Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:33–50
2:33Page 6
قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣
He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."
٣٣ -﴿قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ﴾ أي: أمر الله تعالى آدم عليه السلام أن يخبر الملائكة بأسماء المسميات التي تعلمها. قيل: فسمى كل شيء باسمه، وذكر حكمته التي خلق لها.﴿فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ﴾ أي: فلما أخبرهم بها، إظهارا لأحقيته في الاستخلاف في الأرض التي من شأنها أن توجد فيها هذه المسميات.﴿قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: قال الله تعالى للملائكة: ألم أتقدم إليكم أني أعلم ما غاب في السموات والأرض عن إدراك المخلوقين، ومن جملته تفضيل آدم وذريته بالعلم ﴿وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ﴾ أي: وأعلم مع علمي غيب السموات والأرض- ما تظهرون من قولكم: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء). ﴿وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ﴾ أي: وأعلم ما أسر إبليس في نفسه من الكبر عن طاعة الله والاغترار. وقد أخرج الخبر عن الواحد (وهو إبليس) مخرج الخبر عن الجميع. أو: أعلم ما تسرون في نفوسكم من قولكم: لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم.
2:34Page 6
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He refused and was arrogant and became of the disbelievers.
٣٤ - ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ﴾ أي: واذكر يا محمد حين أمر الله الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام سجود تحية وسلام وإكرام وإعظام، اعترافا بفضله، لا سجود صلاة وعبادة وتعظيم. والسجود: لغة: التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره.وشرعاً: مخصوص بوضع الجبهة في الأرض بقصد العبادة. والأظهر:أن المأمور به: السجود بالمعنى اللغوي، وهو التواضع والخضوع لآدم تحية وتعظيما، وإقرارا له بالفضل، دون وضع الجباه على الأرض، وهو كسجود إخوة يوسف له في قوله: (وخروا له سجدا) يوسف(١٠٠)، أي: بالانحناء وقد كان مشروعا في الأمم السابقة، ونسخ في ملة الإسلام، وجعلت التحية: السلام والمصافحة. وهذا الأمر من الله بالسجود فيه كرامة عظيمة لآدم، امتن الله بها على ذريته، وهو ابتلاء واختبار، ليميز الله الخبيث من الطيب، وينفذ ما سبق به العلم، واقتضته الحكمة والمشيئة. وفي حديث الشفاعة «وأسجد لك ملائكته». أخرجه مسلم من حديث أنس .﴿فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ﴾ أي: فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ﴿أَبَىٰ﴾ أي: رفض السجود وامتنع منه ﴿وَٱسۡتَكۡبَرَ﴾ أي: تكبر وتعاظم في نفسه السجود لآدم واستكبر عن أمر الله، وقال: أنا خير منه. فقد حسد إبليس آدم عليه السلام على ما أعطاه الله من الكرامة، وكان بدء الذنوب: الكبر.وفي الحديث: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر». ﴿وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: في علم الله تعالى. وقيل: صار من الكافرين بسبب امتناعه وتكبره. وقيل: كان من العاصين.و إبليس: هو أبو الجن ، مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس . وقيل: الإياس من الخير، وفعله: أبلس. ولم ينصرف، لأنه معرفة، ولا نظير له في الأسماء فأشبه الأعجمية منها.وقيل: هو أعجمي لا اشتقاق له، فلم ينصرف للعلمية والعجمة.ودخول إبليس في خطاب الملائكة- بالأمر بالسجود- وإن لم يكن من عنصرهم، لأنه كان بينهم وقد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم. قال ابن عباس: كان إبليس من الملائكة، واسمه «عزازيل»، ثم أبلس بعد فسمي «إبليس» ، لأن الله أبلسه من الخير كله، أي: آيسه منه. وفي الآيات إرشاد لما يلي:إثبات صفة الكلام لله تعالى، وأنه كان و لم يزل متكلما، يقول ما شاء، ويتكلم بما شاء.أنه تعالى عليم حكيم، فعلمه محيط بكل شيء، وله الحكمة التامة في خلقه وأمره، وأن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في المخلوقات والمأمورات، فالواجب عليه التسليم والإقرار لله بالحكمة.اعتناء الله بالملائكة، وإحسانه إليهم ، بتعليمهم ما جهلوه و تنبيههم على ما لم يعلموه.فضل العلم، وفيه: أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم وأمرهم بالسجود له، إكراماً و إجلالا، لما بان فضل علمه.الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن، وعداوة إبليس لآدم وذريته. أفاده السعدي في «تيسيره».
2:35Page 6
وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥
And We said, "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat therefrom in [ease and] abundance from wherever you will. But do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."
٣٥ - ﴿وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ﴾ أي: اتخذ أنت وزوجك- حواء- الجنة مسكنا. و(زوجك) أي: زوجتك، والعرب تقول للمرأة: زوج. و(الجنة): أجمع جمهور أهل السنة على أنها جنة المأوى في السماء، وذهب آخرون: إلى أنها بستان في الأرض خلقه الله امتحانا لآدم وزوجه، والأحوط: الكف عن تعيينها والقطع به.﴿وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا﴾ أي: أكلاً طيباً كثيرا واسعاً هنيئاً لا حجر فيه ولا عناء، مـن أصناف الفواكه والثمـار ﴿حَيۡثُ شِئۡتُمَا﴾أي: من أي مكان شئتما من الجنة. يقال: رغد عيشه- كسمع وكرم- رغْداً ورغَداً- بسكون الغين وفتحها- أي: اتسع وطاب. وأرغد القوم: أخصبوا وصاروا في رغد من العيش وسعة.﴿وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ﴾ أي: بالأكل منها- لحكمة يعلمها الله، أو: امتحاناً و ابتلاء من الله تعالى لهما.و قوله:(ولا تقربا): النهي عن القرب، فيه: سد للذريعة وقطع للوسيلة، ولذا جاء به عوضا عن الأكل وقد يكون النهي عن الأكل من الشجرة ابتلاء من الله لآدم وزوجه، وبيان أن هذه الحياة ،حياة ابتلاء واختبار، كقوله تعالى: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)الملك(٢).و (الشجرة): أبهم القرآن تعيينها، ولم يقم عليه دليل، فالأولى: عدم التعيين والقطع به، إذ لا يترتب على معرفتها شيء من الفائدة. والتاء فيها: قيل: للوحدة الشخصية، ولذلك ظن آدم أنه إنما نهي عن عينها، فأكل غيرها من جنسها. وقيل: للوحدة النوعية، فأكل منها ناسيا أو متأولاً أن النهي نهي إرشاد فقط.﴿فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: فتصيرا من الظالمين أنفسهم بالمعصية. وفيه دليل على أن النهي للتحريم، لترتيب الظلم عليه. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه.
2:36Page 6
فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦
But Satan caused them to slip out of it and removed them from that [condition] in which they had been. And We said, "Go down, [all of you], as enemies to one another, and you will have upon the earth a place of settlement and provision for a time."
٣٦ - ﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا﴾ [وفي قراءة: (فأزالهما) بالألف بعد الزاي وتخفيف اللام] أي: أذهبهما وأبعدهما عن الجنة بكذبه عليهما ومقاسمته إنه لهما لمن الناصحين.أو: أوقعهما في المخالفة والزلل بسبب الشجرة، وذلك بتزيينه لهما الأكل منها ووسوسته.والوسوسة: حديث النفس والأفكار. وأزل: من الإزلال ، وهو الإزلاق، يقال: زل يزل زلا وزللا، أي زلق في طين أو منطق، والاسم منه: الزلة. ويقال: أزله غيره واستزله: أي: أزلقه فيه. أطلق وأريد به: لازمه، وهو الإذهاب والإبعاد. فيكون الضمير -على هذا المعنى- في قوله: (عنها) :عائد إلى الجنة. ويشهد له: قراءة: (فأزالهما) أي: نحاهما. وهو من الإزالة، كقولك: أزلت الشيء عن مكانه إزالة ، أي: نحيته وأذهبته عنه.وقيل: أزل من الزلة وهي الخطيئة، كقولك: زل الرجل في الأمر، إذا هفا فيه وأخطأ، وأتى ما ليس له إتيانه. وأزله غيره، إذا سبَّب له ذلك. فيكون الضمير- على هذا المعنى - في قوله: (عنها) : عائد على الشجرة، كقوله تعالى: (يؤفك عنه من أفك)الذاريات(٩) ،أي يصرف بسببه من هو مأفوك، أي: مصروف.﴿فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ ﴾ أي: من النعيم والكرامة والرغد والرزق الهنيء والراحة، أو: من الجنة.ونسب ذلك الإخراج إلى الشيطان لأنه تولى إغواء آدم- حتى أكل من الشجرة- بوسوسته، ومقاسمته لهما إنه لمن الناصحين، وادّعائه لهما أنها شجرة الخلد وملك لا يبلى.﴿وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ﴾ أي: أمر الله تعالى آدم وزوجه- وتتبعهما الذرية- بالخروج من الجنة العالية إلى الأرض، أي من دار النعيم والرغد إلى دار التعب والنصب.واهبطوا : من الهبوط: وهو النزول من أعلى إلى أسفل، وضده: الصعود.يقال: هبط، يهبِط ويَهبُط- بكسر الباء و ضمها- أي: نزل من علو إلى أسفل، وهذا كقوله: (قال اهبطا منها جميعاً)طه(١٢٣)، وقوله: (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو)الأعراف(٢٤).﴿بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ ﴾ أي: آدم وذريته، أعداء لإبليس وذريته. وقيل: بعض ذرية آدم يعادي ويظلم البعض الآخر، عداوة إيمان وكفر. والعدو: خلاف الصديق.والعدوان: الظلم الصراح. وفي الآية: تحذير لبني آدم من الشيطان وذريته ، كما في قوله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً)فاطر(٦)، وقوله: (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو)الكهف(٥٠).﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ﴾ أي: مسـكن ومنزل وموضع وقرار.﴿وَمَتَٰعٌ﴾ أي: ما يستمتع به من المأكول والمشروب والملبوس، أو الأرزاق والآجال.والمتاع: اسم لما يستمتع به من أكل وشرب، ولبس، وحياة، وأنس، وغير ذلك، مأخوذ من متع النهار متوعاً: إذا ارتفع، ويطلق على الانتفاع الممتد الوقت.﴿إِلَىٰ حِينٖ﴾ أي: إلى وقت انقضاء آجالكم بالموت.وقيل: إلى قيام الساعة. وفيها: أن الحياة الدنيا معبر للآخرة فلا تعمر للاستقرار والقرار.
2:37Page 6
فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧
Then Adam received from his Lord [some] words,1 and He accepted his repentance. Indeed, it is He who is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.
٣٧ - ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ﴾ أي: ألهمـه الله ولقنه أن يقول كلمات التوبة والاستغفار ، المفسرة بقوله تعالى: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)الأعراف(٢٣). فاستقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها. وتلقى: أي أخذ وقبل، مأخوذ من تلقى الرجل، إذا استقبله عند قدومه من سفر، ومعناه: القبول.وعن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: (كلمات) أنها:«سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، فانه لا يغفر الذنوب إلا أنت».[وفي قراءة ابن كثير: ( فتلقى آدمَ من ربه كلماتٌ) بنصب آدم ورفع كلمات] أي: جاءه كلمات من ربه وهي: (ربنا ظلمنا أنفسنا) الآية. فدعا بها.﴿فَتَابَ عَلَيۡهِۚ﴾ أي: رجع الله عليه بالرحمة، وقبل منه توبته، بعد أن اعترف بذنبه، وسأل الله مغفرته.والتوبة: الإنابة والأوبة، والرجوع إلى الطاعة.﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ﴾ أي: الذي يتوب على من تاب إليه من عباده وأناب، ﴿ٱلرَّحِيمُ﴾ بعباده، ومن رحمته بهم أن وفقهم للتوبة وعفا عنهم وصفح.و(التواب): الرجاع على عباده بقبول توبتهم، أو بإعانتهم وتوفيقهم إليها. ويقال للعبد: تواب، أي كثير التوبة والندم، والاستغفار من الذنوب، مأخوذ من التوب: وهو الرجوع، لرجوعه إلى ربه بالتوبة وترك الذنب.و شروط التوبة في الشرع: أربعة:ترك الذنب والإقلاع عنه .الندم على فعله.العزم على ترك معاودته.تدارك ما فات من حقوق العباد، قدر الاستطاعة والإمكان. وتوبة الله تكون بتوفيقه العبد لها أولاً، ثم قبولها إذا اجتمعت شروطها ثانيا.
2:38Page 7
قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨
We said, "Go down from it, all of you. And when guidance comes to you from Me, whoever follows My guidance - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
٣٨ -﴿قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ ﴾ أي: أمر الله تعالى آدم وزوجه وإبليس- وتتبعهم ذريتهم- بالخروج من الجنة إلى الأرض. وذكر هذا الإهباط الثاني، لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول.وقيل: إنه تأكيد وتكرير للمعنى الأول.﴿فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى﴾ أي: الأنبياء والرسل والكتب والبينات والبيان.والخطاب لذرية آدم، أو للإنس والجن.﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ أي: من آمن بي وبرسلي، وأقبل على ما أنزلت من الكتب وعمل بها وصدق بما جاء فيها، ممتثلاً أوامري مجتنباً نواهي. ﴿فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: فيمـا يستقبلونـه من أمـر الآخرة. [وفي قراءة: (فلا خوفَ) بفتح الفاء]. والخوف: الذعر، ولا يكون إلا فيما يستقبل من الأمور. ﴿وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ أي: على ما فاتهم من أمور الدنيا. والحزن: ضد السرور ولا يكون إلا فيما مضى من المكروه. والآية كقوله تعالى: (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)طه(١٢٣) أي: لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، فرتب على اتباع الهدى أربعة أشياء: نفي الخوف، والحزن، والضلال ، والشقاء ، فثبت ضدهم: الأمن والسرور والهدى والسعادة.
2:39Page 7
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٩
And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."
٣٩ -﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ﴾ أي: كفروا بالله ورسله ولم يقبلوا هدايته، ولا عملوا بكتبه المنزلة.﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها لا يفنون ولا يخرجون ، لا محيد لهم عنها ولا محيص. وصحبة النار: بمعنى الاقتران والملازمة لها. وفي الحديث عند مسلم عن أبي سلمة، قال رسول الله ﷺ:«أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون». والآية كما في قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا...)طه(١٢٤).وفي الآيات: دليل على أن الجن كالإنس في الثواب والعقاب والسعادة والشقاء، لأنهم مثلهم في الأمر والنهي والتكليف.
2:40Page 7
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.
٤٠ -﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي: يا بني يعقوب- عليه السلام- فالخطاب عن الآباء ، والمراد: الأبناء ومن تبعهم وأتـى بعدهم. ﴿ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي: على آبائكم من النجاة من فرعون وقومه، وفلق البحر، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى، وجعل الأنبياء والرسل فيهم، وإنزال الكتب عليهم ، وذلك بأن تشكروها بطاعتي وامتثال أوامري. والذكر يكون بالقلب اعترافا وباللسان ثناءً، وبالجوارح استعمالا فيما يحب الله ويرضى.و(إسرائيل): هو يعقوب بن إسحق ابن إبراهيم عليهم السلام، ومعناه: عبد الله. وفي الحديث عن ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله ﷺ فقال لهم:«هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟» قالوا: اللهم نعم، قال: «اللهم اشهد». وهذا كقول موسى عليه السلام لهم: (يا قوم اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً)المائدة(٢٠). ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ﴾ أي: أدوا ما عهدته إليكم ، وهو وصيته لهم من الإيمان برسله وبمحمد ﷺ، واتباع دين الإسلام، وأتموه واحفظوه. وقيل: هو أداء الفرائض من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإيمان بالله ورسله وأنبيائه والتزام الطاعة وإقامة شرعه ، وهو كقوله: (وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً)المائدة (١٢).﴿أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ﴾ أي: أرض عنكم وأدخلكم الجنة، أو أنجز لكم ما وعدتكم عليه من الثواب ودخول الجنة جزاء تصديقكم واتباعكم.وفي «القاموس»: أوفي بعهده ووفى- مشدداً و مخففا- إذا أتمه ولم ينقص حفظه، والوفاء ضد الغدر. ﴿وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ﴾ أي: فخافون واخشون في نقض العهد وعدم الوفاء به، أو في جميع ما تأتون وتذرون، ولا تخافوا أحدا غيري. وهذه دعوة إليهم بالترغيب والترهيب لعلهم يرجعون إلى الحق. [وفي قراءة بإثبات الياء: ( فارهبوني) وقفاً ووصلاً].والرهبة: شدة الخوف، أو خوف معه تحرز، وفعله: رهب، كعلم.وقد عدد الله في هذه السورة على بني إسرائيل من هذه الآية ٤٠ إلى ١٤٢، نعماً عشراً، حباهم بها رحمة وفضلاً، وقبائح عشراً، ارتكبوها جحوداً وإثماً، وانتقامات عشرة، أنزلها الله بهم جزاءً وفاقاً.
2:41Page 7
وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١
And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.
٤١ - ﴿ وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ﴾ أي: يا معشر أهل الكتاب آمنوا وصدقوا بما أنزلت من القرآن مصدقاً وموافقاً لما معكم من التوراة والإنجيل، لا مخالفاً ولا مناقضاً، لأنهم يجدون صفة محمد ﷺ في كتبهم.والإيمان بما أنزل يستلزم الإيمان بمن أنزل عليه.﴿وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ﴾ أي: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد ﷺ ، أو: القرآن ، فأنتم أحق بالإيمان به وقد بشرت به كتبكم. وقيل: إن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به أو بمحمد ﷺ يستلزم أنهم أول من كفر به من جنس أهل الكتاب، فصار عليهم إثمهم و إثم من اقتدى بهم .﴿وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا﴾ أي: لا تستبدلوا ولا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي التي في كتابكم، وتصديق رسولي وامتثال أوامري واجتناب نواهي، بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة. وقيل: لا تعتاضوا عن البيان، ونشر العلم بين الناس بالكتمان واللبس، تبتغون به عرضا يسيرا من الدنيا، أي: لا تبيعوا الآخرة بعرض من الدنيا. وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ:«من تعلم علماً مما يبتغي به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة».﴿وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ﴾ أي: خافـون- ولا تخافوا أحـداً غيري- في كتمانكم الحق، وإظهاركم الباطل، ومخالفتكم محمدا ﷺ. أو: فاتقون بالإيمان واتباع الحق. [وفي قراءة: بإثبات الياء (فاتقوني) وقفاً و وصلاً].
2:42Page 7
وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢
And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].
٤٢ -﴿وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ أي: لا تخلطوا الحق الذي أنزلت عليكم، أو الذي جاءكم به محمد ﷺ- وهو الإسلام- بالباطل الذي تفترونه على الله وتختلقونه. وفي «القاموس»: لبس عليه الأمر- كضرب- خلطه، ومنه التلبيس، بمعنى: التخليط والتدليس. وتلبس بالأمر: اختلط به ولابسه: أي:خالطه.﴿وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ﴾ أي: ولا تكتموا ما في كتبكم من نعت محمد ﷺ وبيان ما جاء به، وهو الحق.﴿وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ أن محمداً رسول الله، وأن ما جاء به هو الحق. وقيل: وأنتم تعلمون ما في تلبيس الحق بالباطل، وكتمان الحق وإظهار خلافه، من إضلال الناس وصرفهم عن الهدى. وذكر العلم هنا لزيادة تقبيح حالهم، إذ الجاهل مغرور على الأغلب.
2:43Page 7
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣
And establish prayer and give zakāh1 and bow with those who bow [in worship and obedience].
٤٣ -﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ أمر من الله تعالى لليهود بالدخول في الإسلام كافة ظاهرا وباطنا- مع رسول الله وأصحابه- وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة مستحقيها، بدفعها إلى رسول الله. ففيه جمع بين الأعمال الظاهرة والباطنة والإخلاص للمعبود والإحسان إلى عبيده وبين العبادات القلبية والبدنية والمالية.﴿وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ أي: صلوا مع المصلين من أمة محمد ﷺ واركعوا مع الراكعين منهم. وخص الركوع، لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم. وقيل: اخضعوا لله عز وجل مع الخاضعين من أمة محمد ﷺ.وفي الآية: إرشاد إلى حضور الصلاة وشهودها مع جماعة المسلمين في المسجد. وذهب الجمهور: إلى أنها سنة مؤكدة مرغب فيها، وليست بواجب، وذهب بعضهم كأحمد وأهل الظاهر: إلى وجوبها. قلت: و الأول أولى عندي و أظهر، كما بينته في «موسوعة أحاديث الأحكام». وفيه: أن الركوع ركن من أركان الصلاة، لأنه عبر عن الصلاة بالركوع، والتعبير عن العبادة بجزئها يدل على فرضيته فيها. والله تعالى أعلم.
2:44Page 7
۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤
Do you order righteousness of the people and forget1 yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?
٤٤ -أسباب نزول الآية: روي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره ولذوي قرابته، ولمن بينه و بينهم رضاع من المسلمين: اثبت على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل فإن أمره حق، وكان علماؤهم يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه.﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ ﴾ أي: يا معشر أهل الكتاب، أتأمرون الناس بجماع كل خير من الإيمان بمحمد ﷺ وبما جاء به، وبالتوسع في الخير بالطاعات، والكف عن المعاصي، وموافقة القول العمل. والبر: جماع كل خير، مأخوذ من البَر- بفتح الباء- وهو الفضاء الواسع. وأصل كل بر: الإيمان بما جاء به محمد ﷺ.﴿وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ﴾ أي: تتركونها، فلا تأمرونها بما تأمرون به غيركم.﴿وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ﴾ أي: والحال أنكم تقرءون وتدرسون الكتاب- أي: التوراة- وتعلمون ما فيها على من قصّر في أوامر الله، وخالف قوله عمله.﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ سوء صنيعكم وفعلكم فترجعون إلى ما يقتضيه العقل، بعد إهمالكم ما أوجبه العلم؟ و إنما سمي العقل : عقلا، لأنه يعقل به ما ينفعه و ينعقل به عما يضره . فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله و نهاه عن الشر و لم يتركه، دل هذا على عدم عقله و جهله. وفي معنى هذه الآية جاء قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون)الصف (٢) وقوله: (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه)هود(٨٨). وفي الحديث عند أحمد والبخاري ومسلم بنحوه، قال رسول الله ﷺ:«يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق به أقتابه -أي: أمعاؤه- فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار، فيقولون: يا فلان ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه».وفي الآية: إرشاد إلى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن كلاً من الأمر بالمعروف وفعله واجب، وكذا النهي عن المنكر وفعله، لا يسقط أحدهما بترك الآخر، وحاصل الأمر : أنه يجب على الإنسان : أمر نفسه و نهيها، و أمر غيره ونهيه، فترك أحدهما لا يكون رخصة في ترك الآخر، والكمال: أن يقوم الإنسان بالواجبين معا.
2:45Page 7
وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥
And seek help through patience and prayer; and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allāh]
٤٥ - ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ ﴾ أي: اطلبـوا المعونة على أموركم والوفاء بعهدكم، بحبس أنفسكم عن الشهوات والمعاصي، وقصرها على الطاعات ومرضاة الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر.وقيل: الخطاب لليهود، لما صدهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة، فأمروا بالصبر وهو الصوم، لأنه يكسر الشهوة، والصلاة، لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر.وإنما أفرد الصلاة بالذكر تعظيماً لشأنها، وفي الحديث عند أحمد وأبي داود:«كان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة». وعند أحمد والنسائي:«وجعلت قرة عيني في الصلاة». والأمر بالاستعانة بالصبر: يكون بجميع أنواعه: كالصبر على أقدار الله تعالى، والصبر عن معاصي الله، والصبر على أوامر الله، ومن يتصبر يصبره الله. ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ أي: وإن الصلاة، وقيـل: الوصية بالاستعانة بالصبر والصلاة، لشاقة ثقيلة صعبة- أي: على من لا يؤمن بالله ويستكبر عن طاعته- وهذا كقوله تعالى: (وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى)النساء(١٤٢). وفي «القاموس»: يقال: كبُر- ككرُم- كِبَراً - بكسر الكاف وفتح الباء -وكُبْراً- بضم الكاف وسكون الباء- أي: عظم.﴿إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ﴾ أي: المتضرعين، المتواضعين، المستكينين لطاعته، المتذللين من مخافته، المصدقين بوعده ووعيده، فهي سهلة عليهم.وفي «القاموس»: الخشوع: هو الضراعة وخضوع القلب وطمأنينته وسكونه لله وانكساره بين يديه، وأكثر ما يستعمل فيما يظهر على الجوارح، كقوله تعالى: (الذين هم في صلاتهم خاشعون)المؤمنون(٢).وهذه الآية- وإن كانت خطاباً في سياق إنذار بني إسرائيل- فإنهم لم يقصدوا بها على وجه التخصيص، إنما هي عامة لهم ولغيرهم، والعبرة بعموم اللفظ،لا بخصوص السبب.
2:46Page 7
ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ٤٦
Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.
٤٦ -﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أي: يستيقنون، أو يعتقدون، أو يعلمون. والمراد بالظن هنا: اليقين، وهو من الأضداد، كما في قوله تعالى: (إني ظننت أني ملاق حسابيه)الحاقة(٢٠).﴿أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ﴾ أي: بالبعث والمعاد، محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه للحساب والجزاء، ﴿وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾ أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته تعالى، يحكم فيها ما يشاء بعدله و فضله .وقيل: راجعون إليه في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم.
2:47Page 7
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧
O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds [i.e., peoples].
٤٧ -﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ﴾ تقدم بيان تلك النعم في آية: (٤٠) ، فإذا تذكرتم تلك النعم فقوموا بحق شكرها بطاعتي وامتثال أوامري . وكرر التذكير بالنعم، وعظا لهم وتذكيراً وحثاً.﴿وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: فضـلت آباءكم وأسلافكم على عالمي زمانهم، بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم. وهذا كقوله تعالى: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين)الدخان(٣٢) وقوله تعالى: (وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين)المائدة(٢٠) .وقوله: (العالمين) أي: الموجودين في زمانهم بالفعل، فلا يتناول اللفظ من مضى قبلهم، ولا من يوجد بعدهم. وهذا التفضيل عندما كانوا مؤمنين بمن بعثهم الله إليهم من الأنبياء والرسل، وأمة محمد ﷺ أفضل منهم، لقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس)آل عمران (١١٠).وفي الحديث عند أصحاب السنن عن معاوية بن حيدة القشيرى، مرفوعاً، أن رسول الله ﷺ قال:«أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله».
2:48Page 7
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٨
And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.
٤٨ -﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا﴾ أي: خافوا يوم القيامة- أي:عذابه- ﴿لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا﴾ أي: لا تقضى ولا تؤدي فيه نفس عن نفس شيئا ولا حقاً مما وجب عليها، ولا تنوب عنها فيه، ولا يغني أحد عن أحد، إنما ينفعه ما قدم من عمل صالح أريد به وجه الله وكان على السبيل والسنة.والجزاء:القضاء و التعويض، يقال: جزى عنه، أي: قضى عنه.أو: من أجزأ عنه، أي: أغنى عنه.والمعنى: لا تغني نفس عن نفس شيئا من الإغناء، ولا تجديها نفعا. وهذا كقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)الإسراء(١٥) وقوله: (واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً)لقمان(٣٣). فهذا من أبلغ المقامات أن كلاً من الوالد والولد لا يغني أحدهما عن الآخر شيئا.﴿وَلَا يُقۡبَلُ﴾ [وفي قـراءة بالتـاء: (و لا تُقبل)] ﴿مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ﴾ أي: طلبة إن جاءت بمن يشفع لها عند الله، فلا قرابة قريب ولا شفاعة ذي جاه، أو لأحد بدون إذن الله ورضاه عن المشفوع له. وهذا كقوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين)المدثر(٤٨)، وقوله: (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم)الشعراء(١٠٠-١٠١). و الشفاعة: سؤال فعل الخير، و ترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة. و قيل: هي الطلب.يقال: شفعت لفلان، إذا كان متوسلا بك ، فأنت شافع له و شفيع .﴿وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ﴾ أي: فداء أو فدية أو بدل من مال، أو أهل، أو ولد.والعدل: الفدية والبدل، وأصل العدل- بفتح العين- ما يساوي الشيء قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه، والعدل- بكسر العين- المساوي قيمة وقدراً من الجنس.ويقال للفدية: عدل- بكسر العين- لما فيها من المساواة والمماثلة والمعادلة. وهذا كقوله تعالى: (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به)آل عمران(٩١)، وقوله: (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة)المائدة(٣٦)، وقوله: (وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها)الأنعام(٧٠)، وقوله: (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا)الحديد(١٥).﴿وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ﴾ أي: لا يمنعون من عذاب الله. وقيل: لا يعانون، أي: لا أحد يعينهم فينجيهم من عذاب الله ، ويدفع عنهم المكروه . (وينصرون): من النصر، وهو العون. وهذا كقوله: (فما له من قوة ولا ناصر)الطارق (١٠) وقوله: (ما لكم لا تناصرون)الصافات(٢٥) وقوله: (فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة)الأحقاف (٢٨).و في الآية: إرشاد إلى أن العبد لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة من نفع أو ضر، فلا يتعلق قلبه بغير الله الذي يجلب المنافع ويدفع المضار. أفاده السعدي في «تيسيره».
2:49Page 8
وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٤٩
And [recall] when We saved you [i.e., your forefathers] from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.
٤٩ - ﴿وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم﴾ أي: واذكروا وقت أن أنجينا آباءكم. والخطاب في هذه الآية وما بعدها من الآيات لليهود الموجودين في زمن النبي ﷺ تذكيراً لهم بنعم الله على آبائهم، ليؤمنوا.﴿مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ﴾ أي: من فرعون وقومه، وملئه وجنوده.وفرعون: اسم علم على كل من ملك مصر قديماً، وقيل: هو اسم ذلك الملك بعينه.﴿يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ﴾ أي: يذيقونكم ويولونكم ويوردونكم، أو: يكلفونكم ويلزمونكم أشد العذاب.وقيل: يبغون لكم أشد العذاب وأفظعه. وقيل: يديمون عذابكم.وفي «القاموس»: السوم: هو مطلق الذهاب، أو : الذهاب في ابتغاء الشيء، يقال: سامت الإبل فهي سائمة، أي ذهبت إلى المرعى. وسام السلعة: إذا طلبها وابتغاها.والسوء- بالضم-: كل ما يغم الإنسان من أمر دنيوي أو أخروي، وهو في الأصل: مصدر، ويؤنث بالألف فيقال: السوأى، ومنه: (ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى)الروم(١٠).﴿يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ﴾ تفسير لما قبله من العذاب، أي: يذبحون الذكران من أولادكم المولودين.﴿وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ﴾ أي: يستبقون بناتكم، على قيد الحياة، فلا يقتلونهن، ليستخدموهن ويمتهنوهن. وإنما أمر فرعون بذبح الأبناء واستحياء البنات من بني إسرائيل، لإخبار بعض الكهنة له: أن مولوداً يولد فيهم يكون زوال ملكك على يده. واستحياه: أي: استبقاه، وأصله: طلب له الحياة والبقاء.﴿وَفِي ذَٰلِكُم﴾ أي: العذاب من ذبح الأبناء واستحياء البنات، أو: الإنجاء من العذاب ﴿بَلَآءٞ﴾ أي: ابتلاء بالنقم أو: إنعام بالنعم ﴿مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ﴾ لمعرفة الصابر على محنته، أو: الشاكر على منحته.و(بلاء): اختبار و امتحان بالمحن والنقم المقتضية للصبر، أو بالمنح والنعم المقتضية للشكر، أو: بهما للترغيب والترهيب. يقال: بلوته بلواً وبلاءً، إذا اختبرته وامتحنته. والاسم: البلوى والبلية والبلوة. والبلاء: قد يكون بالخير والشر، كما في قوله تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)الأنبياء(٣٥) و قوله: (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون)الأعراف(١٦٨).
2:50Page 8
وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٠
And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.
٥٠ - ﴿وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ﴾ أي: واذكروا حين فصلنا وشققنا لأجلكم، أو فلقنا بسببكم البحر بعضه عن بعض. والفرق: الفصل والتمييز، يقال: فرقت بين الشيئين فرقا- من باب قتل- فصلت بينهما ، ومنه: الفرقان، ومنه قوله تعالى: (وقرآنا فرقناه)الإسراء(١٠٦)، أي: فصلناه وميزناه بالبيان. وهذا الفرق إحدى معجزات موسى عليه السلام. والباء في (بكم) بمنزلة لام التعليل. والبحر : هو بحر القلزم، وهو البحر الأحمر.﴿فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ﴾ من الغرق ، وخلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم ﴿وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ﴾ أي: هو وأتباعه ﴿وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ إلى انطباق البحر عليهم وغرقهم، ونجاتكم مع موسى عليه السلام ، وهذا أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم.وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنه، قال:«قدم رسول الله ﷺ المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال:«ما هذا اليوم الذي تصومون؟» قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى عليه السلام، فقال رسول الله ﷺ: «أنا أحق بموسى منكم» فصامه وأمر بصومه».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences