Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Mu'minun 23:105–118
23:105Page 349
أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥
[It will be said], "Were not My verses recited to you and you used to deny them?"
١٠٥ - ويقال لهم توبيخاً وتقريعاً : ﴿أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي﴾ من القرآن الدالة على الحق والصدق ﴿تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ﴾ فتُدعوْن بها لتؤمنوا، وتُخوّفون بها لترتدعوا، وتُعرض عليكم لتنظروا فيها وتعتبروا ؟﴿فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ظلماً منكم وعناداً، واستكباراً عن اتباع الحق وأهله .
23:106Page 349
قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ ١٠٦
They will say, "Our Lord, our wretchedness overcame us, and we were a people astray.
١٠٦ -﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا﴾ أي: استولت علينا وملكتْنا لذّاتنا، وشهواتنا ، وأهواؤنا ، التي بها شقاؤنا بسوء اختيارنا .وسميت شقوة لأنها تؤول إلى الشقاء في الدارين. [وفي قراءة:(شَقَاوتنا) – بفتح الشين المعجمة وألف بعد القاف وهي و«شقوتنا» مصدران بمعنىً ] . والشِّقوة والشّقاوة : ضدّ السعادة ، مصدر شقي ، كرضي .﴿وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ﴾ عن الهداية ، قولا وعملاً .
23:107Page 349
رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ ١٠٧
Our Lord, remove us from it, and if we were to return [to evil], we would indeed be wrongdoers."
١٠٧ -﴿رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا﴾ أي: من النار والعذاب، وأرجعنا إلى الدنيا ﴿فَإِنۡ عُدۡنَا﴾ إلى ما كنا عليه من الكفر والشرك والمخالفة ﴿فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ﴾ لأنفسنا بالعوْد إلى ذلك ، مستحقون للعقوبة .وهذا طلب منهم ثان للرجوع إلى الدنيا بعد دخول النار ، كما طلبوه عند الموت ، قال تعالى:(ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون)الأنعام(٢٨).
23:108Page 349
قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ١٠٨
He will say, "Remain despised therein and do not speak to Me.
١٠٨ -﴿قَالَ﴾ الله تعالى لهم:﴿ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا﴾ أي: تباعدوا في النار تباعد سخط ، وابعُدوا فيها أذلاء مهانين، أو: انزجروا فيها انزجار الكلاب إذا زُجرت، أو: امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء .﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾[وفي قراءة: بإثبات الياء وصلا و وقفا (ولا تكلموني)] في رفع العذاب عنكم وتخفيفه ، ولا تسألون الخروج من النار والرجعة إلى الدنيا ، فينقطع رجاؤهم بذلك.
23:109Page 349
إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٠٩
Indeed, there was a party of My servants who said, 'Our Lord, we have believed, so forgive us and have mercy upon us, and You are the best of the merciful.'
١٠٩ -﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي﴾ أي جماعة من المؤمنين﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا﴾ بك وبكتابك واتبعنا رسولك ﴿فَٱغۡفِرۡ لَنَا﴾ ذنوبنا ﴿وَٱرۡحَمۡنَا﴾ رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك ﴿وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾. وفي الآية جواز التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بالإيمان والعمل الصالح ، لقولهم: (ربنا آمنا فاغفر لنا).
23:110Page 349
فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ ١١٠
But you took them in mockery to the point that they made you forget My remembrance, and you used to laugh at them.
١١٠ -﴿فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا﴾ [و في قراءة : بضم السين (سُخريا)] أي: هُزواً ، أو مهزوءاً بهم ، أو موضع هزء وسخرية تسخرون منهم في دعائهم إياي وتضرّعهم إليّ. مصدر بكسر السين وضمها ، كعِصيّ وعُصيّ، من سَخِر – كفرح- زيدت فيه ياء النسب للمبالغة في قوّة الفعل . وفي «مختار الصحاح» : سَخِر منه وبه ، وهزئ منه وبه، بمعنىً. والاسم: السخرية والسّخريّ- بضم السين وكسرها – وبهما قرئ.﴿حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي﴾ فتركتموه، لشدة انشغالكم بالاستهزاء بهم، فكانوا سبب إنسائهم ذكر الله ، فنُسب إليهم ﴿وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ﴾ في الدنيا، من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى:(إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون ٢٩ وإذا مرّوا بهم يتغامزون ٣٠)المطففين(٢٩-٣٠) أي: يلمزونهم استهزاء.
23:111Page 349
إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ١١١
Indeed, I have rewarded them this Day for their patient endurance - that they are the attainers [of success]."
١١١ -﴿إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ﴾ الجنة والنعيم المقيم ﴿بِمَا صَبَرُوٓاْ﴾ على طاعتي وعبادتي وعلى أذاكم لهم واستهزائكم بهم ﴿أَنَّهُمۡ﴾ بفتح الهمزة، مفعول ثان ل «جزيتهم» [وفي قراءة: بكسر الهمزة (إنهم) استئناف] ﴿هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ بمطلوبهم ، بالنعيم المقيم، والنجاة من الجحيم . كقوله: (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون)المطففين(٣٤).
23:112Page 349
قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢
[Allāh] will say, "How long did you remain on earth in number of years?"
١١٢ -﴿قَٰلَ﴾ الله لهم [وفي قراءة: (قل) لهم يا محمـد]:﴿ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: في الدنـيا وفـي قبوركم، أي: كم كانت مدّة إقامتكم ، ولبثكم في الدنيا؟ ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ تمييز ، أي: من عدد سنين؟
23:113Page 349
قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ فَسۡـَٔلِ ٱلۡعَآدِّينَ ١١٣
They will say, "We remained a day or part of a day; ask those who enumerate."
١١٣ -﴿قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ﴾ استقصروا مدّة لبثهم في الدنيا، وشكّوا في ذلك ، لعظم ما هم فيه من العذاب ﴿فَسۡـَٔلِ ٱلۡعَآدِّينَ﴾ أي: الحاسبين ، الضابطين لعدده ، الذين يحصون أعداد الأشياء وأعمال الخلق، وهم: الملائكة الحفظة أوغيرهم . أو : اسأل من يقدر أن يعدّ ويحسب.
23:114Page 349
قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١٤
He will say, "You stayed not but a little - if only you had known.
١١٤ -﴿قَٰلَ﴾ الله لهم [وفي قراءة:(قل) لهم] :﴿إِن﴾ ما﴿لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ﴾ فـي الدنيا، أي:مدّة يسيرة على كل تقدير﴿لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ مقدار لبثكم في الأرض وقلّته ، بالنسبة إلى لبثكم في النار ، أي: لكُنتم شغلتم أنفسكم بطاعة الله ، استعداداً ليوم القيامة ، ولما آثرتم الفاني القليل، على الباقي الكثير، فلو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته مدّة لبثكم القليلة في الدنيا ، كما فعل المؤمنون ، لفزتم كما فازوا بالنعيم المقيم .أخرج ابن أبي حاتم عن أيفع بن عبد الكلاعي مرفوعاً: «إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، قال: يا أهل الجنة ، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، قال: لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم ، رحمتي ورضواني وجنتي، امكثوا فيها خالدين مخلّدين، ثم قال : يا أهل النار، كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ قالوا: لبثنا يوما أو بعض يوم، قال: بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم، ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين مخلّدين» .
23:115Page 349
أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ ١١٥
Then did you think that We created you uselessly and that to Us you would not be returned?"
١١٥ -﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ﴾ أيها الناس ، أي: أفظننتم﴿أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا﴾ أي: سدىً وهملاً ولعباً وباطلاً ، بلا قصد ولا إرادة منكم ، ولا حكمة لنا؟ .أو: أفظننتم أنكم مخلوقون للعبث واللعب و الإهمال، تأكلون وتشربون وتمرحون و تتمتعون بلذات الدنيا ، كالبهائم ، لا ثواب لها ولا عقاب؟ كقوله : (أيحسب الإنسان أن يترك سدى)القيامة(٣٦).﴿وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ﴾ [وفي قراءة بالبـناء للفاعل:(تَرْجِعُون)] بالبعث والنشور، فنجازيكم بأعمالكم؟ لا ، بل خلقناكم للعبادة ، وإقامة أوامر الله عز وجل ، ولنتعبّدكم بالأمر والنهي، وترجعوا إلينا يوم القيامة للحساب والجزاء على الأعمال ، كقوله:(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)الذاريات(٥٦).
23:116Page 349
فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ ١١٦
So exalted is Allāh, the Sovereign,1 the Truth;2 there is no deity except Him, Lord of the Noble Throne.
١١٦ -﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ﴾ أي: ارتفـع بعـظمـته ، وتـنـزّه، وتقدّس وتعاظم عن العبث ، وعن كل نقص ، في أقواله وأفعاله وإرادته ، مما لا يليق بجلاله وكماله .﴿ٱلۡمَلِكُ﴾ الذي له المُلْك كلّه ، ومُلْك غيره زائل فان ﴿ٱلۡحَقُّۖ﴾ العدل الصدق في وعده ووعيده ، المنزه عن أن يخلق شيئاً عبثا أو يريده .﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ﴾ أي : الحسن المنظر، البهيّ الشكل .وذكر العرش لأنه سقف جميع المخلوقات ، والله مستو على عرشه، استواء يليق بعظمته وكماله وجلاله، فإذا كان ربّا لهذا العرش ، فكيف لا يكون إلها وربّا لما هو دون العرش الكريم من المخلوقات؟روى أبو نعيم عن محمد بن إبراهيم ابن الحارث عن أبيه قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية، وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا:(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق..) الآية. قال: فقرأناها، فغنمنا وسلمنا.
23:117Page 349
وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١١٧
And whoever invokes besides Allāh another deity for which he has no proof - then his account is only with his Lord. Indeed, the disbelievers will not succeed.
١١٧ -﴿وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ﴾ أي: أشرك به غيره في العبادة والسؤال ﴿لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ﴾ أي: لا دليل له عليه ، ولا بيّنة له بذلك ، ولا حجة له على ذلك عند ربه إذا قدم عليه ، وهي جملة معترضة .أي: ليس هناك ربّ آخر غير الله عليه برهان ، فكل من دعا غير الله ، فليس له برهان على ذلك . وجواب الشرط قوله:﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ﴾ فيجازيه بعمله وشركه .﴿إِنَّهُۥ﴾ أي : الأمر و الشأن ﴿لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ لديه يوم القيامة ، فلا فلاح لهم ، ولا نجاة ، ولا فوز ولا نجاح .
23:118Page 349
وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١١٨
And, [O Muḥammad], say, "My Lord, forgive and have mercy, and You are the best of the merciful."
١١٨ -﴿وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ﴾ إرشاد من الله تعالى لنبيّه ﷺ في هذا الدعاء ، لتقتدي به أمّته .والغفر - إذا أطلق - معناه : محو الذنب و ستره . والرحمة معناها: التوفيق والسداد في الأقوال والأفعال.﴿وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ و أفضلهم ، أي: أفضل راحم وخير من رحم ذا ذنب فقبِل توبته و إنابته .انتهى تفسيرسورة المؤمنون
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences