Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
البقرة
Al-Baqarah
The Cow · Medinan · 286 ayahs
١ - ﴿الٓمٓ﴾ هذه الحروف المقطعة في أوائل بعض السور، هي مما استأثر الله تعالى بعلمه. وقيل: هي بيان لإعجاز القرآن وعظمته، وأنه مؤلف من جملة هذه الحروف التي عليها بناء كلام العرب وتراكيبهم ليكون عجزهم عن معارضته والإتيان بمثله، أبلغ في الحجة عليهم.
2:2Page 2
ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢
This is the Book about which there is no doubt, a guidance for those conscious of Allāh1 -
٢ - ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ﴾ أي: هذا القرآن الذي نزل على محمد ﷺ. والكتاب: مصدر كتب كالكتب، وأصل الكتْب- بسكون التاء-: ضم أديم إلى أديم بالخياطة، ثم استعمل عرفا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط. وأريد به هنا: المنظوم عبارة قبل أن تنظم حروفه التي يتألف منها في الخط، تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه. ﴿لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ﴾ أي: لا شك فيـه أنه حـق منـزل من عند الله تعالى. وقيل: هو خبر بمعنى النهي، أي :لا ترتابوا فيه ولا في كونه منزل من عند الله. والريب: الشك والظّنة والتهمة، ويستعمل في الحاجة، وهو مصدر رابه الأمر، إذا حصل عنده فيه ريبة. وضده: اليقين. قال تعالى: (تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)السجدة(٢). ﴿هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ أي: هدايـة وإرشاد ونور للذين يمتثلون ما أمر الله به، ويجتنبون ما نهى الله عنه، وقاية لأنفسهم من عذاب الله وسخطه.وعن ابن عباس: هم الذين يتقون الشرك، ويعملون بطاعة الله.وهم الموصوفون في الآية بعدها بقوله: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة...). والهدى: هو الدلالة الموصلة إلى البغية، وضده: الضلال. وهو مصدر هداه هدى وهداية وهدية- بكسر الهاء في الأخيرتين- فهُدي.يقال: هديت فلاناً الطريق، إذا دللته عليه. و قد يراد بالهدى: ما يقر في القلب من الإيمان، كقوله: (إنك لا تهدي من أحببت)القصص(٥٦) وقوله: (ليس عليك هداهم)البقرة(٢٧٢) وقوله: (من يضلل الله فلا هادي له)الأعراف(١٨٦) وهي هداية التوفيق. وقد يراد به: بيان الحق والدلالة عليه و الإرشاد إليه، وهذا كقوله:(وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم)الشورى(٥٢)، وقوله: (ولكل قوم هاد)الرعد(٧)، وقوله: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى)فصلت(١٧). والمتقون: جمع متق، اسم فاعل من اتقى ، وأصله: من وقى الشيء وقاية، أي: صانه وحفظه مما يشينه. وفي الحديث:«لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذراً مما به بأس». أخرجه الترمذي وابن ماجه. وعن علي بن أبي طالب : التقوى: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.وخص المتقين بالهداية، لانتفاعهم بالقرآن وهديه ، كقوله: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء)فصلت(٤٤) وقوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)الإسراء(٨٢). فالمتقون حصلت لهم هداية البيان وهداية التوفيق للعمل بها، فكملت في حقهم الهداية.
2:3Page 2
ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣
Who believe in the unseen, establish prayer,1 and spend out of what We2 have provided for them,
٣ -﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ﴾ أي: يصدقون تصديقا محضا بما غاب عن إدراكهم وحواسهم، في أمر الخالق وصفاته، وبكل ما أخبر به النبي ﷺ، من أشراط الساعة، وعذاب القبر،واليوم الآخر، وما فيه من البعث والحشر، والصراط، والميزان، والحساب، والجزاء، والجنة، والنار، مما لم ير وغاب عن الرؤية والمشاهدة.والإيمان لغة: التصديق المحض والإذعان، وهو إفعال من الأمن، فحقيقة قولهم: آمن به، أي: آمنه التكذيب والمخالفة. وشرعاً: التصديق بكل ما علم من دين الإسلام بالضرورة، كالتوحيد والنبوة، والمعاد والجزاء والحساب، والجنة والنار، اعتقاداً وقولاً وعملاً.وفي حديث جبريل عند مسلم، عن رسول الله ﷺ أنه قال:«الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره». والغيب: هو الأمر الخفي الذي لا يدركه الحس ولا تقتضيه بديهة العقل، ويعلم بخبر الأنبياء عليهم السلام، ومنه ما لم ينصب عليه دليل كالذي استأثر الله تعالى بعلمه، كالقدر وغيره، ومنه ما نصبت عليه الأدلة، كوجود الخالق وصفاته.و هو مصدر غاب، أقيم مقام اسم الفاعل (غائب) مبالغة بجعله كأنه هو. والباء في قوله:(بالغيب) صلة للإيمان لتضمينه معنى الاعتراف.﴿وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أي: يؤدون فرائضها ونوافلها، ويأتون بها ظاهرا: مستوفية أركانها وشروطها، وواجباتها وهيآتها في أوقاتها، وباطنا:بحضور القلب فيها، ويحفظونها من كل نقص وخلل فلا يعطلونها. ويقيم: من أقام العود إقامة، إذا أزال عوجه، أي: قوّمه، ويقال: أقيمت السوق، إذا لم تعطل. والصلاة لغة: الدعاء، وشرعاً: ذات الركوع والسجود بشروطها المعروفة وصفاتها المشهورة.﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ أي: ومما أعطيناهم وملكناهم وتفضلنا به عليهم، يتصدقون في وجوه الخير، من زكاة ونفقات فرضا ونفلا ، احتساباً لها عند الله.والإنفاق لغة: إخراج المال وإنفاده وصرفه.وفي«القاموس»: نفق- كفرح ونصر- نفد وفني أو قلّ . وأنفق ماله: أنفذه، والهمزة للتعدية. وأصل مادة «نفق» :يدل على الخروج والذهاب ومنه: نافق فلان، والنافقاء، والنّفق. وشرعاً: هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم. وكثيرا ما يقرن الله بين الصلاة والزكاة في القرآن: فالصلاة إخلاص لله، والزكاة والنفقة إحسان إلى الخلق، فكأن سعادة المسلم في الدنيا قائمة على الإخلاص للمعبود والإحسان للعبيد.
2:4Page 2
وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤
And who believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you, and of the Hereafter they are certain [in faith].
٤ - ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾ أي: يصدقون بما جئت به من عند الله- وهو الكتاب والسنة- ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ﴾ أي: ويصدقون بما جاء به من قبلك من الأنبياء والمرسلين عن ربهم، تصديقاً يشمل الإيمان بالكتب والرسل جميعهم.﴿وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ﴾ أي: وبسائر أمور الآخرة، من البعث والقيامة، والحساب والصراط والميزان والجنة والنّار، هم يصدقون ويحققون ويعلمون علماً قطعيا لا شبهة فيه ولا شك.وسميت الآخرة: لأنها تأتي بعد الدنيا. ويوقنون: من الإيقان، وهو التحقق، أو إيقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه، يقال: يقن الماء، إذا سكن وظهر ما تحته. واليقين: تمام العلم وزوال الشك، يقال: يقنت- بكسر القاف- يقناً، وأيقنت وتيقنت واستيقنت بمعنى واحد. وهو درجة من العلم فوق الدراية والمعرفة، يصحبها ثبات الحكم وسكون النفس وطمأنينتها.
2:5Page 2
أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥
Those are upon [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.
٥ -﴿أُوْلَـٰٓئِكَ﴾ أي:الموصوفون بالتقوى، والإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، والإيمان بما أنزل إلى الرسول وما أنزل من قبله، والإيقان بالآخرة ﴿عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ﴾ أي: على نور من ربهم، وبرهان وبصيرة واستقامة على ما جاءهم به. وأتى ب «على» في موضع الهداية للدلالة على الاستعلاء بالهدى ويأتي ب «في» في موضع الضلالة،كما في قوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين)سبأ (٢٤)، للدلالة على الوضاعة في الضلال.﴿وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ أي: الفائزون، المنجحون، المدركون لما طلبوا، والناجون مما منه هربوا. والمفلحون: من الفلاح، وهو الفوز والظفر بدرك البغية.وأصله: من الفلح-بسكون اللام- وهوالشق والقطع، ومنه: فلاحة الأرض وهو شقها للحرث. واستعمل منه الفلاح في الفوز، كأن الفائز شق طريقه وفلحه للوصول إلى البغية. أو انفتحت له الطريق وانشقت لإدراك البغية. قال مجاهد: أربع آيات من أول البقرة نزلت في المؤمنين وهي الآيات: (٢)-(٥).
2:6Page 3
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٦
Indeed, those who disbelieve1 - it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.
٦ -﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ أي: إن الذين جحدوا رسالة محمد ﷺ،وأصرو على ذلك، وأنكروا ما جاء به من الآيات البينات الدالة على صدقه، مستو عندهم إنذارك وتحذيرك وعدمه، فهم لا يصدقون على أي حال، فلا تأس عليهم.وعن ابن عباس في قوله: (إن الذين كفروا) الآيتين: أنهما نزلتا في يهود المدينة، وقيل: نزلتا في قتال الأحزاب. والكُفر-بضم الكاف- ضد الإيمان، وأصله مأخوذ من الكَفر- بفتح الكاف- وهو ستر الشيء وتغطيته، ومنه قيل: كافر للسحاب، لستره ضوء الشمس، ولليل، لستره الأشياء بظلمته، وللزارع، لستره البذر في الأرض. و منه قوله تعالى:(كمثل غيث أعجب الكفار نباته)الحديد(٢٠)، أي : الزراع. والكافر عند الإطلاق يتجه إلى من يجحد الوحدانية، أو النبوة أو الشريعة،أو يجحدها كلها، فهو أعم من المشرك . وقد يطلق على جاحد النعمة، وعلى الفاسق عن أمر ربه، ويتعين المراد منها بالقرائن الدالة عليها. و الكفر نوعان : كفر مخرج عن الإسلام ، كالتكذيب والإعراض و الشك و النفاق. و كفر غير مخرج عنه ، ككفر النعمة و المعصية .والإنذار: إخبار معه تخويف في مدة تتسع للتحفظ من المخوف، فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار. وأكثر ما يستعمل الإنذار في القرآن في التخويف من عذاب الله تعالى. و(سواء): اسم مصدر بمعنى: الاستواء، مأخوذ من التساوي، أي: هذا مثل هذا، مرفوعة، لكونها خبر«إن». وقوله: (لا يؤمنون) جملة مؤكدة لما قبلها، أي: هم كفار في كلا الحالين.والآية فيمن أنذرهم النبي ﷺ وهم مصرون على الكفر والجحود، وقد حقت عليهم كلمة العذاب لسبق علم الله تعالى فيهم بأنهم لا يؤمنون، لسوء استعدادهم وفساد فطرهم، كما في قوله تعالى:(إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ٩٦ ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم٩٧)يونس(٩٦-٩٧).
2:7Page 3
خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٧
Allāh has set a seal upon their hearts and upon their hearing, and over their vision is a veil.1 And for them is a great punishment.
٧ -﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ أي: طبع عليها واستوثق بسبب كفرهم، فلا يدخلها خير ولا إيمان، ولا يصل الحق إليها، ولا ينفذ فيها، لما سبق في علمه تعالى أزلاً أنهم لا يؤمنون. وختم: من الختم، وهو وضع الخاتم على الشيء وطبعه فيه، لكيلا يخرج منه ما دخل فيه، ولا يدخله ما خرج منه. وخص القلب بالختم، لأنه محل الفهم والعلم. قال مجاهد: الختم هو الطبع، فإذا ثبتت الذنوب على القلب وحفت به من كل نواحيه حتى تلتقي عليه، فهذا الالتقاء هو الطبع.وقال ابن جرير: إن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتها، فيأتيها حينئذ الختم والطبع من قبل الله تعالى، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها مخلص.ونظير ذلك قوله تعالى: (بل طبع الله عليها بكفرهم)النساء ( ١٥٥).وفي الحديث عند الترمذي و ابن ماجه:«يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». وقد وصف الله تعالى نفسه بالختم والطبع على قلوب الكافرين والحيلولة بينهم وبين الهدى، جزاءً وفاقاً على كفرهم، وتماديهم في الباطل وتركهم الحق، وهذا مطلق العدل منه تعالى. ﴿وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ﴾ أي: وطبع على مواضع سمعهم فلا ينتفعون بما يسمعون من الحق، لأن أسماعهم تنبو عنه ﴿وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ ﴾ أي: غطاء وستر وأكنة، فلا يبصرون الحق والهدى، ولا يسمعون، ولا يفقهون ولا يعقلون. وهذا من عاجل عقابهم. والغشاوة: ما يغطى به الشيء، من غشاه: إذا غطاه. يقال غشيه غشاوة- مثلثة الغين- وغشاية،أي: ستره وغطاه. والمعنى هنا: غطاء التعامي عن النظر في آيات الله ودلائل توحيده. ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ أي: قـوي دائـم، وهـذا مـن آجل عقابهم.وأصل العذاب: المنع، يقال: عذب الفرس- كضرب- امتنع عن العلف، وعذب الرجل: إذا ترك المأكل والنوم، فهو عاذب وعذوب. ثم أطلق على الإيجاع الشديد، لما فيه من المنع عن اقتراف الذنب. والعظيم: الكبير، من عظم الشيء إذا كبر، وأصله: كبر عظمه، ثم استعير لكل كبير، محسوسا كان أو معقولا، عينا كان أو معنى. قال مجاهد: آيتان من سورة البقرة نزلت في الكافرين، وهما الآيتان: (٦)-(٧).
2:8Page 3
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ ٨
And of the people are some who say, "We believe in Allāh and the Last Day," but they are not believers.
٨ -﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ قولا باللسان دون مواطأة للقلب على ذلك. لما وصف الله المؤمنين في صدر هذه السورة بأربع آيات، وعرف الكافرين بآيتين، شرع في بيان حال المنافقين، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر. وقد تكلم عنهم في ثلاث عشرة آية، وهي الآيات من (٨) إلى (٢٠).وهذا الصنف من الناس يقول: آمنا بالله وباليوم الآخر، قولا باللسان فقط، وقلبه ملئ بالكفر والضلال﴿وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ﴾ فرد الله عليهـم دعوى إيمانهـم وإن تظاهروا به، لأن حقيقة الإيمان: ما تواطأ عليه القلب واللسان، وصدقه العمل، ووافق فيه المخبر المظهر. وهذا الصنف أشد خطراً على الإسلام وأهله من الكفار.
2:9Page 3
يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩
They [think to] deceive Allāh and those who believe, but they deceive not except themselves and perceive [it] not.
٩ -﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي:يعتقدون- لجهلهم- أنهم يعملون عمل المخادع مع الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر، ليضمنوا إجراء أحكام الإسلام الظاهرة عليهم، ويدفعوا عن أنفسهم القتل والأسر والجزية.و قيل: هذا من باب التشبيه والتمثيل، فكأن صورة صنيعهم مع الله حيث أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام الإسلام الظاهرة عليهم في الدنيا وأخر عقابهم إلى الآخرة، وصورة صنيع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم- تشبه صورة المخادعة . والخداع: صرف الغير عن المقصود بحيلة، وهو من خدعه- كمنعه- خدعاً،أي: ختله وأراد به مكروهاً من حيث لا يعلم، كاختدعه، والاسم منه الخديعة.﴿وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ﴾ أي: لما اعتقدوا خداع من لا يخدع، كانوا خادعين لأنفسهم، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف السر وأخفى، فوبال خداعهم راجع إليهم، بافتضاح أمرهم في الدنيا، وعقوبتهم في الآخرة. [وفي قراءة : (وما يُخادِعون إلا أنفسهم) بإثبات الألف بعد الخاء]. ﴿وَمَا يَشۡعُرُونَ﴾ أي: ما يفطنون ولا يدرون أن عاقبة خداعهم عائدة عليهم بالشقاء الأبدي والعذاب السرمدي. وفي «القاموس» :شعر بالشيء- كنصر وكرم- أي فطن له، ومنه: الشاعر، لفطنته، حيث يفطن لما لا يفطن له غيره من دقيق المعاني وغريبها. وفي هذا المعنى قال الله تعالى في سورة النساء (١٤٢): (إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) على المعنى اللائق بجلاله و كماله ،أي : منع من دمائهم وأموالهم، بما يظهرون من الإيمان استدراجا لهم، حتى يلقوه كفارا.
2:10Page 3
فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ١٠
In their hearts is disease, so Allāh has increased their disease;1 and for them is a painful punishment because they [habitually] used to lie.
١٠ -﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ أي: فسـاد في عقائدهـم واعتقاد قلوبهم، وهو شك ونفاق وشبهات أو تكذيب وجحد. والمرض: العلة والسقم، وناسب أن يسمى مرضا، لكونه مانعا من إدراك الفضائل، كالمرض المانع للبدن من التصرف السليم الكامل. أو لكونه مانعاً من تحصيل السعادة الأخروية، أو لميل النفس به إلى الاعتقادات الفاسدة ميل المريض إلى الأشياء المضرة. وهو نوعان : مرض الشبهات، كالنفاق والبدع ، ومرض الشهوات: كالزنا والفواحش ومنه قوله تعالى: (فيطمع الذي في قلبه مرض)الأحزاب(٣٢). ﴿فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ﴾ أي: زادهم شكا ونفاقا. وعن عبد الرحمن بن أسلم: زادهم رجساً، نظير قوله تعالى: (وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم)التوبة(١٢٥)، أي: شرا إلى شرهم، وضلالة إلى ضلالتهم، فالجزاء من جنس العمل. وقيل: ابتلوا بزيادة الشك وفرط النفاق وترادف الحسرة، بما أنعم الله على رسوله والمؤمنين من نعم دينية ودنيوية. فعقوبة المعصية، معصية بعدها، وثواب الحسنة، حسنة بعدها، كقوله: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى)مريم( ٧٦).﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ﴾ أي: نكال موجع. وفي «القاموس»: ألم- كفرح- فهو ألم. وآلمه يؤلمه إيلاما أي: أوجعه إيجاعا شديدا. ﴿بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ﴾ أي: في قولهم: آمنا، وهم غير مؤمنين. [وفي قراءة: (يُكَذِّبون) بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الذال المكسورة] أي: بالغيب وبما جاء به رسول الله ﷺ.
2:11Page 3
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ ١١
And when it is said to them, "Do not cause corruption on the earth," they say, "We are but reformers."
١١ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: لا تفسدوا في جنس الأرض، بالكفر وموالاة أهله، والنفاق والعمل بمعاصي الله، وتفريق الناس عن الإيمان برسول الله والقرآن، ومظاهرة أعداء الله على أولياء الله. فمثل هذا إفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد.والفساد: خروج الشيء عن حالة الاعتدال والاستقامة. وضده: الصلاح. ومنه: فسد الشيء فساداً، وأفسده إفساداً. وهو العمل بما لا يرضي الله ويضر الناس.﴿قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾ أي: يحسبون أنهم- بما سبق من فعلهم وصفاتهم- مصلحون في الأرض، فجعلوا صفة الصلاح مختصة بهم خالصة لهم، وصلاح الأرض لا يكون إلا بالطاعة. وعن ابن عباس : إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين والكافرين. قال ابن جرير: إنما نريد مداراة الفريقين من المؤمنين والكافرين، فنصطلح مع هؤلاء وهؤلاء فجمعوا بين فعل الباطل واعتقاده حقاً. قال الله تعالى راداً عليهم:
2:12Page 3
أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ ١٢
Unquestionably, it is they who are the corrupters, but they perceive [it] not.
١٢ - ﴿أَلَآ﴾ أداة تنبيه ﴿إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ﴾ أي: إن هذا الذي يزعمون أنه إصلاح، هو عين الفساد. فأسند الفساد إليهم وقصره عليهم. ﴿وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ أي: ولكن من جهلهم لا يدركون المحسوس، ولا يفطنون لحالهم أنهم هم أهل الفساد حقيقة لمعاداتهم الحق وأهله، وصدهم عن سبيل الله، ومخالفة قولهم فعلهم، وسرهم علانيتهم.
2:13Page 3
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ ١٣
And when it is said to them, "Believe as the people have believed," they say, "Should we believe as the foolish have believed?" Unquestionably, it is they who are the foolish, but they know [it] not.
١٣ - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ﴾ أي: آمنوا كإيمان أصحاب رسول الله ﷺ والمؤمنين، بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال أوامره، واجتناب نواهيه.﴿قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ ﴾ أي: أنؤمن بالله والقرآن والنبي كما آمن به ضعاف الناس من العبيد والفقراء، وضعاف العقل والرأي من الأميين والجهلاء، يعنون بذلك : أصحاب رسول الله والمؤمنين. وهو استفهام في معنى الإنكار. والسفهاء: جمع سفيه، وهو الجاهل، الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار. وأصل السفه: الخفة والرقة والتحرك والاضطراب. وفي «القاموس»: ثوب سفيه ، أي: رديء النسج خفيفه، وتسفّهت الريح الشجر: أي: مالت به، وزمام سفيه: أي: كثير الاضطراب، لمنازعة الناقة إياه. ثم شاع في خفة العقل وضعف الرأي. ﴿ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَـهَآءُ﴾ تولى الله جوابهـم، ورد كيدهم في نحورهم فأكد وحصر السفاهة فيهم . ﴿وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ﴾ أي: مـن تمام جهلهـم لا يعلمون بحالهم في غيهم وضلالهم، وتنكبهم طريق الحق. فهذا أبلغ في العمى والبعد عن الهدى. والعبرة بنتائج الأفعال،لا بدعاوي الأقوال.
2:14Page 3
وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ ١٤
And when they meet those who believe, they say, "We believe"; but when they are alone with their evil ones, they say, "Indeed, we are with you; we were only mockers."
١٤ - أسباب نزول الآية: روي أن أبا بكر وعمر وعليا رضي الله عنهم، توجهوا إلى عبد الله بن أبي وأصحابه من اليهود فلما رآهم، قال لأصحابه: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم بمعسول القول، فلما حضروا، أخذ يمدحهم الواحد بعد الآخر في الإسلام والسبق فيه،فلما انصرفوا ، قال لأصحابه : كيف رأيتموني فعلت ، فأثنوا عليه خيرا فنزلت الآية.﴿ وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا﴾ أي: إذا لقي هؤلاء المنافقون المؤمنين قالوا: آمنا، بإظهار الإيمان والموالاة لهم- نفاقاً ومصانعة وتقية- ليشركوهم فيما أصابوا من خير أو مغنم.﴿وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ﴾ أي: انصرفوا وخلصوا إلى ساداتهم وكبرائهم في الكفر والضلال، المشبهين للشياطين في تمردهم وعتوهم، من أحبار اليهود ورؤوس المشركين. وقيل: انفردوا مع شياطينهم، أو مضوا وذهبوا إلى شياطينهم.وفي «القاموس»: خلا به وإليه ومعه، خلوا وخلاء وخلوة، أي: سأله أن يجتمع به في خلوة ففعل، وأخلاه معه. وتأتي خلا بمعنى: مضى وذهب، ومنه قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن)آل عمران (١٣٧) أي: مضت وذهبت. قال ابن جرير: وشياطين كل شيء مردته، ويكون من الإنس والجن كما قال الله تعالى: (شياطين الإنس والجن )الأنعام(١١٢). ﴿قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ﴾ أي: إنا ثابتون على مثل ما أنتم عليه من الاعتقاد ، أي: الكفر. ﴿إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ﴾ أي: ساخرون مستخفون بالمؤمنين في موافقتهم بالظاهر، ومخالفتهم بالباطن. والاستهزاء: الاستخفاف والسخرية، يقال: هزأ منه وبه- كمنع وسمع- واستهزأ به، أي: سخر منه، واستخف به، كعجب واستعجب.
2:15Page 3
ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٥
[But] Allāh mocks them and prolongs them in their transgression [while] they wander blindly.
١٥ -﴿ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ﴾ على المعنى الذي يليق بجلاله وكماله، أي: يسخر منهم، ويستخف بهم، وينزل بهم الهوان والحقارة.وقيل: استهزاؤه بهم: أن زين لهم ما هم فيه من الشقاء والأحوال المردية، فظنوا أنفسهم مع المؤمنين لما لم يسلطوا عليهم.وقيل: استهزاؤه بهم، أي: توبيخه إياهم، ولومه لهم على ما ارتكبوه من المعاصي.وقيل: هو من المشاكلة ، أي: ينتقم منهم و يجازيهم بالعذاب جزاء استهزائهم بالمؤمنين. فأخرج الخبر عن الجزاء مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقوا العقاب عليه، فاللفظ متفق، والمعنى مختلف. و«المشاكلة»:اتفاق الكلمتين في اللفظ واختلافهما في المعنى، كما في قوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)الشورى(٤٠) وقوله: (يخادعون الله وهو خادعهم)النساء(١٤٢) أي: معاقبهم عقوبة الخداع، وقوله: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه)البقرة(١٩٤)، فالاعتداء الأول: ظلم، والثاني: عدل. و في هذه الآية وأشباهها من مثل قوله: (ويمكرون ويمكر الله) وقوله: (فيسخرون منهم سخر الله منهم) وقوله: (يخادعون الله وهو خادعهم)- صفات ثابتة لله على المعنى اللائق بجلاله وكماله. ﴿وَيَمُدُّهُمۡ﴾أي: يمهلهم ويملي لهم، ليزدادوا إثما. وهو من المد بمعنى: الإمهال، يقال: مده في غيه- كرده- أمهله وطول له. وقيل: يزيدهم ويقويهم على وجه الإملاء والإرخاء كقوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين)المؤمنون(٥٥). وفي «القاموس»: مد الجيش و أمده، إذا ألحق به ما يقويه ويكثره. وقيل: أكثر ما يستعمل المد في المكروه، والإمداد في المحبوب. ﴿فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ﴾ أي: في ضـلالهم وكفرهـم، وغلوهم وفجورهم، ومجاوزتهم الحد في ذلك. والطغيان: مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى: (إنا لما طغى الماء)الحاقة(١١)،أي: ارتفع. وقولهم: طغا فلان ، إذا تجاوز في الأمر حده وبغى. ﴿يَعۡمَهُونَ﴾ أي: يعمون عن الرشد، أو: يتمادون في الكفر والضلال، أو يتحيرون ويترددون حيارى بين إظهار الإيمان وإبطان الكفر، أو بين البقاء على الكفر وتركه إلى الإيمان. والعمه: ضلال البصيرة، يقال: عمه- كفرح ومنع- عمها، أي: تردد وتحير، فهو عمه وعامه، وهم عمهون وعمّه، كرُكّع. والعمه في البصيرة، كالعمى في البصر. وقد يستعمل العمى في البصيرة كقوله: (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)الحج(٤٦).
2:16Page 3
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٦
Those are the ones who have purchased error [in exchange] for guidance, so their transaction has brought no profit, nor were they guided.
١٦ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ﴾ أي: استبدلوا الضلالة بالهدى، والكفر بالإيمان، أو بذلوا الهدى ثمناً للضلالة، والإيمان ثمنا للكفر، وذلك أنهم رغبوا في الضلالة والكفر رغبة المشتري في السلعة، فبئست الصفقة. وأصل الضلالة: الحيرة والجور عن سنن القصد، وفقد الاهتداء.والاشتراء: استبدال السلعة بالثمن. ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ﴾ أي:ما أظهر خسارتهم في هذه الصفقة وأعظمها، إذ باعوا آجلاً منها بعاجل. ﴿وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ﴾ أي: راشدين في شرائهم الكفر بالإيمان والشقاء بالسعادة وخروجهم من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.
2:17Page 4
مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧
Their example is that of one who kindled a fire, but when it illuminated what was around him, Allāh took away their light and left them in darkness [so] they could not see.
١٧ - ﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا﴾ أي: صفة المنافقين وعجيب حالهم في اشترائهم الضلالة بالهدى والكفر بالإيمان، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى، وحيرتهم في ضلالهم، وشدة الأمر عليهم- كمن أوقد ناراً عظيمة، أي: في ظلمة الليل. والمثل: الصفة، ومنه قوله تعالى: (ولله المثل الأعلى)النحل(٦٠)، أي: الصفات العلا. وأصل المثل: بمعنى: المثل- بكسر الميم و سكون الثاء - أي: النظير والشبيه، ثم أطلق على القول السائر المعروف، وذلك لمماثلة مضربه الذي يضرب فيه، لمورده الذي ورد فيه أولا، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة. ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذا كانت عجيبة وفيها غرابة.و المراد: أن حال المنافقين و صفتهم تناهت في الظهور و الوضوح حتى أضحت كالمثل السائر الذي لا ينكر. واستوقد: أي: أوقد، والسين والتاء مزيدتان، وليستا للطلب، كاستجاب وأجاب. وتنكير (نارا)، للتفخيم.﴿فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ﴾ أي: فلما أنارت النار ما حوله، وانتفع بها فأبصر واستدفأ، وتأنس بها فأمن ممن يـخافـه ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ﴾ أي: أطفـأ الله نـارهم ﴿وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ﴾أي: وتركهـم في ظلمة الليل، وظلمة إطفاء النار، لا يهتدون إلى سبيل خير ولا يعرفونها. والإضاءة: فرط الإنارة. وفي هذه الآية: شبهت حيرة المنافقين وترددهم بين الإيمان والكفر، بما يكابده من طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، بعد إيقادها في ظلمة الليل. أو: شُبه المنافق بموقد النار، وإظهاره الإيمان، لإجتناء ثمراته، بالإضاءة، وانقطاع انتفاعه، بإهلاكه، وإفشاء حاله، بانطفاء النار وذهاب نورها. وقيل: هذه صفة المنافقين، كانوا قد آمنوا حتى أضاء الإيمان في قلوبهم كما أضاءت النار لهؤلاء الذين استوقدوا نارا، ثم كفروا فذهب الله بنورهم، أي: أذهب عنهم ما ينفعهم وهو النور والإشراق وأبقى لهم ما يضرهم وهو الدخان والإحراق، وتركهم في ظلمات الشك والكفر والنفاق، فلا يهتدون إلى خير. وقيل: هؤلاء المنافقون استوقدوا نار الإيمان من المؤمنين، ولم تكن صفة لهم، فاستضاءوا بها مؤقتا وانتفعوا، فحقنت بذلك دماؤهم، وسلمت أموالهم، وحصل لهم نوع من الأمن في الدنيا ، فبينا هم كذلك إذ فجأهم الموت، فسلبهم الانتفاع بذلك النور، و أوقعهم في كل همّ وغمّ وعذاب، إذ تركوا في ظلمة القبر وظلمة الكفر والنفاق والمعاصي، ثم ظلمة النار وبئس القرار. وعن ابن مسعود وجمع من الصحابة في هذه الآية، قالوا: إن ناساً دخلوا في الإسلام عند مقدم النبي ﷺ المدينة، ثم نافقوا، فكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة، فأوقد ناراً، فأضاءت ما حوله من أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فكذلك المنافق، كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال من الحرام، والخير من الشر، فبينا هو كذلك إذ كفر، فصار لا يعرف الحلال من الحرام ، ولا الخير من الشر. فهذا مثل لسرعة انكشاف أمرهم.
2:18Page 4
صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨
Deaf, dumb and blind - so they will not return [to the right path].
١٨ - ﴿صُمُّۢ ﴾ أي: هؤلاء المنافقون صم عن الحق فلا يسمعونه ولا يقبلونه ﴿بُكۡمٌ﴾ أي: خرس عن الخير فلا يقولونه ولا ينطقون به ﴿عُمۡيٞ﴾ عن الهدى فلا يبصرونه ولا يرونـه، ﴿فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ﴾ إلى ما كانوا عليه من الهداية التي باعوها بالضلالة، لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه.وقيل: شُبه المنافقون الذين آمنوا ثم كفروا، ببقاء أصحاب النار المضيئة بعد انطفائها، صما لا يسمعون مناديا، خرسا لا يسألون الطريق، عميا لا يرونها، فلا يتمكنون من الرجوع إلى طريقهم حيث حارت بهم السبل. و بكم: جمع أبكم وبكيم، وهو الذي يولد أخرس، أو من به داء في اللسان يمنع من الكلام.
2:19Page 4
أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩
Or [it is] like a rainstorm from the sky within which is darkness, thunder and lightning. They put their fingers in their ears against the thunderclaps in dread of death. But Allāh is encompassing1 of the disbelievers.
١٩ -﴿أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ هذا مثل آخر للمنافقين، أو لصنف آخر منهم، يصف حيرتهم وترددهم وشدة الأمر عليهم، كمثل قوم نزل بهم المطر بكثرة من السماء. والصيب: المطر، مأخوذ من الصوب وهو النزول. يقال: صاب صوبا، إذا نزل وانحدر. وسمي به المطر لنزوله. وهو نحو: سيد، من ساد يسود. ﴿ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ﴾ أي: يصحب الأمطار الشديدة التي تحدث عند تكاثف السحب في السماء وحجبها ضوء الشمس عن الأرض- ظلمات متكاثفة، فظلمة الليل، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، ورعد يصم الآذان - وهو الصوت الذي يسمع من السحاب-وبرق يخطف الأبصار- وهو الضوء اللامع المشاهد مع السحاب- وصواعق تحرق ما تصيبه. والرعد: صوت احتكاك الهواء.والبرق: نور خاطف ينشأ من شرارة كهربائية.﴿يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ﴾ أي: إن أصحاب الصيب يجعلون أنامل أصابعهم في آذانهم من أجل شدة صوت الرعد. ﴿حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ﴾ أي: خوف الموت من سماعها، أو فرقا من الصواعق أن تدخل في مسامعهم فتقتلهم. والصواعق: جمع صاعقة، وهي الرعد الشديد، وقيل: هي من آثار الكهرباء في الجو فينشأ عنه احتراق بعض الأجسام. وأصل الصاعقة: كل أمر هائل يؤدي إلى هلاك وذهاب عقل، أو فقد بعض آلات الجسم، نارا كان أو غيره. وقد شبه القرآن الذي يحي موات النفوس، بالمطر الذي يحي موات الأرض ، وقد اعترى المنافقين عند نزول القرآن شبه واهية لا أساس لها، كالظلمات العارضة مع المطر، وفي القرآن وعد لمن آمن، و وعيد لمن كفر، كالرعد قوة وشدة، وفيه حجج وآيات بينات، كالبرق وضوحا وجلاء، وفيه آيات فاضحة حالهم، كاشفة أستارهم، تنزل عليهم نزول الصواعق أو أشد.وقيل: (فيه ظلمات ورعد وبرق) أي: زواجر القرآن- يصمون آذانهم عند سماع الحق وآيات القرآن لئلا يميلوا إلى الإيمان، ويتركوا الكفر، وهو عندهم موت. وقيل: إن قلوب المنافقين في حيرتهم وترددهم، كالمطر النازل من السماء في حال ظلمات، هي الشك والكفر والنفاق، ورعد وهو ما يزعج القلوب من الخوف والفرقة، فشأن المنافقين الخوف الشديد والفزع، وبرق وهو ما يلمع في قلوبهم من نور الإيمان على ندرته. وكانوا إذا حضروا مجلس رسول الله ﷺ جعلوا أصابعهم في آذانهم خوفاً من كلام النبي أن ينزل فيهم شيء أو يذكروا بشيء في القرآن فيقتلوا. وقيل : حالة المنافقين و صفتهم إذا سمعوا القرآن جعلوا أصابعهم في آذانهم و أعرضوا عنه إعراض صاحب الصيب الذي يسمع الرعد فيجعل أصابعه في أذنيه خشية الموت. ﴿وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: محيط بهم علماً وقدرة، فهم تحت مشيئته وإرادته، فلا يفوتونه ولا يعجزونه، بل يحفظ عليهم أعمالهم ويجازيهم عليها أتم الجزاء. والإحاطة: الأخذ من جميع الجهات حتى لا يفوت المحاط به بوجه من الوجوه. وأصلها: الاجتماع والاحتواء على كل شيء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences