Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:20–32
2:20Page 4
يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠
The lightning almost snatches away their sight. Every time it lights [the way] for them, they walk therein; but when darkness comes over them, they stand [still]. And if Allāh had willed, He could have taken away their hearing and their sight. Indeed, Allāh is over all things competent.
٢٠ - ﴿يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ﴾ أي: يقرب لشدة ضوئه، وقوة نوره، أن يستلب أبصارهم ويذهب بها بسرعة. و«كاد» في كلام العرب بمعنى: قارب. وخطِف -كتعب- من الخطف بمعنى: السلب. ﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم﴾ البرق في تلك الظلمات ﴿مَّشَوۡاْ فِيهِ﴾ أي: في ضوئه ونوره إذا لمع لهم.﴿وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ﴾ أي: وإذا اختفى عنهم ضوؤه ونوره، وقفوا وثبتوا في أماكنهم متحيرين مترصدين ومضة أخرى، ليصلوا إلى مقاصدهم.يقال: قامت الدابة: إذا وقفت، وقام الماء: إذا جمد. وهذا تشبيه لإزعاج ما في القرآن من الحجج والبينات قلوبهم والكشف عن عوراتهم، فإذا كثرت أموالهم وأولادهم وأصابوا غنيمة وفتحا، مشوا فيه، وقالوا: إن دين محمد ﷺ دين صدق، واستقاموا عليه، وإذا هلكت أموالهم وأولادهم وأصابهم البلاء، قالوا: هذا من أجل دين محمد ﷺ، وارتدوا كفارا. وقيل: يكاد الحق لشدة ضوئه وقوة نوره، وضعف بصائرهم وعدم ثباتها للإيمان ، يخطف أبصارهم، وكلما ظهر لهم من الإيمان شيء استأنسوا به واتبعوه، فإذا عرضت لهم الشكوك، أظلمت قلوبهم، فوقفوا حائرين. ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ﴾ أي: ولو شاء الله لأذهب أسماعهم وأبصارهم الظاهرة الحسية، كما ذهب بالباطنة المعنوية، لكونهم تركوا الحق بعد معرفته. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ أي: إن الله على كل ما أراده بعباده من نقمة أو عفو، قادر عليه فلا يعجزه شيء. و«قدير»: على وزن فعيل، بمعنى: فاعل، أي: قادر. وقد وصف الله تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذر المنافقين بأسه وسطوته وأخبرهم أنه بهم محيط وعلى إذهاب أسماعهم وأبصارهم قدير، وأنه إذا أراد شيئا فعله من غير ممانع و لا معارض.
2:21Page 4
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١
O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -
٢١ -﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ أمـر مـن الله إلى الناس جميعا: أن اعبدوا ربكم، أي: وحدوه ، وأطيعوه، وأقروا له بالألوهية والربوبية والتوحيد، وامتثلوا أوامره واجتنبوا نواهيه.﴿ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ﴾ أي: لأنه الذي خلقكم وأنشأكم ولم تكونوا شيئاً، ﴿وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ أي: وخلق آباءكم من قبل ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ بعبادتكم له عقابه وسخطه وعذابه. و(يا): حرف نداء يهتف به المنادي، ويكون لنداء البعيد، أو الغافل أو الساهي، لعظم المأمور به بعد النداء.و(الناس): قيل: المراد جميع الناس المكلفين: مؤمنهم وكافرهم، ومنافقهم. وعن ابن عباس: للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين.وقيل: المراد أهل مكة. وقوله: (الذي خلقكم): خص نعمة الخلق، وامتن بها عليهم، لأنها أصل النعم، وهي الإخراج من العدم إلى الوجود، فلا يوجد شيء منها بدونها، وجميع النعم مترتبة عليها، والكفار مقرون بأن الله هو الخالق، ومنه: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله)الزخرف(٨٧) فامتن عليهم بما يعرفون ولا ينكرون، وأمرهم بما خلقهم له، قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)الذاريات(٥٦).و«لعل»: في الأصل للترجي، كقولك: لعلك تزورني،أي: أرجو وأطمع في زيارتك، وفي كلامه تعالى للتحقيق، فيكون قوله: (لعلكم تتقون) أي: في عبادتكم الله وحده تتحقق تقواكم التي يحبها الله لكم.
2:22Page 4
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢
[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allāh equals while you know [that there is nothing similar to Him].
٢٢ -﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا﴾ أي: صـيّر لكم الأرض مهاداً، كالبساط المفروش، و وطاء وقراراً تستقرون عليها، فذللها لكم، لإمكان الإقامة عليها. ويقال للمفروش: فرش وفراش، وهذا لا ينافي كروية الأرض، لأن الكرة إذا عظمت كانت كل قطعة منها كالسطح في افتراشه.﴿وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ﴾ أي: وجعل لكم السماء سقفاً مرفوعا، أو: كالقبة المضروبة، وهو كقوله: (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً)الأنبياء(٣٢). ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ﴾ أي: وأنزل لكم من السماء-أي: السحاب- ماء مباركاً طيباً، وقت احتياجكم إليه، ﴿فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ﴾ أي: فأخرج بالماء من أنواع الزروع والثمار والكلأ رزقاً لكم ولأنعامكم به تتقوّتون وتعيشون ، فهو الخالق الرازق الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له. ﴿فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا﴾ أي: لا تتخذوا لله عدلاء، وشركاء وأمثالاً ونظراء وأشباها من الأوثان والمخلوقين تعبدونها، وتعتقدون فيها النفع والضر، وتجعلون لها ما لله وحده. ﴿وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ أنه الخالق الرازق المدبر لا شريك له ولا نظير، فمظاهر قدرته ودلائل وحدانيته تدل عليه وحده.وأندادا : جمع ند، وهو العدل والمثل والكفء، والنظير، وهو مثل الشيء الذي يضاده وينافره ويتباعد عنه.وأصله: من ند البعير يند نداً ونداداً وندوداً، إذا نفر وذهب على وجهه شارداً. وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال:«أن تجعل لله نداً وهو خلقك». وفيهما من حديث معاذ: «أتدري ما حق الله على عباده؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً». وعن ابن عباس، قال: قال رجل للرسول ﷺ: ما شاء الله وشئت، قال:«أجعلتني لله نداً ؟ قل: ما شاء الله وحده». أخرجه النسائي وابن ماجه.
2:23Page 4
وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣
And if you are in doubt about what We have sent down [i.e., the Qur’ān] upon Our Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)], then produce a sūrah the like thereof and call upon your witnesses [i.e., supporters] other than Allāh, if you should be truthful.
٢٣ -﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا﴾ أي: إن ارتبتم وشككتم واشتبهتم في شأن ما نزلناه على محمد ﷺ وهو القرآن، وزعمتم أنه من عند غير الله ﴿فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ﴾ أي: فعارضوه بمثل ما جاء به وأتوا بسورة من مثل القرآن تماثله في سمو رتبته، وعلو طبقته ، وحسن نظمه، و ظهور إعجازه ، وسداد تشريعه الصالح لكل زمان ومكان، وإخباره عن الغيب. والسورة : قطعة لها أول وآخر وأقلها ثلاث آيات. ﴿وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: ادعوا إلى المعارضة من يحضركم أو ينصركم أو يشهد لكم أنكم أتيتم بما يماثله ، من آلهتكم أو أعوانكم أو نصرائكم من دون الله. و(شهداءكم): جمع شهيد بمعنى: حاضر أو ناصر أو قائم بالشهادة.﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ أي: في دعواكم أن القرآن ليس وحياً من عند الله تعالى. وقد تحداهم الله بهذا في غير موضع من القرآن كقوله: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله)يونس(٣٨) وقوله: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله)هود(١٣) وقوله تعالى: (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه)القصص(٤٩) و قوله سبحانه: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله)الإسراء(٨٨) و مع هذا عجزوا عن ذلك . وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله قال: «ما من نبي من الأنبياء إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة».
2:24Page 4
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ٢٤
But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is people and stones, prepared for the disbelievers.
٢٤ - ﴿فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ﴾ أي: إن لم تطيقوا ذلك لعجزكم عن معارضته والإتيان بمثله، ولن تطيقوا ذلك أبداً، لظهور إعجازه. وجملة: (لن تفعلوا) :اعتراضية.و (لن): لنفي التأبيد في المستقبل، حيث أخبر خبراً جازماً قاطعا قبل محاولتهم، أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الدهر.﴿فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ﴾ بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. ﴿ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ ﴾ أي: حطبها الناس والحجارة ، وهي: الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله، فهي توقد بنفس ما يراد إحراقه بها. والوقود: ما توقد به النار و ترفع لإضرامها كالحطب، كما في قوله تعالى: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا)الجن(١٥). والمراد بالحجارة: الأصنام والأنداد التي اتخذوها آلهة، وقد قرنت بهم في العذاب في الآخرة كما اقترنوا بها في الدنيا، وهو نظير قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)الأنبياء(٩٨) أي: حطبها ووقودها.﴿أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: أحضرت أو هيئت، أو أرصدت وحُصِّلت للكافرين بالله ورسوله، يعذبون بها. وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن، وأن الجنة والنار مخلوقتان. و في الآية : أن الموحدين و إن ارتكبوا بعض الكبائر لا يخلدون في النار، لقوله : (أعدت للكافرين) .
2:25Page 5
وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥
And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.
٢٥ -﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ أي: أخبر -يا محمد- الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا بالله ورسله وعملوا الأعمال الصالحة المستقيمة من فروض ونوافل، بما يسرهم.والتبشير: الإخبار بما يظهر أثره على البشرة - أي: بشرة المخبَر به - من البشر والسرور.وأصل البشارة: الخبر السار، ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها صلاح حال العبد وأموره في دينه ودنياه. والصالحات: ما استقام من الأعمال، أي: صلح، لترتب الثواب عليه. و السلف: على أن الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص.﴿أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ ﴾ أي: بأن لهم بساتين وحدائق تجري من تحت أشجارها، ومساكنها وغرفها وقصورها، الأنهار، أي: مياه الجنة.و الجنات: جمع جنة، وهي كل بستان ذي شجر متكاثف، ملتف الأغصان يظلل ما تحته ويستره، مأخوذ من الجن وهو ستر الشيء عن الحاسة. وهي اسم لدار الثواب التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. والأنهار: جمع نهر وهو الموضع الذي يجري فيه الماء، وسمي كذلك، لأن الماء ينهره، أي: يحفره، وإسناد الجري إليه مجاز. وفي الصحيحين:«أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا﴾ أي: كلما أطعموا من تلك الجنات من أي نوع من أنواع الثمرات ﴿قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ ﴾ أي: هذا مثل ما رزقنا قبله في الجنة من ثمارها - من جنسه ووصفه- لشدة مشابهة ومناظرة بعضه بعضا. أو: هذا مثل ما رزقنا قبله في الدنيا، لمشابهه ثمار الجنة ثمار الدنيا في الشكل والجنس فقط، أما الذوق والطعم والحجم فمختلف.﴿وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ ﴾ أي: وجيئوا بالرزق يشبه بعضه بعضا في اللون والمنظر ويختلف في اللذة والطعم، أو: يشبه بعضه بعضا في الشرف والحسن واللذة والفكاهة والمزية. وقيل: يشبه ثمار الدنيا غير أن ثمار الجنة أطيب وأجود. وعن ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء».﴿وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ ﴾ أي: نساء مختصات بهم من الحور العين طاهرات مطهرات غاية التطهر من كل دنس وقذر وأذى حسي ومعنوي، لا كنساء الدنيا. وأزواج: جمع زوج، ويطلق على الذكر والأنثى، قال تعالى: (اسكن أنت وزوجك الجنة)البقرة ( ٣٥ ). ﴿وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون أو باقون أبداً لا يفنون ولا يخرجون ولا ينقضي نعيمهم. والخلود : البقاء الدائم الذي لا ينقطع.
2:26Page 5
۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦
Indeed, Allāh is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller1 than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allāh intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,
٢٦ - أسباب نزول الآية:قيل في سبب نزولها: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، وهما قوله تعالى: (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً)، وقوله: (أو كصيب من السماء) الآيات، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية رداً عليهم إلى قوله: (هم الخاسرون).وقيل: لما ذكر الله تعالى في كتابه الذباب والعنكبوت، وضرب المثل بهما في قوله: ( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له)الحج(٧٣)، وقوله: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً)العنكبوت(٤١)، قال أهل الضلالة- من المشركين واليهود-: ما أراد الله من ذكر هذا؟ وفي رواية: ما بال الذباب والعنكبوت يذكران؟ وفي رواية: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت، فنزلت الآية.﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ﴾ أي: ليس الحياء بمانع لله تعالى من أن يضرب مثلاً ما، أيّ مثل كان ، بعوضة فما فوقها في الحجم، أو في الصغر والحقارة. وقيل: إن الله لا يستحيي من الحق أن يضرب مثلاً ما، أو إن الله لا يستنكف أو لا يخشى أن يضرب مثلاً ما، أيَّ مثل كان، بأي شيء كان، صغيرا أو كبيرا، حقيراً أو عظيماً. أو: إن الله لا يستصغر شيئا يذكر به مثلاً ولو كان في الحقارة والصغر، كالبعوضة. وقيل: إن الله لا يترك ضرب الأمثال، أيَّ مثل كان للعظة والعبرة، أي: لا يترك بيانه لما فيه من الحكم وإيضاح الحق وجلائه.والاستحياء: من الحياء، وهو تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب ويذم به فيؤدي إلى ترك الفعل. أو هو انقباض النفس عن القبائح.وفي الآية: إثبات صفة الحياء لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله وكماله، إثباتا بلا تمثيل و تنزيها بلا تعطيل (ليس كمثله شيء و هو السميع البصير )الشورى (١١). ومذهب السلف فيه: إمرار هذا وأمثاله على ما ورد، وتفويض علم كنهه وكيفيته إلى الله تعالى، مع وجوب تنزيهه سبحانه عما لا يليق بجلاله وكماله من صفات المحدثات. واختار جمع من المفسرين تأويله بإرادة لازمه، وهو ترك ضرب الأمثال بها، أي: إن الله لا يترك ضرب الأمثال بها وقالوا: إن معنى الاستحياء محال في حقه تعالى، فيصرف اللفظ إلى لازم معناه، وهو الترك.قلت: و الأول: أولى و أسلم و أحكم، لأنا نثبت لله ذاتا لا تشبه الذوات، فكذلك نثبت له صفات لا تشبه الصفات ، إذ الصفة فرع الذات.و(مثلاً): يطلق على المثل ومنه التمثيل، وعلى القول السائر والصفة التي بلغت مبلغ المثل في الغرابة والشيوع. و(ما): قيل: للتقليل، وتكون (بعوضة) منصوبة على البدل، كقولك: لأضربن ضرباً ما، فيصدق بأدنى شيء. والتقدير: أي مثل كان، بأي شيء كان. وقيل: (ما) نكرة موصوفة ببعوضة، أو هي لتأكيد الصغر والحقارة. وقيل: يجوز أن تكون (بعوضة) منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام:«إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها». و(بعوضة): ضرب من الذباب، يطلق على البق وعلى الناموس.وقوله :(فما فوقها): فيه قولان:أي: فما دونها في الصغر والحقارة ، وهو المعنى الذي وقع التمثيل فيه، وفي الحديث: «لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافراً منها شربة ماء».أو : لما هو أكبر منها في الحجم، ويؤيده: ما رواه مسلم عن عائشة، أن رسول الله ﷺ قال:«ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة». وقد أخبر الله تعالى أنه لا يستصغر شيئاً يضرب به مثلاً، ولو كان في الصغر والحقارة كالبعوضة، فكما لا يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت، وهذه المخلوقات فيها من دلائل القدرة وبدائع الصنعة ما تحار فيه العقول، وتشهد بحكمة الخالق جل وعلا. قال تعالى: (ألا له الخلق والأمر)الأعراف ( ٥٤).﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ﴾ أي: فأما المؤمنون فيعلمون يقينا أنه، أي: المثل، هو الحق الثابت من عند الله الذي لا يسوغ إنكاره.﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ﴾ أي: وأما الكفار الجاحدون فيقولون: أي شيء يريد الله بهذا المثل؟ وأي فائدة فيه؟.وهذا كقوله تعالى: (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلاً)المدثر(٣١). ﴿يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ﴾ أي: أراد الله بهذا المثل أن يضل أقواماً عن الحق، لكفرهم به، ويهدي أقواماً من المؤمنين، لتصديقهم به. فهو لقوم محنة وحيرة وضلالة وزيادة شر إلى شر، ولقوم منحة ويقين ورحمة وهدى، وزيادة خير إلى خير.وعن ابن عباس: (يضل به كثيرا) يعني: المنافقين، (ويهدي به كثيرا) يعني : المؤمنين. فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم، لتكذيبهم بما قد علموه يقيناً من المثل الذي ضربه الله، ويزيد أولئك هدى إلى هداهم، لتصديقهم بما ضرب الله مثلاً.﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ أي: الخارجين عن طاعته المعاندين لرسله، الذين فسقوا فأضلهم الله على فسقهم. أي: اقتضت حكمته إضلالهم، لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضى فضله هداية المؤمنين. والإضلال: خلق فعل الضلال في العبد، كما أن الهداية: خلق الاهتداء فيه.والفسق: لغة: الخروج عن الشيء، من قولهم: فسق الرطب فسوقاً- من باب قعد قعوداً-: إذا خرج عن قشره. ويقال للفأرة: فويسقة، لخروجها عن جحرها للفساد. وفي الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور».وشرعاً: الخروج عن طاعة الله عز وجل. ويقع بالقليل والكثير من الذنوب، ولكن تعورف فيما كان كثيرا، وهو أعم من الكفر، فيقال للعاصي: فاسق، وللكافر: فاسق، لخروجه عما ألزمه العقل واقتضته الفطرة. وفسق الكافر أشد وأفحش.والفسق نوعان: نوع مخرج من الدين والإيمان كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)الحجرات (٦)، و(الفاسقين): المراد هنا: الكفار جميعا، أو: المنافقون، أو: أحبار اليهود بدليل الأوصاف في الآية التالية.
2:27Page 5
ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧
Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.
٢٧ - ﴿ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ﴾ أي: صفة هؤلاء الفاسقين أنهم ينقضون ما عهده الله إليهم، بعد توكيده عليهم، في الكتب من الإيمان والتصديق بمحمد ﷺ، أو بما أوجبه الله على الناس على لسان رسله وأنبيائه، أو بما أقامه من الأدلة على ألوهيته وربوبيته وتوحيده، أو بما عهد إليهم في القرآن فأقروا به، والتزموا الطاعة والمتابعة، ثم كفروا به فنقضوه.واختلف المفسرون في معنى العهد والنقض على أقوال:فقيل: العهد:هو وصية الله إلى خلقه، بما أمر من طاعته، ونهى عن معصيته، والنقض: هو ترك العمل به.وقيل: العهد: هو ما أخذه عليهم في التوراة والإنجيل من العمل بهما، والإيمان والتصديق بمحمد ﷺ، والنقض: هو جحودهم وإنكارهم بعد معرفتهم حقيقة الأمر، وكتمانهم علم ذلك على الناس.وقيل: العهد: هو الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم في قوله: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا)الأعراف(١٧٢)، والنقض: هو تركهم الوفاء به.وقيل: العهد: ما عهد إليهم في القرآن من الطاعة والمتابعة، والنقض: هو كفرهم به.وقيل: العهد: هو ما أقام لهم من الأدلة على توحيده وألوهيته وربوبيته، وبما أوجبه على لسان رسله وأنبيائه، وما احتج لهم من المعجزات الدالة على صدقهم، والنقض: هو تركهم الإقرار بالأدلة مع علمهم بصحتها، وتكذيبهم الرسل والأنبياء مع علمهم بصدقهم.والنقض لغة : هو الفسخ والحل وفك الترتيب، وأصل الاستعمال في الحبل،ثم استعير للعهد، لمشابهته إياه. وعلى هذا فالنقض هو إفساد أو فسخ وإبطال ما أبرم من بناء أو حبل أو عهد.والعهد لغة: اسم للموثوق الذي يلزم مراعاته وحفظه. يقال: عهد إليه في كذا، إذا أوصاه به ووثقه عليه. وعهد الله: تارة يكون بما ركز في العقول من الحجة على التوحيد، وتارة يكون بما أوجبه الله على الناس على لسان رسله وأنبيائه، وتارة بما يلتزمه المسلم وليس بلازم له في أصل الشرع مما ليس بمعصية، كالنذور وما يجري مجراها. وميثاق العهد: أي توكيده والمراد: العهد المؤكد. ﴿وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ﴾ من الأرحام والقربات وموالاة المؤمنين أو بكل ما أمر الله بوصله وفعله. ﴿وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ بالمعاصي والفسق والقطيعة والصد عن سبيل الله وعن الإيمان. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ بمصيرهم إلى النار في الآخرة، وحرمانهم رحمة الله يوم القيامة. والخاسرون: جمع خاسر.قال ابن جرير: هم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته. ونظير هذه الآية قوله تعالى: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار)الرعد( ٢٥ ).و الخسار نوعان : خسار كفر، وحقيقته: أن من لا إيمان له لا عمل له، فالعمل الصالح شرطه الإيمان وهو المذكور في الآية. و خسار معصية كما في قوله تعالى : (إن الإنسان لفي خسر)العصر(٢)، و حقيقته: فوات الخير الذي كان العبد بسبب تحصيله و هو تحت إمكانه .
2:28Page 5
كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٨
How can you disbelieve in Allāh when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.
٢٨ -﴿كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ﴾ أي: كيف تجحدون وجوده، وقدرته ونعمه، وتعبدون معه غيره. والاستفهام ب«كيف» للإنكار عليهم والتوبيخ، أو للتعجب من حالهم وكفرهم مع قيام البرهان عليهم. ﴿وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ﴾ أي: وقد كنتم قبل أن تخلقوا عدما، أي: نطفا في الأصلاب، فأخرجكم إلى الوجود، أي: بنفخ الروح فيكم في الأرحام. وأنعم عليكم بأصناف النعم.﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ﴾ أي: موتة الحق عند انقضاء آجالكم، واستكمالها ﴿ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ﴾ أي: حين يبعثكم يوم القيامة بعد البعث والنشور للحساب والجزاء ﴿ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ أي: تردون بعد البعث، وتحشرون في الموقف عند الله، فيجازيكم بأعمالكم الجزاء الأوفى.وهذا نظير قوله تعالى: (ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين)غافر(١١). قال ابن عباس: كنتم ترابا قبل أن يخلقكم فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه حياة أخرى.[وفي قراءة: (تَرجِعون)- بفتح التاء وكسر الجيم-] أي: تعودون بالبعث والنشور.
2:29Page 5
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٩
It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself1 to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.
٢٩ - ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا﴾ أي: خلق لأجلكم الأرض وما فيها وما عليها، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار، فضلاً منه ونعمة، وبرا بكم ورحمة.و في الآية:دليل على أن الأصل في الأشياء : الإباحة و الطهارة ، لأنها ذكرت في معرض الامتنان. و يخرج بمفهوم الآية:الخبائث و المحرمات.﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾ بعد خلق الأرض،استواء يليق بجلاله وكماله، أي: قصد إلى خلقها بإرادته قصدا سويا بلا صارف عنه. وقيل: علا إليها وارتفع، من غير تكييف ، ولا تحديد ، ولا تشبيه ولا تمثيل، مع كمال التنزيه عن صفات المحدثات.والاستواء: الارتفاع والعلو على الشيء، ومنه قوله تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك)المؤمنون(٢٨). والاستواء هنا متضمن معنى القصد والإقبال، لأنه عدي ب «إلى».و (استوى):وردت في القرآن على معان ثلاثة:الكمال و التمام،كما في قوله تعالى : (ولما بلغ أشده واستوى )القصص(١٤)، فلا تعدى بحرف.العلو والارتفاع، كما في قوله تعالى:(الرحمن على العرش استوى)طه(٥)، وقوله:(لتستووا على ظهوره)الزخرف(١٣)، فتعدى ب «على».القصد ، كما في هذه الآية ، وتعدى ب «إلى».والسماء: اسم جنس، والمراد: الأجرام العلوية، أو: جهة العلو.﴿فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ﴾ أي: أتمهن، وقومهن، وأحكمهن، وأتقنهن، وعدل خلقهن فلا اعوجاج فيه. وقيل: صيرهن وخلقهن سبع سماوات ، كما في قوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات)فصلت(١٢).﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ أي: علمه محيط بجميع ما خلق جملة وتفصيلاً، فخلقه للمخلوقات دليل على علمه وحكمته وقدرته.
2:30Page 6
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠
And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "Indeed, I will make upon the earth a successive authority."1 They said, "Will You place upon it one who causes corruption therein and sheds blood, while we exalt You with praise and declare Your perfection?"2 He [Allāh] said, "Indeed, I know that which you do not know."
٣٠ -﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ﴾ أي: واذكر يا محمد- لقومك- حين قال ربك للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ﴾ أي: آدم عليـه السلام وذريته ، لأنه يخلف بعضهم بعضا في عمارة الأرض.وقيل: آدم عليه السلام ، وسائر الأنبياء والمرسلين، لأنهم خلفاء الله في عمارة الأرض، وسياسة الناس، وإجراء أحكامه عليهم وتنفيذ أوامره فيهم.وقد خاطب الله الملائكة هذا الخطاب، لاستخراج ما عندهم لا للمشورة، لأنه جل وعلا لا يسأل عما يفعل.و قيل : خاطبهم بذلك لتعليم العباد المشورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها. و قيل: لتعظيم شأن المجعول في الأرض خليفة، و هو آدم عليه السلام.والملائكة: جند من خلق الله، ركز الله فيهم العقل والفهم، وفطرهم على الطاعة، وأقدرهم على التشكل بأشكال مختلفة ، وعلى الأعمال العظيمة الشاقة ، ووصفهم بالقرآن بأوصاف كثيرة منها: (يسبحون الليل والنهار لا يفترون)الأنبياء(٢٥)، (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون)التحريم(٦) ومنها: أنهم رسل الله أرسلهم بأمره، ومنهم: رسل الوحي إلى من اصطفاهم من خلقه للنبوة والرسالة، قال تعالى: (جاعل الملائكة رسلاً)فاطر(١)، وقال تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس)الحج(٧٥)، وقال: (ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده)النحل(٢).والملائكة: جمع ملك، والتاء لتأنيث الجمع، وأصله: ملأك من ملك، نحو شمأل من شمل، والهمزة زائدة، وهو مقلوب مألك، ثم سهل فقيل: ملك. وقيل: إن ملأك، من لأك إذا أرسل، ومنه: الألوكة، أي: الرسالة.و خليفة : هو من يخلف غيره، وينوب منابه، كقولك: خلف فلان فلانا في الأمر، إذا قام فيه مقامه، فهو فعيل بمعنى فاعل، والتاء فيه للمبالغة، والمراد به: آدم عليه السلام وسائر الأنبياء والمرسلين، استخلفهم الله في الأرض لتنفيذ أوامره وأحكامه.وقيل: آدم وذريته، لأنه يخلف بعضهم بعضا في عمارة الأرض، واستغنى بذكره - في قوله: (خليفة)-عن ذكر ذريته، لكونه الأصل . و هذا كقوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف الأرض)الأنعام(١٦٥)، و قوله: (ويجعلكم خلفاء الأرض)النمل(٦٢). ﴿قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا﴾ أي: بالشرك وفعل المعاصي والخروج عن سنن الهدى ﴿وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ﴾ أي: يريقها بالقتل عدواناً وظلماً.وهذا السؤال من الملائكة هو سؤال استعلام واستكشاف- على وجه الاسترشاد- عن الحكمة في هذا الاستخلاف، مع ما سيترتب عليه من الإفساد وسفك الدماء. وقيل: هو سؤال على وجه التعجب من فعل بني آدم.وقد عرف الملائكة أن ذلك- أي: الإفساد في الأرض وسفك الدماء- كائن من بني آدم، بإخبار من الله تعالى لهم، أو إلهام. وقيل: بما فهموه من الطبيعة البشرية، أو بما فهموا من معنى الخليفة الذي يفصل بين الناس في المنازعات والمظالم، فكان ظنا منهم أن المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك. والفساد: الخروج من الاعتدال والاستقامة، ويضاده: الصلاح.يقال: فسد الشيء فساداً وفسودا، وأفسده غيره.والسفك: الصب والإهراق، يقال: سفكت الدم والدمع سفكاً- من باب ضرب- أي: صببته، والفاعل منه: سافك وسفاك- والمراد منه: حصول التقاتل بين بني آدم عدواناً وظلماً.﴿وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ﴾ أي: و الحال أننا ننزهك عما لا يليق بعظمتك وجلالك، تنزيهاً متلبساً بحمدك والثناء عليك ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَۖ ﴾ أي: ونطهر ذكرك عما لا يليق بكمالك وجلالك، تعظيماً لك وتمجيداً. وقيل: نقدس لك أنفسنا، أي: نطهرها لك بكريم الأخلاق وحميد الصفات، كمحبة الله وخشيته وتعظيمه ، أي:فنحن أحق بالاستخلاف من آدم وذريته.و (نسبح) أي: نعظم، وكل ذكر لله عز وجل فهو تسبيح وصلاة. وأصل التسبيح: التنزيه، من إضافة ما ليس من صفة الموصوف إليه. وهو: تنزيه الله من السوء على وجه التعظيم والإكبار، وهو مشتق من السبح، وهو المر السريع في الماء أو في الهواء، فكأن المسبح مسرع في تنزيه الله وتبرئته من كل سوء. والتقديس: التطهير، ومنه: الأرض المقدسة ، أي: المطهرة ، وروح القدس، واسم الله تعالى: القدوس، أي: الطاهر. واللام في «لك» لتأكيد التخصيص. وقيل: التقديس: التعظيم .وفي الحديث عند مسلم عن أبي ذر الغفاري، أن رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: «ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده».وروى البيهقي أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به سمع تسبيحا في السموات العلا:«سبحان العلي الأعلى، سبحانه وتعالى».﴿قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ أي: سبق في علم الله تعالى من الحكمة في خلق الخليقة أنه سيكون في تلك الخليقة- مع ما ذكر من المفاسد وسفك الدماء- أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة ، فهو أعلم بالظواهر والسرائر. وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية: على وجوب نصب الخليفة، ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، وينفذ أحكام الله وأوامره، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بإمام للمسلمين، وفقاً للقاعدة الأصولية: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ثم أظهر لهم طرفا من فضائل هذا المجعول في الأرض خليفة، لتنزاح الشبه بالكلية فقال:
2:31Page 6
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١
And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."
٣١ -﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا﴾ أي: ألهمه معرفة أسماء الأشياء والمخلوقات ومسمياتها- أي: الألفاظ والمعاني- كلها، من ذواتها، ومنافعها، وصفاتها، وأجناسها، وأنواعها، وخواصها، وأفعالها.وفي الصحيحين من حديث الشفاعة، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء».﴿ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ﴾ أي: سألهم عن أسماء المسميات التي علمها آدم عليه السلام امتحانا لهم ﴿فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ﴾ أي: فقـال لهـم-على سبيل التبكيت والتعجيز-: أخبروني بأسماء هذه المسميات ﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ في قولكم وظنكم أني لا أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه وأفضل. أو أنكم أحق بالخلافة منه.
2:32Page 6
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢
They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing,1 the Wise."2
٣٢ -﴿قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ ﴾ أي: فلما اعترفوا بعجزهم وقصورهم، قالوا: تنزيهاً لك عن أن يكون أمرك وفعلك لغير حكمة، أو عن عدم قدرتك على خلق من هو أعلم منا وأفضل، أو عن أن يحيط أحد بشيء من علمك إلا بما شئت، فإنه لا علم لنا بشيء إلا ما علمتنا إياه فضلاً منك وجوداً.أو: ننزهك من الاعتراض عليك ومخالفة أمرك.وسبحان: مصدر من الثلاثي سبح- مخففاً- بمعنى: نزه أو بمعنى: إسراعاً إليك، وخفة في طاعتك، والرضا بفعلك، كما يفعل السابح في الماء والهواء.﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ أي: العليم الذي أحاط علمه بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك. والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences