Al-Jami' al-WajizAl‑Mu'minun · 23:1–31

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

المؤمنون

Al-Mu'minun

The Believers · Meccan · 118 ayahs

23:1Page 342

قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١

Certainly will the believers have succeeded:

١ - ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ أي: تحقّق فوزهم وظفرهم بمطلوبهم في الآخرة ، ونجاتهم فيها مما يكرهون ويرهبون ، أو: قد فازوا وسعدوا ونجحوا ، وأدركوا مطلوبهم وبغيتهم في الآخرة . وهم المؤمنون الذين آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين .والفلاح: الظفر بالمرام، وإدراك البغية ، أو: الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب . أو: البقاء في الخير.وقد وصفهم الله بست صفات في الآيات التالية، فقال:

23:2Page 342

ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢

They who are during their prayer humbly intent

٢ - ﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ﴾ أي: متذلّلون لله تعالى خاضعون له بطاعته ، والقيام فيها بما أمرهم به ، مع خوف القلب وسكون الجوارح. والخشوع: التذلّل والتواضع والخوف.وقيل: السكون وترك الالتفات والعبث .والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب فيها بين يدي الله تعالى، مشتغلاً بها عمّا عداها ، مؤثراً لها على غيرها .وفي الحديث عند أحمد في مسنده والنسائي في سننه عن أنس بن مالك مرفوعاً: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» . وأخرج أحمد في المسند أيضاً أن رسول الله ﷺ كان يقول : «أرحنا بالصلاة يا بلال» .

23:3Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ ٣

And they who turn away from ill speech

٣ - ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ﴾ أي: عن الباطل قولاً وعملاً ، أو: عن الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة ، أو: عمّا لا يعتدّ به من الأقوال و الأفعال ﴿مُعۡرِضُونَ﴾ في جميع أوقاتهم ، رغبة عنه، وترفّعاً ، وتنزيهاً لأنفسهم عن الوقوع والخوض فيه . أو: متجنبون له ، غير ملتفتين إليه .واللغو: هو كل باطل ولهو وهزْل ومعصية ، وما لا يجمُل ولا يُحمد من الأقوال والأفعال. وقيل: هو الشرك والمعاصي كلّها.والآية كقوله:(وإذا مروا باللغو مرّوا كراما)الفرقان(٧٢).

23:4Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ٤

And they who are observant of zakāh

٤ - ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ﴾ يحتمل: زكاة النفس من الشرك والدنس ومساوئ الأخلاق والأعمال، أي: لأجل تزكية نفوسهم ﴿فَٰعِلُونَ﴾ الخير ، كقوله تعالى (قد أفلح من تزكى)الأعلى(١٤) وقوله: (قد أفلح من زكّاها)الشمس(٩) .ويحتمل أيضاً: (والذين هم للزكاة) أي: لزكاة أموالهم (فاعلون) أي: مؤدون لها. ولكن يشكل على هذا أن الآية مكيّة، والزكاة إنما فرضت بالمدينة عام اثنين من الهجرة. ويجاب عنه: بأن الظاهر أن أصل الزكاة كان واجبا بمكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام، الآية ١٤١-وهي مكية- :(وآتوا حقّه يوم حصاده) .أو أن المراد بالزكاة هنا: الصدقات على اختلاف أنواعها، وكلّ ما حصل به نفع وإحسان إلى الخلق، لا زكاة المال المفروضة. و يحتمل أن يكون كلا الأمرين مراداً في الآية: وهو زكاة النفوس وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس،والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا .

23:5Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥

And they who guard their private parts

٥ - ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ﴾ عن الحرام، ممسكون لها بالعفاف عما لا يحلّ لهم ، فلا يرسلونها على أحد. ومن تمام حفظها تجنّب ما يدعو إلى الحرام ، قولاً وعملاً.

23:6Page 342

إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦

Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they will not be blamed -

٦ - ﴿إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ﴾ الحرائر ﴿أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ﴾ من الإماء، ملكاً خالصاً- ولم يمنع من ذلك مانع شرعي ، كأن تكون أخته من الرضاعة – وهو وصف لهم بكمال العفّة .﴿فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ﴾ فـي إتيانهنّ، لأن الله تعالى أحلهنّ لهم، فمن أتى ما أحلّه الله له، فلا لوم عليه ولا حرج، بل له بذلك أجر، كما ورد في الحديث الصحيح: «وإن في بضع أحدكم أجر، قالوا: أوَ يأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيت إن وضعها في حرام أيكون عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إن وضعها في حلال يكون له أجر» الحديث .و ملك اليمين من الإماء و السراري كان شائعا في الماضي حينما كان الرقّ و مصدره الحرب و استرقاق الإمام للنساء معاملة بالمثل . و هي مملوكة الرقبة و المنفعة والمتعة، بخلاف الزوجة الحرة فإنها مملوكة المتعة.

23:7Page 342

فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧

But whoever seeks beyond that, then those are the transgressors -

٧ - ﴿فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ﴾ أي: طلب خلاف ذلك الذي أحللناه لهم مـن الزوجـات و مِلك اليمين.﴿ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ﴾ أي: المعتدون، المتجاوزون حدود الله تعالى ، المجاوزون ما أحلّ الله لهم إلى ما حرّم عليهم .ويدخل في ذلك من محارم الله : الزنا، والسحاق، وعمل قوم لوط، والمتعة ، ونكاح المحلِّل ، كما ذهب إليه الجمهور .يقال: ابتغيتُ الشيء وتبغّيتُه وبغيْتُه: إذا طلبته. ويقال : عدا الأمر،وعن الأمر يَعْدُوه عَدْواً: إذا جاوزه وتركه، كتعدّاه،فهو عاد،أي : متجاوز .

23:8Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨

And they who are to their trusts and their promises attentive

٨ - ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ﴾ [و قرأ ابن كثير المكي بالإفراد:(لأمانتهم)] ويشمل جميع ما ائتُمنوا عليه في حق الله، وحق عباده .﴿وَعَهۡدِهِمۡ﴾ ويشمل جميع ما عاهدوا الله والناس عليه .﴿رَٰعُونَ﴾ أي: حافظون لها، موفون بها، قائمون على أدائها وتنفيذها.والمعنى: والذين هم قائمون بحفظ جميع ما ائتُمنوا عليه في حقّ الله، وحق الناس ، موفون بما عاقدوا الله والناس عليه ، كالتكاليف الشرعية، والأموال المودعة، والأيْمان والنذور، والعقود والمعاهدات،ونحوها.والرعي: الحفظ ، يقال: رعيتُه: حفظته ، و رعى الأمير رعيّته رعاية: إذا حفظها.والأمانة والعهد في الأصل مصدران، وأريد بالأمانة: جميع ما يؤتمن عليه العبد مما هو حق لله ، كالتكاليف والواجبات الشرعية ، ومما هو حقّ للعباد ، كالديْن ، والودائع ، وأمانات الأموال ، ونحوها.وأريد بالعهد أيضاً: جميع ما يُتعاهد عليه ويُتعاقد مما هو حقّ لله: كالأيمان والنذور،و مما هو حقّ للعباد: كالعهود والعقود.

23:9Page 342

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩

And they who carefully maintain their prayers -

٩ - ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ﴾ [وفي قراءة : بالإفراد (صلاتهم)] ﴿يُحَافِظُونَ﴾ بإقامتها في أوقاتها بحدودها وشروطها وأركانها،وإتمام ركوعها، وسجودها ، و قراءتها والمشروع من أذكارها. وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: «سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أي العمل أحبّ إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها،قلت: ثم أي؟ قال : بر الوالدين،قلت : ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله».وفي رواية عند الحاكم في مستدركه، قال: «الصلاة في أول وقتها» .قال ابن كثير: وقد افتتح الله هذه الصفات الحميدة بالصلاة، واختتمها بالصلاة ، فدلّ على أفضليتها، كما قال رسول الله ﷺ: «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» .رواه ابن ماجه.

23:10Page 342

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ١٠

Those are the inheritors

١٠ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: الموصوفون بتلك الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة ﴿هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ﴾ لا غيرهم، الأحقّاء بأن يكونوا الوارثين يوم القيامة.

23:11Page 342

ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١

Who will inherit al-Firdaus.1 They will abide therein eternally.

١١ - ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ﴾ وهو أعلى الجنة، ووسطها ، وأفضلها ، أو: المراد: عموم الجنة ، أي:يستحقونها، أو يرثون منازل الكفار فيها ﴿هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون ، لا يبغون عنها حولاً . وفي الصحيحين : «إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة، وأوسط الجنة – أي: أفضلها– ومنه تفجّر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن».وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا وله منزلان ، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار، ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: (أولئك هم الوارثون)».وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال : «إذا كان يوم القيامة ، دفع الله لكل مسلم، يهودياً أو نصرانياً ، فيقال: هذا فكاكك من النار».والآية كقوله:(تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا)مريم(٦٣) .وكقوله:(وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعلمون)الزخرف(٧٢) .وفي الآية إشارة إلى المعاد،ويناسبه ذكر الابتداء بعده في الآي:(١٢) . فائدة حديثيةجاء في فضل الآيات السابقة جملة أحاديث منها:ما رواه الإمام أحمد في مسنده، والترمذي والنسائي في سننهما ، عن عمر بن الخطاب قال: «كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي، يُسمع عند وجهه كدويّ النحل، فلبثنا ساعة، فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا ، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وارْضَ عنّا وأرضنا، ثم قال: لقد أُنزل عليّ عشر آيات من أقامهنّ دخل الجنة ، ثم قرأ:(قد أفلح المؤمنون)حتى ختم العشر».وهذا على تأويل أن قوله : (أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) آية واحدة، لا آيتان. وما رواه النسائي في التفسير عن يزيد بن بابنوس، قال: قلنا لعائشة: كيف كان خلق رسول الله ﷺ؟ قالت : كان خلق رسول الله ﷺ القرآن،فقرأت: (قد أفلح المؤمنون) حتى انتهت إلى قوله: (والذين هم على صلواتهم يحافظون) قالت : هكذا كان خلق رسول الله ﷺ .

23:12Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢

And certainly did We create man from an extract of clay.

١٢ - ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ﴾ أي: أصله، وهو آدم عليه السلام ﴿مِن سُلَٰلَةٖ﴾ أي: خلاصة سُلّت واستخرجت ﴿مِّن طِينٖ﴾ متعلّق ب «سُلالة»، بمعنى : مسلولة منه. والسلالة: ما سُلّ من الشيء واستُخرج منه. يقال : سللت الشيء من الشيء: أي: استخرجته منه، فانسلّ. و «مِنْ» في الموضعين : (من سلالة من طين) ابتدائية.والمراد: أن نوع الإنسان خُلق مما ذُكر، باعتبار خلق أصله منه ، وهو آدم عليه السلام ، فيكون كل إنسان مخلوق من ذلك الطين خلقاً إجمالياً في ضمن خلقه،كما قال تعالى: (ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون)الروم(٢٠).وفي الحديث عند أحمد وأبي داود والترمذي ، وقال: حسن صحيح، أن رسول الله ﷺ قال : «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض ، جاء منهم : الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والخبيث والطيب ، وبين ذلك، والسهل والحزن وبين ذلك» .وقيل: المعنى : (من سلالة من طين) أي: من نطفة مستخرجة من الإنسان، وأصله من الطين ، الذي خُلق منه آدم أبو البشر. فالنطفة: سلالة ، والولد: سليل وسلالة أيضا.

23:13Page 342

ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣

Then We placed him as a sperm-drop1 in a firm lodging [i.e., the womb].

١٣ - ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ﴾ أي: الإنسان، والمراد: جنسه، وهم بنو آدم ﴿نُطۡفَةٗ﴾ أي: منيًّا يُمنى﴿فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ﴾ أي: في مستقر متمكن ، وهو الرّحم. و المعنى : ثم خلقنا نوع الإنسان ، أو جنسه، باعتبار أفراده – المغايرة لآدم عليه السلام - من منيّ في أرحام الوالدات.والآية كقوله : (وبدأ خلق الإنسان من طين)السجدة(٧) – أي: أصله ، وهو آدم عليه السلام – (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين)السجدة(٨) أي: ضعيف حقير.وكقوله (ألم نخلقكم من ماء مهين ٢٠ فجعلناه في قرار مكين ٢١ إلى قدر معلوم ٢٢ فقدرنا فنعم القادرون ٢٣)المرسلات(٢٠-٢٣).

23:14Page 342

ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤

Then We made the sperm-drop into a clinging clot, and We made the clot into a lump [of flesh], and We made [from] the lump, bones, and We covered the bones with flesh; then We developed him into another creation. So blessed is Allāh, the best of creators.1

١٤ - ﴿ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ﴾ التي استقرّت في الرحم، أي: صيرناها ﴿عَلَقَةٗ﴾ أي:دماً جامداً ، بعد مضيّ أربعين يوماً من النطفة ﴿فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ﴾ أي: صيّرنا العلقة – بعد مضي أربعين يوماً- قطعة لحم بقدر ما يُمضغ، غير مخلّقة ، ثم تكون مخلّقة في طور لاحق ﴿فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا﴾ أي: صيرنا المضغة المخلقة عظاماً صلبة لتكون عموداً للبدن ، وقواماً له، فشكلناها ذات رأس ويدين ورجلين على أشكال مخصوصة ﴿فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا﴾ بأن أنبتنا على كلّ عظم لحماً، على المقدار الذي يليق به ويناسبه ، أي: جعلنا اللحم كسوة للعظام .وفي الصحيح: «كل جسد ابن آدم يبلى إلا عَجْبَ الذّنب-وهو : ما استدق في مؤخره– منه خُلق، وفيه يُركّب».[وفي قراءة : (عظما) بالإفراد في الموضعين السابقين] .﴿ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ ﴾ مبايناً للخلق الأول، بنفخ الروح فيه ، بعد هذه الأطوار التي كان فيها جماداً ، فصار إنساناً ذا سمع وبصر ، وإدراك وحركة ، وقوى وحواس. وقيل: المعنى: ننقله من حال إلى حال، إلى أن خرج طفلاً ، ثم نشأ صغيراً ، ثم صار شاباً، ثم كهلاً، ثم شيخاً، ثم هرماً .﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ﴾ أي: تعالى وتعاظم قدرة وحكمة وتصرفاً ، أو: تكاثر خيره وإحسانه ﴿أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ﴾ خَلْقا، أي: أتقن الصانعين صنعاً ، والمقدّرين قدراً ، والمصوّرين تصويراوتقديرا.والخلق في الأصل: التقدير المستقيم، ويستعمل في إبداع الشيء وابتداعه من غير أصل ولا احتذاء ولا مثال سبق ، وكذلك في إيجاد الشيء من الشيء بطريق الاستحالة.والمعنى الأول : لا يكون إلا لله تعالى، والثاني: يسند إلى الله تعالى ويسند إلى الخلق، كقوله: (خلقكم من نفس واحدة)النساء(١) وقوله: (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني)المائدة(١١٠)، والمراد بالخلق هنا: التقدير ، وفي معناه: تفسيره بالصنع .والآية كقوله: (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين)السجدة(٧) وقوله: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم)التين(٤) .وفي مسند أحمد والصحيحين عن ابن مسعود ، أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم ليجمع خَلْقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل إليه المَلك، فينفخ فيه الروح ، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله، وشقي أم سعيد؟» .وفي الصحيحين و رواه الحافظ البزار ، واللفظ له ، عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله وكّل بالرحم ملكا،فيقول : أي ربّ ، نطفة؟ أي ربّ علقة؟ أي ربّ مضغة ؟ فإذا أراد الله خلقها، قال: أي ربّ: ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ قال: فذلك يُكتب في بطن أمّه».وعند أحمد ومسلم عن حذيفة بن أسيد الغفاري مرفوعاً : «يدخل الملك على النطفة ، بعدما تستقر في الرحم بأربعين ليلة ، فيقول: ربّ ماذا؟ شقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ويكتبان ، ويكتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه، ثم تطوى الصحيفة ، فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص» .

23:15Page 342

ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥

Then indeed, after that you are to die.

١٥ - ﴿ ثُمَّ إِنَّكُم﴾ أيها الناس ﴿بَعۡدَ ذَٰلِكَ﴾ أي: بعد هذه النشأة الأولى من العدم وخلق الأطوار ، ونفخ الروح ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ أي: لصائرون إلى الموت الذي لا محالة منه.

23:16Page 342

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦

Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.

١٦ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ﴾ أيها الناس ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ﴾ أي: من قبوركم إلى المحشر ، للحساب والجزاء على الأعمال ، والمراد بالبعث : النشأة الآخرة ، كقوله: (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة)العنكبوت(٢٠) يعني: يوم المعاد ، فيحاسب الله الخلائق ، ويوفى كل عامل بعمله ، إن خيراً فخير ، وإن شراً فشر.والآية كقوله : (أيحسب الإنسان أن يترك سدى ٣٦ ألم يك نطفة من منيّ يُمنى ٣٧ ثم كان علقة فخلق فسوّى ٣٨ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ٣٩ أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ٤٠)القيامة(٣٦-٤٠).

23:17Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧

And We have created above you seven layered heavens, and never have We been of [Our] creation unaware.

١٧ - ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ﴾ أي: سبع سماوات طباقا ، بعضهن فوق بعض.والعرب تسمي كل شيء فوق شيء: طريقة بمعنى : مطروقة ، من طَرِقَ النعل: إذا وضع طاقاته بعضها فوق بعض .أو: طرائق جمع طريقة ، لأن فيها طرق الملائكة والنجوم.وهو كقوله : (ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا)نوح(١٥) .﴿وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ﴾ أي: عن خلق هذه السبع الطرائق وما تحتها ﴿غَٰفِلِينَ﴾ ناسين مهملين ، بل كنا لهم حافظين ، فلا نغفل عن السماء أن تسقط على الأرض ، كقوله: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه)الحج(٦٥) ولا نغفل عن الخلق وحفظه وتدبيره، بل علمنا محيط بهم ، كقوله : (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علماً)الطلاق(١٢).وكثيراً ما يقرن تعالى بين خلقه وعلمه ، كقوله: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)الملك(١٤) وقوله: (بلى وهو الخلاق العليم)يس(٨١) لأن خلق المخلوقات على هذه الصورة المحكمة ، من أقوى الأدلة العقلية على كمال علم خالقها وعظيم حكمته ، تبارك وتعالى.

23:18Page 343

وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨

And We have sent down rain from the sky in a measured amount and settled it in the earth. And indeed, We are Able to take it away.

١٨ - ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: من السحاب ﴿مَآءَۢ﴾ هو ماء المطر﴿بِقَدَرٖ﴾ فيه كفايتكم بحسب الحاجة إليه ، من مصالح ومنافع ، لا كثيراً فيفسد الأرض والعمران ، ولا قليلاً ، فلا يكفي الزروع والثمار ، بل بتقدير محكم ، لاستجلاب المنافع ، ودفع المضارّ، أو: بمقدار ما علمناه من حاجات الناس ومصالحهم إليه ، ومثله قوله تعالى:(وما ننزله إلا بقدر معلوم)الحجر(٢١).﴿فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ﴾ أي: جعلناه مستقرا فيها ، فأخرجنا به من كل أصناف الزروع والثمار ، وجعلنا في قراره منفعة لكم وقت احتياجكم إليه، كالماء الذي يبقى في الينابيع والمياه الجوفية والغدران ، ونحوها.﴿وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ﴾ أي: فكما قدرنا على إنزاله ، فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه، إمّا بعدم المطر ، أو بصرفه عنكم إلى البراري والقفار، أو بجعله أجاجاً ، لا ينتفع به لشرب ولا سقي، أو بأن يغور في الأرض إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به .وفيه تنبيه للعباد أن يشكروا الله على جليل نعمه، ويقدروا عدمها ، ماذا يحصل به من الضرر لهم؟ كقوله: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين)تبارك(٣٠).

23:19Page 343

فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩

And We brought forth for you thereby gardens of palm trees and grapevines in which for you are abundant fruits and from which you eat.

١٩ - ﴿فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ﴾ أي: أخرجنا لكم بماء المطر النازل من السماء ﴿جَنَّٰتٖ﴾ أي: بساتين وحدائق ملتفة أشجارها تستر ما تحتها﴿مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ﴾ وخصهما بالذكر دون غيرهما، لفضلهما وكثرة منافعهما، ولكونهما أكثر فواكه العرب في جزيرتهم .﴿لَّكُمۡ فِيهَا﴾ أي: في هذه الجنات ﴿فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ﴾ تتفكّهون بها ، وتطعمون منها، كالتين والتفاح والرمان وغيرها . أو : من جميع الثمار ، كقوله سبحانه: (ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات)النحل(١١) .﴿وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ﴾ أي: ومن هذه الجنات تأكلون صيفا وشتاءً.

23:20Page 343

وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠

And [We brought forth] a tree issuing from Mount Sinai which produces oil and food [i.e., olives] for those who eat.

٢٠ - ﴿وَشَجَرَةٗ﴾ أي : وأنشأنا لكم شجرةً ﴿تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ﴾[و في قراءة : بكسر السين (سِيناء)] أي: من الجبل المعروف بهذا الاسم. وهو طور سينين ، وهو جبل المناجاة الذي كلّم الله عليه موسى بن عمران عليه السلام . وهذه الشجرة : هي شجرة الزيتون ، وهي شجرة مباركة ﴿تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ﴾ أي: تنبت و تثمر ملتبسة بالدُّهن ومصحوبة به .والدُّهن : عصارة كلّ شيء ذي دسم، والمراد به هنا: زيت الزيتون.أي: ملتبساً ثمرها بالزيت .[وفي قراءة: (تُنْبِتُ بالدّهن) – بضم التاء- من أنبت بمعنى : نبت ، أو: من أنبت المتعدّى بالهمزة ؛ كأنبت الله الزرع ، والتقدير: تُنبت جناها مصحوباً بالدهن].﴿وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ﴾ أي: وبإدام للآكلين يُغمس فيه الخبز . عطف على الدّهن . و الصِّبغ والصِّباغ - بالكسر فيهما- : الإدام لأنه يَصْبُغُ الخبز ، وأصل الصِّبغ: ما يُلوَّن به الثوب.أي: فكان الزيت المستخرج من هذه الشجرة إداماً يؤتدم به ، كما كان دهنا يدهن به ، ويسرج منه.والتغاير بين المعطوف – الدهن – والمعطوف عليه – الصّبغ- باعتبار الصفات ، لا باعتبار الذات ، أي: ففي هذه الشجرة ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ.وفي الحديث عند أحمد ، عن مالك ابن ربيعة الساعدي، أن رسول الله ﷺ قال : «كلوا الزّيت وادّهنوا به ، فإنه من شجرة مباركة» .و روى عبد بن حميد في مسنده عن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «ائتدموا بالزيت وادّهنوا به ، فإنه يخرج من شجرة مباركة» .

23:21Page 343

وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١

And indeed, for you in livestock is a lesson. We give you drink from that which is in their bellies, and for you in them are numerous benefits, and from them you eat.

٢١ - ﴿وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ﴾ و هي: الإبل والبقر والغنم – و يشمل الضأن والمعز – ﴿لَعِبۡرَةٗۖ ﴾ أي: لعظة وآية ، على القدرة والرحمة ، تعتبرون بها ، فتعرفون رحمة الله وقدرته على ما يشاء . وخصّها بالذكر لأن العبرة فيها أظهر.والعبرة: اسم من الاعتبار ، وهو الحالة التي يُتوصل بها من معرفة المشاهَد إلى معرفة ما ليس بمشاهَد.﴿نُّسۡقِيكُم﴾ [و في قراءة: بفتح النون (نَسقيكم) وفي أخرى عند أبي جعفر المدني بفتح التاء : (تَسقيكم)أي:الأنعام].﴿مِّمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ أي: من اللبن الخالص الخارج من بين فرث ودم ، وفيه أعظم عبرة للمعتبرين ، وأكبر موعظة للمتعظين .﴿وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ﴾ من أصوافها وأوبارها وأشعارها ، أثاثاً ومتاعاً، ومن جلود الأنعام بيوتا ، ومن ظهورها ركوباً وحملاً لأحمالكم ، كقوله سبحانه: (وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس)النحل(٧).﴿وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ﴾ أفضل المآكل من لحم وشحم. و الآية كقوله: (وذلّلناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ٧٢ و لهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون ٧٣)يس(٧٢-٧٣).

23:22Page 343

وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٢٢

And upon them and on ships you are carried.

٢٢ - ﴿وَعَلَيۡهَا﴾ أي: وعلى الإبل منها خاصّة ، في البرّ ﴿وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ﴾ أي: السفن في البحر ﴿تُحۡمَلُونَ﴾ أي: أنتم ومتاعكم وأثقالكم ، تتميماً للنعمة، وتكميلا للمنّة ، فسبحان من له الحمد كلّه ، والخير كلّه ، والثناء كلّه.وقد ذكر تعالى في الآيات (١٢)- (٢٢) أربعة أنواع من الأدلة على عظيم سلطانه ، وكمال قدرته على البعث: الأول : تقلب الإنسان في أطوار تسعة. والثـاني : خلق السموات السبع .والثالث : إنزال الماء الذي به الحياة بقدر .والرابـع : خلق الأنعام ومنافعها للإنسان .

23:23Page 343

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣

And We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"

٢٣ - ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ﴾ وكانوا يعبدون الأصنام والأوثان، صوّروا صور رجال صالحين من قومهم ، فعبدوهم من دون الله ، ﴿فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ وحده ، أي: أخلصوا له العبادة والدين.﴿مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ﴾ [و في قراءة بالجر على الإضافة:(مالكم من إله غيْرِه)] فيه إبطال ألوهية غير الله ، وإثبات الإلهية لله تعالى ، فلا إله غيره ، ولا ربّ سواه ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ الله في إشراككم به؟ وتخافون بأسه وانتقامه بعبادتكم غيره، من الأصنام والأوثان والأنداد؟ فدعاهم إلى الله ليلاً ونهاراً ، وسراً وجهاراً، ألف سنة إلا خمسين عاماً، فما ازدادوا إلا عناداً واستكباراً.

23:24Page 343

فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤

But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allāh had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.

٢٤ - ﴿فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ﴾ أي: الأشراف والسادة المتبوعون ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ به ﴿مِن قَوۡمِهِۦ﴾ لأتباعهم : ﴿مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ﴾ أي: من جنسكم في البشرية ، لا فرق بينكم وبينه ﴿يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي: يطلب الفضل والشرف والسيادة عليكم، فيكون متبوعاً ، وأنتم له تبع. من التفضل بمعنى : طلب الفضل.وهذا القول منهم لتنفير قوم نوح من دعوته والانقياد لأمر الله .﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ﴾ إرسال رسول يبلغنا عنه ﴿لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ﴾ من السماء رسلاً ، لا بشراً ﴿مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا﴾ أي: بدعوى النبوة ، أو: بإرسال رسول من البشر ، أو: بدعوة نوح إلى التوحيد و عبادة الله ﴿فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ ممن كانوا في الأمم الماضية والدّهور السالفة ، من الآباء والأجداد والأسلاف.

23:25Page 343

إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥

He is not but a man possessed with madness, so wait concerning him for a time."

٢٥ - ﴿إِنۡ هُوَ﴾ أي: ما نوحٌ ﴿ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ﴾ أي: جـنون ، أو: جـنّ يخبِلـونه، فيـقـول مـا لا يـدري﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ﴾ أي: انتظروه واصبروا عليه ، أو تلبّثوا به ﴿حَتَّىٰ حِينٖ﴾ أي: حتى يستبين أمره ، بأن يفيق مما اعتراه من الجنون ، أو إلى أن يموت.فهذه خمس شبه دلّس بها أشراف القوم وسادتهم على الأتباع من قوم نوح ، في أمره ، وأمر نبوته ، ولم يتعرض لردّها لظهور فسادها.

23:26Page 343

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦

[Noah] said, "My Lord, support me because they have denied me."

٢٦ - ﴿قَالَ﴾ نوح - لما عرف تماديهم في الكفر وإصرارهم عليه ، وكان الله قد أوحى إليه أنه: (لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن)هود(٣٦)-: ﴿رَبِّ ٱنصُرۡنِي﴾ عليهم ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ [و قرأ يعقوب الحضرمي بإثبات الياء وصلا و وقفا:(كذبوني)] أي: بسبب تكذيبهم إياي ، بأن تهلكهم فلا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا . و قال في سورة القمر، الآية ١٠ : (فدعا ربّه أني مغلوب فانتصر).

23:27Page 343

فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧

So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.

٢٧ - ﴿فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ﴾ أي: السفينة ﴿بِأَعۡيُنِنَا﴾ أي: بمرأىً منّا ومنظر ، أو: بحفظنا ورعايتنا وكلاءتنا لك ، عن أن يُفسدها عليك قومك. و فيه إثبات صفة العين لله تعالى على اللائق بجلاله و كماله. ﴿وَوَحۡيِنَا﴾ أي: وأمرنا وتعليمنا إيّاك صنعتها ﴿فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا﴾ بالعذاب، أي: بإهلاكهم وإرسال الطوفان عليهم ﴿وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ﴾ بأن نبع الماء منه ، فجعل فوران الماء من التنور- وهو بيت النار الذي ينضج فيه الخبز- علامة لنوح على بدء الطوفان، أي: فإذا وقع ذلك ﴿فَٱسۡلُكۡ فِيهَا﴾ أي: فأدخل في السفينة أو في الفلك الذي صنعته ﴿مِن كُلّٖ﴾ –بالتنوين- أي: من كلّ جـنس ونـوع مـن أجناس الحيوان وأنواعـه ﴿زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ﴾ ذكر وأنثى . وإنما قيل له ذلك: لتبقى مادّة النسل والتكاثر لسائر الحيوان في الأرض ، بعد غرقها بالطوفان.و«زوجين» مفعول ، و «اثنين» تأكيد له.[وفي قراءة بغير تنوين: (من كلِّ زوجين) ذكر وأنثى ، أي: من كلّ أنواعهما (اثنين) ذكرا وأنثى ، وهو مفعول].﴿وَأَهۡلَكَ﴾ أي: واسلك فيها أهلك، أي: أدخلهم في السفينة معك ﴿إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ﴾ من الله بالإهلاك ﴿مِنۡهُمۡۖ﴾ أي: من أهله ، وهم: الذين لم يؤمنوا به منهم ، كابنه و امرأته. وفي سورة هود ، الآية ٤٠: (ومن آمن وما آمن معه إلا قليل).﴿وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ﴾أي: كفروا و طغوْا و بغوْا ، بالدعاء لهم بإنجائهم و ترك إهلاكهم، أي: لا تسألني فيهم مسألة ﴿إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ﴾ أي: مقضيّ عليهم بالإغراق ، لما تقدم في علم الله من ظلمهم وكفرهم.

23:28Page 344

فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨

And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'

٢٨ -﴿فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ﴾ أي: علوت واعتدلت ﴿أَنتَ وَمَن مَّعَكَ﴾ من أهلك وأتباعك ﴿عَلَى ٱلۡفُلۡكِ﴾ راكبين عليه ، مذللاً لكم بأمر الله ﴿فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: حال بيننا وبينهم ، وخلصنا من ظلمهم وكفرهم ، فأهلكهم بقدرته وعزّته .والآية كقوله: (وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ١٢ لتستوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ١٣ وإنا إلى ربنا لمنقلبون ١٤)الزخرف(١٢-١٤).

23:29Page 344

وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩

And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"

٢٩ - ﴿وَقُل﴾ أي: عند نزولك من الفلك ، أو : عند دخولك إليها : ﴿رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا﴾ أي: إنزالاً ، أو مكان إنزالٍ ، مباركاً .[وفي قراءة : (مَنْزِلاً) بفتح الميم وكسر الزاي ، أي : مكان نزول مباركاً، فالأول: بضمّ الميم وفتح الزاي- مصدر أو اسم مكان ، والثاني : بفتح الميم وكسر الزاي- مكان النزول]. والمراد بالبركة هنا: النجاة من الغرق، وكثرة النسل ، وتتابع الخيرات بعد الإنجاء.﴿وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ﴾ وهذا ثناء من نوح عليه السلام على الله عز وجل إثر دعائه له بالإنزال أو النزول المبارك .وكان الله قد أمره أن يقول عند ابتداء سيره في السفينة: (بسم الله مجراها ومرساها)هود(٤١). فذكر الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله ، عند ابتداء سيره ، وعند انتهائه.

23:30Page 344

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠

Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].

٣٠ - ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ أي: المذكور من أمر نوح عليه السلام ، و إنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي: لدلالات على كمال قدرة الله تعالى ، وعلى صدق رسله فيما جاءوا به عن الله ﴿وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ﴾ أي: لمختبرين العباد بالنّقم والنعم و نحن أعلم بهم ، أو: لمختبرين لهم بإرسال الرسل والآيات إليهم، ليظهر المطيع والعاصي ويميز الخبيث من الطيب.

23:31Page 344

ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١

Then We produced after them a generation of others.

٣١ - ﴿ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ﴾ أي: أحدثنا من بعد إهلاك قوم نوح بالطوفان ﴿قَرۡنًا ءَاخَرِينَ﴾ أي: قوما غيرهم.والقرن: القوم المجتمعون في زمان واحد ، وهم : عاد الأولى ، قوم هود، على ما رجحه أكثر أهل التفسير ، فإنهم كانوا مستخلفين بعد قوم نوح.وقيل: ثمود ، لقوله: (فأخذتهم الصيحة بالحق) كما سيأتي في الآية (٤١) من هذه السورة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском