Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Taha 20:40–71
20:40Page 314
إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠
[And We favored you] when your sister went and said, 'Shall I direct you to someone who will be responsible for him?' So We restored you to your mother that she might be content and not grieve. And you killed someone,1 but We saved you from retaliation and tried you with a [severe] trial. And you remained [some] years among the people of Madyan. Then you came [here] at the decreed time, O Moses.
٤٠ – ﴿إِذۡ﴾ للتعليل ﴿تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ﴾ تتابعك وتتعرف على خبرك ، وذلك بعد إلقاء أمك لك في اليم ، فوجدت آل فرعون يطلبون لك مرضعة ، حيث كانوا يعرضون عليه المراضع، فلا يقبل ثدي واحدة منهن . ﴿فَتَقُولُ﴾ أي : أخته لهم : ﴿هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ﴾ أي : على امرأة تضمه إلى نفسها ، فتحفظه، وترضعه وتربيه لكم. يقال : كفله و كفّله : إذا عاله ، والكافل : العائل . فجاءت بأمه ، فقَبِل ثديها ، فاستأجروها على إرضاعه. ثم ذكر المنة الرابعة فقال:﴿فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا﴾ أي : تسر برجوعك إليها بعد أن قذفتك في اليم وعظم عليها فراقك ﴿وَلَا تَحۡزَنَۚ﴾ عليك بسبب فراقك لها أول ولادتك ، أو : بسبب يطرأ عليك بعد ذلك . وفي الحديث : «مثل الصانع الذي يحتسب في صنعته الخير، كمثل أم موسى ، ترضع ولدها وتأخذ أجرها».ثم ذكر المنة الخامسة ، فقال : ﴿وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا﴾ هو القبطي الذي وكزه موسى ، حين اقتتل مع اليهودي، فقضى عليه ، وكان قتله له خطأ ﴿فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ﴾ وهو ما حصل لك من قتل القبطي ، حيث قال: (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي)القصص(١٦) و عزم آل فرعون على قتلك ، حيث أنجاك الله منهم بالخروج إلى مدين، فخلصناك من أن يصلوا إلى قتلك وقودك به.ثم ذكر المنّة السادسة فقال :﴿وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ﴾ أي: ابتليناك ابتلاء بالمحن ، واختبرناك بها اختبارا، فخلصناك منها تخليصا مرة بعد أخرى وجعلنا لك فرجا و مخرجا منها.و الفتون : مصدر كالقعود والجلوس.أو : فتناك فتونا وضروبا من الابتلاء والاختبار والمحن، فوجدناك مستقيما في أحوالك . جمع فتْن . أو : نقلناك في أحوالك وأطوارك ، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه .ثم ذكر المنة السابعة فقال :﴿فَلَبِثۡتَ سِنِينَ﴾ عشرا ﴿فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ﴾ حين فررت إليها ، بعد قتلك القبطي، هاربا من فرعون وملئه ، فاستأجرك الرجل الصالح على رعي الغنم عشر سنين ، و زوجك بابنته، ﴿ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ﴾ أي : وفْق الوقت الذي قدرناه لتكليمك واستنبائك وإرسالك ، بلا تقدم ولا تأخر عنه ﴿يَٰمُوسَىٰ﴾ أي : جئت في وقت سبق في علمي وقضائي وقدري ، أن أكلمك فيه ، وأجعلك نبيا رسولا .تقول العرب : جاء فلان على قدر : إذا جاء لميقات الحاجة إليه . وكانت سِنُّه إذا ذاك أربعين سنة . أو : جئت موافقا لقدرى وإرادتي من غير ميعاد، فإن الأمر كله لله .و مَدْين : قرية شعيب عليه السلام، واقعة حول خليج العقبة ، عند نهايته الشمالية ، وشمال الحجاز وجنوب فلسطين ، على ثماني مراحل من مصر .
٤١ – ثم ذكر المنة الثامنة ، فقال :﴿وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي﴾ أي جعلتك محل صنيعتي وإحساني ، و أجريت عليك صنائعي و نعمي وحسن عوائدي وتربيتي ، لتبليغ رسالتي ، وإقامة حجتي .افتعال من الصنع بمعنى : الصنيعة، وهي : الإحسان والإنعام والإفضال. أو : اصطفيتك واجتبيتك واخترتك لنفسي بالنبوة والرسالة وإقامة الحجة. وقيل : هو تمثيل لما خوّله الله تعالى من جلائل النعم، بتقريب الملك من يراه أهلا للتقريب ، فيصطنعه بالكرامة ويجعله من خواصه وندمائه.و الحمل على حقيقة المعنى أولى من المجاز.وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ ، قال: «التقى آدم وموسى ، فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم : وأنت الذي اصطفاك الله برسالته، واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ فقال : نعم ، قال – أي: آدم: فوجدتَه مكتوبا عليّ قبل أن يخلقني ، قال-أي: موسى-: نعم، فحجّ آدمُ موسى» .
20:42Page 314
ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي ٤٢
Go, you and your brother, with My signs and do not slacken in My remembrance.
٤٢ – ﴿ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ﴾ هارون ﴿بِـَٔايَٰتِي﴾ التسع ، الدالة على الحق وصحة ما جئتما به ، أي: بحججي وبراهيني ومعجزاتي ، كاليد والعصا والسنين ونقص الثمرات، والطوفان والجراد ، والقمل والضفادع والدم . ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ أي : لا تضعفا ولا تفتُرا ولا تبطئا أو تُقصرا ﴿فِي ذِكۡرِي﴾ أي: في تبليغ رسالتي ، أو : في ذكري بتسبيح وتهليل ونحوه ، و بما يليق بي من الصفات الجليلة عند تبليغ رسالتي ، والدعاء إلى عبادتي . والمراد : لا تفترا في ذكر الله ، بل اذكرا الله في حال مواجهة فرعون وملئه ، ليكون ذكر الله عونا لكما عليه وقوة لكما وسلطانا قاهرا له.وفي الحديث: «إن عبدي ، كل عبدي، الذي يذكرني وهو مناجز قرنه» .يقال: ونى في الأمر وعن الأمر، يني ونيا : إذا فتر وضعف .
20:43Page 314
ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣
Go, both of you, to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.
٤٣ – ﴿ٱذۡهَبَآ﴾ الأمر لموسى وهارون – عليهما السلام - ﴿إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ﴾ فادعواه إلى عبادة الله وحده لا شريك له ﴿إِنَّهُۥ طَغَىٰ﴾ أي : جاوز الحد في كفره وتمرده ، وعتوه وتجبره على الله، وعصيانه له ، وطغيانه وظلمه وعدوانه ، وذلك بادعائه الربوبية في قوله :(أنا ربكم الأعلى)النازعات(٢٤).والألوهية كما في قوله :(ما علمت لكم من إله غيري)القصص(٣٨).
20:44Page 314
فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤
And speak to him with gentle speech that perhaps he may be reminded or fear [Allāh]."
٤٤ – ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا﴾ أي : سهلا رقيقا رفيقا، لا خشونة فيه ولا تعنيف ، ولا غلظة في المقال ، أو فظاظة في الفعال ، أي : أعذرا إليه بكلام ليّن رقيق، سهل رفيـق، ﴿لَّعَلَّهُۥ﴾ إن خـاطبتمـاه بالقـول اللـين ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ أي : يتعظ و يتفكر في قولكما ، فيرجع عما هو فيه من الضلال والهلكة ﴿أَوۡ يَخۡشَىٰ﴾ الله ، فيقبل على طاعته وعبادته .أو : (لعله يتذكر) ما ينفعه ، فيأتيه (أو يخشى) ما يضره، فيتركه ، فإن القول اللين السهل الرفيق أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع ، كما قال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)النحل(١٢٥).وقد فُسر القول اللين بقوله :(فقل هل لك إلى أن تزكى ١٨ وأهديك إلى ربك فتخشى ١٩)النازعات(١٨-١٩).فإنه قد أتى ب «هل» الدالة على العرض والمشاورة، ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس ، وأصله التطهر من الشرك ، ولم يقل: «أزكيك» بل قال: «تزكى» أي : أنت بنفسك ، ثم دعاه إلى سبيل ربه الذي رباه وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة ، والتي ينبغي مقابلتها بشكرها . و التذكر : الرجوع عن المحذور .والخشية : تحصيل الطاعة. والترجي في قوله : (لعله يتذكر أو يخشى) لعلمه تعالى أزلا بأنه لا يرجع عما هو فيه من الكفر والطغيان.
20:45Page 314
قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ ٤٥
They said, "Our Lord, indeed we are afraid that he will hasten [punishment] against us or that he will transgress."
٤٥ - ﴿قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ﴾ أي: نخشى أن يعجل علينا ويبادرنا بالعقوبة ، ولا يصبر إلى إتمام الدعوة وإظهار المعجزة وإقامة الحجة.يقال : فرط عليه يفرط: عجل عليه وآذاه . والإفراط: الإسراف والتعدي.﴿أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ﴾ علينا ، أي: يعتدي ويتكبر ويتمرد عن الحق ، فيقول في شأنك ما لا ينبغي ، لفرط جراءته عليك ، أو: يزداد طغيانا وعتوا وتجبرا بملكه وسلطانه وجنده وأعوانه .
20:46Page 314
قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦
[Allāh] said, "Fear not. Indeed, I am with you both; I hear and I see.
٤٦ – ﴿قَالَ﴾ الله لهما : ﴿لَا تَخَافَآۖ﴾ أن يفرط عليكما ويطغى ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَآ﴾ بعلمي وعوني وحفظي ، وتأييدي ونصري ، أي : حافظكما وناصركما ومؤيدكما ﴿أَسۡمَعُ﴾ قولكما وقوله ، ﴿وَأَرَىٰ﴾ فعلكما وفعله ، فلا يخفى عليّ من أمركم شيء . وفي الآية : إثبات صفات المعية و السمع والبصر لله عز وجل على الوجه الذي يليق بكماله وجلاله ، دون تشبيه ولا تمثيل ، ولا تكييف ولا تعطيل ولا تحريف ولا تأويل .
20:47Page 314
فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ ٤٧
So go to him and say, 'Indeed, we are messengers of your Lord, so send with us the Children of Israel and do not torment them. We have come to you with a sign from your Lord. And peace1 will be upon he who follows the guidance.
٤٧ – ﴿فَأۡتِيَاهُ﴾ أي : فأتيا فرعون ﴿فَقُولَآ﴾ له : ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ أرسلنا إليك ندعوك إلى عبادة الله وحده لا شريك له ﴿فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي : خل سبيلهم وأطلقهم من الأسر والذل والهوان .﴿وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ﴾ بذبح أبنائهم ، واستحياء نسائهم، وتكليفهم ما لا يطيقونه من الأعمال. ﴿ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ﴾ دالة على صدقنا وصدق ما جئنا به ﴿مِّن رَّبِّكَۖ﴾ أي: بدلالة وحجة ومعجزة من ربك، وهي: العصا واليد ، كقوله :(فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ١٠٧ ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ١٠٨)الأعراف(١٠٧-١٠٨). ﴿وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ﴾ أي: السلامة له من سخط الله وعذابه في الدنيا والآخرة ، من اتبع الصراط المستقيم واهتدى بالشرع المبين .وفي البخاري : أن رسول الله ﷺ كتب إلى هرقل عظيم الروم كتابا كان فيه : «من محمد رسول الله ، إلى هرقل عظيم الروم ، سلام على من اتبع الهدى ، أما بعد ، فإني أدعوك بدعاية الإسلام».
20:48Page 314
إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨
Indeed, it has been revealed to us that the punishment will be upon whoever denies and turns away.'"
٤٨ - ﴿إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ﴾ من جهة الله سبحانه وتعالى ، أي : أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا من الوحي المعصوم ﴿أَنَّ ٱلۡعَذَابَ﴾ كائن ﴿عَلَىٰ مَن كَذَّبَ﴾ بآيات الله ورسله ﴿وَتَوَلَّىٰ﴾ أي : وأعرض عن قبولها وعن الإيمان بها، والانقياد لها ، فَلَه الهلاك والدمار في الدنيا ، والخلود في النار في الآخرة .وفيه : ترغيب لفرعون بالإيمان والتصديق والاتباع ، وترهيب من ضدّ ذلك كله. وهذا كقوله : (فأنذرتكم نارا تلظى ١٤ لا يصلاها إلا الأشقى ١٥ الذي كذب وتولى ١٦)الليل(١٤-١٦) و قوله : (فلا صدق ولا صلى ٣١ ولكن كذب وتولى ٣٢)القيامة (٣١-٣٢) أي : كذب بآيات الله بقلبه و تولى عنها بفعله .فأتياه ، فقالا له ما أمرا به .
20:49Page 314
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ ٤٩
[Pharaoh] said, "So who is the Lord of you two, O Moses?"
٤٩ – ﴿قَالَ﴾ فرعون : ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ﴾ أي : من هو الذي بعثك وأرسلك إليّ ؟ فأضاف الرب إليهما، و لم يضفه إلى نفسه لعدم تصديقه لهما، وجحده للربوبية . واقتصر على موسى في الخطاب دون هارون ، لأنه الأصل في الرسالة ، ولإدلاله عليه بالتربية .
20:50Page 314
قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠
He said, "Our Lord is He who gave each thing its form and then guided [it]."
٥٠ – ﴿قَالَ﴾ أي : موسى ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ﴾ أي: أعطى كل شيء صورته وشكله وهيئته الذي يطابق خاصته والمنفعة المنوطة به المطابقة له ، كاليد للبطش، والرجل للمشي واللسان للنطق، والعين للنظر ، والأذن للسمع ، ونحو ذلك ، فسوّاه بها وعدله .وقيل : (أعطى كل شيء) من الخلق (خلقه) الذي يتميز به عن غيره ويصلح له دون سواه . وقيل : المعنى : أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، وينتفعون ، أي: هو الذي خلق ورزق و قدّر .و (خلقه): مصدر بمعنى اسم المفعول، و هو مفعول ثان ل «أعطى». ﴿ثُمَّ هَدَىٰ﴾ أي: دل بذلك على وجوده وقدرته وتفضله ، أو : هدى الخلق وأرشدهم إلى ما يصلحهم، وما خُلقوا لأجله ، فكل ميسر لما خلق له . وهي الهداية الكاملة المشاهدة في جميع المخلوقات ، فكل مخلوق يسعى بهذه الهداية العامة الشاملةإلى جلب منافعه و دفع المضار عنه. وهذا كقوله: (الذي أحسن كل شيء خلقه)السجدة(٧).
20:51Page 314
قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ ٥١
[Pharaoh] said, "Then what is the case of the former generations?"
٥١ – ﴿قَالَ﴾ فرعون : ﴿فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ﴾ أي : ما حال الأمم الخالية ، وما شأنهم وخبرهم ، وقد عبدوا غير ما تدعو لعبادته ، مثل قوم نوح وعاد وثمود ، الذين عبدوا الأوثان ؟ .و البال في الأصل : الفكر ، ثم أطلق على الحال التي يُعتنى بها .
20:52Page 315
قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ٥٢
[Moses] said, "The knowledge thereof is with my Lord in a record. My Lord neither errs nor forgets."
٥٢ – ﴿قَالَ﴾ موسى : ﴿عِلۡمُهَا﴾ أي : علم حالهم محفوظ مثبت ﴿عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ﴾ هو اللوح المحفوظ، يجازيهم عليها يوم القيامة ﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي﴾ أي: لا يغيب عن علمه وحكمته شيء ، ولا يخطيء في علم شيء من الأشياء وتدبيره ﴿وَلَا يَنسَى﴾ ربي شيئا .فأجابه موسى بأن العلم بأحوالهم لا تعلق له بمنصب الرسالة ، وأن علمها عند علام الغيوب ، الذي أحاط بكل شيء علما ، فيجازيهم على كفرهم وضلالهم .وفي الآية وصف علم الله تعالى : بأنه محيط بكل شيء ، وأنه لا ينسى شيئا عَلِمَه ، تبارك وتقدس كقوله : (ألا إنه بكل شيء محيط)فصلت(٥٤) وقوله: (وما كان ربك نسيا)مريم(٦٤).
20:53Page 315
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ ٥٣
[It is He] who has made for you the earth as a bed [spread out] and inserted therein for you roadways and sent down from the sky, rain and produced thereby categories of various plants.
٥٣ – هو﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا﴾ [وفي قراءة : (مهادا)] أي : فرشا ، أو : فراشا و وطائا وقرارا، تستقرون عليها وتعيشون بيسر وسهولة .والمهد والمهاد في الأصل: ما يمهد للصبي من الفراش. وهذا من تمام كلام موسى فيما وصف به ربه عز وجل. ﴿وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا﴾ أي : جعـل لكـم في الأرض ﴿سُبُلٗا﴾ أي : طرقا تسلكونها لقضاء مآربكم ، وسهلها لكم ، كقوله : (و جعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون)الأنبياء(٣١).﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ﴾ أي : من السحاب مطرا .ثم قال تعالى تتميما لما وصفه به موسى، و خطابا لأهل مكة: ﴿فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ﴾ أي : بالمطر النازل من السماء ﴿أَزۡوَٰجٗا﴾ أي: أصنافا أو ضروبا وأشباها ﴿مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ﴾ أي: مختلف المنافع والألوان و الطعوم والروائح والصفات والخصائص .جمع شتيت ، كمريض ومرضى بمعنى: متفرق ، و ألِفُه في آخره للتأنيث، ومنه: شتّ الأمر : إذا تفرق. و «شتى» صفة ل «أزواجا».
20:54Page 315
كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ ٥٤
Eat [therefrom] and pasture your livestock. Indeed in that are signs for those of intelligence.
٥٤ – ﴿كُلُواْ﴾ أي : من ذلك النبات على اختلاف أنواعه ، وتشتت أشكاله وأصنافه ، وتبايـن أحواله ﴿وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ﴾ أي: ارعوها فيما خلقناه لها من هذه النباتات على اختلاف أنواعها وأشكالها.يقال: رعت الدابة ترعى رعْيا ورعاية، ورعاها صاحبها: إذا أسامها و سرّحها و أراحها. والأنعام جمع «نَعَم» وهي: الإبل والبقر والغنم .و الأمر هنا للإباحة ، وتذكير النعمة على وجه الامتنان.والجملة حال من ضمير «أخرجنا». أي: مبيحين لكم الأكل و رعْي الأنعام . وفيه دليل على أن الأصل في جميع النباتات الإباحة ، فلا يحرم منها إلا ما كان مضرا ، كالسموم ونحوه ، لحديث: «لا ضرر ولا ضرار» .﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ المذكور هنــا مــن النعــم والآلاء ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي : لدلالات وحجـجا وبراهـين وعــبرا ﴿لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ﴾ أي : لذوي العقول السليمة المستقيمة الراجحة ، أو : لأصحاب البصائر ، يدركون بها أن ذلك الخلق العظيم والنظام البديع ، لا يكون إلا من رب قادر حكيم .جمع نُهْية : كغُرفة وغُرف ، سمي العقل بها لنهيه صاحبه عن ارتكاب القبائح . وخص أولى النهى بذلك لأنهم المنتفعون بالآيات ، الناظرون إليها نظر اعتبار واستدلال .
20:55Page 315
۞ مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ ٥٥
From it [i.e., the earth] We created you, and into it We will return you, and from it We will extract you another time.
٥٥ – ﴿مِنۡهَا﴾ أي : من الأرض ﴿خَلَقۡنَٰكُمۡ﴾ بخلق أبيكم آدم منها، أي: من الأرض مبدؤكم، وفيها حياتكم . أو : بخلق أبدانكم من النطفة المتولدة من الأرض بوسائط.﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ﴾ أي : عند الموت، فتصيرون إليها، وتدفنون فيها ، وتتفرق أجزاؤكم حتى تصير من جنس الأرض ﴿وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ﴾ أي: عند البعث و النشور.﴿تَارَةً أُخۡرَىٰ﴾ أي: مرة أخرى للحساب و الجزاء، بتأليف أجزائكم المتفرقة، ورد الأرواح من مقرها إليها ، وإخراجكم إلى المحشر(كما بدأنا أول خلق نعيده)الأنبياء(١٠٤) .وقد عدد الله عليهم هذه النعم تذكيرا وإرشادا ليؤمنوا به ، ولكن شاء الله عدم إيمانهم ، عدلا منه و حكمة.والتارة : مفرد تارات وتِيَر ، وهي في الأصل : اسم للتّوْر الواحد ، وهو الجريان ، ثم أطلق على كل فعلة من الفعلات المتجددة : تارة ، ويقال : أتاره ، أعاده مرة بعد أخرى .وهذه الآية كقوله جل في علاه: (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون)الأعراف(٢٥) . وفي الحديث عند أصحاب السنن: أن النبي ﷺ حضر جنازة، فلما دفن الميت، أخذ قبضة من التراب، فألقاها في القبر ، وقال:«منها خلقناكم، ثم أخذ أخرى، فقال: وفيها نعيدكم ، ثم أخرى ، وقال: ومنها نخرجكم تارة أخرى» .
20:56Page 315
وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ ٥٦
And We certainly showed him [i.e., Pharaoh] Our signs - all of them - but he denied and refused.
٥٦ – ﴿وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ﴾ أي : فرعون ﴿ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا﴾ وهي الآيات التسع المذكورة – العصا واليد ، والسنين ونقص الثمرات، والطوفان والجراد، والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات – .وقيل : المراد بالآيات هنا : حجج الله وبراهينه الدالة على توحيده، أي : أن فرعون قامت عليه الحجج والآيات والدلالات على وحدانية الله في العبادة، وعاين ذلك وأبصره.﴿فَكَذَّبَ﴾ بها ﴿وَأَبَىٰ﴾ أي : امتنع عن الإيمان والطاعة وتوحيد العبادة ، كفرا وعنادا وبغيا ، وزعم أنها سحر ، كما قال تعالى :(وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا)النمل(١١٤).
20:57Page 315
قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ ٥٧
He said, "Have you come to us to drive us out of our land with your magic, O Moses?
٥٧ – ﴿قَالَ﴾ فرعون لموسى ، حين أراه بحضرة ملئه ، الآية الكبرى ، وهي إلقاء العصا فصارت ثعبانا عظيما ونزع اليد من تحت الجناح ، فخرجت بيضاء من غير سوء ، قال له : ﴿أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا﴾ أي: أرض مصر ، ويكون لك الملك فيها ﴿بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ﴾ ؟ و إنما ذكر الإخراج من الأرض ، لتنفير قومه عن إجابة موسى ، وزعم أن الآيات سحر لإيهام قومه بأن موسى ساحر، لا نبي يجب عليهم اتباعه ، ولذا قال :
20:58Page 315
فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى ٥٨
Then we will surely bring you magic like it, so make between us and you an appointment, which we will not fail to keep and neither will you, in a place assigned."1
٥٨ - ﴿فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ﴾ يعارضه، أي: فلنعارضنك بمثل ما جئت به من السحر ، فلا يغرنك ما أنت فيه ، ﴿فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا﴾ أي : يوما معينا ، ومكانا معلوما ، ﴿لَّا نُخۡلِفُهُۥ﴾ أي: لا نخلف ذلك الموعد [وفي قراءة بالجزْم: (لا نُخلفْه)] ﴿نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى﴾ أي : محلا نصفا وسطا عدلا بيننا وبينك [و في قراءة : بكسر السين: (سِوىً)].يقال : مكان سُوى – بضم السين – وسِوى – بكسر السين - وسواء : أي: عدل ووسط ، يستوي طرفاه بالنسبة للفريقين .أو : مكانا مستويا من الأرض ظاهرا، ليظهر فيه الحق ويبين أمره. و «مكانا» منصوب بنزع الخافض «في» .و إنما فوّض تعيين الموعد إلى موسى ، إظهارا لكمال اقتداره ، وغلبته عليه .
20:59Page 315
قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى ٥٩
[Moses] said, "Your appointment is on the day of the festival when the people assemble at mid-morning."1
٥٩ – ﴿قَالَ﴾ لهم موسى : ﴿مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ﴾ وكان يوم عيد لهم أو يوم سوق يتزينون فيه، ويجتمعون وينقطعون فيه عن أعمالهم وشواغلهم.وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنه كان يوم عاشوراء . و إنما قصد موسى ذلك اليوم للمعارضة، ليكون الناس فارغين من أعمالهم ، فيجتمعوا جميعا، فيشاهدوا قدرة الله على ما يشاء ، فتظهر الدعوة إلى الحق.﴿َأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ﴾ أي : يُجمع أهل مصر جميعهم ﴿ضُحٗى﴾ أي: ضحوة من النهار، أي : في وقت الضحى، لتكون المعجزة أظهر لأعينهم وأجلى، وأبين وأوضح، فيروا الأمور على حقيقتها ، فلا يشكوا في معجزة موسى عليه السلام .
20:60Page 315
فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ ٦٠
So Pharaoh went away, put together his plan, and then came [to Moses].
٦٠ – ﴿فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ﴾ لما تواعد مع موسى على وقت ومكان معلومين ﴿فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ﴾ أي : مكره، وذلك بجمع سحرته من مدائن مملكته ، كقوله تعالي: (ائتوني بكل ساحر عليم)يونس(٧٩) و قوله: (وأرسل في المدائن حاشرين ٣٦ يأتوك بكل سحار عليم ٣٧)الشعراء(٣٦-٣٧). وكان السحر فيهم إذ ذاك متوافرا كثيرا ، وعلمه مرغوبا فيه متّبعا . ﴿ثُمَّ أَتَىٰ﴾ بهم الموعد لميقات يوم معلوم ، هو : يوم الزينة .
20:61Page 315
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ ٦١
Moses said to them [i.e., the magicians summoned by Pharaoh], "Woe to you! Do not invent a lie against Allāh or He will exterminate you with a punishment; and he has failed who invents [such falsehood]."
٦١ – ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ﴾ لما اجتمع الناس للمشاهدة والمعاينة ، والسحرة للمناجزة والمناظرة ، أي: قال لفرعون وملئه ، أو : لهم وللسحرة وكانوا – كما قيل – اثنين وسبعين ساحرا مع كل واحد منهم حبل وعصا: ﴿وَيۡلَكُمۡ﴾ دعاء عليهم بالهلاك ، أي: ألزمكم الله الويل والهلاك ﴿لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا﴾ بإشراك أحد معه في العبادة ، أو : لا تدعوا الربوبية والإلهية كذبا، وتشركوا بالله افتراء واختلاقا ، ولا تخيلوا للناس بأعمالكم و سحركم إيجاد أشياء لا حقائق لها، وأن فيها حياة وليست كذلك ، فتكونون قد كذبتم على الله ﴿فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ﴾ من عنده [وفي قراءة:(فيَسْحَتكم)] أي: فيستأصلكم ويبيدكم ويهلككم بعذاب عظيم ، لا بقية له ﴿وَقَدۡ خَابَ﴾ أي: ضل وخسر وهلك ﴿مَنِ ٱفۡتَرَىٰ﴾ على الله كذبا .و يسحتكم : من الإسحات ، وأصله : استقصاء الحلق للشعر ، ثم استعمل في الإهلاك والاستئصال مطلقا .يقال : أسحت ماله إسحاتا، استأصله وأفسده ، كسحته سُحْتا ، ومنه : السحت .
20:62Page 315
فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ ٦٢
So they disputed over their affair among themselves and concealed their private conversation.
٦٢ - ﴿فَتَنَٰزَعُوٓاْ﴾ أي : السحرة ﴿أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ﴾ في موسى وأخيه ، أي: لما سمع السحرة كلام موسى تناظروا وتشاوروا وتجاذبوا أطراف الكلام فيما بينهم ، في أمر موسى وأخيه . أو: تشاجروا واختصموا فيما بينهم، فمن قائل : إن موسى على الحق ، فليس هذا بكلام ساحر ، إنما هو كلام نبي، وقائل يقول : بل هو ساحر .أو : ترادوا أمرهم فيه ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ﴾ أي: بالغوا في إخفاء ما يتسارون به عن موسى وأخيه .والنجوى : المسارة في الحديث .
20:63Page 315
قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ ٦٣
They said, "Indeed, these are two magicians who want to drive you out of your land with their magic and do away with your most exemplary way [i.e., religion or tradition].
٦٣ – ﴿قَالُوٓاْ﴾ أي : السحرة ، بطريق التناجي والإسرار ، ما استقر عليه رأيهم في موسى وأخيه : ﴿إِنۡ هَٰذَٰنِ﴾ أي: موسى وهارون ﴿لَسَٰحِرَٰنِ﴾عليمان خبيران بصناعة السحر.و«إن» مخففة مهملة عن العمل ، واللام فارقة ، و«هذان» مبتدأ ، خبره : «ساحران» . [و قرأ ابن كثير :(إنْ هذانِّ لساحران) بالمد المشبع ، وفي قراءة أخرى : (إنَّ هذان لساحران) وفي ثالثة : (إنَّ هذين لساحران)].﴿يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم﴾ أي : أرض مصر ﴿بِسِحۡرِهِمَا﴾ الذي أظهراه ، وهو موافق لقول فرعون في موسى وأخيه . ﴿وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ﴾ أي: بمذهبكم ودينكم، الذي هو أمثل المذاهب وأفضلها . أو : بسُنّتكم وشريعتكم الفضلى . من قولهم : فلان حسن الطريقة ، أي: المذهب . أو : بملككم الذي أنتم فيه، وعيشكم الذي تنعمون به ، وهو : ما هم عليه من السحر ، فإن السحرة كانوا بسبب سحرهم معظمين ولهم أموال ومكاسب وأعطيات يتناولونها ، خافوا أن تنقطع عنهم.و قد يكون المعنى : إنهما إن غلبا بسحرهما ، مال إليهما السادة والأشراف وتابعوهما على أمرهما، ومآل ذلك أن تنقضي سنتكم في الحياة والتي هي أعلى وأمثل وأرقى من حياة سائر الأمم بزعمهم .و المثلى : مؤنث أمثل ، بمعنى : أشرف و أفضل.
20:64Page 315
فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ ٦٤
So resolve upon your plan and then come [forward] in line. And he has succeeded today who overcomes."
٦٤ - ﴿فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ﴾ أي: فأحكموا مكركم في السحر، واعزموا عليه وأزمعوه ، ولا تجعلوه متفرقا.أو: وجّهوا كيدكم وتدبيركم. من أجمع أي : أحكم.يقال : أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت عليه ، بمعنىً . [وفي قراءة :(فاجْمَعوا) بهمزة وصل وفتح الميم ، من «جمع» بمعنى: لمَّ ]. ﴿ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ﴾ أي : مصطفين مجتمعين، متظاهرين متناصرين، ليكون أنظم لأموركم ، و أشد لهيبتكم ، وأجمع لقولكم وعملكم . وهي حال .﴿وَقَدۡ أَفۡلَحَ﴾ أي : فاز بالمطلوب ﴿ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ﴾ أي : غلب وظفر. والمعنى : فاز بالمطلوب من طلب العلو والغلب وسعى سعيه فيه . وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض ، وقيل : من قول فرعون لهم.
20:65Page 316
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ ٦٥
They said, "O Moses, either you throw or we will be the first to throw."
٦٥ – ﴿قَالُواْ﴾ أي : السحرة حين توافقوا هم وموسى عليه السلام : ﴿يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ﴾ عصاك أوّلا، أي: تطرح ما معك قبلنا . و الإلقاء في الأصل : طرح الشيء حيث تلقاه ، أي : تراه ، ثم تعورف في كل طرح . ﴿وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ﴾ نحن ﴿أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ﴾ عصاه . وتخييرهم لموسى عليه السلام في الإلقاء ، لإيهامه أنهم على يقين من ظهورهم عليه ، بأي حالة كانت .
20:66Page 316
قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ ٦٦
He said, "Rather, you throw." And suddenly their ropes and staffs seemed to him from their magic that they were moving [like snakes].
٦٦ – ﴿قَالَ﴾ لهم موسى:﴿بَلۡ أَلۡقُواْۖ﴾ أي : اطرحوا أنتم أولا ما معكم من الحبل والعصي، فألقوا ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ﴾ [وفي قراءة: بالتاء: (تُخيّل إليه)] أي: إلى موسى ﴿مِن سِحۡرِهِمۡ﴾ وحيلتهم ﴿أَنَّهَا تَسۡعَىٰ﴾ أي: تتحرك بسرعة كالأفاعي.قيل: إنهم أودعوها من الزئبق ما كانت تتحرك بسببه، وتضطرب و تميد ، بحيث يخيل للناظر أنها تسعى باختيارها ، فتوهم موسى ، وكذلك يتوهم كل من رآها أنها تسعى، وإنما كانت حيلة أبطلها الله . والتخيل: التوهم على غير الحقيقة. وإنما أمرهم موسى بالإلقاء أولا لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا ما معهم من الحبال و العصي ، ثم يلقي هو عصاه ، فتبتلع ما ألقوه كله، وإظهاراً لعدم المبالاة بسحرهم وكيدهم .و(عصيهم) : أصلها عصوو ، فقلبت الواوان ياءين، وكسرت العين والصاد .
20:67Page 316
فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ ٦٧
And he sensed within himself apprehension, did Moses.
٦٧ – ﴿فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ﴾ أي : أخفى وأضمر ، أو: وجد و أحسّ موسى في نفسه شيئا من الخوف من مفاجأة ذلك بمقتضى الطبيعة البشرية عند رؤية الأمر المهول، وإلا فهو على يقين من وعد الله ونصره له. أو : خاف على الناس أن يفتنوا بسحرهم ، ويغتروا بأمرهم ، فلا يؤمنوا ، ولكن الله ثبته على الحق . والإيجاس : الإخفاء و الإضمار. والخيفة : الخوف .
20:68Page 316
قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٦٨
We [i.e., Allāh] said, "Fear not. Indeed, it is you who are superior.
٦٨ – ﴿قُلۡنَا﴾ له تثبيتا وتطمينا ، عن طريق الوحي: ﴿لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾ عليهم بالظفر والغلبة، وتأييد الله لك ، المستعلي عليهم بقوة الحق الذي لا يُغلب.
20:69Page 316
وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ ٦٩
And throw what is in your right hand; it will swallow up what they have crafted. What they have crafted is but the trick of a magician, and the magician will not succeed wherever he is."
٦٩ – ﴿وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ أي: عصاك ﴿تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ﴾ أي: تبتلع وتلتقم بسرعة ما موّهوا به على الناس وما صنعوه من الحبال والعصي.يقال: لقِفه يلقَفه لقْفا ولقَفانا : تناوله بسرعة وحذق باليد أو الفم .[و في قراءة: بتشديد القاف :(تلقَّفْ) و في أخرى : بالتشديد و ضم الفاء : (تلقّفُ ما صنعوا)].﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ﴾ [و في قراءة: (كيدُ سحر)] أي : مكره وحيلته وخديعته ، فليس ما صنعوا إلا خيالا وتمويها ، في مقابلة آية ومعجزة ربانية ﴿وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ﴾ بسحره ومكره وكيده، فإن الله مبطل صنيعه ، أي: لا يفوز بمطلوبه حيث أتى لدفع الحق . قال تعالى : (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ١١٧ فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ١١٨)الأعراف(١١٧-١١٨).
20:70Page 316
فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ ٧٠
So the magicians fell down in prostration.1 They said, "We have believed in the Lord of Aaron and Moses."
٧٠ – ﴿فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا﴾ أي: خروا ساجدين لله سبحانه وتعالى، وذلك أن موسى لما ألقى عصاه، ابتلعت حبالهم وعصيهم ، فلم ترجع إليهم بشيء ، فعلموا أن صنيع موسى ليس من قبيل السحر، بل هو الحق لا مرية فيه ، عن أمر الله القادر على كل شيء ، فسجدوا لله تعالى . ﴿قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ﴾ فآمنوا بالله رب العالمين ، الذي يقول للشيء : كن ، فيكون .
20:71Page 316
قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ ٧١
[Pharaoh] said, "You believed him [i.e., Moses] before I gave you permission. Indeed, he is your leader who has taught you magic. So I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides, and I will crucify you on the trunks of palm trees, and you will surely know which of us is more severe in [giving] punishment and more enduring."
٧١ – ﴿قَالَ﴾ فرعون للسحرة: ﴿ءَامَنتُمۡ لَهُۥ﴾ أي : لموسى ، أي : صدقتموه واتبعتموه على دينه ، ﴿قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ﴾ بذلك . ﴿إِنَّهُۥ﴾ أي : موسى ﴿لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ﴾ أي : معلمكم و أستاذكم الذي علمكم السحر، أو: أسحركم وأعلاكم درجة في صناعة السحر. أراد فرعون بهذا القول أن يُلبِّس على الناس أمر موسى، و يدخل الشبهة عليهم فلا يؤمنوا ، و إلا فقد علم أن موسى بريء مما اتهم به ، وهذا كقوله: (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها)الأعراف(١٢٣) ثم توعدهم فقال :﴿فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ﴾ أي: من جانبين متخالفين وذلك بقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى ، أو العكس .و خلاف : حال بمعنى : مختلفة.﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ﴾ أي: على جذوعها، وإنما اختارها لخشونتها وأذاها، واختار الصلب ليشتهر أمرهم بين الناس ويفتضح، ﴿وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ ﴾ أراد نفسه ورب موسى جـل وعلا، ﴿أَشَدُّ عَذَابٗا﴾ لكـم ﴿وَأَبۡقَىٰ﴾ أي : أدوم و أثبت له.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences