Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:62–78
22:62Page 339
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٦٢
That is because Allāh is the True Reality, and that which they call upon other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.
٦٢ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: الأمر أو الشأن ذلك الذي شرعه الله لكم ، وقدّره عليكم، من الانتصار للمظلوم ﴿بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ﴾ أي: الثابت ، الذي لا يزول ولا يحول، الإله الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده ، فدينه حق ، وعبادته حق، ووعده حق ، وأحكامه حق، ونصره لأوليائه على أعدائه حق.﴿وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ﴾ [و في قراءة: بالتاء (تدعون)] دعاء سؤال أو عبادة ﴿مِن دُونِهِۦ﴾ من الأصنام والأنداد والأوثان، وكل ما يعبد من دون الله ﴿هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ﴾ الزائل الذي لا ثبوت له ، المضمحل الذاهب الذي لا بقاء له من جميع الوجوه ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ﴾ العالي على جميع الأشياء بقدرته ، وكل شيء دونه، المتقدّس عن الأشباه والأنداد ، المتنزه عما يقول الظالمون ، العليّ في ذاته وأسمائه وصفاته .﴿ٱلۡكَبِيرُ﴾ العظيم الذي لا شيء أعظم منه سبحانه ، وكل شيء دونه، ذو الكبرياء والعظمة والجلال .و الآية كقوله سبحانه: (وهو العلي العظيم)البقرة(٢٥٥) وقوله تعالى: (الكبير المتعال)الرعد(٩).فكل صفة جلال وكمال وكبرياء وعظمة وعلوّ ، فهي ثابتة له سبحانه، وله من تلك الصفة أجلّها وأكملها ، وأعظمها وأجملها .ونظير هذه الآية في سورة لقمان : الآية ٣٠ : (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير) .
22:63Page 339
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَتُصۡبِحُ ٱلۡأَرۡضُ مُخۡضَرَّةًۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ٦٣
Do you not see that Allāh has sent down rain from the sky and the earth becomes green? Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.2
٦٣ - ﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي: تعلم علم مشاهدة واعتبار﴿أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ ﴾ أي : السحاب ﴿مَآءٗ ﴾ أي : مطراً ﴿فَتُصۡبِحُ ٱلۡأَرۡضُ مُخۡضَرَّةًۚ﴾ أي: خضراء بما ينبت فيها من النبات، بعد يُبسها ومحولها ، وهذا من آثار قدرته تعالى ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ﴾ بعباده في إخراج النبات بالماء، وإحياء الأرض بعد أن كانت هامدة خاشعة.واللطيف : الذي يصل علمه إلى كل دقيق وجليل ، ويدرك بواطن الأشياء وظواهرها.﴿خَبِيرٞ﴾ بتدبير أمور عباده ، وما يصلح لهم ، كما قال لقمان لابنه: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير)لقمان(١٦) .
22:64Page 339
لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦٤
To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth. And indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
٦٤ -﴿لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ خلقاً وملكاً وعبيداً ، وتصريفاً وتدبيرا﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡغَنِيُّ﴾ عن عباده ، الغني بذاته من جميع الوجوه ، لا يحتاج إلى أحد من خلقه ، فلا يواليهم من ذلة ، ولا يتكثّر بهم من قلّة ، وكلّ شيء فقير إليه ، عبد لديه ﴿ٱلۡحَمِيدُ﴾ المستوجب للحمد في كلّ حال ، المحمود في ذاته ، وأسمائه الحسنى وصفاته العلى ، المحمود في أقواله (ومن أصدق من الله قيلا)النساء(١٢٢)، المحمود في أفعاله، فهي دائرة بين العدل والفضل، والإحسان والرحمة ، والعلم والحكمة، المحمود في شرعه ، فلا يأمر إلاّ بما فيه مصلحة، ولا ينهى إلاّ عما فيه مفسدة، فهو الغني في حمده ، الحميد في غناه .
22:65Page 340
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٦٥
Do you not see that Allāh has subjected to you whatever is on the earth and the ships which run through the sea by His command? And He restrains the sky from falling upon the earth, unless by His permission. Indeed Allāh, to the people, is Kind and Merciful.
٦٥ - ﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي : تعلم علم مشاهـدة و اعتـبار ﴿أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: ذلّله لكم ، من حيوان ونبات وجماد كالأحجار والمعادن والنار ، وجعله لمنافعكم ومصالحكم .و الآية كقوله: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه)الجاثية(١٣) أي: من فضله وإحسانه وامتنانه. ﴿وَٱلۡفُلۡكَ﴾ أي: وسخر لكم الفلك ، وهي : السفن ﴿تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ﴾ لركوبكم وحملكم وحمل تجاراتكم وقضاء منافعكم ﴿بِأَمۡرِهِۦ﴾ أي: بإذنه وتسييره ، ولولا ذلك لكانت تغوص أو تقف.﴿وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ﴾ أي: لئلا تقع ﴿عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ﴾ أي: إلا بأمره ومشيئته ، فتهلكوا جميعاً، فلولا لطفه ورحمته وقدرته ، لسقطت السماء على الأرض ، فهلك من فيها.و الآية كقوله سبحانه و تعالى: (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفوراً)فاطر(٤١) .وقال هنا:﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾ أي: مع ظلمهم ، فهو كثير الرأفة والرحمة بهم ، في التسخير والإمساك.وقال في الآية الأخرى: (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب)الرعد(٦) .
22:66Page 340
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ ٦٦
And He is the one who gave you life; then He causes you to die and then will [again] give you life. Indeed, mankind is ungrateful.
٦٦ - ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ﴾ أي: بدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ﴾ عند انقضاء آجالكم، وانتهاء أعماركم ﴿ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ﴾ عند البعث ، للحساب والجزاء ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ﴾ أي: جنسه، إلا من عصمه الله ﴿لَكَفُورٞ﴾ لربّه، جحود لنعمه ، مع كون نعم الله ظاهرة عليه غير مستترة، فهو الذي أوجده من عدم ، فخلقه بشراً سويا، ثم نشّأه و ربّاه بنعمه ، فكيف يكفر بربه ويجحد نعمه؟.والآية كقوله: (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون)البقرة(٢٨) وقوله : (قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه)الجاثية(٢٦) وقوله: (ربنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين)غافر(١١).فهذه الآيات الأربع (٦٣)- (٦٦) ذكر الله فيها ستة أدلة على كمال قدرته ، وعظيم رحمته بعباده :أولها: إنزال الماء الناشئ عنه اخضرار الأرض بالنبات.ثانيها: قوله: (له ما في السموات وما في الأرض) مع استغنائه تعالى عن خلقه .ثالثها: تسخير ما في الأرض للإنسان، منفعة ومصلحة.رابعها: تسخير الفلك بالجري في البحار.خامسها: إمساك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه.سادسها: الإحياء من العدم، ثم الإماتة ، ثم الإحياء للبعث والنشور.ثم بدأ ببيان النعم التكليفية إثر بيان النعم الكونية السابقة ، فقال:
22:67Page 340
لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ ٦٧
For every [religious] community We have appointed rites which they perform. So, [O Muḥammad], let them [i.e., the disbelievers] not contend with you over the matter but invite [them] to your Lord. Indeed, you are upon straight guidance.
٦٧ - ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٖ﴾ من الأمم السالفة ﴿جَعَلۡنَا مَنسَكًا﴾ [وفي قراءة: بكسر السين(منسِكا)] أي: شريعة خاصة ومنهج عبادة . أو: نُسكا وعبادة ﴿هُمۡ نَاسِكُوهُۖ﴾ أي : عاملون به بحسب شريعتهم ومنهجهم .أو: لكل أهل ملّة وشرع – وإن نُسخ – جعلنا شريعة و وضعنا متعبدا، وهو كقوله تعالى: (لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)المائدة(٤٨).وقيل : المنسك: المكان المعيّن ، أو: الزمان المعيّن، لأداء الطاعات والعبادات ، فالأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى عليهما السلام ، منسكها : التوراة، والتي من مبعث عيسى إلى مبعث محمد ﷺ منسكها : الإنجيل ، والتي من مبعث محمد ﷺ إلى قيام الساعة، منسكها : القرآن.﴿فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ﴾ أي: فلا تتأثر بمنازعتهم لك في ذلك الجعل أو الوضع أو في أمر الدين ، ولا يصرفنك ذلك عما أنت عليه من الحقّ. فالآية زجرٌ لمعاصريه ﷺ من أهل الملل الأخرى عن مخالفته وعصيانه، وموجبٌ لعدم منازعة من بقي منهم لرسول الله ﷺ ، ومستلزمٌ لطاعتهم إياه في أمر الدين ، فإن الإسلام شريعة الوقت منذ مبعثه ﷺ.﴿وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ﴾ أي: ادع هؤلاء المنازعين ، أو ادع الناس إلى دين الله وتوحيده ، والإيمان به ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ﴾ أي: طريق واضح لا اعوجاج فيه ، معتدل موصل إلى المقصود، متضمن علم الحق والعمل به. والآية كقوله سبحانه : (ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك)القصص(٨٧)وكقوله تعالى: (فتوكل على الله إنك على الحق المبين)النمل(٧٩).والهدى في الآية: ما تحصل به الهداية، في مسائل الأصول والفروع، وهي المسائل التي يُعرف حسنها وعدلها وحكمتها بالعقل والفطرة السليمة، وهي وصف لكل ما جاء به الرسول ﷺ .
22:68Page 340
وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٦٨
And if they dispute with you, then say, "Allāh is most knowing of what you do.
٦٨ - ﴿وَإِن جَٰدَلُوكَ﴾ في أمر الدين وخاصموك، بعد ظهور الحجة عليهم ، سفاهة وتعنتاً ﴿فَقُلِ﴾ لهم: ﴿ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ أي: هو عالم بمقاصدكم ونياتكم ، فمجازيكم عليها ، فوكّل أمرهم إلى الله، وقل لهم هذا القول المشتمل على التهديد الشديد ، والوعيد الأكيد .و الآية كقوله سبحانه : (هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم)الأحقاف(٨).
22:69Page 340
ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٦٩
Allāh will judge between you on the Day of Resurrection concerning that over which you used to differ."
٦٩ - ﴿ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ﴾ أيها المؤمنون والكافرون ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ عند فصل القضاء بين الناس ﴿فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين، فيتبين حينئذ الحق من الباطل.وهذا كقوله:(الله يجمع بيننا وإليه المصير)الشورى(١٥).
22:70Page 340
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧٠
Do you not know that Allāh knows what is in the heaven and earth? Indeed, that is in a Record.1 Indeed that, for Allāh, is easy.
٧٠ - ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ﴾ يا محمد ، أي: قد علمت وتيقنت، والاستفهام للتقرير. ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ فلا تخفى عليه فيهما خافية ، من ظواهر الأمور وبواطنها ، دقيقها وجليلها ، متقدمها ومتأخرها، سرها وعلانيتها، ومن جملة ذلك ما أنتم فيه مختلفون .﴿إِنَّ ذَٰلِكَ﴾ أي : إن الذي في السماء والأرض مما أحاط به علم الله ، مثبت ﴿فِي كِتَٰبٍۚ﴾ هو اللوح المحفوظ .﴿إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ﴾ أي: إن إحاطة علمه تعالى بما في السماء والأرض سهل عليه ، هيّن يسير لديه .وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله ﷺ: «إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وكان عرشه على الماء» .وفي سنن أبي داود و الترمذي من حديث جماعة من الصحابة: أن رسول الله ﷺ قال: «أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب ، قال : وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة» .فمن تمام علمه تعالى وكماله ، علمُه بالأشياء قبل كونها، و تقديرُها وكتابتُها ، فيعلم قبل خلق الخلق أن هذا مطيع باختياره ، وهذا عاص باختياره، وكتب ذلك عنده في اللوح المحفوظ ، وأحاط بكل شيء علماً ، فلا إله غيره ، ولا ربّ سواه.
22:71Page 340
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٖ ٧١
And they worship besides Allāh that for which He has not sent down authority and that of which they have no knowledge. And there will not be for the wrongdoers any helper.
٧١ - ﴿وَيَعۡبُدُونَ﴾ أي : المشركون ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا﴾ أي: حجّة وبرهاناً، وهي الأصنام والأنداد والأوثان ﴿وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ﴾ أي: من دليل عقليّ يدلّ على جواز ذلك، أو نقليّ عن الله ، أو عن رسله ، إنما هو أمر تلقّوه عن الآباء والأسلاف تقليداً، بلا دليل ولا حجة في كتاب من كتبه المنزلة على رسله بأنها آلهة. وهذا كقوله : (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربّه إنه لا يفلح الكافرون)المؤمنون(١١٧) .وقال هنا: ﴿وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهـم بالإشراك بالله ﴿مِن نَّصِيرٖ﴾ ينصرهم، ويدفع عنهم عذاب الله يوم القيامة.
22:72Page 340
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ قُلۡ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٢
And when Our verses are recited to them as clear evidences, you recognize in the faces of those who disbelieve disapproval. They are almost on the verge of assaulting those who recite to them Our verses. Say, "Then shall I inform you of [what is] worse than that?1 [It is] the Fire which Allāh has promised those who disbelieve, and wretched is the destination."
٧٢ - ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِـمۡ ءَايَٰـتُنَا﴾ مــن القـرآن ﴿بَيِّنَٰتٖ﴾ أي: واضحات ، ظاهرات الدلائل على توحيد الله بالعبادة والسؤال ، والجملة حال.﴿تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ ﴾ أي : الأمر المستقبح ، وهو الإنكار لها ، أو: أثره من الكراهة، والعبوس والتجهّم ، عند سماعها .﴿يَكَادُونَ يَسۡطُونَ﴾ أي: يَثِبون ويبطشون غيظا وغضبا ﴿بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ﴾ من القرآن، لشدّة تكرّههم سماعه . أو : يقعون فيهم و يبسطون إليهم أيديهم وألسنتهم بالسوء.والسّطوة: شدة البطش ، يقال: سطا به وعليه ، يسطو سطواً وسطوةً: إذا بطش به.﴿قُلۡ﴾ يا محمد لهؤلاء : ﴿أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ﴾ أي: أفأخبركم بأكره إليكم من سماعكم آيات الله تتلى عليكم؟ أو بأكره إليكم من هؤلاء المؤمنين الذين تتكرهون قراءتهم القرآن عليكم ، هي ﴿ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ﴾ بأن مآلهم ومصيرهم إليها. ﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ هي ، أي: بئست هي لكم مقيلا ومنزلاً ومرجعاً وموئلاً ومقاماً (إنها ساءت مستقراً ومقاماً)الفرقان(٦٦).
22:73Page 341
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ ٧٣
O people, an example is presented, so listen to it. Indeed, those you invoke besides Allāh will never create [as much as] a fly, even if they gathered together for it [i.e., that purpose]. And if the fly should steal from them a [tiny] thing, they could not recover it from him. Weak are the pursuer and pursued.1
٧٣ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ﴾ لما يعبده المشركون من دون الله﴿فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ﴾ أي: أنصتوا بأسماعكم، وتفهموا له بقلوبكم وعقولكم ، وتدبّروه حق تدبره.و المعنى: بيّن الله تعالى لما يُعبد من دونه حالة هي في الغرابة كالمثل ، فكأنه قال: جعلوا لي شبها في عبادتي، فاستمعوا خبر هذا الشبه .﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ﴾ أي : تعبدون [وفي قراءة: بالياء(يدعون)] ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: من غيره، وهي الأصنام والأنداد وجميع ما يعبد من دون الله أو يدعى من دونه ، دعاء عبادة أو سؤال﴿لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا﴾ أي: لن يقدروا على خلقه ، مع كونه صغير الجسم، حقير الذات.وذباب: اسم جنس، واحده ذبابة ، يقع على المذكر والمؤنث.﴿وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ﴾ أي: لخلقه، أي: ولو اجتمع العابدون والمعبودون متعاونين على خلق ذبابة واحدة، فلن يقدروا على ذلك. كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عند أحمد و البخاري و مسلم، عن النبي ﷺ قال : «قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي؟ فليخلقوا ذرّة، فليخلقوا شعيرة» .﴿وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا﴾ أي: يأخذ منهم شيئاً ، مما يقدم لهم من طعام ، أو مما يُلطّخون به من طيب ونحوه ﴿لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ﴾ أي: لا يستردوه منه لعجزهم عنه ، فكيف يُعبدون من دون الله شركاء؟ فهذا أمر في غاية الغرابة والعجب ، عبّر عنه بضرب هذا المثل.والمراد: أنهم إذا عجزوا عن خلق هذا الحيوان الضعيف، وعن استنقاذ ما أخذه منهم ، فهم عن غيره ، مما هو أكبر منه جُرماً ، وأشد منه قوة - أعجز وأضعف ، فهذا غاية ما يصار إليه من العجز والضعف ، ولذا قال:﴿ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ﴾ أي: الصّنم المعبود، أو : كل ما يُعبد من دون الله، أو: العابد للصنم ﴿وَٱلۡمَطۡلُوبُ﴾ أي: الذباب ، أو المعبود.فالمعبود من دون الله طالب من حيث أنه يَطلُب خلق الذباب ، أو استنقاذ ما سلبه منه .والمطلوب : الذباب ، يُطلب بما سلب. ويحتمل أن يكون المراد: المطلوب: هو المعبود من دون الله، وهو عاجز عن كل شيء ، والطالب : هو العابد لها من دون الله ، فهو أعجز منها وأضعف.
22:74Page 341
مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٧٤
They have not appraised Allāh with true appraisal.1 Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
٧٤ - ﴿مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ﴾ أي: ما عظّموه حق تعظيمه، حين أشركوا به غيره ، أو: ما عرفوه حق معرفته، حيث أشركوا به ما عجز عن خلق الذبابة، وما لم يمتنع منها، ولا يقدر على الانتصاف منها ، إذا سلبتهم شيئاً ، على ضعفها ، فكيف جعلوا هذه الأصنام والمعبودات، شركاء لله ، مع كون حالها من الضعف والعجز ما قد تقدمّ؟﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ أي : كامل القوة، فبقوّته وقدرته خلق كل شيء ، فقدره تقديرا.﴿عَزِيزٌ﴾ أي : غالب، لا يمانع ولا يغالب ، عزّ كل شيء وغلبه ، لعظمته و سلطانه .و هذا بخلاف آلهة المشركين، فإنها جماد ، لا تضرّ ولا تنفع ، ولا تقدر على شيء لعابديها، فضلا عن ذاتها. أو : لقويّ بنصر أوليائه عزيز بالانتقام من أعدائه.ونظير هذه الآية : قوله سبحانه: (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه)الزمر(٦٧).
22:75Page 341
ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ ٧٥
Allāh chooses from the angels messengers and from the people. Indeed, Allāh is Hearing and Seeing.
٧٥ - ﴿ٱللَّهُ يَصۡطَفِي﴾ أي: يختار ويجتبي ﴿مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا﴾ كجبريل، وميكائيل ، وملك الموت وغيرهم ، فيما يشاء من شرعه وقدره ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ﴾ أي: ويصطفي من الناس رسلا، كنوح و إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ومحمد ﷺ ، لإبلاغ رسالته وشرعه إلى الناس.﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ﴾ لأقوال عباده ﴿بَصِيرٞ﴾ بهم ، عليم بمن يستحق ذلك منهم، قد أحاط علمه وسمعه و بصره بجميع الأشياء ، فاختياره إياهم عن علم منه تعالى ، أنهم أهل لذلك ، كما قال تعالى : (الله أعلم حيث يجعل رسالته)الأنعام(١٢٤).
22:76Page 341
يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٧٦
He knows what is [presently] before them and what will be after them.1 And to Allāh will be returned [all] matters.
٧٦ - ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۚ﴾ أي: يعلم ما يفعله رسله من الملائكة ومن الناس ، فلا يقدرون على كتم شيء مما أمرهم بتبليغه ، ولا بتبليغ شيء لم يأمرهم به. وقيل: المراد: يعلم ما قدّمه الناس من أعمال الخير والشر وما أخروه، فهو تعالى رقيب عليهم ، شهيد عليهم، حافظ لهم. وقيل : يعلم أمرهم من قبل أن يخلقهم وبعد فنائهم.﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ﴾ فيجازي كلاّ بعمله ، فضلاً و عدلاً.[وفي قراءة: بالبناء للفاعل:(تَرجِع الأمور) أي تصير إليه يوم القيامة].
22:77Page 341
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ ٧٧
O you who have believed, bow and prostrate and worship your Lord and do good - that you may succeed.
٧٧ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ﴾ أي: صلّوا الصلاة التي شرعها الله لكم .وخص منها الركوع، والسجود ، لفضلهما وركنيتهما.﴿وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ﴾ أي: قوموا بجميع أنواع العبادة التي أمركم الله بها ، أي: وحّدوه في عبادته، وأخلصوا له العبادة و الدين .﴿وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ﴾ من الفرائض والنوافل وصلة الأرحام، ومكارم الأخلاق، ونفع الناس والإحسان إليهم قولاً وعملاً.﴿لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ أي : تفوزون بالمطلوب المرغوب ، وتنجوْن من المكروه المرهوب ، وهو الفوز برضوان الله والجنة ، والنجاة من النار.
22:78Page 341
وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ ٧٨
And strive for Allāh with the striving due to Him. He has chosen you and has not placed upon you in the religion any difficulty. [It is] the religion of your father, Abraham. He [i.e., Allāh] named you "Muslims" before [in former scriptures] and in this [revelation] that the Messenger may be a witness over you and you may be witnesses over the people. So establish prayer and give zakāh and hold fast to Allāh. He is your protector; and excellent is the protector, and excellent is the helper.
٧٨ - ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ﴾ أي : في سبيله ، لإقامة دينه، وإعلاء كلمته ، ونصرة كتابه وشرعه ، وسنة نبيه ﷺ ﴿حَقَّ جِهَادِهِۦۚ﴾ باستفراغ الوسع والطاقة فيه ، أي : بأموالكم وأنفسكم فلا تخافوا في الله لومة لائم.ونصب «حق» على المصدر. والآية كقوله تعالى : (اتقوا الله حق تقاته)آل عمران(١٠٢).والجهاد : بذل الوسع ، واستفراغ الطاقة ، في تحصيل الغرض المطلوب، وهو قسمان : جهاد طلب لأعداء الله .وجهاد مدافعة لهم إذا غزوْا بلاد المسلمين .فالجهاد في الله حق جهاده: هو القيام التامّ بأمر الله ، والدعوة لدينه وسبيله، بكل طريق موصل إلى ذلك، من تعليم و وعظ ونصيحة و زجر ، وقتال إن استدعى الأمر ذلك، مع الوفاء بواجباته وشرائطه بقدر الوسع و الطاقة .﴿هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ﴾ أي: اختاركم – أيها المسلمون – من بين الناس لدينه وعبادته ونصرته ، و رضيه لكم، واختاركم للدفاع عنه ، واصطفاكم لحرب أعدائه، والجهاد في سبيله، وفضلكم وشرّفكم وخصكم بأكرم رسول وأكمل شرع .﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ﴾الذي تعبّدكم به ﴿مِنۡ حَرَجٖۚ ﴾ أي: من ضيق وشدّة ، وعسر ومشقة، بل يسّره غاية التيسير ، وسهله غاية السهولة، فلم يكلّفكم بما لا تطيقون ، ولم يلزمكم بشيء يشق عليكم و يعسر ، إلا جعل الله لكم فيه فرجاً ومخرجاً .أي: لم يجعل الله في دينه الذي تعبّدكم به ضيقا لا مخرج لكم مما ابتليتم به، بل وسّع عليكم فيه ، فجعل التوبة من بعض ، والكفّارة من بعض ، والقصاص من بعض مخرجا، وشرع اليسر في كل شيء ، و منه الرّخص المشروعة ، عند الضرورة، كقصر الصلاة وجمعها، والتيمم، وأكل الميتة للضرورة ، والفطر للمرض والسفر، ونحو ذلك مما هو معروف في كتب الأحكام والرخص الشرعية.وفي الحديث عند أحمد في مسنده : «بعثتُ بالحنيفية السمحة» . وقال لمعاذ وأبي موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن أميرين: «بشِّرا ولا تنفِّرا ، ويسِّرا ولا تعسِّرا». رواه البخاري في صحيحه. وكان ﷺ إذا خُير بين أمرين اختار أيسرهما ، ما لم يكن إثما .ويؤخذ من هذه الآية : قاعدة شرعية وهي : أن «المشقة تجلب التيسير» وأن «الضرورات تبيح المحظورات» مما هو مقرر في علم القواعد وأصول الفقه .﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ﴾ أي: وسّع عليكم دينكم توسعة ملّة أبيكم إبراهيم.منصوب على المصدرية بفعل دلّ عليه ما قبله من نفي الحرج بعد حذف مضاف ، فكأنه قال: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) أي: من ضيق ، بل وسّعه عليكم توسعة (ملة أبيكم إبراهيم) .ويحتمل أن يكون منصوباً على تقدير: الزموا ملّة أبيكم إبراهيم .والمعنى في هذه الآية : كقوله: (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملّة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)الأنعام(١٦١) .وإنما جعله أبا لهم ، لأنه أبو الرسول ﷺ ، فهو كالأب لأمته .﴿هُوَ﴾ أي: الله تعالى ﴿سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ﴾ أي: من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة السابقة ﴿وَفِي هَٰذَا﴾ أي: وسمّاكم المسلمين في هذا القرآن. وقيل: (هو سماكم المسلمين) يعني : إبراهيم عليه السلام، وذلك في قوله جل في علاه: (ربنا واجعلنا مسلميْن لك ومن ذريتنا أمّة مسلمة لك)البقرة(١٢٨). والقول الأول أولى وأظهر ، لما رواه أحمد و النسائي في سننه الكبرى عن الحارث الأشعري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جِثيّ جهنم ، قال رجل: وإن صام وصلى؟ قال : نعم وإن صام وصلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله» .﴿لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ﴾ يوم القيامة ، أنه بلّغكم رسالة ربـكـم ، ﴿وَتَكُونُواْ﴾ أيها المسلمـون ﴿شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ﴾ يوم القيامة ، أن رسلهم بلغتهم رسالة ربهم ، كما أخبركم الله بذلك في كتابه .أو تشهدوا للرسل أنهم بلغوا أممهم رسالة ربّهم ، وذلك لكونكم أمّة وسطا ، عدولا خياراً بين الأمم، كقوله سبحانه و تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)البقرة(١٤٣) .﴿فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ بأركانها وشروطها، و داوموا على أدائها ، فرضا و نفلا.﴿وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ المفروضة والمستحبة لمستحقيها ، أي: قابلوا هذه النعمة العظيمة بالقيام بشكرها ، فأدوا حق الله عليكم ، في أداء ما افترض، وترك ما حرّم. وخصّ الصلاة والزكاة بالذكر لمزيد شرفهما وفضلهما على سائر العبادات.﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: اعتضدوا به ، وثقوا به، واستعينوا به ، وتوكلوا عليه ، وتأيّدوا به ، أو: اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون ، وملاذاً تلجأون إليه في جميع أموركم، متوكلين عليه ، متبرئين من حولكم وقوتكم، معتصمين بحوله وقوته .﴿هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ﴾ أي : ناصركم وحافظكم ومالككم و متولي أموركم، فيدبّركم بحسن تدبيره، ويصرّفكم على أحسن تقديره.﴿فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ﴾ أي: الوليّ لكم ﴿وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ أي: الناصر لكم لمن فعل ذلك منكم ، فهو تعالى نِعْم المولى لمن تولاّه ، ونِعْم النصير لمن استنصر به.انتهى تفسير سورة الحج
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences