Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Anbya 21:30–62
21:30Page 324
أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠
Have those who disbelieved not considered that the heavens and the earth were a joined entity, and then We separated them and made from water every living thing? Then will they not believe?
٣٠ - ﴿أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ الجاحدون لإلهية الله تعالى ، العابدون معه غيره، أي: ألم يتفكّروا ويعلموا . والمراد : التمكن من الرؤية بالنظر العقلي .[وفي قراءة: (ألم ير الذين كفروا )].﴿أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا﴾ أي: قبل بدء الخليقة، أو : في ابتداء الأمر ﴿رَتۡقٗا﴾ أي: شيئاً واحداً متصلا بعضه ببعض ، أي: كانتا ملتصقتين ملتزقتين ليس بينهما انفصال ﴿فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ﴾ أي: ففصلنا بينهما . والرتق : مصدر بمعنى: الضمّ والالتئام .يقال: رتق الفتق يرتُقه رتْقاً و رُتوقا: إذا شدّه . ورتقتُ الشيء فارتتق ، أي : التأم.و وحّد الرتق – وهو من صفة السموات والأرض- لأنه مصدر .والفتق : ضدّ الرّتق ، وهو الفصل بين المتصلين ، يقال: فتق الشيء يفتقه : إذا شقّه.وعن ابن عباس في الآية :كانتا ملتصقتين فرفع الله السماء و وضع الأرض و فصل بينهما بالهواء.و عنه أيضا: كانت السموات رتقاً لا تمطر، و الأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، والأرض بالنبات .﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ﴾ أي: خلقنا من الماء كل شيء حيّ، متّصف بالحياة الحقيقية ، وهو الحيوان، أو كلّ شيء نام ، فيدخل فيه النبات.ويراد من الحياة: ما يشمل النّمو ، أي : أن الماء سبب حياة كل شيء حيّ في الأرض. وهذا العموم مخصوص بما سوى الملائكة والجنّ مما هو حيّ .﴿أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ﴾ بهذه الآيات الكونية الدالّة على كمال قدرة الصانع وعظيم سلطانه . ففي هذه الآية والآيتين بعدها ذكر تعالى ستة أدلة على التوحيد وكمال القدرة.وفي الحديث عن أبي هريرة عند أحمد في المسند أنه قال: يا رسول الله، أنبأني عن كل شيء ، قال : «كل شيء خلق من ماء»، قال : قلت: أنبأني عن أمر إذا عملت به دخلت الجنة ، قال : «أفش السلام، وأطعم الطعام، وصل الأرحام ، وقم بالليل والناس نيام ، ثم ادخل الجنة بسلام» وإسناده على شرط الصحيحين، وأخرج ابن أبي حاتم بعضه.
21:31Page 324
وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١
And We placed within the earth firmly set mountains, lest it should shift with them, and We made therein [mountain] passes [as] roads that they might be guided.
٣١ - ﴿وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ﴾ أي: جبالاً ثوابت ﴿أَن تَمِيدَ بِهِمۡ﴾ أي: لئلاّ تتحرك وتضطرب بهم اضطراباً لا يعقبه تثبيت. أو : لئلا تتكفأ .﴿وَجَعَلۡنَا فِيهَا﴾ أي: في الرواسي ، أو في الأرض ﴿فِجَاجٗا﴾ أي : مسالك، ﴿سُبُلٗا﴾ أي: طرقاً نافذة واسعة للسابلة . بدلٌ من «فجاجاً».﴿لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ﴾ إلى مقاصد أسفارهم ، ومصالح معاشهم .و فجاج : جمع فجّ ، وهو المسلك أو الثغر أو الطريق الواسع .قال الزجّاج: كل مخترق بين جبلين، فهو فجّ.و السّبل : جمع سبيل ، وهو الطريق .
21:32Page 324
وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ ٣٢
And We made the sky a protected ceiling, but they, from its signs,1 are turning away.
٣٢ - ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا﴾ للأرض، كالسقف للبيت، فهي كالقبّة عليها ﴿مَّحۡفُوظٗاۖ﴾ أي: مصوناً من الوقوع على الأرض ، أو: من التغيّر بالمؤثرات، أو: محفوظاً بالشهب من استراق الشياطين للسمع، كقوله: (وحفظناها من كل شيطان رجيم)الحجر(١٧) .و الآية كقوله: (أفلم ينظروا إلى السماء كيف بنيناها وزينّاها وما لها من فروج)ق(٦) وقوله: (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون)الذاريات(٤٧).قال ابن كثير: والبناء : هو نصب القبّة ، كقوله ﷺ : «بُني الإسلام على خمس» أي: خمسة دعائم ، وهذا لا يكون إلاّ في الخيام ، كما تعهده العرب .﴿وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا﴾ أي: عن آيات السماء، كالشمس والقمر والنجوم، ونحو ذلك من الأدلة والحجج و العبر ﴿مُعۡرِضُونَ﴾لا يتفكرون فيها ولا يتدبرون ، فيعلمون أن خالقها ومدبّرها له التوحيد كلّه ، والعبادة كلّها ، كقوله : (وكأين من آية في السموات والأرض يمرّون عليها وهم عنها معرضون)يوسف(١٠٥).
21:33Page 324
وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٣٣
And it is He who created the night and the day and the sun and the moon; all [heavenly bodies] in an orbit are swimming.
٣٣ - ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ﴾ أي: كلّ واحد من الشمس والقمر والنجوم ﴿فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ﴾ أي: يسير أو يجري في الفضاء في فلكه ومداره الخاصّ به بسرعة ، كالسّابح في الماء أو الهواء. أو: يدورون في أفلاكهم .من السَّبْح: وهو المر السريع في الماء أو الهواء ، وأُتي بضمير جمع العقلاء، لكون السباحة المسندة إليهما من فعل العقلاء ، كقوله تعالى: (رأيتهم لي ساجدين)يوسف(٤) ، وقوله: (قالتا أتينا طائعين)فصلت(١١) .
21:34Page 324
وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤
And We did not grant to any man before you eternity [on earth]; so if you die - would they be eternal?
٣٤ - ﴿وَمَا جَعَـلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ﴾ يـا محـمـد ﴿ٱلۡخُلۡدَۖ﴾ في الدنيا ، فلا بقاء لأحد فيها ، بل (كل من عليها فان ٢٦ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ٢٧)الرحمن(٢٦-٢٧).﴿أَفَإِيْن مِّتَّ﴾ يا محمد ﴿فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ﴾ فيها بعدك؟ كلا فلا سبيل لأحد إلى الخلود في هذه الدنيا .والجملة الأخيرة محلّ الاستفهام الإنكاري.قيل: إنها نزلت حين قالوا :(نتربّص به ريب المنون)الطور(٣٠) بُغضاً له ، ﷺ، وشماتة بموته وذهاب دعوته .
21:35Page 324
كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٣٥
Every soul will taste death. And We test you with evil and with good as trial; and to Us you will be returned.
٣٥ - ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ﴾ أي: في الدنيا .والموت : مفارقة الرّوح للجسد ، فلا يبقى أحد من ذوات الأنفس المخلوقة إلاّ ويموت ، وتفارق روحُه جسدَه ، كائنا من كان.﴿وَنَبۡلُوكُم﴾ أي : نختبركم ، أو: نعاملكم معاملة المختبر لكم ، مع علمنا بحالكم ﴿بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ﴾ أي: بالمصائب تارة ، وبالنعم أخرى ﴿فِتۡنَةٗۖ ﴾ أي: ابتلاءً واختباراً ، لأجل إظهار شكركم وصبركم.مصدر مؤكّد ل «نبلوكم» من غير لفظه .و المعنى: نختبركم ونبتليكم بالشدة والرخاء ، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية ، والهدى والضلال، لننظر أتصبرون عند الشدّة وتشكرون عند النعمة ، أم تقنطون وتكفرون؟.﴿وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾ يوم القيامة ، فنجازيكم بأعمالكم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشرّ ، على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر.[وفي قراءة:بفتح التاء وكسر الجيم بناء للفاعل: (تَرجِعون) أي: تصيرون إلينا يوم القيامة].
21:36Page 325
وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٦
And when those who disbelieve see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one who mentions [i.e., insults] your gods?" And they are, at the mention of the Most Merciful, disbelievers.
٣٦ - ﴿وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ أي: كفّار قريش و أشباههم ﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ﴾ يا محمد ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾ أي: مهزوءاً بك ، فينتقصون قدرك ، ويسخرون منك - حاشا له ﷺ - يقولون : ﴿أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ﴾بالسوء، أي: يعيبُها ويسبُّها – وحقّ لها أن تُعاب وتُسبّ – تعجباً منهم .قال الله تعالى : ﴿وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ بما يليق به سبحانه من كمال التوحيد وإخلاص العبادة ، أو : بالقرآن ﴿هُمۡ﴾ تأكيد ﴿كَٰفِرُونَ﴾ به ، مشركون في توحيده وعبادته .و المعنى : أنهم يعيبون على النبي ﷺ أن يذكر آلهتهم – التي لا تضرّ ولا تنفع- بالسوء ، والحال أنهم بذكر الله سبحانه كافرون ، فلا يذكرون الله، ولا يؤمنون به إلاّ وهم مشركون، فهم الأجدر أن يُعاب عليهم .وهذا كقوله سبحانه : (وإذا رأوك إن يتخذونك إلاّ هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا)الفرقان(٤١).
21:37Page 325
خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ ٣٧
Man was created of haste [i.e., impatience]. I will show you My signs [i.e., vengeance], so do not impatiently urge Me.
٣٧ - ﴿خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ﴾ أي: أنّ جنس الإنسان خُلق مجبولاً مطبوعاً على العجلة والتسرّع ، فمن طبعه التعجل في أموره وأحواله، كأنه خلق منه .والعَجَل: طلب الشيء وتحريه قبل أوانه ، وفعله من باب : طرِب . ومثله قوله سبحانه: (وكان الإنسان عجولاً)الإسراء(١١) أي : في أموره وأحواله و شأنه كله .قيل: إنها نزلت في قريش لما استعجلوا العذاب من السماء .﴿سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي﴾ أي : نقمي ، وحكمي، واقتداري على من عصاني. أو: مواعيدي بالعذاب وانتقامي ممن كفر بي وعصاني ﴿فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ﴾ [و في قراءة : بإثبات الياء (فلا تستعجلوني)] في الإتيان به قبل أوانه، فإنه نازل بكم لا محالة ، فإن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.وقيل: المراد بالآيات : ما دلّ على صدق محمد ﷺ من المعجزات ، وما جعله الله له من العاقبة المحمودة.
21:38Page 325
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
٣٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: المشركون المكذبون لرسول الله ﷺ المستعجلون نزول العذاب بهم ، يقولون تكذيباً وجحوداً ، وكفراً وعناداً : ﴿مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ﴾ أي: بمجيء العذاب ووقوعه، أو : بمجيء يوم القيامة ﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ فيه ، أي: يستعجلون العذاب الذي أوعدوا به، جهلاً منهم وغفلة عن شأنه .
21:39Page 325
لَوۡ يَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمۡ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٣٩
If those who disbelieved but knew the time when they will not avert the Fire from their faces or from their backs and they will not be aided...1
٣٩ - قال تعالى: ﴿لَوۡ يَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: لمّا كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ﴾ أي: لا يدفـعـون ولا يمنعــون ﴿عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمۡ﴾ فالعذاب محيط بهم من جميع جهاتهم ﴿وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ﴾ أي: يُمنعون منها ، فلا ناصر لهم من عذاب الله (وما لهم من الله من واق)الرّعد(٣٤) .وجواب «لو» محذوف للمبالغة في التهديد و الوعيد ، تقديره: لما أقاموا على كفرهم و لما استعجلوا عذابهم.والمعنى: لو يتقّنوا أن الساعة آتية، وأن العذاب واقع بهم لا محالة، لما استعجلوا سؤاله .
21:40Page 325
بَلۡ تَأۡتِيهِم بَغۡتَةٗ فَتَبۡهَتُهُمۡ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٤٠
Rather, it will come to them unexpectedly and bewilder them, and they will not be able to repel it, nor will they be reprieved.
٤٠ - ﴿بَلۡ تَأۡتِيهِم﴾ أي: الساعة الموعودُ بها وبعذابهم فيها ، أو : النار ﴿بَغۡتَةٗ﴾ أي: فجأة ، من غير شعور بمجيئها .مصدر بغته ، كمنعه ، ومنه : المباغتة، أي : المفاجأة .﴿فَتَبۡهَتُهُمۡ﴾ أي: تُدهشهم وتحيّرهم، أو تذعرهم وتزعجهم .وفعله من باب : عَلِم ونَصر ، وكَرُم، و زُهي.﴿فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ أي: منع الساعة من وقوعها ومجيئها ، أو: صرف النار عن وجوههم وظهورهم ﴿وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ﴾ أي: يمهلون لتوبة و لا يؤخرون لمعذرة.وهذا تهديد شديد، و وعيد أكيد .
21:41Page 325
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤١
And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by what they used to ridicule.
٤١ - ﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ﴾ يا محمد، أي: إن استهزأ بك هؤلاء ، فقد فعلت الأمم ذلك بمن كان قبلك من الرسل، على كثرة عددهم ، وخطر شأنهم ، فلست بدعاً في ذلك. وفيه تسلية للرسول ﷺ عن استهزائهم به.﴿فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم﴾ أي: أحاط ، أو نزل بالذين سخروا من الرسل ، و هزئوا بهم ﴿مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ من العذاب الذي كانوا يستبعدون وقوعه. يقال : حاق به الشيء يحيق : إذا أحاط به. و المعنى: أحاط بهم العذاب الذي استبعدوا وقوعه ونزل بهم، جزاء استهزائهم برسلهم ، فكذا يحيق بمن استهزأ بك .و الآية كقوله :(ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا)الأنعام(٣٤).
21:42Page 325
قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ ٤٢
Say, "Who can protect you at night or by day from the Most Merciful?" But they are, from the remembrance of their Lord, turning away.
٤٢ - ﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمد : ﴿مَن يَكۡلَؤُكُم﴾ أي: يحفظكم ويحرسكم ﴿بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ﴾ أي: من أمره وبأسه وعذابه إن نزل وحلّ بكم، أي: لا أحد يفعل ذلك . أو: (من الرحمن) أي : بدل الرحمن أو غيره ، أي : من يحفظكم بالليل والنهار غير الله؟ أي: لا أحد غيره ، فلا حافظ إلاّ هو .﴿بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم﴾ أي: القرآن ﴿مُّعۡرِضُونَ﴾ لا يتفكرون فيه ، فلا يعترفون بنعم الله عليهم ، وإحسانه إليهم ، بل يعرضون عن آياته وآلائه، فلا يقبلونها ، ولا يتفكرون فيها.يقال: كَلأَه كَلْأً وكِلاءةً وكِلاءً:حرسه وحفظه ، واكتلأت منه: احترستُ.والاستفهام في الآية للتقريع والتنبيه للمستهزئين كي لا يغترّوا بما يتقلبون فيه من النعم ، وبالإمهال والمطاولة.
21:43Page 325
أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ ٤٣
Or do they have gods to defend them other than Us? They are unable [even] to help themselves, nor can they be protected from Us.
٤٣ - ﴿أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ﴾ أي: بل ألهم آلهة ﴿تَمۡنَعُهُم﴾ مما يسوؤهم وتدفع عنهم ما يضرهم ﴿مِّن دُونِنَاۚ﴾ أي: من غيرنا؟ لا ، فليس الأمر كما زعموا وتوهموا .والاستفهام للإنكار و التقريع والتوبيخ .﴿لَا يَسۡتَطِيعُونَ﴾ أي: هؤلاء الآلهة ﴿نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ﴾ ولا أن يدفعوا عنها ما ينزل بها ، فكيف ينصرون غيرهم؟ ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ﴾ بنصر وتأييد ، فهم غاية العجز في أنفسهم، فكيف بغيرهم؟أو: و لا هم من عذابنا يجُارون و يُمنعون أو يُنصرون ، فكيف يتوهّمون فيها النصر لهم ؟من قولهم: أنا لك صاحبٌ من فلان وجارٌ ، بمعنى: مجيرك ومانعك منه، وأصحب فلان فلاناً : أجاره ومنعه، وصحبك الله، أي : حفظك وأجارك وسلّمك.
21:44Page 325
بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤
But, [on the contrary], We have provided good things for these [disbelievers] and their fathers until life was prolonged for them. Then do they not see that We set upon the land, reducing it from its borders?1 Is it they who will overcome?
٤٤ - ﴿بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ﴾ أي: أهل مكة ﴿وَءَابَآءَهُمۡ﴾ بما أنعمنا عليهم وأمددناهم به من مال وبنين ﴿حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ﴾ أي: الأمد، فاغتروا بذلك، واشتغلوا بالمتع عمّا خُلقوا لأجله ، واعتقدوا أنهم على شيء.قال الله تعالى : ﴿أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ﴾ أي: نقصد أرضهم ﴿نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ﴾ أي: نواحيها بالظهور عليها ، وفتحها للنبي ﷺ والمسلمين ؟ بقهرنا أهلها ، وغلبتنا لهم ، و إجلائهم عنها .و المعنى: أعمي هؤلاء المستهزئون فلا فلا يرون أنا نأتي أرضهم ، فننقُصها من أطرافها بتسليط المسلمين عليها، و انتزاعها من أيديهم؟ وهي بمعنى ظهور الإسلام على الكفر.أو : المعنى : أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه، وإهلاكه الأمم المكذّبة ، والقرى الظالمة، وإنجائه لعباده المؤمنين ؟ كقوله سبحانه وتعالى : (ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرّفنا الآيات لعلهم يرجعون)الأحقاف(٢٧) .وقيل: (ننقصها من أطرافها) بموت أهلها وفنائهم ، شيئاً فشيئاً ، حتى يرث الله الأرض ومن عليها ، وهو خير الوارثين .﴿أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ استفهام بمعنى الإنكار ، أي: بل نحن الغالبون ، وهم المغلوبون الأخسرون الأذلّون.وقيل : (أفهم الغالبون) بخروجهم عن قدر الله ، وقدرتهم الامتناع من الموت؟ كلا .
21:45Page 326
قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥
Say, "I only warn you by revelation." But the deaf do not hear the call when they are warned.
٤٥ - ﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمّد : ﴿إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ﴾ أي: بما أوحاه الله إليّ ، لا من قِبَل نفسي . أي: أخوّفكم وأحذّركم بالقرآن ، فإنما أنا مبلّغ عن الله وحيه وقرآنه.﴿وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ﴾ أي: النداء أو الصوت ﴿إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾ بآيات الله وحججه وبراهينه ، أي: إنّ من أصمّ الله سمعه ، وأعمى بصيرته ، وختم على سمعه و قلبه لا يسمع دعاء ولا نداء ممن ينذره الوقوع في الخطر، فكذلك هؤلاء القوم ، صمّ عن سماع ما تحذرهم منه، وتنذرهم به . أو : فهم لتركهم العمل بما سمعوا من الإنذار ، كالصمّ، لا يسمع دعاءً ، ولا يعقل جواباً .[و قرأ ابن عامر الدمشقي :(و لا تُسْمِعُ الصمَّ الدعاءَ) يا محمد] .
21:46Page 326
وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٤٦
And if [as much as] a whiff of the punishment of your Lord should touch them, they would surely say, "O woe to us! Indeed, we have been wrongdoers."
٤٦ - ﴿وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ﴾ أي: أصابت هؤلاء المكذّبين لرسول الله ﷺ، المستعجلين لعذاب الله ﴿نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ أي: قطعة منه أو دفعة يسيرة ، أو: نصيب أو نزر يسيرٌ منه ﴿لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ﴾ أي: يا هلاكنا ، و«يا» للتنبيه. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ﴾ أنفسنا ، بالإشراك بالله ، وتكذيب محمد ﷺ ، أي : يدعون على أنفسهم بالويل والهلاك والثبور، ويعترفون عليها بالظلم .وفي التعبير ب (مسّتهم نفحة) ثلاث نكت بلاغية : أولها :ذكر المسّ الذي يكفي في تحققه إيصالٌ ما.وثانيها: ما في النفح من النزارة والقلّة، يقال : نفحه بعطيّة : رضخه وأعطاه يسيراً .وثالثها : البناء الدّال على المرة، وهي لأقل ما يطلق عليه الاسم .والمراد : بيان سرعة تأثرهم بأقل شيء من العذاب ، الذي كانوا يستعجلونه استهزاءً ، وأنه إذا وقع بهم ، أو نالهم شيء منه ، جزعوا ، ونادوا على أنفسهم بالويل والثبور .
21:47Page 326
وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧
And We place the scales of justice for the Day of Resurrection, so no soul will be treated unjustly at all. And if there is [even] the weight of a mustard seed,1 We will bring it forth. And sufficient are We as accountant.
٤٧ - ﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ﴾ أي: العادلة ، أو: ذوات العدل، والمراد: الميزان العدل ﴿لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ أي: في يوم القيامة لوزن أعمال العباد .قال ابن كثير: والأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد ، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه.والموازين: ما توزن به صحائف أعمال العباد يوم القيامة.و وحد القسط-و هو نعت للموازين، جمع ميزان-لأنه في معنى العدل.﴿فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ﴾ مسلمة أو كافرة ﴿شَيۡـٔٗاۖ﴾ بأن ينقص من حسناتها ، أو يزاد في سيئاتها ، فلا يُنقص من إحسان المحسن شيء ما ، ولا يزاد في إساءة المسيء شيء ما.﴿وَإِن كَانَ﴾ أي: العمل ﴿مِثۡقَالَ﴾ أي: زنة [و في قراءة: بالرفع(مثقالُ)] ﴿حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ﴾ من خير أو شرّ.أي : وإن كان العمل قد بلغ من القلة والحقارة ، وزن حبة من خردل ، وهي مَثَل في الصغر، أي: وزن أقلِّ شيء من خير أو شر ﴿أَتَيۡنَا بِهَاۗ﴾ أي: أحضرناها وجئنا بها في ميزانه للمجازاة عليها ﴿وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ﴾ أي: محصين كل شيء من أعمال العباد، فلا يفوتنا شيء منها .و الآية كقوله سبحانه: (ولا يظلم ربك أحدا)الكهف(٤٩) وقوله: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة)النساء(٤٠) وقوله حكاية عن لقمان: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله)لقمان(١٦) وقوله : (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شراً يره)الزلزلة(٧-٨).والآية بيان للعدل الإلهي المطلق يوم القيامة في الجزاء على ما سلف من الأعمال في الدنيا ، وأنه تعالى لا يظلم أحداً شيئاً مما له أو عليه، فكفى به سبحانه حاسباً لأعمال العباد محصيا لها، عالماً بها، حافظاً لها ، مثبتاً لها في صحائف أعمالهم، موصلا للعمّال جزاءها ، إن خيراً فخير، وإن شراً فشرّ .وفي الحديث عن عائشة عند أحمد والترمذي أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي مملوكين يكذّبونني، ويخونونني ويعصونني، وأضربهم وأشتمهم، فكيف أنا منهم؟ فقال: «يحسب ما خانوك و عصوك وكذبوك، وعقابك إياهم ، فإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم، كان كفافا، لا لك و لا عليك، و إن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم، كان فضلا لك، و إن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم، اقتصّ لهم منك الفضل الذي بقي قِبَلك. فبكى الرجل ، فقال رسول الله ﷺ: ماله لا يقرأ كتاب الله : (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) الآية، فقال الرجل: يا رسول الله ، ما أجد شيئاً خيراً من فراق هؤلاء -أي: مملوكيه- إني أشهدك أنهم أحرار كلّهم».
21:48Page 326
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨
And We had already given Moses and Aaron the criterion and a light and a reminder1 for the righteous
٤٨ - ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ﴾ أي: التوراة الفارقة بين الحقّ والباطل ، والهدى والضلال، والغي والرشاد ، والحلال والحرام ﴿وَضِيَآءٗ﴾ بها في ظلمات الجهل والغواية ، أو : نوراً في القلوب و هداية ﴿وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ أي: تذكيراً لهم وعظة بها وبما فيها.وخصّ «المتقين» بالذكر ، لأنهم المنتفعون بذلك ، علماً وعملاً ، ثم وصفهم فقال :
21:49Page 326
ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ ٤٩
Who fear their Lord unseen,1 while they are of the Hour apprehensive.
٤٩ - ﴿ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ﴾ أي: يخشونه في حال غيبتهم ، وعدم مشاهدة الناس لهم ، فيقومون بما ألزم ، ويتورّعون عمّا حرّم ، كقوله: (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب)ق(٣٣) ، وقوله سبحانه : (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير)الملك(١٢) . أو : يخافون عذابه ، وهو غير مشاهَدٍ لهم .﴿وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ﴾ أي: خائفون وجلون حذرون، لكمال معرفتهم بربهّم، فجمعوا بين الإحسان والخوف.والعطف هنا من باب عطف الصفات المتغايرات ، الواردة على شيء واحد ، وموصوف واحد .
21:50Page 326
وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٠
And this [Qur’ān] is a blessed message which We have sent down. Then are you with it unacquainted?1
٥٠ - ﴿وَهَٰذَا﴾ أي : القرآن ﴿ذِكۡرٞ﴾ لمن تذكّر به ، وموعظة لمن اتعظ به، ﴿مُّبَارَكٌ﴾ كثير الخير والنفع والبركة والنماء ﴿أَنزَلۡنَٰهُۚ﴾ على محمد ﷺ ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .﴿أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ﴾ أي: أتنكرونه وتنكرون كونه منزلاً من عند الله، وهو في غاية الجلاء والظهور؟ والاستفهام للتوبيخ و التقريع .وفي الآية وصف القرآن بوصفين جليلين :كونه ذكراً يُتذكّر به جميع المطالب، من معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة الرسل وصفاتهم وأحوالهم مع أقوامهم، ومعرفة أحكام الجزاء والحساب، و الجنة والنار ، و جميع المسائل والدلائل العقلية والنقلية، وأحكام التشريع، والحلال والحرام، وغير ذلك .وكونه مباركاً ، فإن كل خير ونعمة وبركة وزيادة دينية أو دنيوية أو أخروية، كائنةٌ بسببه ، وأثر من آثار العمل به وتطبيقه واتخاذه منهج حياة.
21:51Page 326
۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ ٥١
And We had certainly given Abraham his sound judgement before,1 and We were of him well-Knowing
٥١ - ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ﴾ أي: هدايته الكاملة إلى وجوه الصلاح في الدين والدنيا ، أو آتيناه الحق والحجة على قومه ، كقوله : (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه)الأنعام(٨٣) أو : وفقناه للنظر في آيات الله والاستدلال بها على قومه ﴿مِن قَبۡلُ﴾ أي: آتيناه رشده من قبل استنبائه ، ترشيحاً لمنصب النبوة والدعوة إلى الحق ، كما هو شأننا فيمن نصطفيه لذلك من عبادنا.وقيل : (من قبل) أي: من قبل إرسال موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ونزول كتابيهما .ويحتمل أن يكون إتيانه الرشد ، هو في قوله: (وكذلك نُري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين)الأنعام(٧٥) .﴿وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ﴾ أنه أهل لذلك، أي: أعطيناه رشده، واختصصناه بالرسالة والخلّة ، واصطفيناه في الدنيا والآخرة لعلمنا أنه أهل لذلك كلّه .
21:52Page 326
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ ٥٢
When he said to his father and his people, "What are these statues to which you are devoted?"
٥٢ - ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ﴾ منكِراً عليهم : ﴿مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ﴾ أي: الأصنام ﴿ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ﴾ أي: لأجلها مقيمون على عبادتها، أو : ملازمون لها ومقبلون عليها ، وأنتم قد صنعتموها ومثلتموها ونحتموها بأيديكم؟قال ابن كثير : فهذا هو الرشد الذي أوتيه في صغره : الإنكار على قومه في عبادة الأصنام ، من دون الله عزّ وجل . والتماثيل: الأصنام، وعُبّر عنها بالتماثيل تحقيراً لها ولشأنها، فإن التمثال: هو الشيء المصنوع من رخام أو نحاس، أو خشب أو معدن أو نحو ذلك ، على هيئة مخلوق من مخلوقات الله تعالى ، كالإنسان والحيوان .يقال: مثّلْت الشيء بالشيء ، أي : شبّهته به .
21:53Page 326
قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ ٥٣
They said, "We found our fathers worshippers of them."
٥٣ - ﴿قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا﴾ أي: لهذه التمـاثيل ﴿عَٰبِدِينَ﴾ فعبدناها اقتداءً بهم .والآية دليل على أنه لم يكن لهم حجّة في عبادتها إلاّ صنيع آبائهم، والاقتداء بهم في الضلال والكفر.
21:54Page 326
قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٥٤
He said, "You were certainly, you and your fathers, in manifest error."
٥٤ - ﴿قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ﴾ باقتدائكم في عبادتها الآباء بغير حجة ولا دليل ﴿وَءَابَآؤُكُمۡ﴾ بعبادتهم لها ﴿فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ أي: بيّن واضح جلي، أو: في زيغ وبُعدٍ عن طريق الحق ، واضح ، لا يخفى على ذي لبّ وبصيرة .وفي الآية إشارة إلى ذمّ التقليد في الدين ، دون حجة أو دليل أو برهان من الكتاب والسنة .
21:55Page 326
قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ ٥٥
They said, "Have you come to us with truth, or are you of those who jest?"
٥٥ - ﴿قَالُوٓاْ﴾ له على وجه الاستغراب: ﴿أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ﴾ في قولك هذا ، أي: أجادّ أنت فيما تقول ، من الإنكار علينا في عبادتنا الأصنام، وتسفيه أحلامنا وأحلام آبائنا.﴿أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ﴾ في القول، المازحين فيه؟وإنما رددوا الكلام بين الجدّ والهزل لأنهم نزّلوه منزلة المتقرر المعلوم عند كل أحد ، أن الكلام الذي جاء به إبراهيم كلام سفيه لا يعقل ولا يدري ما يقول ، فردّ عليهم ردّا يبيّن به سفههم وقلة عقولهم وضعف مداركهم.
21:56Page 326
قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٦
He said, "[No], rather, your Lord is the Lord of the heavens and the earth who created them, and I, to that, am of those who testify.
٥٦ - ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ﴾ المستحق للعبادة وحده دون سواه ، هو : ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أي: خلقهنّ وأبدعهنّ على غير مثال سابق .﴿وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم﴾ الأمر الذي قلتُه ، من أن ربكم هو المعبود بحق وحده دون سواه ، وأن عبادة ما سواه باطلة ﴿مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ به ، العالمين به ، المبرهنين عليه ، فلا إله غيره ، ولا ربّ سواه .والشاهد: من تحقّق من الشيء وأقام عليه الحجة .
21:57Page 326
وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ ٥٧
And [I swear] by Allāh, I will surely plan against your idols after you have turned and gone away."
٥٧ - ﴿وَتَٱللَّهِ﴾ أي: أقسم إبراهيم عليه السلام بالله قسما ﴿لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم﴾ أي: لأحرضن على أذاها و تكسيرها أو لأحتالن لها بفضحها و إظهار عجزها.﴿بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ﴾ عنها إلى عيدكم، وكان لهم عيد يخرجون إليه، فلم يخرج إبراهيم معهم.وفي الآية بيان انتقاله عليه السلام في تغيير المنكر من المحاجّة باللسان إلى الفعل بالجوارح والأركان ، ثقة بالله سبحانه ، ومحاماة عن دينه .
21:58Page 327
فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ ٥٨
So he made them into fragments, except a large one among them, that they might return to it [and question].
٥٨ - ﴿فَجَعَلَهُمۡ﴾ أي: فجعل إبراهيم الأصنام بعد ذهاب قومه إلى مجتمعهم في يوم عيدهم ﴿جُذَٰذًا﴾ [وقرأ الكسائي بكسر الجيم: (جِذاذا)] أي: قِطَعاً وكِسراً، واحده : جُذاذة . من الجذّ: وهو القطع والكسر ، يقال : جذذت الشيء، أي : قطعته وكسرته.أو : فُتاتاً وحُطاماً . و الآية كقوله سبحانه:(فراغ عليهم ضربا باليمين)الصافات(٩٣) .﴿إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ﴾ أي: كبيرأصنامهم، فإنه تركه على حاله دون تكسير﴿لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ﴾ أي : إلى إبراهيم ﴿يَرۡجِعُونَ﴾ فيحاجّهم بما سيأتي من الآيات فيحجّهم.أو : لعلّهم إلى الصنم الكبير يرجعون، فيسألونه عن الكاسر ، فإذا رجعوا إليه و لم يجدوا عنده خبراً ، علموا حينئذ أنها حجارة لا تسمع ولا تعقل ، لا تجلب نفعا ، ولا تدفع عن نفسها ضراً، ولا تعلم شيئاً .
21:59Page 327
قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٩
They said, "Who has done this to our gods? Indeed, he is of the wrongdoers."
٥٩ - فلما رجعوا من عيدهم و رأوا ما حلّ بأصنامهم من الخزي والإهانة، والإذلال الدال على عدم إلهيتها وسخافة عقول عابديها ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ﴾ من التكسير والتحطيم ﴿إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ في فعلته وصنيعه هذا .
21:60Page 327
قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ ٦٠
They said, "We heard a young man mention them who is called Abraham."
٦٠ - ﴿قَالُواْ﴾ أي : بعضهم لبعض: ﴿سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ﴾ أي: شاباً يعيبهم ويذمّهم ﴿يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ﴾ أي : فهذا اسمه ، ومن كان هذا شأنه مع الآلهة من العيب والذّم لها، فلا بدّ أن يكون هو الذي كسرها .وقيل: إن بعض قومه سمعه يذكر أنه سيكيد أصنامهم، فقالوا ما قالوا .
21:61Page 327
قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١
They said, "Then bring him before the eyes of the people that they may testify."1
٦١ - ﴿قَالُواْ﴾ بعد أن بدا لهم أن الفاعل لذلك إبراهيم : ﴿فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ﴾ أي: ظاهراً ، بمرأىً من الناس ، أو : على رؤوس الأشهاد ، بحضرة الناس كلّهم .﴿لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ﴾ عليه أنه الفاعل، أو: لعلّهم يحضرون ما يُفعل بمن كسر آلهتهم وسفّه أحلامهم .وكان هذا الذي أراده إبراهيم وقصده، أن يكون بيان الحقّ بمشهد عظيم من الناس ، ليشاهدوا الحق، وتقوم عليهم الحجّة ، في عبادة أصنام لا تدفع عن نفسها ضراً ، أو تملك لها نصراً ، فضلا عن أن تفعل هذا بعابديها .وهذا كما قال موسى عليه السلام لفرعون حين واعده لبيان الحق وإظهاره:(موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى)طه(٥٩).
21:62Page 327
قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢
They said, "Have you done this to our gods, O Abraham?"
٦٢ - ﴿قَالُوٓاْ﴾ له بعد إتيانه: ﴿ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا﴾ أي : التكسير والتحطيم﴿بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ﴾؟ والاستفهام للتقرير ، أي: فما الذي جرأك ، وأوجب لك الإقدام على هذا الأمر؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences