Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Taha 20:102–133
20:102Page 319
يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا ١٠٢
The Day the Horn will be blown. And We will gather the criminals, that Day, blue-eyed.1
١٠٢ - و يَبْدُل من يوم القيامة قوله: ﴿يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ﴾ أي : في القرْن، وهي النفخة الثانية ، نفخة البعث التي يُحشر الناس بعدها للحساب.[و في قراءة:(يوم ننفخ في الصور)] والنافخ فيه بإذن ربه : هو إسرافيل عليه السلام .وفي الحديث عند الترمذي : أن رسول الله ﷺ سئل عن الصور ، فقال : «قرْن يُنفخ فيه» . و عنده أيضا : «كيف أنعم وصاحب القرن ، قد التقم القرن، وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له، قالوا : يا رسول الله ، كيف نقول؟ قال : قالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» .﴿وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ أي : الكافرين: من مشركين وعصاة مأخوذين بذنوبهم التي لم يغفرها الله لهم .﴿يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا﴾ أي : زرق العيون من شدة الهول . أو : عميا ، لأن العين إذا ذهب نورها ازرقّ ناظرها .قال تعالى : (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما)الإسراء(٩٧). أو: عطاشا ، لأن العطش الشديد يغيّر سواد العين ، فيجعله كالأزرق، قال تعالى : (ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا)مريم(٨٦) أي عطاشا . ويحتمل أن يكون المراد: زرق الأبدان من الغيظ والحسرة والندامة، ولا منافاة بين ذلك كله ، كما هو ظاهر .
20:103Page 319
يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا ١٠٣
They will murmur among themselves, "You remained not but ten [days in the world]."
١٠٣ – ﴿يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ﴾ أي : يتسارون و يتهامسون بينهم ، أو : يقول بعضهم لبعض سرا من شدة هول الموقف : ﴿إِن لَّبِثۡتُمۡ﴾ أي : في الدار الدنيا ﴿إِلَّا عَشۡرٗا﴾ أي : عشرة من الأيام ، يستقصرون مدة لبثهم ومقامهم في الدنيا أو في القبور .من المخافتة : وهي إسرار المنطق كالتخافت والخفت .
20:104Page 319
نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا ١٠٤
We are most knowing of what they say when the best of them in manner [i.e., wisdom or speech] will say, "You remained not but one day."
١٠٤ - قال الله تعالى : ﴿نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: في حال تناجيهم وتخافتهم بينهم ، أي : ليس الأمر كما قالوا ﴿إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً﴾ أي : أعدلهم قولا، وأكملهم رأيا، وأفضلهم مذهبا ، وأوفاهم عقلا وأصوبهم طريقة ﴿إِن لَّبِثۡتُمۡ﴾ أي : في الدنيا ﴿إِلَّا يَوۡمٗا﴾ واحدا . ونسبة هذا القول إلى أمثلهم ، لكونه أدل على شدة الهول ، لا لكونه أقرب إلى الصدق ، فكأنهم يستقلون لبثهم في الدنيا على ما فرطوا فيها ، لما يعاينونه في الآخرة من أهوال موقف الحساب والجزاء.وهذا كقوله :(ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة)الروم(٥٥) وقوله : (قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين ١٢ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين ١٣)المؤمنين(١٢-١٣).
20:105Page 319
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا ١٠٥
And they ask you about the mountains, so say, "My Lord will blow them away with a blast.1
١٠٥ - ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ﴾ يا محمد ﴿عَنِ ٱلۡجِبَالِ﴾ أي: عن حالها يوم القيامة، ماذا يُصنع بها ، وهل هي باقية أم زائلة؟ وكان كفار قريش قد سألوا النبي ﷺ عما يفعل الله يوم القيامة بالجبال، سؤال استهزاء لإنكارهم البعث . فقد أخرج ابن المنذر عن ابن جُريج قال : قالت قريش: يا محمد كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة؟ فنزلت الآية .﴿فَقُلۡ﴾ لهم: ﴿يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا﴾ أي: يقلعها من أصولها قلعا ، فيزيلها عن أماكنها، ويدكها دكا ، فيجعلها كالرمل ثم يُصيِّرها كالصوف المنفوش ، ثم تذروها الرياح ذروا ، ثم يصيِّرها كالهباء المنثور .
١٠٦ - ﴿فَيَذَرُهَا﴾ أي : فيجعل الأرض ، أو : فيترك مواضعها ومراكزها ومقارها التي كانت عليها الجبال بعد نسفها ﴿قَاعٗا﴾ أي: منبسطة لا نبات فيها ولا بناء.أو : سهلا مستويا ﴿صَفۡصَفٗا﴾ أي : مستوية ملساء ، كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة . وعن ابن عباس ومجاهد : القاع والصفصف بمعنى واحد : وهو المستوي الذي لا نبات فيه ، أو : الأرض الملساء بلا نبات ولا بناء .
20:107Page 319
لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا ١٠٧
You will not see therein a depression or an elevation."
١٠٧ - ﴿لَّا تَرَىٰ فِيهَا﴾ أي : في الأرض – يوم القيامة- ﴿عِوَجٗا﴾ أي: مكانا منخفضا ﴿وَلَآ﴾ ترى فيها ﴿أَمۡتٗا﴾ أي : مكانا مرتفعا ، لخلوها من الأودية والروابي ، بل تراها مستوية منبسطة ملساء .فالعوج هنا: ما انخفض من وجه الأرض ، كالوادي ونحوه . والأمْت: ما ارتفع منها ، كالتلال والروابي ، وهذا من تمام استوائها وانبساطها .
20:108Page 319
يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا ١٠٨
That Day, they [i.e., everyone] will follow [the call of] the Caller1 [with] no deviation therefrom, and [all] voices will be stilled before the Most Merciful, so you will not hear except a whisper [of footsteps].
١٠٨ - ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ أي : يوم القيامة، يوم يبعث الناس من قبورهم ويعاينون هذه الأهوال والأحوال ، من نسف الجبال ونحوها ﴿يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ﴾ أي: يتبع الناس داعي الله إلى المحشر . ﴿لَا عِوَجَ لَهُۥۖ﴾ أي : لا عوج لاتّباعهم ، فلا يقدرون إلا أن يتبعوا ويستجيبوا مسرعين إليه ، أو : لا معدل لهم عن دعائه ولا انحراف فلا يعوجّ له مدعوّ ، ولا يزيغ عنه ، ولا يميل عنه، بل يسرعون إليه مستجيبين لدعوته وندائه، كقوله سبحانه وتعالى: (مهطعين إلى الداع)القمر(٨).﴿وَخَشَعَتِ ٱلأصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰن﴾ أي: سكنت لديه ، رهبة وخشية منه ، وإنصاتا لما يسمعونه من قول الله تعالى وانتظارا لحكمه فيهم . ﴿فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا﴾ أي : صوتا خفيا خافتا ، وهو صوت خفق الأقدام في سيرهم إلى المحشر ، في سكون وخضوع . يقال : همس الكلام يهمسُه همسا: إذا أخفاه .فسبحان من رحم العباد في عدله و عقوبته ، كما رحمهم في فضله وإحسانه ومثوبته .
20:109Page 319
يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا ١٠٩
That Day, no intercession will benefit except [that of] one to whom the Most Merciful has given permission and has accepted his word.
١٠٩ - ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ أي : يوم القيامة ﴿لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ﴾ أحدا عنده ﴿إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ أن يشفع له ﴿وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا﴾ أي : رضي قوله في الشفاعة ، أو: رضي لأجله قول الشافع ، فلا يشفع أحد عند الله من الخلق لأحد ، إلا من أذن له الله في الشفاعة ، ورضي قوله وشفاعته فيه، وهذا كقوله (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه )البقرة(٢٥٥) وقوله:(ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)الأنبياء(٢٨) وقوله : (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له)سبأ(٢٣).وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال في حديث الشفاعة الطويل : «آتي تحت العرش ، و أخرّ لله ساجدا ويفتح عليّ بمحامد لا أحصيها الآن ، فيدعني ما شاء أن يدعني ، ثم يقول: يا محمد ، ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع تشفع ، قال : فيُحدّ لي حدا، فأدخلهم الجنة ثم أعود» .
20:110Page 319
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا ١١٠
He [i.e., Allāh] knows what is [presently] before them and what will be after them,1 but they do not encompass it [i.e., what He knows] in knowledge.
١١٠ - ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ﴾ أي: من أمور الآخرة ﴿وَمَا خَلۡفَهُمۡ﴾ أي : من أمور الدنيا ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا﴾ أي : لا تحيط علومهم بذاته العلية ولا بصفاته ولا بمعلوماته ، ومثله قوله: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء)البقرة(٢٥٥).
20:111Page 319
۞ وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا ١١١
And [all] faces will be humbled before the Ever-Living, the Self-Sustaining.1 And he will have failed who carries injustice.2
١١١ -﴿وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ﴾ أي : ذلت وخضعت ، أو : استأسرت واستسلمت . والمراد : ذل الناس وخضعوا في ذلك اليوم خضوع العناة، أي : الأسارى. و أصل العنو: الذل. ﴿لِلۡحَيِّ﴾ الذي لا يموت أبدا ﴿ٱلۡقَيُّومِۖ﴾ القائم بكل شيء القيّم على كل شيء، الكامل في نفسه وذاته ، وأسمائه وصفاته ، وأقواله وأفعاله ، القيوم على خلقه بالتدبير .فالحي : الكامل الدائم الحياة بلا زوال، وهي صفة جامعة لصفات الذات . والقيوم : الكامل الدائم القيام على كل شيء ، وهي صفة جامعة لصفات الأفعال .﴿وَقَدۡ خَابَ﴾ أي : خسر وهلك يوم القيامة ﴿مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا﴾ أي : شركا وكفرا ، أو : من حمل شيئا من الظلم فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه .وفي الحديث القدسي : يقول الله عز وجل : «وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم» .
20:112Page 319
وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا ١١٢
But he who does of righteous deeds while he is a believer - he will neither fear injustice nor deprivation.
١١٢ – ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ أي : من الأعمال الصالحة ، فرضها ونفلها ، واجبها ومسنونها، ﴿وَهُوَ مُؤۡمِنٞ﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء خيره وشره، ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا﴾ أي: زيادة في سيئاته، بأن يعاقب بغير ذنب ، أو يحمل عليه ذنب غيره. [و في قراءة: بالجزم: (فلا يخفْ ظلما)] ﴿وَلَا هَضۡمٗا﴾ أي : ولا يخاف انتقاصا من حقه وحسناته أو : نقصا من ثوابه. يقال : هضمه حقه : إذا نقصه إياه .
20:113Page 319
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا ١١٣
And thus We have sent it down as an Arabic Qur’ān1 and have diversified therein the warnings that perhaps they will avoid [sin] or it would cause them remembrance.
١١٣ - ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي : ومثل إنزال الآيات المشتملة على ذكر القصص المتقدمه المنبئة عما سيقع من أحوال القيامة وأهوالها ﴿أَنزَلۡنَٰهُ﴾ أي : القرآن ﴿قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا﴾ مبينا ﴿وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ﴾ أي : كررنا الوعيد فيه ، على أوجه مختلفة وأساليب شتى، أو : نوعناه أنواعا كثيرة ، وضروبا عديدة من الوعيد ، تخويفا وتهديدا وتصريحا وتلويحا.﴿لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ الله فيمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه ، أو : يتقون الكفر والشرك ، ويتركون المآثم و المحارم والمعاصي ﴿أَوۡ يُحۡدِثُ﴾ القرآن ﴿لَهُمۡ ذِكۡرٗا﴾ أي: اعتبارا واتعاظا في قلوبهم، مؤديا إلى الاتقاء . أو: جدّا و ورعا ، و قيل: شرفا بإيمانهم. أو المعنى: أن القرآن ينشىء ويوجد لهم ما ينفعهم : فعلا للخيرات وتركا للمنكرات وعملا بالطاعات .
20:114Page 320
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا ١١٤
So high [above all] is Allāh, the Sovereign,1 the Truth.2 And, [O Muḥammad], do not hasten with [recitation of] the Qur’ān before its revelation is completed to you, and say, "My Lord, increase me in knowledge."
١١٤ - ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ﴾ جل وعلا ، أي: تنزه وتقدس عن كل آفة ونقص ، وتناهى في العلو والعظمة عن مماثلة خلقه وعما يقوله المشركون ﴿ٱلۡمَلِكُ﴾ الذي له الملك كله ، والأمر كله ، والخلق كله ﴿ٱلۡحَقُّۗ ﴾ في ذاته و أسمائه وصفاته ، فوعده حق ووعيده حق ﴿وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ﴾ أي : بقراءته ﴿مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ﴾ أي : يُفرغ ويتم إليك ﴿وَحۡيُهُۥۖ﴾ أي : إبلاغه.[و في قراءة : بالبناء للفاعل :(من قبل أن نقضي إليك وحيَه)].وذلك أن النبي ﷺ كان يبادر جبريل بالوحي ، فيقرأ الآية قبل أن يفرغ جبريل من الوحي ، حرصا منه ﷺ على قراءته وحفظه ، فأرشده الله إلى ما هو الأسهل والأخف في حقه لئلا يشق عليه ، فقال: (لا تحرك به لسانك لتعجل به ١٦ إن علينا جمعه وقرآنه ١٧)القيامه(١٦-١٧) أي: أن نجمعه في صدرك ثم تقرأه على الناس من غير أن تنسى منه شيئا. وقيل : المعنى : لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله . ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي﴾ منك ﴿عِلۡمٗا﴾ أي : سل ربك زيادة العلم .ولم يزل ﷺ في زيادة من العلم حتى توفاه الله .وكان يقول كما في الحديث عند ابن ماجه والترمذي والبزار عن أبي هريرة مرفوعا : «اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني ، و زدني علما ، والحمد لله على كل حال». وزاد البزار في آخره : «و أعوذ بالله من حال أهل النار».
20:115Page 320
وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا ١١٥
And We had already taken a promise from Adam before, but he forgot; and We found not in him determination.1
١١٥ - ﴿وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ﴾ أي: وصيناه وأمرناه، أو : أوحينا إليه أن لا يقرب الشجرة أو يأكل منها ﴿مِن قَبۡلُ﴾ أي : من قبل أكله منها ﴿فَنَسِيَ﴾ العهد بعدم الأكل من الشجرة ، ولم يشتغل بحفظه حتى غفل عنه، أو : فترك العمل بما عهد الله إليه فأكل منها ﴿وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا﴾ أي : حزما وثبات قدم في الأمور ، أو: صبرا عما نهيناه عنه من أكل الشجرة . أو: حفظا لما أمر به وتصميما عليه . والعزم : توطين النفس على الفعل والتصميم عليه . وقد كان آدم عليه السلام قد وطن نفسه على ألا يأكل من الشجرة ، وصمم على ذلك ، فلما وسوس إليه الشيطان ، لانت عريكته وفتر عزمه، و أصابه ضعف البشر فلم يصبر عن أكل الشجرة .
20:116Page 320
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ ١١٦
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except Iblees;1 he refused.
١١٦ - ﴿وَ﴾ اذكر ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ﴾ سجود تشريف وتكريم وتعظيم لا سجود عبادة ﴿فَسَجَدُوٓاْ﴾ ممتثلين أمر الله في ذلك ﴿إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ﴾ أي: امتنع عن السجود استكبارا عن أمر الله. قائلا :(أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)الأعراف(١٢).
20:117Page 320
فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ ١١٧
So We said, "O Adam, indeed this is an enemy to you and to your wife. Then let him not remove you from Paradise so you would suffer.
١١٧ - ﴿فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا﴾ أي : إبليس ﴿عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ﴾ حواء ﴿فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ﴾ بحسده وعداوته ﴿فَتَشۡقَىٰٓ﴾ أي : فتتعب وتعنى في طلب رزقك ومعاشك من حرث وزرع ونحوهما ، فإنك هنا في عيش هنيء رغيد بلا كلفة ولا مشقة. وخُص بالشقاء دون زوجه، لأن الرجل يسعى على زوجته .
20:118Page 320
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعۡرَىٰ ١١٨
Indeed, it is [promised] for you not to be hungry therein or be unclothed.
١١٨ - ﴿إِنَّ لَكَ﴾ يا آدم ﴿أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا﴾ أي : في لجنة ﴿وَلَا تَعۡرَىٰ﴾ فيها، أي : لا يصيبك فيها شيء من الجوع والظمأ والعري ، وإنما قرَن بين الجوع والعري ، لأن الجوع : ذل الباطن ، والعري : ذل الظاهر .والعري : خلاف اللبس ، يقال : عري من ثيابه يعرى عُريا وعُرية : إذا تجرد من اللباس .
20:119Page 320
وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ ١١٩
And indeed, you will not be thirsty therein or be hot from the sun."
١١٩ - ﴿وَأَنَّكَ﴾ [و في قراءة : بكسر الهمزة (و إنك) عطف على اسم «إن» وجملتـها] . ﴿لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا﴾ أي: لا تعطش في الجنة ﴿وَلَا تَضۡحَىٰ﴾ أي : ولا يصيبك حر شمس الضحى ، لانتفاء الشمس في الجنة . يقال : ضحا – كسعى ورضي – ضحْوا وضُحيا : إذا أصابته شمس الضحى . و قرن بينهما أيضا لأن الظمأ: حر الباطن ، والضحى: حر الظاهر .فالله قد ضمن له في الجنة استمرار الطعام والشراب والكسوة والماء، وعدم التعب والنصب ، فإن أصول المتاعب في الدنيا هي: تحصيل الشبع والري والكسوة والمسكن.
20:120Page 320
فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ ١٢٠
Then Satan whispered to him; he said, "O Adam, shall I direct you to the tree of eternity and possession that will not deteriorate?"
١٢٠ - ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ أي: زين له الأمر، وهو الأكل من الشجرة، أو : أنهى إليه الوسوسة والتزيين بالأكل من الشجرة التي نهاه الله عنها في قوله: (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين)البقرة(٣٥).و الوسوسة : الخطرة الرديئة ، وأصلها: من الوسواس: وهو صوت الحلي والهمس الخفي .والمقصود به : إغراء الشيطان . ﴿قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ﴾ أي : التي يخلد في الجنة من يأكل منها فلا يموت .﴿وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ﴾ أي : لا يزول ولا ينقضي ولا يفنى ، وهو لازم الخلد ، وكان ذلك استدراجا من إبليس لهما للوقوع في المعصية ومخالفة أمر الله ، كما قال تعالى :(فدلاهما بغرور)الأعراف(٢٢).
20:121Page 320
فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ١٢١
And they [i.e., Adam and his wife] ate of it, and their private parts became apparent to them, and they began to fasten over themselves from the leaves of Paradise. And Adam disobeyed his Lord and erred.
١٢١ - ﴿فَأَكَلَا مِنۡهَا﴾ أي : من الشجرة، أي : آدم وزوجه ، ﴿فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا﴾ أي : ظهرت لهما عوراتهما، أو : فبدا لكل منهما سوأة الآخر وعورته، بعد أن كانا مستوريْن. ﴿وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ﴾ أي: أخذا وشرعا يلصقان و يلزقان ﴿عَلَيۡهِمَا﴾ أي: على عوراتهما ﴿مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ﴾ ليستترا به .﴿وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ﴾ بالأكل من الشجرة ومخالفة أمره تعالى في النهي عن الأكل منها ، سهوا أو بتأول . أو: تعدى إلى ما لم يكن له أن يتعدى إليه ﴿فَغَوَىٰ﴾ أي: فضل عن مطلوبه، وهو الخلود في الجنة ، وحاد عنه ، ولم يظفر به . يقال : غوى يغوي غَيا ، وغوي غِواية ، ضل . أو: ففسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا. والغي : الفساد.و أما عصيان آدم ربه ، ومخالفة أمره، فلكونه كان متأوّلا ، إذ اعتقد أن النهي كان عن شجرة معينة لا عن النوع كله ، وتسمية ذلك عصيانا لعلو منصبه عليه السلام ، وقد قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.والخصف : خرز طاقات النعل ونحوه ، بإلصاق بعضها ببعض ، وفعله من باب «ضرب» . والسوْأة : فرج الرجل والمرأة ، من السوْء ، وسميت العورة سوأة ، لأن انكشافها يسوء صاحبها . وقد قيل إن الكلام عن انكشاف سوآتهما كناية عن إزالة الحرمة وإسقاط الجاه، والقول الأول بالحمل على حقيقة اللفظ أولى بالصواب .
20:122Page 320
ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ ١٢٢
Then his Lord chose him and turned to him in forgiveness and guided [him].
١٢٢ - ﴿ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ﴾ أي : اصطفاه للنبوة واختاره وقربه ، ووفقه للإنابة، بعد أن تاب من المعصية واستغفر ربه منها ، وذلك في قوله:(ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)الأعراف(٢٣).﴿فَتَابَ عَلَيۡهِ﴾ ربه ، أي : قَبِل منه توبتـه وإنابتـه ﴿وَهَدَىٰ﴾ أي: هداه إلى المداومة على التوبة والإنابة والاستغفار إلى الله ووفقه لذلك .
20:123Page 320
قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ ١٢٣
[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise] - all, [your descendants] being enemies to one another. And if there should come to you guidance from Me - then whoever follows My guidance will neither go astray [in the world] nor suffer [in the Hereafter].
١٢٣ - ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿ٱهۡبِطَا﴾ أي: آدم و إبليس بما اشتملتما عليه من ذريتكما ﴿مِنۡهَا﴾ أي : من الجنة إلى الأرض ﴿جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ ﴾ أي : بعض الذرية عدو للبعض الآخر، أي : أنتما عدو إبليس و ذريته، و إبليس عدوكما و عدو ذريتكما .وفي آية أخرى: (قلنا اهبطوا منها جميعا)البقرة(٣٨) أي : آدم و زوجه وإبليس . فأمر تعالى آدم و إبليس أن يهبطا من الجنة إلى الأرض، وأن يتخذ آدم وذريته الشيطان وذريته ، عدوا لهم، فيأخذوا الحذر منه ومن أتباعه. و يحتمل أن يكون قوله : (اهبطا) لآدم و حواء، فيكون بعض الذرية عدوا لبعض في المعاش و المصالح.﴿فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى﴾ بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، ﴿فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ﴾ أي : ما أبعثه بهداية الخلق من رسول أو كتاب أو حجة أو بيان ﴿فَلَا يَضِلُّ﴾ في الدنيا ﴿وَلَا يَشۡقَىٰ﴾ في الآخرة .وفي سورة البقرة آية ٣٨: (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون).
20:124Page 320
وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤
And whoever turns away from My remembrance - indeed, he will have a depressed [i.e., difficult] life, and We will gather [i.e., raise] him on the Day of Resurrection blind."
١٢٤ - ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي﴾ أي: عن الهدى، الذاكر لي والداعي إليّ ، أو: أعرض عن ديني، متناسيا إياه، مبتغيا الهدى في سواه، فأدبر معرضا عنه، متوليا غيره، ولم يقبله ﴿فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا﴾ أي: ضيقة شديدة في الدنيا ، فلا طمأنينة له ، ولا انشراح لصدره، بل هو في قلق وحيرة وشك وريبة وتردد ، وإن تنعم ظاهره وكثر ماله وعظم عند الناس جاهه .والضنْك : ضيق العيش، وكل ما ضاق فهو ضنك ، يستوي فيه الواحد والأكثر ، والمذكر والمؤنث .يقال : ضنُك يضنُك ضنكا وضناكة وضنوكة : إذا ضاق . وفسرت المعيشة الضنك بعذاب القبر ، فقد روى البزار عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قول الله عز وجل: (فإن له معيشة ضنكا) قال: «عذاب القبر» .قال ابن كثير : إسناده جيد.﴿وَنَحۡشُرُهُۥ﴾ أي : المعرض عن ذكر ربه ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ البصر، أي: يبعث ويحشر إلى النار أعمى البصر والبصيرة ،كقوله : (و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما)الإسراء(٩٧). وقيل : إن المراد بالعمى هنا : العمى عن الحجة والبيان، والقول الأول أولى بالصواب ، ويؤيده قوله:
20:125Page 320
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥
He will say, "My Lord, why have you raised me blind while I was [once] seeing?"
١٢٥ - ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا﴾ أي : في الدنيا، فما الذي صيّرني إلى هذه الحالة من العمى ؟
20:126Page 321
قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ ١٢٦
[Allāh] will say, "Thus did Our signs come to you, and you forgot [i.e., disregarded] them; and thus will you this Day be forgotten."
١٢٦ - ﴿قَالَ﴾ الله له : الأمر ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أو : مثل ذلك فعلت أنت ، فإن الجزاء من جنس العمل . ﴿أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ﴾ وأعرضت عنها ، وتركتها، ولم تؤمن بها ، قولا وعملا، ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي : ومثل نسيانك آياتنا ﴿ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ﴾ أي : تترك في العذاب، أو : نعاملك معاملة من ينساك ، كقوله : (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا)الأعراف(٥١). والنسيان هنا من باب المشاكلة اللفظية ، وإلا فإن الله لا ينسى شيئا.قال ابن كثير: فأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والعمل بمقتضاه، فليس داخلا في هذا الوعيد الخاص، و إن كان متوعدا عليه من جهة أخرى، فعن سعد بن عبادة عند أحمد في المسند عن النبي ﷺ قال : «ما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه ، وهو أجذم».
20:127Page 321
وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ ١٢٧
And thus do We recompense he who transgressed and did not believe in the signs of his Lord. And the punishment of the Hereafter is more severe and more enduring.1
١٢٧ - ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي : ومثل جزائنا من أعرض عن آياتنا ﴿نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ﴾ أي : أشرك ، أو : تعدى حدود الله ، وارتكب محارمه ، وانهمك في شهواته ، وجاوز ما أحل الله إلى ما حرم الله . والإسراف : مجاوزة الحد .﴿وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ﴾ بل كذب بها ، واستمر على ذلك ﴿وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ﴾ من عذاب الدنيا ﴿وَأَبۡقَىٰٓ﴾ أي: أدوم وأثبت ، لكونه لا ينقطع، بخلاف عذاب الدنيا ، وهذا كقوله : (لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق)الرعد(٣٤). وقوله ﷺ للمتلاعنين في الحديث الصحيح : «إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة».رواه مسلم.
20:128Page 321
أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ١٢٨
Then, has it not become clear to them how many generations We destroyed before them as they walk among their dwellings? Indeed in that are signs for those of intelligence.
١٢٨ - ﴿أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ﴾ أي : أغفلوا فلم يُبين الله لهم – أي : لأهل مكة وغيرهم-﴿كَمۡ أَهۡلَكۡنَا﴾ أي : كثرة إهلاكنا ﴿قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ﴾ أي : من الأمم الماضية ، لتكذيبها الرسل ﴿يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ﴾ أي : يتقلبون في ديارهم ، في سفرهم إلى الشام وغيرها ، للتجارة وطلب المعيشة فيتعظوا ويعتبروا وينيبوا إلى ربهم ؟ وأصل معنى «يهدي» : أي يدل على الهدى .والمعنى : أفلم يتبين لهؤلاء المكذبين المعرضين – من أهل مكة وغيرها- كم أهلك الله قبلهم من الأمم الماضية المكذبين للرسل، كقوم هود و صالح و لوط وغيرهم، حيث كانوا يمشون في مساكن تلك الأمم المكذبة ، وذلك عند خروجهم للتجارة وطلب المعيشة، فيرون ديارهم خاوية على عروشها، فإن ذلك مما يوجب اعتبارهم واتعاظهم بهم ، لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك من العذاب والعقاب .﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ أي : في مشاهـدة آثار الأمـم السابقة والاعتبار بهم ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي : لعبرا ودلالات وعـظات ﴿لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾ أي : لـذوي العــقول السليـمة، والألبــاب المستقيمة ، والبصائر التي تنهى أصحابها عن القبائح .والآية كقوله تعالى : (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم)السجدة(٢٦)، وكقوله : (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها)الحج(٤٦).
20:129Page 321
وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى ١٢٩
And if not for a word1 that preceded from your Lord, it [i.e., punishment] would have been an obligation [due immediately],2 and [if not for] a specified term [decreed].
١٢٩ - ﴿وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ﴾ بإمهالهم ، وإنظارهم وتأخير العذاب عنهم إلى يوم القيامة، أو عدم أخذهم بعذاب الاستئصال في الدنيا ﴿لَكَانَ﴾ أي : عقابهم على جناياتهم ﴿لِزَامٗا﴾ أي : لازما لهم في الدنيا ، كما فعل بالأمم السابقة. مصدر لازمه : إذا لم يفارقه ولم ينفك عنه . أو (لزاما) بمعنى : عاجلا .﴿وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى﴾ أي : ولولا الأجل المسمى لأعمارهم، لما تأخر عذابهم أصلا. معطوف على «كلمة» أي : ولولا كلمة سبقت من ربك بتأخير العذاب عنهم والأجل المسمى لأعمارهم، لما تأخر عنهم العذاب أصلا .
20:130Page 321
فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ ١٣٠
So be patient over what they say and exalt [Allāh] with praise of your Lord before the rising of the sun and before its setting; and during periods of the night [exalt Him] and at the ends of the day, that you may be satisfied.
١٣٠ - ﴿فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أي: من تكذيبهم وأذيتهم لك وقولهم: ساحر ، كاهن ، شاعر، كذاب. ﴿وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ﴾ أي : صلّ متلبسا بحمد ربك على هدايته وتوفيقه ﴿قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ﴾ أي: صلاة الفجر ﴿وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ﴾ أي : صلاة العصر. ﴿وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ﴾ أي: ساعاته وأوقاته ﴿فَسَبِّحۡ﴾ أي : فصل المغرب والعشاء.وقيل : عنى صلاة العشاء الآخرة لأنها من ساعات الليل .﴿وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ﴾ أي : وصلّ الظهر في أطراف النهار ، أي: في طرفي نصفيه ، يعنى : في الوقت الذي يجمع الطرفين، وهو وقت الزوال ، إذ هو نهاية النصف الأول وبداية النصف الثاني ، فوقت صلاة الظهر يدخل بزوال الشمس، فهو إذن طرف النصف الأول ، وطرف النصف الثاني .و قيل : إنما عنى بذلك صلاة الظهر و صلاة المغرب، لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول و أول طرف النهار الآخر ، و الطرف الثالث : غروب الشمس و عندها تُصلى المغرب.وقيل : إن المراد بالآية : صلاة التطوع. وبالتسبيح: تنزيه الله تعالى عن السوء والنقص، والثناء عليه بالجميل في هذه الأوقات .﴿لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ﴾ بما يعطيك الله من الثواب العاجل والآجل، كقوله سبحانه : (ولسوف يعطيك ربك فترضى)الضحى(٥).[و في قراءة : (لعلك تُرضى) أي : لعل الله يرضيك من عبادتك إياه وطاعتك له] .وفي الصحيحين : «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر ، لا تضامون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا ، ثم قرأ : (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)» .وعند أحمد ومسلم أن رسول الله ﷺ قال : «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها» .
20:131Page 321
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ ١٣١
And do not extend your eyes toward that by which We have given enjoyment to [some] categories of them, [its being but] the splendor of worldly life by which We test them. And the provision of your Lord is better and more enduring.
١٣١ - ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ﴾ يا محمد، أي : لا تُطل نظر عينيك ، أو : لاتنظر ﴿إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا﴾ أي: أصنافا و أشكالا ﴿مِّنۡهُمۡ﴾ أي : من الكفار ﴿زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: زينتها وبهجتها ، من المال والمباني والرياش والمراكب وغيرها . مفعول ثان ل «متعنا» لتضمينه معنى: أعطينا .﴿لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ﴾ أي : لنبتليهم فيه ونختبرهم ، أو لنعاملهم معاملة من يختبرهم به. أو : لنعذبهم في الآخرة بسببه .﴿وَرِزۡقُ رَبِّكَ﴾ في الآخرة ﴿خَيۡرٞ﴾ لك مما متعناهم به في الدنيا ﴿وَأَبۡقَىٰ﴾ أي: وأدوم لكونه لا ينقطع . وهذا نظير قوله سبحانه و تعالى :(لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم)الحجر(٨٨) . والآية نهي له ﷺ عن الإعجاب بالدنيا و زينتها ، والرغبة فيها والتعلق الشديد بها ، بحيث يلهيه ذلك عن النظر إلى الآخرة ، وتكون هي الشغل الشاغل له . والخطاب له ﷺ ، والمراد : أمته ، لأنه ﷺ كان أزهد الناس في الدنيا، وأبعدهم عن التطلع لزخارفها ، وأعلق بما عند الله من كل أحد .وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم، ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا : وما زهرة الدنيا؟ قال : بركات الأرض».و أخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه والبزار وأبو يعلى عن أبي رافع - في سبب نزول هذه الآية-: أن النبي ﷺ أضاف ضيفا فأرسل أبا رافع إلى رجل من اليهود: أن أسلفني دقيقا إلى هلال رجب، فقال : لا إلا برهْن، فأتى أبو رافع فأخبره ، فقال: « أما والله إني لأمين في السماء، أمين في الأرض» فنزلت الآية .
20:132Page 321
وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ ١٣٢
And enjoin prayer upon your family [and people] and be steadfast therein. We ask you not for provision; We provide for you, and the [best] outcome is for [those of] righteousness.
١٣٢ - ﴿وَأۡمُرۡ﴾ يا محمد ﴿أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ﴾ أي : بإقامتها ﴿وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ﴾ أي : و اصبر نفسك أنت على أداء الصلاة وإقامتها في أوقاتها، بأركانها وحدودها ﴿لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ ﴾ أي : لا نكلفك الرزق لنفسك ولا لغيرك ﴿نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ ﴾ و نرزقهم ﴿وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ﴾ أي : العاقبة المحمودة والمآل الحسن ، في الدنيا والآخرة، لمن اتقى الله بفعل ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه ، كقوله: (والعاقبة للمتقين)الأعراف(١٢٨) .وفي الآية : إشارة إلى استنقاذ العبد نفسه و أهله من عذاب الله يوم القيامة بإقام الصلاة والصبر عليها، كقوله : (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة)التحريم(٦).وإشارة إلى أن إقامة الصلاة سبب من أسباب الرزق ، كقوله : (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ٢ ويرزقه من حيث لا يحتسب ٣)الطلاق(٢-٣).وفي الحديث عند الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال : «يقول الله تعالى : يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسدّ فقرك ، وإن لم تفعل ، ملأت صدرك شغلا ، ولم أسد فقرك» .وعن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كانت الدنيا همه ، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه ، و أتته الدنيا وهي راغمة» .رواه ابن ماجه.
20:133Page 321
وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ ١٣٣
And they say, "Why does he not bring us a sign from his Lord?" Has there not come to them evidence of what was in the former scriptures?1
١٣٣ - ﴿وقالوا﴾ أي : مشركو مكة، المكذبون لرسول الله ﷺ : ﴿لَوۡلَا﴾ أي: هلا ﴿يَأۡتِينَا﴾ محمد ﴿بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ﴾ أي: بعلامة دالة على صدقه ، كما كان يأتي بها من قبله من الأنبياء ، أي : من الآيات التي اقترحناها عليه، كجعل الصفا ذهبا ونحو ذلك من آيات الاقتراح والتعنت، كما في سورة الإسراء : الآيتين : ( ٩٠ ،٩١).قال الله تعالى رادا عليهم : ﴿أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم﴾[و في قراءة بالياء :(يأتهم)] ﴿بَيِّنَةُ﴾ أي: بيان ﴿مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ﴾ أي: أجهلوا ولم يكفهم اشتمال القرآن على بيان ما في الصحف الأولى – وهي الكتب السماوية السابقة – في كونه معجزة، حتى طلبوا غيرها ؟ فالبينة : القرآن، والصحف الأولى : ما سبقه من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل. وهذه الآية كقوله سبحانه و تعالى : (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون)العنكبوت(٥١).وقيل : إن المعنى: أولم يأتهم بيان ما في الكتب السابقة المشتمل عليه القرآن، من أنباء الأمم الماضية، وإهلاكهم بتكذيب الرسل ، واقتراح الآيات .وقيل: أولم يأتهم بيان ما في الكتب المنزلة ، وفيها التصريح بنبوته ، والتبشير به ، مما يدفع إنكارهم لنبوته، ويثبت صدق دعوته .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences