Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:43–60
24:43Page 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣
Do you not see that Allāh drives clouds? Then He brings them together; then He makes them into a mass, and you see the rain emerge from within it. And He sends down from the sky, mountains [of clouds] within which is hail, and He strikes with it whom He wills and averts it from whom He wills. The flash of its lightning almost takes away the eyesight.
٤٣ -﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي: ألم تعلم وتنظر﴿أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا﴾ أي: يسوقه سوقاً رفيقاً إلى حيث يريد. يقال : زجى الشيء يزجيه تزجيةً : دفعه برفق ، كزجّاه وأزجاه .﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ﴾ أي : بين أجزاء السحاب ، فيضمّ بعضه إلى بعض، ويجمعه بعد تفرقه ، فيجعل القطع المتفرقة ، قطعة واحدة ، ﴿ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا﴾ أي: متراكما مجتمعاً بعضه فوق بعض .يقال : ركم الشيء يركُمهُ ركْماً: إذا جمعه وألقى بعضه على بعض ، وتراكم وارتكم الشيء: اجتمع، والرّكام: الرمل المتراكم .﴿فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ﴾ أي: المطر﴿يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ﴾ أي: من فتوقه وفُرجه ومخارجه.جمع خَلَل ، كجبال وجبل.و الوَدْق : مصدر وَدَقَ السحاب يَدِقُ وَدْقاً : إذا نزل منه المطر.﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ أي: من السحاب ﴿مِن جِبَالٖ فِيهَا﴾ أي: من قطع عظام تشبه الجبال في السحاب.﴿مِنۢ بَرَدٖ﴾ أي: ينزل من تلك القطع العظام التي في السحاب بَرداً .ف «مِنْ» الأولى ، لابتداء الغاية ، والثانية للتبعيض ، والثالثة لبيان الجنس ، ومعناه : أن في السّحاب جبال بََرَد ، يُنزل الله منها البَرَدَ .وقيل : إن الجبال هنا كناية عن السحاب ، ف «مِنْ» الثانية لابتداء الغاية ، لكنها بدل من الأولى ، والمعنى: أن في السّماء سحاب برد ، ينزل الله منها البرد. وقيل: إن «مِنْ» زائدة في الموضعين، فيكون المعنى: ينزل من السحاب برداً يكون كالجبال . والمعنى الأول أولى بالصواب.﴿فَيُصِيبُ بِهِۦ﴾ أي: بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أن يصيبه من عباده ، رحمة بهم ﴿وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ ﴾ منهم ، فيؤخّر عنهم الغيث ، نقمة عليهم. أو: (فيصيب به) أي : بالبرد خاصّة (من يشاء) من عباده ، نقمة عليهم لما فيه من إتلاف زروعهم وأشجارهم (ويصرفه عمّن يشاء) منهم ، رحمة بهم. وكلٌّ من الإصابة والصّرف بحسب اقتضاء حكمته تعالى ، وحكمه القدريّ في عباده .﴿يَكَادُ﴾ أي: يقرب ﴿سَنَا بَرۡقِهِۦ﴾ أي: ضوء برق السحاب ولمعانه.يقال: سنا يسنو سناً : أي: أضاء.﴿يَذۡهَبُ﴾ من شدّته وقوته [و قرأ أبو جعفر المدني:(يُذهِب)] ﴿بِٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ الناظرة له ، أي : يخطفها .والمعنى: يكاد ضوء البرق الذي في السحاب من شدّة بريقه ، وزيادة لمعانه ، يخطف أبصارهم .والآية دليل من الآثار العلوية على كمال قدرته تعالى وانفراده بالخلق والتدبير.
24:44Page 356
يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤
Allāh alternates the night and the day. Indeed in that is a lesson for those who have vision.
٤٤ -﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ ﴾ أي: يعاقب بينهما طولاً وقصراً ، وزيادة ونقصاً ، ويتصرّف فيهما ، فيأتي بكلّ منهما بدل الآخر خلفاً له .وقيل: يقلّب بينهما بالحرّ والبرد ، فهو المتصرّف في ذلك بأمره وقهره وعزّته وعلمه وحكمته .﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ التقليب ﴿لَعِبۡرَةٗ﴾ أي: لدلالة واضحة على الاعتبار.﴿لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ أي: لذوي البصائر والعقول السليمة، على قدرة الله تعالى وعظمته .وخصّهم بالذكر لأنهم يبصرون آيات الله وينظرونها نظر اعتبار وتفكّر وتدبّر ، فيعقلون عن الله و يعتبرون بها.والآية دليل آخر زمني إثر الدليل العلويّ على كمال قدرة الله وعظيم سلطانه .
24:45Page 356
وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥
Allāh has created every [living] creature from water. And of them are those that move on their bellies, and of them are those that walk on two legs, and of them are those that walk on four. Allāh creates what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.
٤٥ -﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ﴾ [وفي قراءة: (والله خالقُ كلِّ)] ﴿دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ ﴾ أي: من نطفة . والدابّة: كلّ ما دبّ على الأرض من الحيوان . وقوله: (من ماء) أي: أن أصل المادة التي خلق الله منها جميع الدوابّ على وجه الأرض ، هو الماء ، أي: ماء النطفة ، ويدخل في هذا : معنى قوله تعالى:(وجعلنا من الماء كل شيء حيّ)الأنبياء(٣٠) .﴿فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ﴾ كالحية وما شاكلها من الهوام. و تسميتها مشيا مع كونها زحفا، بطريق الاستعارة أو المشاكلة اللفظية. ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ﴾ كالإنسان والطير﴿وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ﴾ كالبهائم والأنعام وسائر الحيوان .و الإشارة إليهم ب «هم» و «مَنْ» اللذين للعقلاء ، للتشريف.﴿يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ﴾ بقدرته ، أي: يخلق من المخلوقات غير ما ذكر على ما يشاء من الصفات.﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ ومن كمال قدرته ونفوذ مشيئته في الخلق: اختلاف أنواع الدوابّ وصفاتها ، مع أن الأصل في مادّة الخلق واحد.والآية دليل ثالث من عجائب خلق الحيوان ، وبديع صنعته .
24:46Page 356
لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦
We have certainly sent down distinct verses. And Allāh guides whom He wills to a straight path.
٤٦ -﴿لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ﴾ أي: بيّنات ، واضحات الدلالة على جميع المقاصد والحكم الشرعية، والآداب المحمودة ، والمعارف الرشيدة المرعية.﴿وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ﴾ هدايته، بتوفيقه للنظر الصحيح ، وإرشاده إلى التأمل الصادق ﴿إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ أي: طريق مستو معتدل ، لا اعوجاج فيه، هو : دين الإسلام.
24:47Page 356
وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
But they [i.e., the hypocrites] say, "We have believed in Allāh and in the Messenger, and we obey"; then a party of them turns away after that. And those are not believers.
٤٧ -﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: المنافقون، الذين يظهرون خلاف ما يبطنون: ﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾ أي: صدّقنا بتوحيده ﴿وَبِٱلرَّسُولِ﴾ محمد ﷺ ﴿وَأَطَعۡنَا﴾ الله ورسوله فيما حكما به، وأمرا به ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ﴾أي: يُعرض ﴿فَرِيقٞ مِّنۡهُم﴾ أي: من هؤلاء المنافقين ، عن طاعة الله ورسوله، فلا يطيعون رسول الله ﷺ فيما يأمرهم به من الجهاد وغيره﴿مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ﴾ أي: من بعد ما صدر عنهم ما نسبوه إلى أنفسهم من دعوى الإيمان بالله و الطاعة.﴿وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المعرضون عن طاعة الله ورسوله ﴿بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ الذين صدّقت أعمالُهم أقوالَهم ، و وافق ظاهرُهم باطنَهم .والآية إخبار عن حال المنافقين الذين يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر ، و يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويلتزمون الطاعة لله ورسوله بمجرّد القول، لا عن اعتقاد صحيح ، فيخالفون أقوالهم بأعمالهم ، وباطنهم بظاهرهم .
24:48Page 356
وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨
And when they are called to [the words of] Allāh and His Messenger to judge between them, at once a party of them turns aside [in refusal].
٤٨ -﴿وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي : إلى كتابه ﴿وَرَسُولِهِۦ﴾ أي : إلى سنته وحكمه ﴿لِيَحۡكُمَ﴾ أي: الرسول [وقرأ أبو جعفر المدني :(ليُحكَم)] ﴿بَيۡنَهُمۡ﴾ في حال حكومة، أو خصومة ، أو مظلمة ﴿إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ﴾ عن المجيء إليه ، واتباع حكمه والرضى به، لعلمهم أن الحقّ عليهم، وأن الشرع لا يحكم إلاّ بما يطابق الواقع.والآية كقوله : (رأيت المنافقين يصدّون عنك صدودا)النساء(٦١) .و عند الطبراني عن سمرة مرفوعاً: «من دُعي إلى سلطان فلم يجب، فهو ظالم لا حق له» .
24:49Page 356
وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩
But if the right is theirs, they come to him in prompt obedience.
٤٩ -﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ﴾ أي: على غيرهم ، في حكومة أو خصومة، أي: إن الحكومة لهم لا عليهم .﴿يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ﴾ أي: إلى رسول الله ﷺ ، وإلى حكم الشرع.﴿مُذۡعِنِينَ﴾ أي: منقادين لحكمه مقرّين به مسرعين طائعين . يقال : أذعن لفلان: انقاد ولم يستعص، وأسرع في طاعته.وفي الآية بيان صفة من صفات المنافقين وهي : تقديم أهوائهم على شرع الله ، فهم يتبعون الشرع عند موافقة أهوائهم ، وينبذونه عند مخالفته ، فإذا كانت الحكومة لهم جاءوا إلى حكم الشرع مطيعين، وإن كانت عليهم تحاكموا إلى غير شرع الله ، فإذعانهم للحق ليس عن اعتقاد منهم أن ذلك حقّ ، بل لأنه موافق لأهوائهم ، فلما خالف الحقّ قصدهم، عدلوا عنه إلى غيره .
24:50Page 356
أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠
Is there disease in their hearts? Or have they doubted? Or do they fear that Allāh will be unjust to them, or His Messenger? Rather, it is they who are the wrongdoers [i.e., the unjust].
٥٠ -﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ بيان لأسباب إعراضهم عن حكمه ﷺ، أي: أكان سبب إعراضهم عن التحاكم إلى رسول الله ﷺ أنهم مرضى القلوب بالنفاق ؟﴿ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ﴾ أي: أم سببه أنهم شكوا في أمر نبوّته ﷺ مع ظهور حقيقتها؟ أو في عدله في الحكم ؟﴿أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ﴾ أي: أم سببه أنهم يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم؟ فيُظلموا فيه؟والحَيْف: الجَوْر ، وأصله : الميل إلى أحد الجانبين ، يقال: حاف في قضائه: إذا مال فيه ، وتحيّفت الشيء: أخذته من جوانبه . والمراد: أن يحيف رسول الله ﷺ عليهم بالحكم ، كقوله:(وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم) فأفرد الرسول بالحكم ولم يقل: «ليحكما».ثم أضرب عن سببيّة هذه الثلاثة، بأنه ليس شيء من ذلك سبباً لإعراضهم عن حكمه ﷺ ، وإنما سببه : ﴿بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ بالإعراض عنه ، أي: ليس ذلك الإعراض عن الحكم ، لشيء ممّا ذُكر ، بل لظلمهم وعنادهم ، فهم يريدون أن يظلموا صاحب الحق ، ولا يتأتّى لهم ذلك، مع انقيادهم لحكمه ﷺ ، فإنه لا يحكم إلاّ بالحق.وقيل: إن سببيّة هذه الثلاثة منطوية عليها قلوبهم ، وأيّاً ما كان منها، فهو كفر محض ، ولذا قال:(بل أولئك هم الظالمون) أي: الكافرون الفاجرون الذين رسخ فيهم خُلق الظلم لأنفسهم و لغيرهم ، والله ورسوله مبرّآن مما يظنّون ويتوهّمون من الحيْف والجوْر ، تعالى الله ورسوله عن ذلك كلّه .وفي هذه الآيات دليل على أن الإيمان ليس هو مجرّد القول، حتى يقترن به العمل، ولهذا نفى الإيمان عمّن تولّى عن الطاعة لله ورسوله، فخلاصة الإيمان: اعتقاد بالجنان، وقول باللسان، وتصديق ذلك كلّه عملاً بالأركان . وفي الآيات أيضا : وجوب الانقياد لحكم الله ورسوله، في كل حال، وأنّ من لم ينقد لحكمهما ، دلّ هذا على مرض في قلبه ، وريب في إيمانه.وفيها أيضاً : أنّه يحرم إساءةُ الظنّ بأحكام الشريعة ، وأنْ يُظنّ بها خلاف العدل والحكمة .
24:51Page 356
إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١
The only statement of the [true] believers when they are called to Allāh and His Messenger to judge between them is that they say, "We hear and we obey." And those are the successful.
٥١ -﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ الذين صدّقوا إيمانهم بأعمالهم ، وأقوالهم بأفعالهم ﴿ِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ﴾أي: الرسول ﷺ [وقرأ أبو جعفر المدني :(ليُحكَم)] ﴿بَيۡنَهُمۡ﴾ سواء وافق الحكم أهواءهم أم خالفها ، ﴿أَن يَقُولُواْ﴾ القول اللائق بهم: ﴿سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ﴾ أي: سمعنا حكم الله ورسوله، وأطعنا الله ورسوله بالاستجابة التامّة لحكمهما، والنزول عند أمرهما .﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المؤمنون القائلون ذلك القول﴿هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ أي: الفائزون بخيري الدنيا والآخرة . وحصر الفلاح فيهم ، لأن الفلاح هو: نيل المطلوب والفوز به ، والنجاة من المرهوب ، والسّلامة منه، ولا يفلح إلاّ من حكّم الله ورسوله ، وارتضى حكمهما على حكم من سواهما ، كائنا من كان . ولمّا ذكر فضل الطاعة في الحكم خصوصاً ، ذكر فضلها عموماً، في جميع الأحوال، فقال :
24:52Page 356
وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢
And whoever obeys Allāh and His Messenger and fears Allāh and is conscious of Him - it is those who are the attainers.
٥٢ -﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ بتصديق خبرهما، وامتثال أمرهما ، واجتناب نهيهما ﴿وَيَخۡشَ ٱللَّهَ﴾ أي: يخافه تعالى، فيكفّ نفسه عن هواها ، ويترك ما نهى الله عنه ، ويقبل على طاعته ،﴿وَيَتَّقۡهِ﴾ بفعل الطاعات ، و ترك المعاصي والمنكرات .أو:(يخش الله) فيما مضى من ذنوبه (ويتقه) فيما يستقبل منها ، ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: الذين جمعوا بين طاعة الله ورسوله ، وخشية الله وتقواه﴿هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ﴾ بالجنة ، أو : بكل خير في الدارين ، الآمنون من كلّ شر فيهما .وفي الآيات إشارة إلى وجوب الطاعة لكتاب الله وسنّة رسوله ، ولأئمة المسلمين إذا أمروا بطاعة الله. وفيها وجوب إجابة الدّعوة إلى حكم القاضي المسلم العادل ، العارف بكتاب الله وسنة رسوله ، لأن حُكمه حُكْمٌ بحكم الله ورسوله، وتحريم الامتناع ، واستحباب أن يقول : سمعنا وأطعنا.وقد اشتملت الآية(٥٢) على الحقّ المشترك بين الله وبين رسوله ، وهو: الطاعة المستلزمة للإيمان ، والحقّ المختصّ بالله وهو: الخشية والتقوى، ويبقى الحقّ الثالث المختصّ برسول الله ﷺ ، وهو : التعزيرُ والتوقير.وقد جمع الله بين هذه الحقوق الثلاثة في سورة الفتح الآية (٩) في قوله:(لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزّروه وتوقّروه وتسبحوه بكرة وأصيلا). أفاده السعدي في «تيسيره».
24:53Page 356
۞ وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣
And they swear by Allāh their strongest oaths that if you ordered them, they would go forth [in Allāh's cause]. Say, "Do not swear. [Such] obedience is known.1 Indeed, Allāh is [fully] Aware of that which you do."
٥٣ -﴿وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ﴾ أي: غايتها وطاقتها مجتهدين في الحلف بأغلظها وأوكدها وأشدّها، وهم أهل النفاق، ومن في قلوبهم مرض وضعف إيمان ﴿لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ﴾ يا محمدّ، بالخروج إلى الجهاد ﴿لَيَخۡرُجُنَّۖ﴾ معك ، ولكنّ مقالتهم كاذبة ، وأيمانهم ، وإن غلّظوها، فاجرة ، فردّ الله تعالى عليهم : ﴿قُل﴾ لهم : ﴿لَّا تُقۡسِمُواْۖ﴾ أي: لا تحلفوا على ما تزعمونه من الطاعة لله ورسوله ، والخروج إلى الجهاد إن أُمرْتم به .﴿طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ ﴾ أي: هذه طاعتكم طاعة معروفة ، فهي طاعة باللسان لا بالجنان ، معروفة عنكم، وهي دأبكم ، فإنكم تكذبون وتحلفون، وتقولون مالا تفعلون ، فالله قد علم طاعتكم ، إنما هي قول لا فعل معه، وأيْمان لا وفاء بها. فالآية على هذا المعنى كقوله جل في علاه:(يحلفون لكم لترضوا عنهم)التوبة(٩٦) و قوله: (اتخذوا أيمانهم جنّة)المجادلة(١٦) وقوله:(والله يشهد إنهم لكاذبون)التوبة(١٠٧) .وقيل: المعنى : (طاعة معروفة) أي: ليكن أمركم طاعة معروفة لله ورسوله- من غير حلف ولا أيْمان – أولى بكم من أيْمانكم التي لا تَصْدقُون فيها . أي: كما يطيع الله ورسولَه المؤمنون بغير حلف ولا أيْمان ، فكونوا أنتم مثلهم .﴿إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ مـن طاعـتـكـم قـولاً، ومخالفتكم فعلاً ، فيجازيكم عليه ، أو: إن الله خبير بكم، وبمن يطيع ويعصي ، فالحلف وإظهار الطاعة وإن راج على المخلوق ، فالخالق لا يروج عليه شيء من هذا، لأنه يعلم السرّ وأخفى .
24:54Page 357
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤
Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."
٥٤ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لهم:﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ ﴾ طاعة ظاهرة وباطنة، بصحّة اعتقاد ، وخلوص نيّة. أو اتبعوا كتاب الله وسنّة رسوله ﷺ.﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ﴾ عن طاعته ، وامتثال أمره ، واجتناب نهيه ، وتتركوا ما جاء به من عند الله . وفيه حذف إحدى التاءين لأن أصله: تتولّوا .والخطاب للمكلّفين جميعاً.﴿فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ﴾ أي : على النبي ﷺ ما أُمر به من التبليغ وأداء الرسالة ، وقد فعل.﴿وَعَلَيۡكُم﴾ أيها المكلّفون﴿مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ﴾ أي: ما أُمرتم به من الطاعة والانقياد له ، بالقبول والإذعان والقيام بمقتضاه . ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ﴾ فيما أمركم به ونهاكم عنه ﴿تَهۡتَدُواْۚ﴾ إلى الحقّ ، وترشدوا إلى الخير وإلى صراط مستقيم قولاً وعملاً ، وتفوزوا بالأجر ، فلا سبيل إلى الهداية إلا بطاعته .﴿وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ﴾ أي: التبلـيغ البيّن عن ربّه ، الموضح لما أمرتم به ، الذي لا يُبقي لأحد شكا ولا شبهة .وقد فعل ﷺ ذلك ، فبلّغ الرسالة ، وأدّى الأمانة.والآية كقوله:(فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)الرعد(٤٠) .
24:55Page 357
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥
Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves1 after that - then those are the defiantly disobedient.
٥٥ -﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: ليجعلنّهم فيها خلفاء، بأن يورثهم الأرض ، يتصرّفون في تدبيرها تصرّف الملوك في ممالكهم.أو: خلفاء من الذين لم يكونوا على حالهم من الإيمان والأعمال الصالحة.﴿كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ﴾ [وفي قراءة: بالبناء للمفعول (استُخلِف)] ﴿ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ﴾ من بني إسرائيل وغيرهم من الأمم المؤمنة برسلها ، والتي أهلك الله عدوّها ، وأورثها أرضها وديارها وأموالها، كقوله تعالى عن موسى أنه قال لقومه:(عسى ربكم أن يهلك عدوّكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون)الأعراف(١٢٩) وقوله:(ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكّن لهم في الأرض)القصص(٥) .﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ﴾ في الأرض ، أي: ليوطئنّ لهم فيها ﴿دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ﴾ وهو دين الإسلام ، بأن يظهره على جميع الأديان ، ويمكِّن لهم من إقامته ، وإقامة شرائعه ، وتحكيم شرعه ، ويوسّع لهم في البلاد، فيكون الملك لهم فيها ، ولعقبهم من بعدهم ، ما داموا قائمين بالإيمان والعمل الصالح ، كقوله :(هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه)التوبة(٣٣).﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم﴾ [وفي قراءة: بتخفيف الدال (وليُبْدِلنهم)] ﴿مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ﴾ أي: يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء ، أمناً وسلاماً ودعة ، حيث كان الواحد منهم لا يتمكن من إظهار دينه ، وقد رماهم أهل الأرض ، من كفار ومشركين، عن قوس واحدة ، وبغوا لهم الغوائل.وقد أنجز الله وعده لهم بما ذكر، من الاستخلاف في الأرض ، والتمكين لدينهم ، وتبديل خوفهم من أعدائهم أمناً .ففي الحديث عند أحمد عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «بشرّ هذه الأمّة بالسنا والرفعة والدين، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب».ثم أثنى الله على عباده الموعودين بما تقدّم ، فقال:﴿يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ﴾ أي: هم كذلك، أو: هذا ما يلزمهم فعله، لكي أوفيّ لهم بوعدي المذكور .وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل ، قال: «أتدري ما حقّ الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم ، قال: حقّ الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً» .﴿وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ﴾ أي: من كفر هذه النعم بعد ذلك الوعد الصحيح من الله ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله وأمره ، الكاملون في فسقهم .وهذا الوعد للأمّة بالرفعة والسناء والظهور والتمكين قائم إلى قيام الساعة، لكنّه مشروط بقيامهم بالإيمان والعمل الصالح. فالصحابة لما كانوا أقوم الناس بأوامر الله ، وأطوعهم لله ، كان نصرهم –ضمن هذا الوعد- بحسبهم، فأظهروا كلمة الله في المشارق والمغارب ، وحكموا سائر العباد والبلاد ، ولما قصر الناس بعدهم في بعض تلك الأوامر ، نقص ظهورهم بحسبهم ، وبسبب إخلالهم بالإيمان والعمل الصالح .ومن الأحاديث المبشّرة بهذا الوعد الإلهي :ما ثبت في الصحيح : أن رسول الله ﷺ قال : «إن الله زوى لي الأرض ، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها» . رواه مسلم.وحديث عدي بن حاتم : أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ، ليتمنّ الله هذا الأمر ، حتى تخرج الظعينة -أي:المرأة- من الحيرة حتى تطوف بالبيت في غير جوار أحد، ولتفتحنّ كنوز كسرى بن هرمز، وليبذلنّ المال حتى لا يقبله أحدٌ».رواه أحمد في المسند.وفي الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال : «لا تزال طائفة من أمتي، ظاهرين على الحقّ، لا يضرّهم من خذلهم ، ولا من خالفهم إلى يوم القيامة» وفي رواية: «حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» وفي أخرى : «حتى يقاتلوا الدجّال» وفي غيرها: «حتى ينزل عيسى بن مريم وهم ظاهرون».
24:56Page 357
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦
And establish prayer and give zakāh and obey the Messenger - that you may receive mercy.
٥٦ -﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ بأركانها، وشروطها ، وآدابها ، ظاهراً وباطناً، مع إخلاص العبادة لله ﴿وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ المفروضة و المندوبة ، وفيه الإحسان إلى خلق الله ، ضعفائهم وفقرائهم. و الآية معطوفة على قوله :(أطيعوا الله) آية (٥٤).﴿وأطيعوا الرسول﴾ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإنه (من يطع الرسول فقد أطاع الله)النساء(٨٠) وكرّرها تأكيداً لوجوبها .﴿لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ أي: رجاء أن يرحمكم الله سبحانه ، إن فعلتم ذلك، كقوله:(أولئك سيرحمهم الله)التوبة(٧١).
24:57Page 357
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧
Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.
٥٧ -﴿ لَا تَحۡسَبَنَّ﴾ أي : لا تظنّن يا محمدّ أن ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهم الذين خالفوك وعاندوك وكذّبوك ﴿مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: فائتين من عذابنا بالهرب ، فإن الله يمهل ولا يهمل . و الآية كقوله:(نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ)لقمان(٢٤) . أو معجزين لنا أو لقدرتنا .[و في قراءة: بالياء(لا يحسبنَّ الذين كفروا معجزين في الأرض)] .﴿وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ﴾ أي: مرجعهم ومآلهم نار جهنم في الآخرة ﴿وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ هي ، أي: بئس المرجع والمآل، مآل الكافرين ، هي .
24:58Page 357
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨
O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.
٥٨ -﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ﴾في الدخول عليكم ﴿ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ﴾ من العبيد والإماء ﴿وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ﴾ أي: من الأحرار، من صبيانكم ، ذكوراً وإناثاً ، عند إرادة الدخول عليكم في مضاجعكم ﴿ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ﴾ أي: في ثلاثة أوقات –في اليوم والليلة– منصوب على الظرفية . ثم بيّنها بقوله :﴿مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم﴾ أي: تخلعونها وتطرحونها ﴿مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ﴾ أي: وقت الظهر أو القيلولة ، وسط النهار ﴿وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ﴾ وذلك خشية أن يطلعوا على عوراتكم .وخُصّت هذه الأوقات الثلاثة بالذكر، لكونها الأوقات التي تغلب فيها الخلوة بالأهل والتجرّد من الثياب، ففيها إشارة إلى علّة الاستئذان.والحُلُم – بضمتين - : الاحتلام المعروف في النوم. والمراد: بلوغ حدّه أو بلوغ السنّ الذي هو مظنّته. والأمر في الآية للاستحباب .وقيل: للوجوب.﴿ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ﴾ بالرفع : خبر مبتدأ مقدّر بعده مضاف ، وقام المضاف إليه مقامه: أي: هي أوقات ثلاث عورات كائنة لكم فلا يُمكّنون من الدخول عليكم فيها إلاّ بإذن. [و في قراءة : بالنصب (ثلاثَ عورات لكم) بتقدير أوقات منصوباً ، بدلاً من محلّ ما قبله ، قام المضاف إليه مقامه، وهي أوقات لإلقاء الثياب ، تبدو فيها العورات].والعورات: جمع عورة ، وهي في الأصل: شقّ في الشيء ، ثم غلب في الخلل الواقع فيما يُهمّ حفظه ، ويتعيّن ستره ، وهو السّوْءة .﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ﴾ في ترك نهيهم عن الدّخول بغير إذن ﴿وَلَا عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: المماليك والصبيان﴿جُنَاحُۢ﴾ أي: إثم ولا حرج، في الدخول عليكم بغير استئذان ﴿بَعۡدَهُنَّۚ﴾ أي: بعد هذه الأوقات الثلاثة ، وإن احتمل فيها الإخلال بالتستّر لنُدرته وعدم غلبته.هم ﴿طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم﴾ للخدمة وقضاء حوائجكم ﴿بَعۡضُكُمۡ﴾ طائف ﴿عَلَىٰ بَعۡضٖۚ﴾ والجملة مؤكدة لما قبلها.والمعنى: هم خدمكم وصبيانكم، يطوفون عليكم، بعضكم طائف على بعض ، فلا بأس أن يدخلوا عليكم في غير هذه الأوقات الثلاثة بغير استئذان ، لأنه يشق عليهم الاستئذان في كلّ وقت .﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: كما بيّن ما ذكر﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ﴾ الدالة على حكمة ما شرعه لكم من الأحكام والآداب ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأمور خلقه ، فعلمه أحاط بهم وبكل شيء ﴿حَكِيمٞ﴾ بما شرعه لهم من صلاح الحال وانتظام الشأن ، يضع الأمور مواضعها ، وينزلها منازلها .وهذه الآية تُعرف بآية الاستئذان، وهي محكمة – غير منسوخة - فحكمها ثابت في حقّ الرجال والنساء أن يأمروا صبيانهم ومماليكهم بالاستئذان عليهم في تلك الأوقات الثلاثة ، إذا أرادوا الدخول عليهم، وليس لهم أن يدخلوا دون إذن. واختلف في الأمر بالاستئذان – كما تقدّم – على قولين: فقيل: للاستحباب، وقيل : للوجوب ، وهو أولى لعدم الصارف عنه .
24:59Page 358
وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩
And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allāh make clear to you His verses; and Allāh is Knowing and Wise.
٥٩ -﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ﴾ الذين رُخّص لهم في ترك الاستئذان في غير الأوقات الثلاثة المذكورة ﴿مِنكُمُ﴾ أي: من الأحرار دون المماليك ، فإنهم باقون على الرخصة في الدخول بغير استئذان في غير الأوقات الثلاثة المذكورة ﴿ٱلۡحُلُمَ﴾ أي: حد البلوغ بالاحتلام أو بالسن الذي هو مظنته ﴿فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ﴾ أي: في الدخول عليكم، في جميع الأوقات، وعلى كلّ حال ﴿كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ أي: من الكبار الذين أُمروا بالاستئذان في كلّ حال في أوقات العورات وغيرها .والمعنى: إذا بلغ الأطفال – الذين كانوا يستأذنون في الدخول عليكم في الأوقات الثلاثة – الحلم ، فإنهم يستأذنون عليكم في جميع الأوقات – أي: في الأوقات الثلاثة وغيرها – كما يستأذن الكبار في جميع الأوقات .﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ﴾ ويوضّحها، ويفصّل أحكامها ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٞ﴾ في أمره وشرعه .فهاتان الآيتان اشتملتا على آداب الاستئذان وأحكامه في حقّ الأقارب بعضهم على بعض ، وما تقدّم في أول السورة من قوله :(يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها)النور(٢٧) فهي مشتملة على آداب استئذان الأجانب بعضهم على بعض. و الله تعالى أعلم.
24:60Page 358
وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٦٠
And women of post-menstrual age who have no desire for marriage - there is no blame upon them for putting aside their outer garments [but] not displaying adornment. But to modestly refrain [from that] is better for them. And Allāh is Hearing and Knowing.
٦٠ - ﴿وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ أي: العجائز اللّواتي قعدن عن الولد، أو عن الحيض، أو عن الاستمتاع والشّهوة لكبرهنّ ، ولم يبق لهنّ مطمع في الأزواج. جمع قاعد ، بغير تاء ، لاختصاصها بالنساء ولولاه لوجبت التاء، كما في قاعدة من القعود، بمعنى: الجلوس.والقاعد من النساء: هي التي انقطع عنها الحيض، ويئست من الولد.﴿ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا﴾ أي: لا يَطمعـن فيه ، ولا يُطمع فيهنّ، لكبرهنّ ، أو لكونها عجوزاً لا تشتهي ولا تُشتهى .﴿فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ﴾ أي: إثم ولا حرج ﴿أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ أي: ينزعن عنهنّ ثيابهنّ الظاهرة، والتي لا يفضي نزعها إلى كشف العورة، كالقناع الذي يكون فوق الخمار، والجلباب والرداء الذي يكون فوق الثياب ، حال كونهنّ﴿غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ ﴾ خفية، أي: غير مظهرات زينة ممّا أُمرن بإخفائها في قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهنّ إلاّ لبعولتهن)النور(٣١) .أو : غير قاصدات بالوضع التبرّج – وهو إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال مما ينبغي ستره–.والمعنى: من غير أن يردن بوضع الثياب ، كالجلباب ونحوه ، إظهار زينتهنّ الخفيّة ، ولا متعرضات بالتزين لينظر إليهن الرجال .فقد رُخِّص لهنّ في هذا التخفف من التستر – عند المحارم من الرجال وغير المحارم من الغرباء- دفعاً للحرج عنهن ، لكبرهنّ .﴿وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ﴾ عن وضع ثيابهنّ، أي: يتركن وضعها – وإن كان جائزاً- فَيَلْبَسْنها ولا يَضَعْنَها ﴿خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ﴾ وأفضل من وضعها ، لأنه أبلغ في الحياء و أبعد عن التهمة والمظنّة.والاستعفاف : طلب العفّة بفعل الأسباب المقتضية لذلك ، من تزوّج، وترك لما يخشى منه الفتنة . ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمٞ﴾ بما في قلوبكم، من النيّات والمقاصد، أي : فليحذرن من كل قول وقصد فاسد ، وليعلمْن أن الله يجازي على ذلك، وفيه من الترهيب مالا يخفى.أخرج ابن أبي حاتم عن أم الضياء أنها قالت : «دخلت على عائشة ، فقلت : يا أم المؤمنين ، ما تقولين في الخضاب والنفاض ، والصّباغ ، والقرطين، والخلخال، وخاتم الذهب، وثياب الرّقاق؟ فقالت : يا معشر النساء: قصتكن كلّها واحدة، أحلّ الله لكم الزينة غير متبرجات» أي: لا يحلّ لكُنّ أن يروا منكنّ محرماً.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences