Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:33–42
24:33Page 354
وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٣
But let them who find not [the means for] marriage abstain [from sexual relations] until Allāh enriches them from His bounty. And those who seek a contract [for eventual emancipation] from among whom your right hands possess1 - then make a contract with them if you know there is within them goodness and give them from the wealth of Allāh which He has given you. And do not compel your slave girls to prostitution, if they desire chastity, to seek [thereby] the temporary interests of worldly life. And if someone should compel them, then indeed, Allāh is [to them], after their compulsion, Forgiving and Merciful.
٣٣ -﴿وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: ليطلب العفة في نفسه عن الزّنا والحرام ، من لا يجد نكاحاً أو تزويجاً ولا يقدر عليه ، إما لفقره، أو فقر أوليائه ، أو امتناعهم من تزويجه ، أو لم يجد ما ينكح به من مهر، أو نفقة ، أو زوج مناسب.﴿حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ﴾ أي: يوسّع عليهم ، ويرزقهم من فضله رزقاً ، يستغنون به ، فينكحون .وفي الآية أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجاً بالتعفّف عن الحرام ، كما قال ﷺ في حديث ابن مسعود في الصحيحين : «ومن لم يستطع، فعليه بالصوم ، فإنه له وجاء» .قال ابن كثير: وهذه الآية مطلقة ، والتي في سورة النساء أخصّ منها، وهي قوله : (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات)النساء(٢٥) إلى قوله : (وأن تصبروا خير لكم)النساء(٢٥) أي: صبركم عن تزوّج الإماء ، خير لكم، لأن الولد يجيء رقيقا.﴿وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: يطلبون المكاتبة ، أو: عقد المكاتبة﴿مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ﴾ أي: من العبيد والإماء ، ليصيروا أحراراً ﴿فَكَاتِبُوهُمۡ﴾ أيها السّادة ، أي: يُندب لكم مكاتبتهم، كما طلبوا ، مسارعة إلى تحريرهم وفك رقابهم .﴿إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ﴾ أي : في طالبي المكاتبة ﴿خَيۡرٗاۖ﴾ أي: أمانة وصدقا و رشداً وصلاحاً في الدين وقدرةً على الكسب والأداء ، فإن أدّى ما عليه من مال المكاتبة إلى سيّده ، صار حراً.والمكاتبة: معاقدة بين السيّد وعبده على مال يؤديه العبد منجّما ، فإن أداه فهو حرّ ، يقول فيها السيد لعبده: إن أدّيت إليّ كذا من المال ، فأنت حرّ لوجه الله، ويقبل العبد ذلك ، فإذا أدّى ما شُرط عليه عَتَق. ومن فوائد المكاتبة : العتق والحرية للعبد ، وكذا العوض الذي يبذله العبد لسيّده في فداء نفسه .والأمر في الآية بالكتابة ، أمر إرشاد وندب واستحباب، لا أمر تحتّم وإيجاب. وذهب آخرون إلى أنه أمر إيجاب كما هو ظاهر الآية.﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ﴾ أي: أعطوهم من مال الله ما يحطّ عنهم من مكاتبتهم، و هو أمر للسّادة والموالي بإعانة المكاتبين بشيء مما أعطاهم الله على سبيل الاستحباب، وذلك بأن يحطّوا عنهم بعضاً مما كوتبوا عليه، فيطرحوا لهم من الكتابة بعضها، إذا أدّوا ما كوتبوا عليه من المال.وقيل: بل المراد: هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكاة ، واختاره ابن جرير. والقول الأوّل أشهر. وعن ابن عباس قال: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب ، وقد تقدّم في الحديث : «ثلاثة حقّ على الله عونهم» وذكر منهم : «المكاتب يريد الأداء».وقوله:(من مال الله الذي آتاكم) : ترغيب في الإحسان إليهم بالوضع عنهم في مكاتبتهم ، أي: فكما أن المال مال الله ، وإنما الذي بأيديكم عطيّة منه لكم وتفضّل ، فأحسنوا لعباد الله ، كما أحسن الله إليكم .ومفهوم الآية: أن العبد إذا لم يطلب المكاتبة ، لا يؤمر سيّده بالابتداء بمكاتبته ، وأنه إذا لم يعلم منه خيراً، بأن علم عكسه من كونه لا كسب ، ولا صلاح في دينه ، فهذا لا يُؤمر بمكاتبته ، بل يُنهى عن ذلك لما فيه من المحذور المذكور.﴿وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ﴾ أي: إماءكم ﴿عَلَى ٱلۡبِغَآءِ﴾ أي: على الزنا ﴿إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا﴾ أي: تعففاً وتصوّناً عنه- وكذا إن لم يُردن الإحصان، فالقيد هنا لبيان واقع كان في الجاهلية-﴿لِّتَبۡتَغُواْ﴾ أي: لتلتمسوا وتطلبوا بإكراههن على الزنا ﴿عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ﴾ من كسب المال أو الولد.وفي الحديث عند مسلم : «نهى رسول الله ﷺ عن مهر البغيّ».وفي رواية: «مهر البغي خبيث» .الحديث .والفتيات: الإماء ، وكلٌّ من الفتى والفتاة كنيةٌ مشهورة عن العبد والأمة مطلقاً .والبغاء: زنى المرأة خاصّة ، مصدر بَغَت المرأة تَبْغي بِغَاءً: إذا فجرت.وهي بغيّ، وهنّ بغايا.والتحصّن: التصوّن عن الزنا والتعفف عنه .وكان بعض أهل الجاهلية يُكره إماءه على الزنا ، ابتغاء كسب المال أو الولد. وكان لرأس المنافقين- عبد الله بن أبيّ بن سلول- جوارٍ يكرههن عليه، فاشتكى بعضهن لرسول الله ﷺ إكراهه لهنّ على الزنا، وهنّ يأبيْنه ويستعففن عنه في الإسلام . فنزلت الآية بالنهيّ عن إكراههن على الزنا.فقد أخرج مسلم في صحيحه من طريق أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: كان عبد الله بن أبيّ يقول لجارية له: اذهبي ، فأبغينا شيئاً. فأنزل الله :(ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) الآية. وأخرج أيضاً من هذا الطريق: أن جارية لعبد الله بن أبيّ يقال لها: مسيكة ، وأخرى يقال لها : أميمة، فكان يكرههما على الزنا ، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله الآية.وروى النسائي عن جابر أنها نزلت في أمة لعبد الله بن أبيّ بن سلول ، يقال لها: مسيكة ، كان يكرهها على الفجور ، فتأبى ، فأنزل الله الآية .وأخرج البزّار في مسنده والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: كانت لعبد الله بن أبيّ جارية تزني في الجاهلية ، فلما حُرّم الزنا ، قالت: لا والله لا أزني أبداً، فنزلت:(ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصّناً) الآية .وقوله :(إن أرَدْن تحصّنا) : هذا الشرط في الآية على قولين :الأول: أنه خرج مخرج الغالب، فلا يراد مفهومه، لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصّن، لذا فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن .الثاني: أن إرادة التحصّن عندهنّ ليست شرطاً في النهي عن الإكراه ، ولكن لما كان سبب النزول ما تقدّم ذكره ، خرج النهي عن الإكراه على صفة السبب. وفيه من التشنيع عليهم والتقبيح لصنيعهم ما فيه، فكأنه قيل: كيف يقع منكم إكراههن على البغاء ، وهنّ إماء يُردن العفّة، ويأبيْن الفاحشة؟ ألستم أحقّ بحملهنّ على العفّة إذا أردن البغاء؟ف «إنْ» هنا ليست لتخصيص النهي بإرادتهن التعفف عن الزنا ، وجواز إكراههن إن لم يُردن التحصن ، بل المقصود : النهي عن إكراههن على كل حال ، أردن أم لم يُردن.﴿وَمَن يُكۡرِههُّنَّ﴾ على ما ذكر من البغاء﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ﴾ أي: كونهن مكرهات عليه﴿غَفُورٞ﴾ لهنّ﴿رَّحِيمٞ﴾ بهنّ ، وإثمهنّ على من أكرههن. وفي الحديث المرفوع عن رسول الله ﷺ : «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» . فائدة فقهيةقوله تعالى:(فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) اختلف في الأمر أهو على الندّب أم على الإيجاب، على قولين :الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الأمرَ أمرُ إرشاد وندب واستحباب، لا أمر تحتّم وإيجاب . قال الشعبي: إن شاء كاتبه، وإن شاء لم يكاتبه. وكذا قال عطاء ومقاتل والحسن البصري. وذهب الشافعي في الجديد إلى أنه لا يجب، واستدلّ بقوله عليه السلام: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفس منه».وقال مالك: الأمرُ عندنا أنه ليس على سيّد العبد أن يكاتبه وجوباً إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحداً من الأئمة أكره أحداً على أن يكاتب عبده. وكذا قال الثوري وأبو حنيفة.الثاني : وذهب غيرهم إلى أنه يجب على السيّد إذا طلب منه عبده مكاتبته، أن يجيبه إلى ما طلب، أخذاً بظاهر الأمر في الآية ، واستدلوا بما ذكره البخاري تعليقاً عن ابن جريج قال: قلت لعطاء : أواجب عليّ إذا علمت أنّ له مالاً أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلاّ واجباً . وقال عمرو بن دينار: قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال: لا ، ثم أخبرني أن سيرين سأل أنساً المكاتبة ، وكان كثير المال ، فأبى ، فانطلق إلى عمر، فقال: كاتبه، فأبى ، فضربه بالدرّة وهو يتلو:(فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) فكاتبه .قلت: حقيقة الأمر: الوجوب، إلا لصارف ، ولا صارف هاهنا ، و الله تعالى أعلم.ولمّا فصّل تعالى كلّ هذه الأحكام وبيّنها قال:
24:34Page 354
وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٣٤
And We have certainly sent down to you distinct verses1 and examples from those who passed on before you and an admonition for those who fear Allāh.
٣٤ -﴿وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ﴾ أي: في هذه السورة ﴿ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ﴾[وفي قراءة: بفتح الياء (مبيَّنات)] أي: واضحات الدلالة مفسرات مفصّلات لكلّ ما تحتاجون إليه في أصول الأحكام و فروعها .﴿وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ أي: وأنزلنا إليكم خبراً عن الأمم الماضية ، وما حلّ بهم في مخالفتهم أوامر الله، كما قال تعالى:(فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين)الزخرف(٥٦) أي: زاجراً لهم عن ارتكاب المآثم والمحارم.أو: أنزلنا إليكم مثلاً ، أي : خبراً عجيباً -هو خبر عائشة– كأمثال الذين مضوا من قبلكم ، أي: من أخبارهم العجيبة المضروبة لهم في الكتب السابقة – كخبر يوسف ، ومريم عليهما السلام - .﴿وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ الذيـن يمتثلون أوامـر الله ، ويجتنبون نواهيه. أو: وأنزلنا إليكم موعظة للمتقين، من الوعد و الوعيد و الترغيب والترهيب ، يتعظ بها المتقون فيكفّون عما يكره الله إلى ما يحبه و يرضاه.وخصّ بها المتقين ، لأنهم المنتفعون بها دون غيرهم.
24:35Page 354
۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥
Allāh is the Light1 of the heavens and the earth. The example of His light2 is like a niche within which is a lamp;3 the lamp is within glass, the glass as if it were a pearly [white] star lit from [the oil of] a blessed olive tree, neither of the east nor of the west, whose oil would almost glow even if untouched by fire. Light upon light. Allāh guides to His light whom He wills. And Allāh presents examples for the people, and Allāh is Knowing of all things.
٣٥ -﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: الله نور العالم كلّه ، عُلْويّه وسُفْليّه ، بمعنى: مُنوّره بالآيات التكوينية والتنزيلية الدالة على وجوده، ووحدانيته ، وسائر صفاته جلّ وعلا، والهادية إلى الحق وإلى ما به صلاح المعاش والمعاد .أو: هادي أهلهما ، فهم بنوره يهتدون إلى الحقّ ، ويعتصمون من الضلالة.أو: الله موجد العالم كله ، أو: مدبّر الأمر فيه وحده . أو: منوّره بالشمس و القمر والكواكب، فقد جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً، والضياء والنوّر قد شاع إطلاق كل واحد منهما على الآخر ، وناط بهذا النور مصالح خلقه ومعايشهم ، حتى أبصروا وعملوا ، ولولاه لظلّوا في عماء وظلمة وخمود ، فإن النور ظاهر بذاته ، مُظهر لغيره.والنور: حسيّ ومعنوي ، فالحسيّ أنه تعالى بذاته نور، و في الحديث الصحيح :«حجابه النور ، أو النار لو كشفه ، لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه».وفي الحديث أيضا: «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات». وفي الصحيحين من حديث ابن عباس: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يقول : «اللهم لك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد ، أنت قيّوم السماوات والأرض ومن فيهن» الحديث .وبه استنار العرش، والكرسي، والجنة، والشمس، والقمر، والعالم كلّه.والمعنوي: راجع إليه تعالى أيضا ، فكتابه نور ، وشرعه نور ، وهديه نور ، والإيمان والتصديق والمعرفة والعلم في قلوب رسله وأوليائه وعباده المؤمنين نور.فلولا نوره تعالى لتراكمت الظلمات، وكلّ محلّ يُفقد فيه نوره ، فثمّ الظلمة والعماء.﴿مَثَلُ نُورِهِۦ﴾ أي: صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة والإنارة والتنوير.أو: صفة نوره ، أي: هُداه ، في قلب عبده المؤمن ﴿كَمِشۡكَوٰةٖ﴾ أي: كصفة مشكاة ، وهي الكوّة غيرُ النافذة ، فهي أجمع للضوء الذي يكون فيها من مصباح أو غيره .﴿فِيهَا﴾ أي: في المشكاة ﴿مِصۡبَاحٌۖ﴾ أي: سراج ضخم ثاقب شديد الإضاءة ، فالكوّة أو المشكاة تجمع نور المصباح بحيث لا يتفرق.ذلك﴿ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ﴾ أي: في قنديل من الزجاج الصّافي الأزهر ، فهو لذلك أشدّ إضاءة.تلك ﴿ٱلزُّجَاجَةُ﴾ من صفائها وبهائها ﴿كَأَنَّهَا﴾ والنور فيها ﴿كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ﴾ أي: شديد الإنارة ، مضيء إضاءة الدُر متلألئ وقّاد . نسبة إلى الدُّرّ: وهو اللؤلؤ ، في صفائه وإشراقه وحُسنه وزهرته .[وفي قراءة :(دُِرِّيءٌ) –بضم الدال وكسرها مع الهمز – من الدّرء بمعنى:الدّفع، لدفعها الظلام ، أي: مضيء، متلألئ، صاف] .﴿يُوقَدُ﴾ أي: المصباح ، الذي في تلك الزجاجة الدّرية ﴿مِن شَجَرَةٖ﴾ أي: من زيت شجرة ﴿مُّبَٰرَكَةٖ﴾ أي: كثيرة المنافع ، بأن رُويت فتيلته بزيتها ﴿زَيۡتُونَةٖ﴾ بدل أو عطف بيان، أي: يوقد من زيت زيتونِ شجرة مباركة ، أو من زيت شجرة مباركة هي الزيتونة . ومن بركتها: أن ثمرتها إدام ودهان، ودباغ ووقود ، و ليس فيها شيء إلاّ وفيه منفعة .[وفي قراءة :(تُوقَدُ) أي: الزجاجة، وفي أخرى:(تَوَقَّدَ) أي: المصباحُ].﴿لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ﴾ أي: ليست شجرة الزيتون شرقيّة فقط ، فلا تصيبها الشمس آخر النهار ، ولا غربية فقط ، فلا تصيبها الشمس أول النهار.والمعنى : لا يسترها عن الشمس شيء ، لا في حال شروقها ولا في حال غروبها، بل هي شرقية وغربية، متوسطة معتدلة ، ضاحية للشمس طول النهار ، تُصيبها عند طلوعها وعند غروبها بالغداة والعشيّ، وذلك أحسن لزيتها .﴿يَكَادُ زَيۡتُهَا﴾ من شدة صفائه وإنارته وإشراقه﴿يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ﴾ فإذا مسّته النار ازداد ضوءاً على ضوئه ، وإشراقاً على إشراقه ، ولمعاناً على لمعانه .وقد شُبّه في الآية نورُ الله الحسي أو المعنوي – بمعنى: أدلّته وآياته سبحانه ، من حيث دلالتها على الحقّ والهدى ، وعلى ما ينفع الناس في الدارين – بنور المشكاة التي فيها زجاجة صافية ، وفي تلك الزجاجة مصباح يتّقد بزيت بلغ الغاية في الصّفاء والحسن والإشراق ، حتى يكاد يضيءُ بنفسه من غير أن تمسّه النار .أو: وجه هذا المثل الذي ضربه الله لنور هداه في قلب المؤمن: أن فطرة المؤمن التي فُطر عليها صافية ، بمنزلة الزيت الصافي ، فهي مستعدّة للتعاليم الإلهية والعمل المشروع ، فإذا وصل إلى المؤمن نور العلم والإيمان، اشتعل في قلبه بمنزلة إشعال النار فتيلة ذلك المصباح، والمؤمن صافي القلب من سوء القصد ، وسوء الفهم عن الله، فإذا وصل إليه الهدى أضاء إضاءة عظيمة ، لصفائه من الكدورات، وذلك بمنزلة صفاء الزجاجة الدريّة، فيجتمع للمؤمن بذلك نور الفطرة ونور الإيمان ونور العلم والهدى ، وصفاء المعرفة.وقيل: هو مثل ضربه الله لقلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم، بالمصباح في الزجاجة الصافية ، المتوقّد من زيت طيب ، وذلك كالقنديل أو المشكاة.﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ﴾ أي: هو نور عظيم على نور ، فنور الله متضاعف ، لا حدّ لتضاعفه ، بخلاف النور الممثَّل به، فإن لتضاعفه حدّا معيّنا محدوداً، مهما كان إشراقه وإضاءته . وعن ابن عباس قال: كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ، فإذا مسّته النار ازداد هدى على هدىً ، وبصيرة على بصيرة ، ونوراً على نور . وقيل :(نور على نور) :أي: نور النار ونور الزيت إذا اجتمعا أضاءا وأشرقا ، وكذلك نور القرآن ونور الإيمان إذا اجتمعا في قلب المؤمن ، أضاء بنور الله وأشرق .﴿يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ﴾ العظيم الشأن – وهو الإسلام والإيمان –﴿مَن يَشَآءُۚ﴾ هدايته من عباده ، ممّن يعلم زكاءه وطهارته ، وأنه يزكو مع نور الله وينمو ، وذلك بتوفيقه لفهم آياته الدّّالة على وحدانيته وصفاته وحكمته ، وفهم كتبه وشرائعه، وأسرار مخلوقاته ، الدالّة على الخير وسعادة الدّارين .وفي الحديث عند أحمد والبزّار عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ، فمن أصاب من نوره يومئذ اهتدى ، ومن أخطأه، ضلّ ، فلذلك أقول: جفّ القلم على علم الله عز وجلّ» .﴿وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ﴾ أي: يبيّن الأشياء بأشباهها ونظائرها ، تقريباً لها إلى أفهام الناس ، ليعتبروا فيؤمنوا ، وليعقلوا عن الله ، ويفهموا عنه مراده ، لطفاً منه بهم ، وإحساناً إليهم ، فإن الأمثال تقرّب المعاني المعقولة من المحسوسة ، فيعلمها العباد ويتبيّنوها ، ولذلك مثّل نوره الحسي ، أو نوره المعنوي المعبّر عنه بالقرآن ، بنور المشكاة .﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ يعلم من يستحقّ الهداية ، ممن يستحق الإضلال، فعلمه محيط بجميع الأشياء ، فلْتَعْلموا أن ضربه للأمثال، ضربُ من يعلم حقائق الأشياء وتفاصيلها ، وأنها مصلحة للعباد، فليكن اشتغالكم بتدبّرها وتعقّلها عن الله ، لا بالاعتراض عليها ، أو معارضتها ، فإنه يعلم، وأنتم لا تعلمون . وفيه وعد لمن تأمل ووعيد لمن أهمل.وفي الحديث عند أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «القلوب أربعة: قلب أجرد ، فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف، مربوط على غلافه ، وقلب منكوس، وقلب مصفّح . فأما القلب الأجرد: فقلب المؤمن سراجه فيه نوره ، وأما القلب الأغلف: فقلب الكافر ، وأما القلب المنكوس: فقلب المنافق، عرف ثم أنكر ، وأما القلب المصفّح: فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة ، يمدّها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه، كمثل القرحة ، يمدّها الدم والقيح ، فأي المدّتين غلبت على الأخرى ، غلبت عليه».قال ابن كثير: إسناده جيد .ولما كان نور الإيمان والقرآن أكثر وقوع أسبابه في المساجد ، ذكرها منوّها بها ، وبفضلها ، وفضل أهلها، فقال:
24:36Page 354
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦
[Such niches are] in houses [i.e., mosques] which Allāh has ordered to be raised and that His name be mentioned [i.e., praised] therein; exalting Him within them in the morning and the evenings1
٣٦ -﴿فِي بُيُوتٍ﴾ متعلّق بقوله: (يُسبح) – الآتي في الآية – والمراد بها: المساجد كلّها ، وهي أحبّ البقاع إلى الله في الأرض .﴿أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ﴾ أي: أمر الله ووصّى أن يُعظّم قدرها ، و يُرفع شأنها، وتُنزه عن الأنجاس والأقذار، بتعاهدها و تطهيرها من الدّنس واللغو ، والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها .ويدخل في رفعها أيضاً: بناؤها وعمارتها ، وصيانتها عن كل ما فيه إثم ومعصية أو امتهان لها.﴿وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ﴾ تعالى ، بالأذان، والصلاة ، فرضها ونفلها ، وقراءة القرآن ، والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ، وسائر أنواع الذكر، وتعلّم العلم وتعليمه ، والمذاكرة فيها ، والاعتكاف ، وغير ذلك من العبادات التي تُفعل في المساجد ،كما قال النبي ﷺ للأعرابي الذي بال في طائفة المسجد: «إن المساجد لم تُبن لهذا ، إنما بُنيت لذكر الله والصلاة فيها» .ولذا كانت عمارة المساجد على قسمين: عمارة بنيان وصيانة ، وعمارة بذكر اسم الله فيها ، من الصلاة والتسبيح والذكر . وفيه : مشروعية الصلوات الخمس والجمعة في المساجد ، وجوباً عند بعض العلماء ، واستحباباً وندباً عند غيرهم.والآية كقوله:(وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين)الأعراف(٢٦)، وقوله:(وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا)الجنّ(١٨) .﴿يُسَبِّحُ لَهُۥ﴾ أي: لله تعالى [و في قراءة بالبناء للمفعول(يُسبَّح له)] ﴿فِيهَا﴾ أي: في المساجد إخلاصاً وتعظيماً -تأكيدٌ لقوله : (في بيوت)- .أي: ينزّهه تعالى فيها ، ويقدسه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا يُذكر فيها إلاّ بما هو شأنه عزّ وجل.وقيل: المراد من التسبيح : الصلاة ، أي: يصلّي له فيها﴿بِٱلۡغُدُوِّ﴾ أي: بالبُكر قبل طلوع الشمس.﴿وَٱلۡأٓصَالِ﴾ أي: والعشايا ، قبل غروب الشمس ، جمع أصيل، وهو: العشيّ، والمراد: يُصلّى له فيها أوّل النهار وآخره .
24:37Page 355
رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧
[Are] men whom neither commerce nor sale distracts from the remembrance of Allāh and performance of prayer and giving of zakāh. They fear a Day in which the hearts and eyes will [fearfully] turn about -
٣٧ -﴿رِجَالٞ﴾ وفيه إشعار بهممهم السامية ، ونيّاتهم وعزائمهم العالية، والتي بها صاروا عمّارا للمساجد،كما قال تعالى :(من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)الأحزاب(٢٣).والغدوّ : مصدر ، بمعنى: الغدوات، أي: البُكر أو البكرات ، وهي أوائل النّهار. والآصال: جمع أصيل ، وهي : العشايا أو العشيات ، وهي أواخر النهار من بعد الزّوال. وخص هذين الوقتين في أوّل النهار وآخره -وهما وقتا صلاة الفجر والعصر- لشرفهما ، وعظيم فضلهما.ويدخل في التسبيح أيضاً : التسبيح بعد الصلاة ، وفيه مشروعية التسبيح والأذكار بعد الصلاة ، في الصباح والمساء .و (رجالٌ) : فاعل (يُسبِّح) بكسر الباء. وعلى قراءة فتحها ، يكون نائب الفاعل: «له» ، و «رجال»: فاعل فعل ، مقدر ، هو جواب سؤال مقدّر ، كأنه قيل: من يسبّحه؟ فقيل: رجال.ثم وصف هؤلاء الرّجال وعمّار المساجد بقوله :﴿لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ﴾ وهذا يشمــل كلّ تكسّب يقصد به العِوض مـن بيــع وشــراء، أي: لا تشغلهم تجـارة﴿وَلَا بَيۡعٌ﴾ فهــو من بـاب عطف الخاص على العامّ لكثرة الاشتغال بالبيع عن غيره .ويحتمل أن يكون المراد بالتجارة: الشراء ، فيكون قوله: (ولا بيع) من باب عطف الصّفة على الصّفة .والمعنى: لا تشغلهم الدنيا وزخرفها و زينتها ، وملاذّ كسبها ، وتجارتها، وبيعها ، وربحها ﴿عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ تعالى، بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى ، أو: عن التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ﴿وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ﴾ أي: وعن إقامة الصلاة المكتوبة لمواقيتها، والمحافظة عليها، وحضور الجماعة فيها ﴿وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ﴾ المفروضة والمندوبة .أي: فلا يلهيهم حبّ المكاسب بأنواع التجارات ونحوها ولا يشغلهم عن ذكر الله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فهم يُقدّمون طاعة الله وعبادته ، ومراده ، ومحبته ، على مرادهم ومحبّتهم ، ويؤثرون الله والدار الآخرة ، على الدنيا وما فيها من لذات وتجارة ومكاسب ، مشغلة عن الله ، قد جعلوا طاعة الله وعبادته غاية مرادهم ، ونهاية مقصدهم ، فما حال بينهم وبينه رفضوه .وعن ابن عباس قال : كانوا رجالاًيبتغون من فضل الله، يشترون و يبيعون ، فإذا سمعوا النداء بالصلاة، ألقوا ما في أيديهم ، وقاموا إلى المسجد فصلّوا .ولمّا كان ترك الدنيا شديداً على أكثر النفوس ، وحبّ المكاسب بأنواع التجارات ، محبوباً لها ، ويشق عليها تركه في الغالب ، وتتكلّف من تقديم حقّ الله على ذلك، ذكر ما يدعوها إلى ذلك ، ترغيباً وترهيباً ، فقال :﴿يَخَافُونَ يَوۡمٗا﴾ هو يوم القيامة﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ﴾ أي: تضطرب وتتغير فيه من شدّة الفزع، وعظمة الأهوال ، فالقلوب تكون متقلّبة بين الطمع في النجاة، والخوف من الهلاك. وأما تقلب الأبصار: فهو نظرها من أي ناحية يؤخذون، وإلى أي ناحية يصيرون ، كقوله : (إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار)إبراهيم(٤٢)وقوله:(إنا نخاف من ربنا يوماً عبوسا قمطريرا)الإنسان(١٠).
24:38Page 355
لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨
That Allāh may reward them [according to] the best of what they did and increase them from His bounty. And Allāh gives provision to whom He wills without account [i.e., limit].
٣٨ -﴿لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: في ذلك اليوم – وهو يوم القيامة-﴿أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ﴾ في الدنيا ، أي: ثوابه، فيتقبّل حسناتهم ، ويتجاوز عن سيئاتهم .وأحسن بمعنى: حسن .والمراد ب (أحسن ما عملوا): أي: أعمالهم الحسنة الصالحة، فهي أحسن ما عملوا لكونهم يعملون المباحات وغيرها، فالثواب لا يكون إلاّ على العمل الحسن، كقوله:(ليكفّر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)الزمر(٣٥) .﴿وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ﴾ بمضاعفة الجزاء المقابل لأعمالهم، من تضعيف الحسنة إلى عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف ، كقوله :(من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)الأنعام(١٦٠)، وقوله:(من ذا الذي يقرض الله قرضا حسناً فيضاعفه له)البقرة(٢٤٥)، وقوله: (والله يضاعف لمن يشاء)البقرة(٢٦١) .﴿وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ أي: يعطي من الأجر والثواب، مالا يبلغه عمل العامل، بلا عدّ ولا كَيْل ولا نهاية لما يعطي، كناية عن كثرته وتوسعته . أو : يعطي بتوسّع .يقال: فلان ينفق بغير حساب ، أي: يوسع كأنه لا يحسب ما ينفقه .وفي الحديث عند ابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد بن السكن مرفوعاً : «إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة ، جاء مناد ، فنادى بصوت يسمع الخلائق: سيعلم أهل الجمع من أوْلى بالكرم ، ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، فيقومون ، وهم قليل ، ثم يحاسب سائر الخلائق» .وروى الطبراني عن ابن مسعود عن النبي ﷺ في قوله :(ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) قال: «أجورهم: يدخلهم الجنة ، ويزيدهم من فضله: الشفاعة لمن وجبت له الشفاعة ، لمن صنع لهم المعروف في الدنيا» .
24:39Page 355
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩
But those who disbelieved - their deeds are like a mirage in a lowland which a thirsty one thinks is water until, when he comes to it, he finds it is nothing but finds Allāh before him, and He will pay him in full his due; and Allāh is swift in account.
٣٩ -﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ بربهم وكذّبوا رسله ، بيان لحال الكافرين بضرب مثلين لأعمالهم ، بعد بيان حال المؤمنين ، ومآل أمرهم .﴿أَعۡمَٰلُهُمۡ﴾ هي أعمال الخير التي عملوها في الدنيا، كالصّدقة، والصلة، وعمارة البيت ، وسقاية الحاجّ ، ونحو ذلك،﴿كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ﴾ أي: كالسّراب الذي يُرى في قيعان من الأرض ، كأنّه ماء .والسّراب: الشعاع الذي يُرى وسط النّهار عند اشتداد الحرّ في الفلوات الواسعة ، كأنه ماء سارب يجري على وجه الأرض ، وهو ليس بشيء ويسّمى الآل .والقيعة: جمع قاع – كجيرة وجار – وهو ما انبسط من الأرض واتّسع، ولم يكن فيه نبت ، وفيه يتراءى السّراب ماءً .﴿يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ أي: يظنّه العطشان الذي اشتدّت حاجته إلى الماء﴿مَآءً﴾ على الحقيقة ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ﴾ أي جاء الظمآن السراب مستغيثاً به من عطشه ﴿لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا﴾ مما حسبه وظنّه ، بل هو سراب خادع ليس بشيء.وفي الآية تشبيه ما يعمله الكافر من أنواع البرّ في الدنيا، والتي يظنّها نافعة له عند الله ، ومنجية له من عقابه، من حيث حبوطها ومحو أثرها في الآخرة – لانتفاء شرطها وهو الإيمان – وخيبة أمله فيها ، بسراب يراه الظمآن في الفلاة ، وهو أشدّ ما يكون حاجة إلى الماء، فيحسبه ماء ، فيأتيه، فلا يجده شيئاً، فيخيب أمله ويتحسّر ندماً.وهكذا الكفّار يعوّلون على أعمالهم التي يظنونها من الخير ويطمعون في ثوابها ، فإذا قدموا على الله سبحانه في الآخرة ، لم يجدوا منها شيئاً ، لأن الكفر أحبطها، ومحا أثرها .و الآية كقوله :(وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً)الفرقان(٢٣).﴿وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ﴾ أي: عند عمله في الآخرة. أو: وجد حكم الله تعالى وقضاءه ، والمراد: وجد جزاء عمله ، ﴿فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ﴾ أي: أعطاه حساب أعماله وافياً كاملاً جزاء كفره ، أما أجورهم على أعمال البرّ فيوفّونها في الدنيا فقط .﴿وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ أي: المجازاة.وفي الصحيحين : «أنه يقال يوم القيامة لليهود : ما كنتم تعبدون؟ فيقولون: كنّا نعبد عزيراً ابن الله، فيقال : كذبتم ، ما اتخذ الله من ولد، ماذا تبغون؟ فيقولون: يا ربّ عطشنا فاسقنا، فيقال: ألا ترون؟ فتمثّل لهم النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً، فينطلقون فيتهافتون فيها» .
24:40Page 355
أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠
Or [they are] like darknesses within an unfathomable sea which is covered by waves, upon which are waves, over which are clouds - darknesses, some of them upon others. When one puts out his hand [therein], he can hardly see it. And he to whom Allāh has not granted light - for him there is no light.
٤٠ -﴿أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ﴾ شروع في بيان المثل الثاني لأعمال الكفّار . أي : أعمالهم الحسنة في الدنيا ، من حيث خلوّها عن نور الحقّ ، كظلمات ﴿فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ﴾ أي: عميق ، كثير الماء، لا يدرك قعره. ولجّة البحر: معظمه.﴿يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ﴾ أي: يعلو هذا البحر موج ، فيستُره ويغطّيه بالكلية﴿مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ﴾ أي: من فوق هذا الموج، موج آخر ، متراكم بعضه على بعض﴿ مِّن فَوۡقِهِۦ﴾ أي: من فوق هذا الموج الثاني﴿سَحَابٞۚ﴾ قائم ، أي : غيم يحجب أنوار السماء .﴿ظُلُمَٰتُۢ﴾ أي: هذه ظلمات متراكمة متكاثفة ﴿بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ﴾ ظلمة السحاب ، فوق ظلمة الموج الأعلى، فوق ظلمة الموج الأول ، فوق ظلمة البحر اللّجيّ .[وفي قراءة: بنصب «ظلمات»: (ظلماتٍ)، و في أخرى بالإضافة: (سحابُ ظلماتٍ)].﴿إِذَآ أَخۡرَجَ﴾ المبتلى بهذه الظلمات﴿يَدَهُۥ﴾ فيها بمرأى منه لينظر إليها﴿لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ﴾ من تراكم الظلمات ، أي: لم يقرب من رؤيتها ، فضلاً عن أن يراها .﴿وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا﴾ أي: هداية وإيمـانا ﴿فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ﴾ أي: فما له من هداية ما ، أو: من لم يشأ الله أن يهديه لنوره في الدنيا ويوفقه لأسباب الهداية، فما له من هدايةٍ فيها من أحد.و الآية كقوله :(فمن يهديه من بعد الله)الجاثية(٢٣) وقوله : (من يضلل الله فلا هادي له)الأعراف(١٨٦) .فالآية تشبيه لأعمال الكفّار الحسنة في الدنيا – من حيث خلوّها عن نور الحقّ – كظلمات مُدلهمّة في بحر لجيّ يعلوه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ، فهذه الأعمال لانتفاء شرطها –وهو الإيمان– ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض .وقيل: إنّ «أو» للتنويع، فشُبِّهت أعمالهم الحسنة – في الآية السابقة – بالسّراب ، لحبوطها، وبطلانها، وذهاب ثمرتها، والأعمال السيئة – في هذه الآية- بالظلمات، والبحر اللجيّ جعل مثلاً لقلب الكافر ، فإنه عمل بنية قلب قد غمره الجهل وتغشّته الضلالة كما يغشى هذا البحر ما ذكره من ظلمات الموج والسحاب .واختار ابن كثير: أن المثل الأول لطائفة المتبوعين من الكفّار ، الذين يدعون إلى كفرهم ، ويحسبون أنهم على شيء من الأعمال والاعتقادات، وليسوا في نفس الأمر على شيء، والمثل الثاني لطائفة الأتباع المقلّدين لأئمة الكفر، الذين يسيرون وراء كلّ داع وناعق ، دون إعمال فكر، ولا إنفاذ بصيرة وفهم.
24:41Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١
Do you not see that Allāh is exalted by whomever is within the heavens and the earth and [by] the birds with wings spread [in flight]? Each [of them] has known his [means of] prayer and exalting [Him], and Allāh is Knowing of what they do.
٤١ -﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي: ألم تعلم ، بمعنى: قد علمت علماً يقينياً بالوحي ، أو بالمكاشفة ، أو بالاستدلال والمشاهدة ﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ من الملائكة ، والإنس والجنّ والحيوان حتى الجماد، كما قال تعالى:(تسبّح له السماوات السبع والأرض ومن فيهنّ)الإسراء(٤٤) .أي: أن جميع الكائنات من العقلاء وغيرهم ، تنزّهه تعالى ، وتقدّسه في ذاته وصفاته وأفعاله ، عن كلّ ما لا يليق بجلال شأنه ، وعظيم أمره .أو: يسبّح له، بمعنى: يعبده ويصلّي له، من في السموات والأرض.﴿وَٱلطَّيۡرُ﴾ أي: تسبح الله ، وتعبده وتصلّي له ، بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه ، معطوف على « مَنْ ».﴿صَٰٓفَّٰتٖۖ﴾ أي: حال كونها باسطات أجنحتها في الهواء. من الصّفّ : وهو جعل الشيء على خطّ مستقيم. وخصّت هذه الحالة بالذكر لكونها أغرب أحوالها، فإن استقرارها في الهواء مسبّحة من دون تحريك لأجنحتها، ولا استقرار على الأرض، من أبدع صنع الله الذي أتقن كل شيء .وكون هذه المخلوقات تسبّح الله حال طيرانها في جوّ السماء ، دليل بلسان الحال ، على وجود الله تعالى، وكمال قدرته ، وأنه ليس كمثله شيء.﴿كُلّٞ﴾ من هذه المخلوقات﴿قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ﴾ بحسب حاله اللائقة به مما كلّفه الله وألزمه ، أو: كلٌّ قد أرشده الله إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله وتسبيحه ، إمّا بإرسال الرسل ، أو بإلهام منه تعالى، كسائر المخلوقات ، غير الإنس والجن .أو : (كلّ قد علم) الله (صلاته وتسبيحه) أي: أن الله قد علم عبادتهم وتسبيحهم ، وإن لم تعلموا –أيها العباد –منها ، إلاّ ما أطلعكم الله عليه. فالآية كقوله:(وإن من شيء إلا يُسبّح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم)الإسراء(٤٤) .والاحتمال الأوّل أرجح في عود الضمير إلى المخلوقات، بدليل قوله تعالى :﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ﴾ أي: عالم بجميع أفعالهم، فلا يخفى عليه شيء من ذلك ، وفيه الجمع بين علمه تعالى بأعمالهم، المتضمّن لتعليمهم، وبين علمه بمقاصدهم، المتضمن للجزاء عليها .وفي الآية تقريع الكفّار حيث جعلوا من الجمادات التي من شأنها التسبيح لله تعالى ، شركاء له ، يعبدونها كعبادته .
24:42Page 355
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢
And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and to Allāh is the destination.
٤٢ -﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ خلقاً وتصريفاً وتدبيراً، في حكمه الشرعي والقدري في الدنيا، وفي حكمه الجزائي في الآخرة .﴿وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ أي: المرجـع والمآب يوم القيامة، فيحكم في خلقه بما يشاء(ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى)النجم(٣١) .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences