱسۡتَشۡهِدُواْ﴾ أي: وأشهدوا على كتاب الديْن ﴿شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ﴾ أي: شاهدين عدلين مسلمين، من بالغي المسلمين الأحرار. والإشهاد على كتاب المداينة أو البيع في هذه الآية على قولين: الوجوب، أو الندب. وفي الآية: إرشاد إلى الإشهاد في البيع مع الكتابة توثقة إن كانت في المداينات. أما إذا كان البيع حاضراً- لا غائباً- فينبغي الإشهاد فيه دون كتابة، لكثرته وحصول المشقة فيه. ﴿فَإِن لَّمۡ يَكُونَا﴾ أي: الشاهدان ﴿رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ﴾ يشهدون على كتاب الديْن، إن تعذر إشهاد رجلين عدلين. وذلك شامل لجميع المعاملات المالية، كبيوع الديون ونحوها، مما يقصد به المال. وقد ثبت أنه ﷺ قضى في الحكم بالشاهد الواحد مع اليمين، والآية نصّت على شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، فكيف نجمع بينهما؟ والجواب: أن الآية فيها الإرشاد إلى حفظ حقوق العباد، لذا أتى بها بأكمل الطرق وأقواها زيادة في التوثقة والحفظ، أما حكمه ﷺ بين المتنازعين بالشاهد واليمين، فمداره على البينات والمرجِّحات بحسب حالها. فالآية: من باب حفظ الحقوق، وقضاؤه ﷺ: من باب الحكم في المنازعات.و في الآية : أن شهادة امرأتين تعدل شهادة رجل في الحقوق الدنيوية، أما الأمور الدينية- كالرواية والفتوى- فالمرأة فيها قائمة مقام الرجل، وكذا الأمور المختصة بأحكام النساء من حيض ونفاس ورضاع ونحوها. ﴿مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ﴾ دينهم وعدالتهم. وفيه دلالة على اشتراط العدالة في الشهود. وتعدد النساء هذا في الشهادة، لأجل ﴿أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا﴾ أي: خشية أن تنسى إحدى المرأتين الشهادة ﴿فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ﴾ أي: تذكر الذاكرة منهما الناسية بما وقع به من الإشهاد أو: لتذكرها إن ضلت و نسيت.والضلال: ترك الطريق المستقيم، عمداً كان أو سهواً، قليلاً كان أو كثيراً . والضلال عن الشهادة: نسيان جزء منها، وذكر جزء. [وفي قراءة: بكسر همزة «أن» على الشرطية، ورفع «فتذكر» على الاستئناف: (إن تضل إحداهما فتذكِّرُ إحداهما الأخرى) والتقدير: إن تضل إحداهما، فالحكم: تذكرُ إحداهما الأخرى. وفي أخرى: بسكون الذال وكسر الكاف دون تشديد: (فَتُذْكِرَ إحداهما الأخرى)]. وفي الآية: بيان لحكمة اشتراط العدد في شهادة النساء في الأموال، و كون شهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل، وذلك لما يلحق النساء غالبا من ضعف الذاكرة في الشئون المالية بخلاف الرجال، فهو حكم غالبي والأحكام الشرعية تنظر للمجموع. وفيها دلالة على أن الشهادة مدارها على العلم واليقين، فمتى شك الشاهد في شهادته وارتاب فيها- ولو بالغلبة على ظنه- لم يجز له أن يشهد إلا بما يعلم. ﴿وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ﴾ أي: ولا يمتنع الشهداء ﴿إِذَا مَا دُعُواْۚ﴾ إلى تحمل الشهادة وأدائها ، أي: فعليهم الإجابة، سواء دُعوا للتحمّل أو للأداء، لما فيه من حفظ الحقوق. وذهب الجمهور: إلى أن تحمل الشهادة، فرض كفاية، واستدلوا على ذلك: بأن المراد من قوله: (إذا ما دعوا) أي: للأداء ،لأن قوله: (الشهداء) حقيقة فيمن تحمل الشهادة، فإذا دعي للأداء، فعليه الإجابة، وإلا فهو فرض كفاية. وفي صحيح مسلم: «ألا أخبركم بشر الشهداء؟ الذين يشهدون قبل أن يُسْتشهدوا» فهؤلاء شهداء الزور. ﴿وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ﴾ أي: ولا تملوا ولا تضجروا أن تكتبوا الدين الذي تداينتم به، عـلى أي حـال كان ﴿صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا﴾ قليـلاً أو كث،يراً ﴿إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ﴾ ووقت حلوله. وذلك لأنهم ربما ملّوا من كثرة المداينة أن يكتبوه.والسأم: الملل والضجر. يقال: سئمت الشيء أسأمه سأما وسآمة، إذا ضجرته ومللته. ويقال: سئمت منه. ومنه قوله تعالى : (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير) فصلت(٤٩). ﴿ذَٰلِكُمۡ﴾ أي: الكتابة والتوثيق والحفظ للديْن إذا كان مؤجلاً ﴿أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: أعدل، وأصح وأحفظ. يقال: أقسط الحاكم يقسط إقساطاً، فهو مقسط، إذا عدل في حكمه وأصاب الحق فيه. ومنه قوله تعالى: (إن الله يحب المقسطين)المائدة(٤٢). وقسط يقسط قسوطاً، إذا جار، ومنه قوله تعالى: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطباً) الجن(١٥). ﴿وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ﴾ أي: أثبت لها، وأعون على إقامتها وأدائها. ﴿وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ﴾ أي: وأقرب إلى أن لا تشكوا في قدر الديْن والأجل، بل ترجعوا عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه فيفصل بينكم ويدفع ما عرض لكم من الريب. وفي الآية: إرشاد إلى أن الكتابة فيها حفظ الحقوق بين العباد، والعدل، وقطع التنازع والاختلاف، والسلامة من النسيان والذهول. ﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ﴾ [وفي قـراءة: بالرفع ( إلا أن تكون تجارةٌ حاضرةٌ)] أي: ناجزة بحضور البدلين: السلعة والثمن ﴿تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ﴾ أي: تتعاطوْنها- والمراد: البدلين- يداً بيد، وتقبضونها ولا أجل فيها ﴿فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾ أي: إثم ولا حرج ﴿أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ﴾ أي: بعـدم كتابتـها ،لانتفاء المحذور في تركها- وهو البيع المؤجل- والمراد: إذا كان البيع حاضراً وناجزاً يداً بيد، فلا بأس بعدم الكتابة، لانتفاء المحذور ولتقابض البدلين قبل التفرق دون أجل. والتجارة: التصرف في رأس المال طلباً للربح. يقال: تجر يتجر فهو تاجر، والجمع: تجِر و تُجار وتجّار.﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ﴾ تبايعاً حاضراً، فإنه أدفع للاختلاف. فالإشهاد على التبايع الحاضر يكفي. وقيل: إذا تبايعتم أي تبايع كان، حاضراً أو مؤجلاً، فأشهدوا عليه. وهذا الأمر في الإشهاد على البيع محمول عند الجمهور على الندب، لا على الوجوب، والدليل عليه :حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري عند أحمد في «مسنده»، وفيه: « أن النبي ﷺ ابتاع فرساً من أعرابي ولم يقضه ثمنه، فتبع الأعرابي النبي ﷺ لقبض الثمن، فاعترضه رجال فساوموه على فرسه حتى زادوه على الثمن الذي ابتاعه النبي ﷺ منه. فتراجع النبي ﷺ والأعرابي، قال الأعرابي: والله ما بعتك، فقال النبي ﷺ: «بل قد ابتعته منك»، قال الأعرابي: هلم شهيداً يشهد أني بايعتك. فشهد بذلك خزيمة. قال النبي ﷺ:«بم تشهد؟»قال:بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله شهادة خزيمة بشهادة رجلين». ﴿وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ﴾ [وفي قراءة: بسكون الراء مع المد لزوما(ولا يضارْ)] أي: ولا يضار الكاتبُ ولا الشاهدُ المتعامليْن، أو أحدهما بالتحريف والتبديل، والزيادة والنقصان في الكتابة، أو بالشهادة بخلاف ما علم أو بالامتناع عنها أو بكتمها بالكلية. وكذلك لا يضار المتعاملان، أو أحدهما، الكاتبَ ولا الشاهدَ بتكليفهما ما لا يليق في الكتابة والشهادة. وفي الآية: إرشاد إلى أن الشاهد والكاتب إذا وقع عليهما ضرر بسبب الشهادة والكتابة، سقط عنهما الوجوب. وفيها أنه لا يجوز أخذ الأجرة على الكتابة والشهادة، حيث وجبت، لأنه حق أوجبه الله عليهما. ﴿وَإِن تَفۡعَلُواْ﴾ ما نهيتم عنه من المضارة للكاتب والشهيد. أو من مضارة الكاتب والشهيد للمتعاملين ﴿فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ﴾ أي: خروج بكم عن الطاعة إلى المعصية، إن خالفتم ما أمرتم به، أو فعلتم ما نهيتم عنه. فبقدر خروج الإنسان عن طاعة الله، يحصل له من الفسوق بحسب ذلك. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ﴾ في أمره باتباعه، و في نهيه باجتنابه ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ﴾ مصالح أموركم بجلب المنافع ودرء المفاسد، وفيه: أن تقوى الله وسيلة إلى العلم النافع. ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ فلا تخفى عليه خافية، فعلمه محيط بحقائق الأمور كلها ومصالحها وعواقبها.
2:283Page 49
۞ وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨٣
And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allāh, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allāh is Knowing of what you do.
٢٨٣ - ﴿وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ﴾ أي: مسافرين ، وتداينتم إلى أجل مسمى. ونصّ في الآية على حالة السفر، ويلحق بذلك كل عذر يقوم مقام السفر.﴿وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا﴾ يكتب لكم في سفركم بالعـدل ﴿فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ ﴾ [وفي قراءة: (فرُهُنٌ مقبوضة )] تستوثقون بها، أي: فعليكم رهان مقبوضة للدائن يستوثق بها حتى يصل إلى حقه من المدين، فالرهن يقوم مقام الكتابة.وفي الآية: دليل على مشروعية الوثيقة بالحقوق، وهي الرهون والضمانات، التي تكفل للمرء حصوله على حقه.ورهان : جمع رهن، بمعنى: مرهون. وأصل الرهن: الدوام، يقال: رهن الشيء، إذا دام وثبت، ورهنه الشيء، وأرهنه، جعله رهناً. فائدة فقهيةواختلف في قبض الرهن على قولين: الأول: فذهب الجمهور: إلى اعتبار القبض- كما صرح به القرآن- فلا يتم الرهن إلا بقبضه.الثاني: وذهب مالك: إلى أنه يصح الارتهان بالإيجاب والقبول بين الراهن والمرتهَن من دون قبض. فالتقييد بالقبض في الآية من تمام الوثيقة في الرهن، وليس دليلاً على أنه لا يصح الرهن إلا به. قلت: والأول أولى، للتصريح به في الآية. واختلف في مشروعية الرهن: هل يكون مشروعاً في السفر، أو في الحضر؟ على قولين: الأول: فذهب طائفة من السلف: إلى أنه لا يكون الرهن مشروعاً إلا في السفر وعدم وجود الكاتب، قاله مجاهد وغيره، واستدلوا بهذه الآية. الثاني: وذهب الجمهور: إلى جواز الرهن في الحضر مع وجود الكاتب و في السفر، وتقييده بالسفر في الآية ، للحاجة إليه لعدم الكاتب والشهيد، واستدلوا على جوازه في الحضر: بما ثبت في الصحيحين عن أنس: «أن رسول الله ﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقاً من شعير، رهنها قوتاً لأهله». وعند البخاري عن عائشة: « أن النبي ﷺ اشترى طعاماً من يهودي إلى أجل ورهنه درعاً من حديد ». قلت: وهو الأظهر و الأرجح، لما تقدم من الأدلة. ويستدل بقوله: (فرهان مقبوضة): على أنه إذا اختلف الراهن والمرتهَن في مقدار الدين الذي به الرهن، فالقول قول المرتهَن، لأنه صاحب الحق الذي جعل الله الرهن وثيقة به، فلولا قبول قوله في ذلك، لم تحصل به وثيقة الرهن لعدم الكتابة والشهود. ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا﴾ أي: إذا أمن الدائن المدين على حقه، فلم يرتهن واستغـنى بأمانته عن الارتهـان ﴿فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ﴾ وهو المدين الذي عليه الديْن ﴿أَمَٰنَتَهُۥ﴾ أي: دينه الذي عليه إلى الدائن ﴿وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾ في أداء ما عليه من الديْن، كاملاً غير منقوص، لا يجحد منه شيئاً. وفي الآية: دليل على جواز التعامل بغير كتابة وثيقة أو شهادة شهود، وذلك في حال ائتمان المتعاملان بعضهما بعضاً. وفي الحديث عند أحمد وأهل السنن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه». ﴿وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ﴾ إذا دعيتم لإقامتها أو أدائهـا ﴿وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ﴾ أي: فاجر، لا يبالي أن يقع في معصية الله، لأنه بكتمه الشهادة يُفقد صاحب الحق حقه، فكتم الشهادة إذن، كالشهادة بالباطل والزور، فيها ضياع الحقوق، وفساد المعاملات. وعن ابن عباس: شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمان الشهادة كذلك. وفي الآية: دليل على تحريم كتم الشهادة. وخص القلب بالذكر لأنه محل الشهادة، فإذا أثم تبعه غيره. وكتم الشهادة: إضمارها، وعدم التكلم بها.﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾ فلا يخفى عليه شيء من ذلك، إيجاباً، كتأدية الأمانة والوفاء بالعهد، أو سلباً، ككتم الشهادة.
2:284Page 49
لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢٨٤
To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allāh will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allāh is over all things competent.
٢٨٤ - ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً ﴿وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ﴾ أي: وإن تظهروا ما استقر في أنفسكم وثبت مما عزمتم عليه من الأمور ﴿أَوۡ تُخۡفُوهُ﴾ أي: تسرّوه وتضمروه ﴿يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ﴾ أي: يجازيكم به يوم القيامـة ﴿فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ المغفرة له، وهو المنيب الأواب إلى ربه ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ ﴾ تعذيبه، وهو المصر على المعاصي في باطنه وظاهره. وتقديم المغفرة على التعذيب إشعار بسبق رحمته تعالى على غضبه. [وفي قراءة بالجزم في الفعلين: (فيغفرْ لمن يشاء ويعذبْ من يشاء)]. ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ ومنه محاسبتكـم وجزاؤكم على ما أخفيتم وأعلنتم من جليل الأقوال والأعمال وحقيرها. ونظير هذه الآية قوله تعالى: (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله)آل عمران(٢٨). وفي الحديث عند أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: «لما نزلت على رسول الله ﷺ: (لله ما في السموات وما في الأرض) الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، وقالوا: يا رسول الله كُلّفْنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها» . يقصدون بذلك قوله: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) فخافوا-لشدة إيمانهم ويقينهم- من محاسبة الله لهم على ما أظهروا وأضمروا من القول والفعل، فأنزل الله بعدها: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)البقرة(٢٨٦). وعن ابن عباس قال: كانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل. فالآية الثانية موضحة وشارحة لهذه الآية. فائدةوهذه الآية لا تنافي الأحاديث الواردة في العفو عما حدّث به العبد نفسه، ما لم يعمل أو يتكلم، فحديث النفس بالمعصية والخواطر التي ترد على القلب دون أن يصحبها عزم وتصميم وتنفيذ، معفُوّ عنها. أما العزم على المعصية، والتصميم عليها وتنفيذها، فمؤاخذ به، ولهذا قال: (ما في أنفسكم) أي: استقر فيها وثبت من العزم والتصميم والعمل. وفي الحديث عند الجماعة عن أبي هريرة: «إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل به». وفي الصحيحين عن أبي هريرة: «قال الله تعالى: إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه- وفي رواية: كتبها الله عنده حسنة- فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، فإن عملها فاكتبوها عشراً- وفي رواية: كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة-». وأما الأمور التي محلها القلب المحض، كالشك في الله، أو الإسلام، أو النفاق، أو التكذيب، أو الرياء، أو كتمان الشهادة، فهذه يحاسب عليها الإنسان أيضا، لعدم موافقة الباطن الظاهر. واختار ابن جرير الطبري: أن الله تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب، فلا يلزم من المحاسبة المعاقبة، واحتج لذلك بالحديث المخرّج في الصحيحين من طرق متعددة وفيه: «يدنو المؤمن من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف، مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه».
2:285Page 49
ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥
The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allāh and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."
٢٨٥ - أسباب نزول الآية: روى مسلم وأحمد، عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) اشتد ذلك على الصحابة، فأتوا رسول الله ﷺ، وقالوا: قد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: (سمعنا وعصينا)؟ بل قولوا: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) فلما أقر بها القوم، وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه) الآية.﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ﴾ أي: صدّق الرسـول بجميـع ما أنزل إليـه من القـرآن والوحـي ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ﴾ كذلك صدقوا بالله وبرسوله وبجميع ما أنزل إليه. والمؤمنون عطف على الرسول. وفي قرن المؤمنين بالرسول ﷺ، والإخبار عنهم جميعاً بخبر الواحد- شرف عظيم للمؤمنين. وفي الآية: دلالة على أنه ﷺ مشارك للأمة في الخطاب الشرعي.﴿كُلٌّ﴾ من الرسول والمؤمنين ﴿ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ﴾ أي: التصديق بوجودهم ، وكونهم عباد الله المكرمين، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والتصديق كذلك بسائر صفاتهم التي جاء بها التنزيل الحكيم ﴿وَكُتُبِهِۦ﴾ المنزلة على أنبيائه ورسله، المشتملة على الشرائع التي تعبّد الله بها عبـاده [وفي قراءة: (وكتابـه)، والمراد: جنس الكتب المنزلة] ﴿وَرُسُلِهِۦ﴾ المبلِّغون لعباده ما نزِّل إليهم من ربهم. ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ﴾ أي: يقول الرسول والمؤمنون: لا نفرق بين أحد من رسل الله، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض، بل الجميع صادقون بارّون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير والصلاح. [وفي قراءة: (لا يفرق) بالياء ، أي: الرسول]. ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: الرسول والمؤمنون: ﴿سَمِعۡنَا﴾ قولك ربنا، سماع وعي وإدراك وقبول ﴿وَأَطَعۡنَاۖ﴾ أمرك طاعة إذعان وانقياد، وأجبنا دعوتك، وامتثلنا القول والعمل بمرضاتك. ﴿غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا﴾ أي: نسألك ربنا غفران ذنوبنا. وهو مصدر نائب عن فعله: أي: اغفر غفرانك، سؤال للمغفرة والرحمة واللطف، وهذا على حد قولهم : سقيا ورعيا.﴿وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب يوم القيامة.
2:286Page 49
لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٨٦
Allāh does not charge a soul except [with that within] its capacity. It will have [the consequence of] what [good] it has gained, and it will bear [the consequence of] what [evil] it has earned. "Our Lord, do not impose blame upon us if we have forgotten or erred. Our Lord, and lay not upon us a burden like that which You laid upon those before us. Our Lord, and burden us not with that which we have no ability to bear. And pardon us; and forgive us; and have mercy upon us. You are our protector, so give us victory over the disbelieving people."1
٢٨٦ - ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ أي: طاقتها وقدرتها، فضلا منه ورحمة. والتكليف: الأمر بما فيه مشقة وكلفة.والوُسع: الطاقة والقدرة. ﴿لَهَا مَا كَسَبَتۡ﴾ ثوابه من الخير قولاً وعملاً ﴿ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ﴾وزره من الشر قولا وعملا، فلا يؤاخذ أحد بذنب أحد، ولا بما لم يكسبه مما وسوست به النفس. والكسب في الخير موافق للفطرة والطبيعة. والاكتساب في الشر تكلّف ومخالف للفطرة والطبيعة. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِـذۡنَآ﴾ بالعقـاب، أي: قولوا ذلك ﴿إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ﴾ أي: تركنا الصواب في القول والعمل على جهة النسيان أو الجهل بالوجه الشرعي أو فعلنا ما ينبغي تركه. وقد ورد في الحديث: أنهم لما دعوا بهذا الدعاء، قال الله تعالى: «قد فعلت»، فرفع عنهم إثم الخطأ والنسيان، فضلاً منه ورحمة. وفي الحديث عند ابن ماجه وابن حبان والطبراني والبيهقي، عن ابن عباس مرفوعا : «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وفي الآية: دلالة على القاعدة الأصولية: العفو عن النسيان والخطأ في العبادات، وحقوق الله، وحقوق العباد، من جهة رفع المأثم، وتوجُّه الذم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا﴾ أي: لا تكلفنا أمراً يثقل علينا حمله أو عهداً ثقيلاً يشق علينا الوفاء به. ﴿كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ﴾ أي: كما كلَّفت الأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار. وقد شدد الله على بني إسرائيل في التكاليف، بما شددوا على أنفسهم في عنادهم وعتوهم: من قتل النفس في التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وقطع موضع النجاسة، وفقء العين من النظر إلى ما لا يحل ، وغير ذلك. أي: فلا تمتحنا بمثله، رأفة منك وفضلاً. والإصر: الثقل والعهد الثقيل، والأمر الغليظ الصعب. وفي الحديث عن رسول الله ﷺ: «بعثت بالحنيفية السمحة». و قال تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)الحج(٧٨). ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ﴾ أي: ما لا قوة لنا به، ولا قدرة لنا عليه من مشاق التكاليف والمصائب والبلاء والفتن، أي: لا تبتلنا وتمتحنا بما لا قبل لنا به. وفي الآية: دلالة على القاعدة الأصولية: التيسير ونفي الحرج في أمور الدين كلها. ﴿وَٱعۡفُ عَنَّا﴾ فيما بيننا وبينك من ذنوبنا، بمحوها ومسامحتنا، بعفوك وكرمك. ﴿وَٱغۡفِرۡ لَنَا﴾ فيما بيننا وبين عبادك من المساوئ والذنوب بسترها وعدم إظهارها، بمنِّك وفضلك. ﴿وَٱرۡحَمۡنَآۚ﴾ أي: وتفضل علينا برحمة منك زيادة على المغفرة، فلا نستقبل بتوفيقك ذنبا آخر. ولهذا قيل: إن المذنب محتاج إلى أمور ثلاثة:أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه.وأن يستره عن عباده فلا يفضحه بينهم. وأن يعصمه بتوفيقه فلا يقع في نظيره. ﴿أَنتَ مَوۡلَىٰنَا﴾ أي: ولينا وناصرنا ومتولي أمورنا، فأنت سيدنا ونحن عبيدك. ﴿فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ الذين جحدوا دينك ونعمتك ورسالة نبيك، وأنكروا وحدانيتك وألوهيتك، فانصرنا عليهم بإقامة الحجة والغلبة في جهادهم، فإن من حق المولى أن ينصر مواليه على أعدائه. وقد ثبت في الصحيح عند أحمد ومسلم عن النبي ﷺ: «أن الله تعالى قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات: قد فعلت». وفي البخاري عن أبي مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ بالآيتين- من آخر سورة البقرة- في ليلة، كفتاه» .وعند مسلم والنسائي: أن باباً من السماء قد فتح فنزل منه ملك، فأتى النبي ﷺ فقال: «أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي من قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته». و أخرج الحاكم و صححه والبيهقي في «الشعب» عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قال:«إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهما وعلموهما نساءكم و أبناءكم، فإنهما صلاة و قرآن و دعاء» .انتهى تفسير سورة البقرة
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences