Al-Jami' al-WajizAl‑Baqarah · 2:95–108

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:95–108

2:95Page 15

وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٩٥

But never will they wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

٩٥ - ﴿وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ﴾ أي: الموت ﴿أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ﴾ من الكفر بالله ورسوله المستلزم لكذبهم وافترائهم وكتمانهم الحق من صفة النبي ﷺ ونعته، وذلك لعلمهم بسوء مآلهم وخسر عاقبتهم ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: يعلم ما عندهـم من العلـم والكفر به، فيجازيهم بذلك. ونظير ذلك قوله تعالى: (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ٦ ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين٧)الجمعة(٦-٧).

2:96Page 15

وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٩٦

And you will surely find them the most greedy of people for life - [even] more than those who associate others with Allāh. One of them wishes that he could be granted life a thousand years, but it would not remove him in the least from the [coming] punishment that he should be granted life. And Allāh is Seeing of what they do.

٩٦ -﴿وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ﴾ أي: هم أشد الناس طلباً وحرصاً على الحياة، وطول العمر، والمكث في الدنيا. ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ﴾ أي: و أحرص على الحياة واللبث فيها من المشركين الذين لا يرجون بعثاً بعد الموت ولا نشوراً، فهم يحبون طول الحياة، واليهود أحرص على الحياة منهم لعلمهم بسوء عاقبتهم وصيرورتهم إلى العذاب. ومن علم ذلك كان أحرص الناس على أسباب التباعد منه. ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ﴾ أي: يتمنى الواحد من اليهود ﴿لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ﴾ أي: لو يطول عمره ألف سنة- وهذا أبلغ ما يكون من الحرص ، وهو تمني المحال.و «لو» مصدرية بمعنى: «أن»، أي: أن يُعمر.﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ ﴾ أي: وما تعميره- العمر المذكور- في الحياة بمبعده أو بمنحيه أو بمنجيه من عذاب الله شيئاً. ﴿وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ﴾ [وفي قراءة: بالتاء: (تعملون)] فيوفيهم أعمالهم ويجازيهم بها.

2:97Page 15

قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٩٧

Say, "Whoever is an enemy to Gabriel - it is [none but] he who has brought it [i.e., the Qur’ān] down upon your heart, [O Muḥammad], by permission of Allāh, confirming that which was before it and as guidance and good tidings for the believers."

٩٧ - أسباب نزول الآية: أخرج أحمد والترمذي والنسائي عن ابن عباس: أن يهود سألوا النبي ﷺ عن صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي، فقال: جبريل، قالوا: فإنه عدو لنا ولا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال، ولو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات، لكان خيراً، أو لآمنا، فنزلت الآية.وفي رواية: قالوا: ذاك عدونا، إن الله أمره أن يجعل النبوة فينا، فجعلها في غيرنا، وهو صاحب كل خسف، وعذاب، وميكائيل يجيء بالخصب والسلام، فلو كان وليك غير جبريل لاتبعناك وصدقناك. فنزلت الآية.وفي رواية: أن عمر بن الخطاب قال لهم- بعدما قالوا كلاماً شبيهاً بهذا-: من كان عدواً لجبريل كان عدواً لميكائيل ومن كان عدواً لميكائيل كان عدواً لله، فنزلت الآية.﴿قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء اليهود- الذين عادوا جبريل لزعمهم أنه أمر أن يجعل النبوة فيهم، فجعلها في غيرهم، أو لأنه لا يأتي إلا بالشدة والجهاد والقتال، أو لأنه نزل بالقرآن على محمد مصدقاً لكتابهم وهم كارهون للقرآن-: لا حق لكم في عداوته، وهذا الزعم منكم باطل لا أصل له. ﴿فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ أي: فإن جبريل- عليه السلام- نزل القرآن على قلب محمد ﷺ بأمر الله تعالى، فهو رسول من رسل الله، ومن عاداه فقد عادى الذي أرسله، والذي أرسل به، والذي أرسل إليه. وذكر القلب في قوله: (على قلبك)، لأنه محل الحفظ والفهم، والقابل الأول للوحي. وهذا كقوله تعالى: (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين)الشعراء(١٩٣-١٩٤). ﴿مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ﴾ من الكتب المتقدمة السابقة له، غير مخالف لها ولا مناقض. ﴿وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: هاد لقلوبهم من الضلالة، ومبشراً لهم بالجنة، أو بخيري الدنيا والآخرة. وهذا كقوله تعالى: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء)فصلت(٤٤)، وقوله: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)الإسراء(٨٨).

2:98Page 15

مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ ٩٨

Whoever is an enemy to Allāh and His angels and His messengers and Gabriel and Michael - then indeed, Allāh is an enemy to the disbelievers.

٩٨ - ﴿مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ﴾ أي: من عادى الله وملائكته ورسله- وتشمل الرسل من الملائكة والبشر- وجبريل وميكائيل عليهما السلام. وقوله: (وجبريل وميكال) من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة وفي عموم الرسل لقوله تعالى: (الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس)الحج(٧٥) ثم خصصا بالذكر، لأن سياق الآية في الانتصار لجبريل عليه السلام وقرن معه ميكائيل، لزعم اليهود أن جبريل عدوهم وميكائيل وليهم، فأعلمهم الله أن من عادى واحدا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله تعالى وكفر به. ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: من عادى ولياً لله فقد عادى الله، ومن عادى الله، فإن الله له عدو، يعاديه ويؤاخذه، ومن كان الله عدوه فقد خسر الدنيا والآخرة. وفي الحديث عند البخاري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:«من عادى لي ولياً فقد بارزني بالحرب». وفي رواية:«فقد آذنته بالمحاربة». وفي الحديث الصحيح: «من كنت خصمه خصمته».

2:99Page 15

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ ٩٩

And We have certainly revealed to you verses [which are] clear proofs, and no one would deny them except the defiantly disobedient.

٩٩ - أسباب نزول الآية: عن ابن عباس قال: قال عبد الله ابن صوريا- أحد أحبار اليهود- لرسول الله ﷺ: يا محمد، ما جئتنا بشيء نعرفه، وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك، فنزلت هذه الآية.﴿وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ﴾ أي: أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات، دالة على نبوتك وصدقك وهو رد على قول ابن صوريا للنبي ﷺ: ما جئتنا بشيء نعرفه. ﴿وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ أي: لا يمتنع من قبول الآيات الواضحات على صدق دعوة النبي ﷺ إلا الخارجون عن طاعة الله وأمره، المتمردون على أحكامه، المتبعون أهواءهم بغير حق.

2:100Page 15

أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٠

Is it not [true] that every time they took a covenant a party of them threw it away? But, [in fact], most of them do not believe.

١٠٠ - أسباب نزول الآية: وعن ابن عباس قال: قال مالك بن الصيف- أحد أحبار اليهود- حين بعث رسول الله ﷺ، وذكرهم ما أخذ عليهم من الميثاق، وما عهد إليهم في محمد ﷺ-: والله ما عهد إلينا في محمد، وما أخذ علينا ميثاق. فنزلت الآية.﴿أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا﴾ أي: أكفروا بالآيات البينات؟ وكلما عاهدوا الله عهداً في التمسك به والقيام بحقه والإيمان بنبيه، أو عاهدوا رسول الله ألا يعاونوا المشركين عليه. والهمزة للاستفهام، والواو للعطف على محذوف، أي: أكفروا بالآيات؟ و«كلما» تفيد التكرار. ﴿نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ﴾ أي: طرحه وألقاه ونقضه طائفة منهم. والمعنى: كلما وجد عند القوم عهد ترتب عليه نقض. وأصل النبذ: الطرح والإلقاء والرمي بالذمام والرفض، ومنه سمي اللقيط: منبوذا، ومنه: النبيذ: وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء. ﴿بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ بما جـاء به محمـد ﷺ، وعدم إيمانهم أورثهم نقض العهود.

2:101Page 15

وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١

And when a messenger from Allāh came to them confirming that which was with them, a party of those who had been given the Scripture threw the Scripture of Allāh [i.e., the Torah] behind their backs as if they did not know [what it contained].

١٠١ - ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ﴾ أي: ولما جاء محمد ﷺ بالقرآن والحق الموافق لما معهم في كتابهم. ﴿نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ﴾ أي: طرح طائفة من اليهود كتاب الله الذي بأيديهم- وهو التوراة- ﴿وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ﴾أي: تركوها وأعرضوا عنها رغبة عنه، ولم يعملوا بما فيها من الإيمان بمحمد ﷺ وصدق دعوته ﴿كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ ما فيها من صدقه، ونبوته، وحقيقة ما جاء به، فهم كمن عمِل عمَل من لا يعلم.والمعنى: أنهم لما كفروا بمحمد ﷺ وبما جاء به- بعد أن أخذ الله عليهم في التوراة الإيمان به وتصديقه واتباعه ومؤازرته ونصرته، وبيّن لهم صفته ونعته- كان ذلك منهم نبذاً للتوراة، واطراحاً لها، ونقضا لما فيها.

2:102Page 16

وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢

And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Hārūt and Mārūt. But they [i.e., the two angels] do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]."1 And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allāh. And they [i.e., people] learn what harms them and does not benefit them. But they [i.e., the Children of Israel] certainly knew that whoever purchased it [i.e., magic] would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.

١٠٢ -أسباب نزول الآية: أخرج ابن جرير في سبب نزولها، قال: لما بعث الله محمدا ﷺ، وذكر داود وسليمان- عليهما السلام- قالت اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل، يذكر سليمان مع الأنبياء، إنما كان ساحرا يركب الريح، فنزلت الآية.﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ﴾ أي: واتبعت اليهود- لما نبذوا كتاب الله الذي بأيديهم- ما ترويه وتخبر به وتحدثه الشياطين كذباً على عهد ملك سليمان من السحر. وقيل: الشياطين هنا: خبثاء الإنس وأشرارهم. وذلك حين أقبل اليهود- من بعد إعراضهم عن التوراة- على كتب السحرة من أهل بابل، التي كانت تخبر به الشياطين الكهنة في عهد سليمان، وزعموا أنها علم سليمان، وأنه كان ساحرا، ولم يتم له الملك والسلطان على الإنس والجن والطير إلا به. فأكذبهم الله بهذه الآية وبرأ سليمان عليه السلام. والتلاوة: بمعنى الإخبار والتحديث وعدّي ب «على» لتضمن الفعل معنى الكذب. ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ﴾ أي: بتعلم السحر واستعماله، فلم يتعلمه ولم يستعمله، بل كان نبيا رسولا. وفي هذا تبرئة من الله لسليمان عليه السلام ورد على اليهود في قولهم: انظروا إلى محمد يذكر سليمان في الأنبياء وما كان إلا ساحراً. ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: بتعليمهم الناس السحر، وتدينهم به [وفي قراءة: (ولكنِ الشياطينُ كفروا) بتخفيف نون «ولكن» ورفع «الشياطين»].﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ ﴾ بقصد إضلالهم وإغوائهم وصرفهم عن الحق. والضمير في الآية للشياطين، أو لليهود .﴿وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ﴾ أي: ويعلمون الناس- أيضا- ما أنزل على الملكين-أي: ما ألهماه وعُلّماه من السحر-: هاروت وماروت الكائنين بأرض بابل من بلاد العراق. وكان نزولهما لتعليم السحر ابتلاء من الله، واختباراً وامتحاناً للناس، وله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء. وقيل: كان سبب نزولهما: التمييز بين السحر والمعجزة، حيث كثر السحر في ذلك الزمان، وأظهر السحرة من غريب أمورهم ما أوقع الشك في النبوة، فبعث الله هذين الملكين لتعليم أبواب السحر، حتى يزيلا الشبه ويرفعا اللبس، ويميطا الأذى عن الطريق. والظاهر: أنهما نزلا بصورة آدمية، كما كان جبريل ينزل على رسول الله في صورة دحية الكلبي.وقيل: إن سحرة اليهود كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن داود، فأكذبهم الله بذلك، وأخبر نبيه ﷺ أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرّأ سليمان- عليه السلام- مما نسبوه إليه من السحر، وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وأن الذين يعلمونهم ذلك رجلان هما « هاروت وماروت». فعلى هذا التأويل، يكون قوله:(هاروت وماروت) بدلا من الشياطين، ومن المؤخر الذي معناه المقدم ، ويكون تفسير الآية على هذا النحو: واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر، وما كفر سليمان، ولا أنزل الله السحر على الملكين- جبريل وميكائيل- ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت. واختاره ابن جرير ونصره القرطبي. قلت: والأول أولى، لكونه مرويا عن كثير من السلف، كعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وغيرهم، والله تعالى أعلم. ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ﴾ أي : الملكين ﴿مِنۡ أَحَدٍ﴾ تعليم إنذار من السحر، لا تعليم دعاء إليه.﴿حَتَّىٰ يَقُولَآ﴾ ويبذلا له النصيحة: ﴿إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ﴾ أي: ابتلاء من الله، واختبار للناس، أيتبعون النصح أم يخالفونه؟ ﴿فَلَا تَكۡفُرۡۖ ﴾ أي: بتعلم السحر واستعماله فإنه كفر، فينهيانه عنه ويخبرانه عن مرتبته. وفيه إشارة إلى أن تعليم السحر موجب للكفر.والفتنة: من الفتن ، وأصله: إدخال الذهب النار لتظهر جودته من رداءته، ثم استعمل في الاختبار والامتحان بالمحن والشدائد، وبالمنح واللطائف، لما فيه من إظهار الحال والحقيقة. وأكثر ما تستعمل فيه الفتنة: الامتحان والاختبار بالمحن، لا بالمنح.وابتلاء الله العباد، ليس لمعرفة أحوالهم، فإنه تعالى يعلمها أزلا على سبيل التفصيل، ولكن ليعلم العباد أحوالهم من جودة ورداءة وشقاوة وسعادة، فلا يكون لهم حجة على الله.﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا﴾ أي: فيتعلم الناس من هاروت وماروت ﴿مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ﴾ أي: ما إنهم ليفرقون بالسحر بين الزوجين، مع ما بينهما من المودة والرحمة والخلطة والائتلاف، وهذا من تأثير السحر في القلوب بالحب والبغض، والجمع والفرقة، والقرب والبعد.وهو من صنيع الشياطين، لما رواه مسلم في صحيحه عن جابر، عن النبي ﷺ قال:«إن الشيطان ليضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة، أعظمهم عنده فتنة، يجيء أحدهم فيقول: ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول: كذا وكذا، فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئاً، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، قال: فيقربه ويدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم أنت». ﴿وَمَا هُم﴾ أي: الشـياطين أو أتباعهـم من السحرة ﴿بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: إلا بإرادة الله وأمره، فلا يؤثر السحر ضررا إلا فيمن أذن الله بتأثيره فيه. وقد أجمع أهل العلم على أن للسحر تأثيراً في نفسه، وحقيقة ثابتة. والإذن نوعان:إذن قدري متعلق بمشيئة الله، كما في هذه الآية.وإذن شرعي، كما في قوله تعالى: (فإنه نزله على قلبك بإذن الله)البقرة(٩٧)، والأسباب و مسبَّباتها -بفتح الباء- مهما بلغت قوة تأثيرها، فهي تابعة لقضاء الله وقدره ومشيئته. ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ﴾ أي: الناس من السحر ﴿مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ﴾ أي: الذي يضرهم في دينهم وآخرتهم، وليس له نفع يوازي ضرره. فالسحر لا يعود على صاحبه بفائدة دنيوية، ولا يجلب إليه منفعة دينية ، بل هو ضرر محض، وخسران بحت. ﴿وَلَقَدۡ عَلِمُواْ﴾ أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر وما تتلوا الشياطين منه، بكتاب الله، واختاروه ورغبوا فيه- رغبة المشتري في السلعة- ﴿لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ﴾ أي: لمن فعل فعلهم- وهو استبدال السحر بكتاب الله. واللام في «لمن» لام ابتداء معلقة لما قبلها عن العمل لفظا ، لا محلاً . و «من» موصولة.﴿مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ ﴾ أي: ليس له في الآخرة نصيب من الخير، أو ليس له نصيب في الجنة. والخلاق: النصيب من الخير، وهو ما اكتسبه الإنسان من الفضائل وتخلق به . وقيل: الخلاق: القوام والقدر.﴿وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُم﴾ أي: بئس شيئاً باعوا به أنفسهم-أي: حظها من الآخرة- بعرض من الدنيا أن تعلموه، فأوجب لهم النار. والمعنى: أنهم بإقبالهم على تعلم السحر، وإعراضهم عن كتاب الله، باعوا آخرتهم بدنياهم، وآجلهم بعاجلهم، فبئس ما استبدلوا به السحر عوضا عن كتاب الله ﴿لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ أي: لو كان لهم علم- بما وعظوا به- ينتفعون به، ما فعلوه ولا تعلموه، ولكنهم تركوا العمل بعلمهم. أو: لو كانوا يعلمون حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب، ما تعلموه. والسحر لغة: عبارة عما لطف وخفي سببه، وفي الحديث:«إن من البيان لسحرا»، وسمي السحور: لكونه يقع خفياً آخر الليل.والسَّحْر: الرئة، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن، ومنه قول عائشة رضي الله عنها: «توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري». وشرعاً: السحر له حقيقة ثابتة، يخلق الله عنده ما يشاء، خلافاً للمعتزلة والحنفية الذين قالوا: إنه تخيل وتمويه. وقد ثبت في الصحيحين: أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر رسول الله ﷺ، وأن السحر عمل فيه، وأن الله شفاه منه وأبطل عمله. وأنواعه: منها: ما يكون بخفة اليد كالشعوذة، ومنه: ما يكون كلاماً ورقى من أسماء الله، ومنها: ما يكون من عهود الشياطين، ومنها: ما يكون أدوية وأدخنة وأبخرة، إلى غير ذلك. وأما كون السحر كفرا، وكونه من الكبائر والسبع الموبقات، كما في الحديث الصحيح: «اجتنبوا السبع الموبقات...الإشراك بالله والسحر» ، فهذا لأن الساحر يتجه في عمله بالتعظيم والعبادة والخضوع والتذلل لغير الله تعالى.

2:103Page 16

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣

And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.

١٠٣ - ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ﴾ أي: اليهود ﴿ءَامَنُواْ﴾ بالله ورسله، أو بمحمد ﷺ والقرآن، ﴿وَٱتَّقَوۡاْ﴾ أي: أخذوا الوقاية من عذاب الله بامتثال أوامره- ومنها اتباعهم كتاب الله- واجتناب نواهيه- كتعلم السحر- ﴿لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ﴾ أي: لأثيبوا على ذلك أجراً وجزاءً حسناً، من عند الله خيرا مما شروا به أنفسهم ورضوا به. والمثوبة: الثواب والأجر الحسن، وسمي الثواب مثوبة: لأن المحسن يثوب إليه ويرجع. ﴿لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ أنه خير لما آثروه عليه، أي: لما آثروا السحر على كتاب الله، والدنيا على الآخرة. ولما كان من مقتضيات الحكمة الإلهية أن من أعرض عما فيه منفعة، ابتلي بالاشتغال بما فيه مضرة، فاليهود أعرضوا عن الحق- بعد ما علموه- ونبذوا كتاب الله وعلم الأنبياء والمرسلين، فابتلوا بالباطل واتباع السحر والإقبال على علم الشياطين.فائدة فقهية وقد استدل بعض العلماء بقوله تعالى: (فلا تكفر)البقرة(١٠٢)، على تكفير من تعلم السحر لمجرد تعلمه، واستشهد له بالحديث الصحيح عند البزار مرفوعاً:«من أتى كاهناً أو ساحراً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ». ورواه أبو داود من حديث أبي هريرة بلفظ:«من أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد». وروى مسلم في «صحيحه»:«من أتى عرافاً فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين يوماً». واختلف: هل الساحر يكفر، أم لا؟ على قولين: الأول: أنه يكفر، واستدلوا بقوله تعالى: (ولو أنهم آمنوا واتقوا)البقرة(١٠٣)، وهو رواية عن أحمد وذهب إليه طائفة من السلف. الثاني: لا يكفر، ولكن حده ضرب عنقه، واستدلوا على ذلك: بما رواه البخاري في صحيحه:«كتب عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، قال بُجالة بن عبدة: فقتلنا ثلاث سواحر». ورواه أيضا الشافعي وأحمد عن عمرو بن دينار.وبما صح عن حفصة- أم المؤمنين- أن جارية لها سحرتها، فأمرت بها، فقتلت. قال أحمد: وصح عن ثلاثة من أصحاب رسول الله ﷺ في قتل الساحر. وبما رواه الترمذي عن جندب الأزدي، مرفوعاً، قال رسول الله ﷺ:«حد الساحر ضربه بالسيف». وحمل الشافعي هذه الأدلة على سحر يكون شركاً. قلت: والأول أولى، لظاهر الآية: (ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر) و (إنما نحن فتنة فلا تكفر). والله تعالى أعلم. واختلفوا فيمن يتعلم السحر ويستعمله على أقوال: الأول : فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد: إلى أنه يكفر بتعلمه واستعماله.الثاني: وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: إن تعلمه ليتقيه، أو ليتجنبه فلا يكفر، ومن تعلمه معتقداً جوازه أو أنه ينفعه، كفر، وكذا من اعتقد أن الشياطين تفعل له ما يشاء، فهو كافر.الثالث : وقال الشافعي: إذا تعلم السحر، فإن وصف ما يوجب الكفر- مثل اعتقاد أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة وأنها تفعل ما يلتمس منها- فهو كافر. وإن كان الوصف لا يوجب الكفر، فإن اعتقد إباحته فهو كافر. قلت: والأول أولى، لظاهر الآية، (ولكن الشياطين كفروا) بتعلمه واستعماله. والله تعالى أعلم. واختلفوا فيما إذا قتل الساحر بسحره إنساناً: هل يقتل به، أم لا؟ على أقوال: الأول: فقال مالك والشافعي وأحمد: يقتل به.الثاني: وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك، أو يقر بذلك في حق شخص معين. وعندهم: أنه يقتل به حداً، إلا الشافعي، فإنه يقتل به قصاصاً. قلت: وعندي: أنه يقتل به قصاصاً، إن تسبب في قتله، وإلا يقتل حداً، لحديث جندب الأزدي عند الترمذي، وقد تقدم. واختلفوا في توبة الساحر: أتقبل أم لا؟ على قولين: الأول: فذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد في المشهور عنهم: إلى أنه لا تقبل توبته.الثاني: وقال الشافعي وأحمد- في رواية أخرى: تقبل توبته. قلت: وهو الراجح عندي، لعموم قوله سبحانه وتعالى: (إن الله يغفر الذنوب جميعاً)، ولحديث الذي قتل تسعةً وتسعين نفساً، ثم أكمل بهم المائة، و هو في الصحيحين. واختلفوا في ساحر أهل الكتاب: أيقتل كما يقتل الساحر المسلم، أم لا؟ على قولين:الأول: فقال أبو حنيفة: يقتل ساحر أهل الكتاب، كما يقتل الساحر المسلم.الثاني: وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يقتل، واستدلوا بعدم أمره ﷺ بقتل لبيد بن الأعصم الذي سحره. قلت: وهو الأظهر.واختلفوا في الساحرة المسلمة: أتقتل كالرجل أم لا؟ على قولين: الأول: فقال أبو حنيفة: لا تقتل، ولكنها تحبس.الثاني: وقال مالك والشافعي وأحمد: حكمها حكم الرجل، فتقتل. قلت: وهو كذلك، لعدم الدليل على أنها تحبس، ولعدم الدليل على الفرق بين الرجل والمرأة.وهل يُسأل الساحر حلاً لسحره؟ على قولين:فقد أجازه سعيد بن المسيب- فيما نقله عنه البخاري- و الصواب : عدم الجواز و تحريم ذلك، لما ثبت عنهﷺ أنه سئل عن ذلك فقال:«هو من عمل الشيطان» رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد. قال ابن كثير: وأنفع ما يستعمل لإذهاب السحر: ما أنزل الله على رسوله في شفائه من سحر لبيد، وهما المعوذتان، وفي الحديث:«لم يتعوذ المتعوذ بمثلهما». وكذلك قراءة آية الكرسي فإنها مطردة للشيطان.

2:104Page 16

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٠٤

O you who have believed, say not [to Allāh's Messenger], "Rāʿinā" but say, "Unẓurnā"1 and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.

١٠٤ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ﴾ أي: للنبي ﷺ: ﴿رَٰعِنَا﴾ أي: راقبنا، وتأن بنا، وتلطف بنا في التعليم، أو: راع أمورنا وأحوالنا، أو: أرعنا سمعك. و(راعنا): أمر من المراعاة، وهي المبالغة في الرعي، وهو حفظ الغير وتدبر أموره، وتدارك مصالحه وغاياته. وكان المسلمون إذا حدثهم رسول الله ﷺ، وعلمهم أمور دينهم، يقولون له: راعنا، أي: أرعنا سمعك أو راقبنا وتلطف بنا، حتى نفهم كلامك ونحفظه، وكانت هذه اللفظة بلغة اليهود سباً قبيحاً، من الرعونة بمعنى: الحماقة والخفة والجهل، أو بمعنى: اسمع غير مسمع، فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين، أخذوا يخاطبونه ﷺ بها، ويضحكون فيما بينهم، قاصدين بها سبه والاستهزاء به، كما قال تعالى: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين)النساء(٤٦). فنهى الله المؤمنين عن مخاطبته بهذه اللفظة، سداً لهذا الباب، وقطعاً للطريق على اليهود حتى لا يتخذوها ذريعة إلى سبه ﷺ وإيذائه. وأمروا بأن يقولوا ما يوافقها معنى ويخالفها لفظاً، مما لا يتذرع به إلى ذلك وهو: ﴿وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا﴾ أي: قولوا بدلها: انظرنا، أي: انظر إلينا وأقبل علينا، أو انتظرنا وتأن بنا أو فهمنا وبيّن لنا. ﴿وَٱسۡمَعُواْۗ﴾ ما تؤمرون به- في القرآن والسنة- سماع استجابة وطاعة وقبول. ولم يذكر المسموع، لعموم الأمر بالاستماع، فيدخل فيه القرآن والسنة، لفظاً ومعنى.﴿وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: مؤلم موجع شديد.وهذه الآية: أصل في سد الذرائع، وفيه: النهي عن الجائز إذا كان وسيلة إلى محرم.وفي الآية:بيان الأدب واستعمال الألفاظ الحسنة، وعدم الفحش وترك الألفاظ القبيحة. وفي الحديث الصحيح:«ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء». وفيها أيضا: نهي المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولا وعملا، وفي الحديث عند أحمد وأبي داود، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال:«من تشبه بقوم فهو منهم»، ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم وأحوالهم التي لم تشرع لنا، ولا نُقر عليها.

2:105Page 16

مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ١٠٥

Neither those who disbelieve from the People of the Scripture [i.e., the Jews and Christians] nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allāh selects for His mercy whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

١٠٥ -﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ من العـرب لشدة عداوتهم للمؤمنـين والمراد بأهل الكتاب هنا: اليهود. ﴿أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ﴾ أيَّ خير كان من وحي أو شرع، أو رسالة، بغياً وحسداً منهم وبغضاً لكم.[وفي قراءة: (أن يُنْزَل) بضم الياء وسكون النون وفتح الزاي]. ﴿وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ﴾ أي: بنبوته ورسالته، وهو ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل، الذي شرعه لنبيهم محمد ﷺ، ومنه قوله تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته)الأنعام(١٢٤). وقيل:(يختص برحمته) أي: عموم جنس الرحمة والهداية ﴿مَن يَشَآءُۚ﴾ من عباده، لعلمه وحكمته وقدرته ﴿وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ أي: صاحب الفضل العظيم، والخير العميم.

2:106Page 17

۞ مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٠٦

We do not abrogate a verse or cause it to be forgotten except that We bring forth [one] better than it or similar to it. Do you not know that Allāh is over all things competent?

١٠٦ -أسباب نزول الآية:عن ابن عباس قال: «كان مما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل، وينساه بالنهار». فأنزل الله: (ما ننسخ من آية أو ننسها) الآية.وقيل: لما طعن الكفار في النسخ- وكان اليهود ينكرونه- وقالوا: إن محمداً يأمر أصحابه اليوم بأمر وينهى عنه غداً، وإنه ما يقول إلا من تلقاء نفسه، فنزلت الآية. ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ﴾ أي: ما نُزل ونرفع من حكم آية أو التعبد بها- إما مع تلاوتها، أي: لفظها، أو أحدهما مع بقاء الآخر- أو: ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره. [وفي قراءة: (ما نُنْسِخ) بضم النون الأولى وكسر السين من أنسخ] أي: نأمرك أو نأمر جبريل بنسخها. ﴿أَوۡ نُنسِهَا﴾ أي: نمحها من القلوب والحوافظ. [وفي قراءة: ( نَنْسَأْها) بفتح النون الأولى و بالهمز] أي: نؤخرها ونرجئها فلا نُزل حكمها ولكن نرفع تلاوتها. وقيل: نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ. و«ما» شرطية، وجوابها: ﴿نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ﴾ أي: نأت بدلها بما هو أنفع لكم وأرفق وأسهل في العاجل، أو أكثر لأجركم وثوابكم في الآجل.وذلك أن ما نسخ بالأخف، فهو في العمل أيسر، فيكون أنفع وأرفق بهم في العاجل، وما نسخ بالأشد، فهو في الثواب والأجر أكثر، فيكون أنفع لهم في الآجل. ﴿أَوۡ مِثۡلِهَآۗ﴾ أي: في المنفعة والثواب، أو التكليف.﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ﴾ فالنسخ والتبديل من مقدوراته سبحانه وتعالى، فمن قدح في النسخ، قدح في ملكه وقدرته. والاستفهام للتقرير، أي: هو كذلك.والنسخ : لغة: الرفع والإزالة والإبطال، وكل شيء خلف شيئاً فقد انتسخه. يقال: نسخت الشمس الظل تنسخه إذا أزالته ورفعته، ونسخ الشيب الشباب ينسخه، إذا أذهبه وأبطله. وأصل النسخ في اللغة: من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة إلى أخرى، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره: إنما هو تحويله ونقله إلى غيره. وسواء فيه نسخ حكم الآية، أو خطها، أي: تلاوتها.وشرعاً: رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر، أو نقل وتحويل المكلفين من حكم شرعي إلى آخر أو إسقاطه، وذلك كتحويل الحلال حراماً، والحرام حلالا، والمباح محظوراً، والمحظور مباحاً، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة، أما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأنواع النسخ ثلاثة:رفع حكم الآية والتلاوة معاً،كحديث عائشة عند مسلم: كنا نقرأ في كتاب الله : «عشر رضعات معلومات يحرّمن» فنسخ ذلك حكما و تلاوة ، وصار الحكم : «خمس رضعات معلومات يحرّمن».رفع الحكم مع بقاء التلاوة، كآية: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج)البقرة(٢٤٠)، حيث كانت عدة المتوفى عنها زوجها: حولا كاملا ، فنسخت بآية: (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر و عشرا)البقرة (٢٣٤)، فصارت عدتها : أربعة أشهر وعشرة أيام، عند من يقول بذلك.رفع التلاوة مع بقاء الحكم، كآية: (الشيخ و الشيخة إذا زنيا فارجموهما) عند أحمد و النسائي في «الكبرى» و مالك في «الموطأ»، فإنها نسخت تلاوتها و بقي حكم الرجم فيها. وتارة يكون النسخ ببدل مماثل، أو أخف، أو أثقل، وتارة يكون بغير بدل. وهو مقرر ومبسوط في الأصول. والإنساء: لغة: من النسيان، فإنساء الآية: إذهابها ومحوها من القلوب حتى لا تذكرها. أو: من النسئ، بمعنى: التأخير والإرجاء، أي: نؤخر الآية ونرجئها، أو نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ. وشرعاً: هي نوع من أنواع النسخ، وهو رفع الحكم والتلاوة معاً. ووجه الحكمة في النسخ والتبديل:رحمة الله بعباده ، ورعاية مصالحهم، بتحصيل منافعهم، ودفع مضارهم.التدرج في التشريع إلى مرتبة الكمال تبعاً لظروف الأمة وأحوالها.ابتلاء المكلف واختباره بالامتثال وعدمه.وقد اتفق علماء الإسلام سلفاً وخلفاً على جواز وثبوت النسخ في كتاب الله تعالى لحكمة بالغة ولم يخالف في ذلك أحد إلا من لا يعتد بخلافه. وذهب اليهود إلى إنكار النسخ، ليتوصلوا بذلك إلى إنكار نبوة محمد ﷺ، لأن القرآن نسخ بعض ما في التوراة من أحكام، لكنهم محجوجون بما في التوراة من أن آدم كان يزوج الأخ من أخته، وقد حرم الله ذلك في التوراة على موسى وقومه.

2:107Page 17

أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧

Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allāh any protector or any helper?

١٠٧ - ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ﴾ وسلطانهما المتصرف فيهما، وفي خلقه بما شاء، في أقداره وأوامره ونواهيه، فيأمر بما يشاء، وينهى عما يشاء، وينسخ ما يشاء، ويقر ما يشاء، وينشئ ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه، فله الخلق والأمر والحكم، ولا معقب لحكمه.﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ﴾ أي: مالك يحفظكم، أو متول لأموركم بجلب المنافع، ودفع المضار. وأصل الولاية: المتابعة، تقول: واليت بين كذا وكذا، إذا تابعت بينهما.﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينصركم ويمنع عنكم عذابه إن أتاكم.

2:108Page 17

أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨

Or do you intend to ask1 your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.

١٠٨ - أسباب نزول الآية: عن ابن عباس قال: قال رافع بن حرملة ووهب بن زيد: يا محمد، ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهاراً نتبعك ونصدقك، فنزلت الآية. وعن مجاهد قال: سألت قريش محمدا ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً، قال:«نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل»، فأبوا ورجعوا، فنزلت الآية. ﴿أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ ﴾ أي: بل أتريدون أن تسألوا رسولكم محمدا ﷺ أسئلة على وجه التعنت والاعتراض- كسؤالهم جعل الصفا ذهباً، وإنزال كتاب من السماء، وتفجير الأنهار والينابيع، والإتيان بالله والملائكة قبيلاً- مثل ما سئل موسى من قبل؟- حيث سأله بنو إسرائيل رؤية الله جهرة-. وهذا الخطاب يعم المؤمنين في قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم)المائدة(١٠١). وفي «الصحيح»: «إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته». وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة، أن رسول الله ﷺ:«كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال وكثرة السؤال». وعند مسلم في صحيحه:«ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». ويعم كذلك أهل الكتاب، كما في قوله تعالى: (يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة)النساء(١٥٣). فهذا النهي كائن عن سؤال التعنت والاعتراض، أما سؤال الاسترشاد والتعليم، فهو محمود أمر به الشارع وحض عليه في قوله: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)النحل(٤٣). ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ﴾ أي: يشتر الكفر بالإيمان، ويأخذه بدله، وذلك بترك النظر في آيات الله، واقتراح غيرها تعنتاً وتكذيباً وعناداً ﴿فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: ذهب وخرج عن قصد الطريق وسمته، أو: أخطأ طريق الحق إلى الجهل والضلال. والسواء في الأصل: الوسط والقصد.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском