Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:24–53
25:24Page 362
أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤
The companions of Paradise, that Day, are [in] a better settlement and better resting place.
٢٤ - ﴿أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا﴾ أي: أفضل منزلاً في الجنة من أهل النّار. ﴿وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا﴾ أي: منزلاً ومقاماً، و مأوىً للاسترواح والتمتّع. أو: موضع قائلة فيها، كقوله: (حسنت مستقرا ومقاماً)الفرقان(٧٦) .و المقيل في الأصل: مكان القيلولة، وهي الاستراحة نصف النهار، وإن لم يكن هناك نوم ، ومنه قوله: (أو هم قائلون)الأعراف(٤).والمراد: أنهم في أقصى ما يكون من حسن المقيل.وفي الآية تنبيه بحال السعداء على حال الأشقياء، وأنه لا خير عندهم بالكليّة، لقوله:(إنها ساءت مستقراً ومقاما)الفرقان(٦٦) وقوله : (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون)الحشر(٢٠).واستعمال أفعل التفضيل – في قوله: (وأحسن) – من باب ما ليس في الطرف الآخر منه شيء يكافئه، لأنه لا خير في مقيل أهل النار ومستقرّهم، وهذا كقوله: (آلله خير أمّا يشركون)النمل(٥٩) .وفي قوله تعالى: (مقيلاً) : تنبيه على انقضاء الحساب في نصف نهار، كما ورد في الحديث الصحيح عند ابن حبّان.
25:25Page 362
وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥
And [mention] the Day when the heaven will split open with [emerging] clouds,1 and the angels will be sent down in successive descent.
٢٥ -﴿وَيَوۡمَ﴾ أي: واذكر يوم﴿تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ﴾ [وفي قراءة:(تشَّقّق) بتشديد الشين، وذلك بإدغام التاء الثانية في الأصل فيها ، إذ إن أصلها تتشقّق] أي: تتفتّح السماء وتنفطر عن الغمام ، وهو سحاب أبيض رقيق مثل الضّباب. ف «الباء» بمعنى «عن» ، كقوله تعالى:(يوم تشقّق الأرض عنهم سراعا)ق(٤٤) وهو مثل قولهم: انشقّت الأرض عن النبات : أي ارتفعت تربتها عنه عند طلوعه.﴿وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ من كل سماء﴿تَنزِيلًا﴾ وهو ويوم القيامة ، فيحيطون بالخلائق في المحشر.[وقرأ ابن كثير المكي :(ونُنْزلُ الملائكةَ) بنونين، الثانية ساكنة، وضمّ اللام، ونصب الملائكة] .والآية إخبار عن هول يوم القيامة ، وما يكون فيه من الأمور العظيمة ، والتي منها انشقاق السّماء وتفطّرها، وانفراجها عن الغمام ، الذي ينزل فيه الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء بين الناس ، ونزول ملائكة السماوات يومئذ ، محيطين بالخلائق في المحشر، وهو كما قال تعالى:(هل ينظرون إلاّ أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة وقضي الأمر)البقرة(٢١٠).
25:26Page 362
ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦
True sovereignty, that Day, is for the Most Merciful. And it will be upon the disbelievers a difficult Day.
٢٦ -﴿ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ﴾ فلا يشركه فيه أحد ، ولا يبقى مُلْك في ذلك اليوم لأحد ، كائنا من كان، وأمّا في الدنيا، فلغيره مُلْك في الصورة، وإن لم يكن حقيقياً، كما قال تعالى:(لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)غافر(١٦).وفي الصحيحين : «إن الله تعالى يطوي السموات بيمينه، ويأخذ الأرضين بيده الأخرى ، ثم يقول: أنا الملك، أنا الديّان ، أين ملوك الأرض؟ أين الجبّارون؟ أين المتكبّرون؟» .﴿وَكَانَ﴾ أي: ذلك اليوم﴿يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا﴾ أي: شديداً صعباً، لأنه يوم عدل ، وقضاء فصل. كما قال تعالى :(فذلك يومئذ يوم عسير ٩ على الكافرين غير يسير ١٠)المدثر(٩-١٠) بخلاف المؤمنين فإنه يسير عليهم غير عسير ، كما قال تعالى : (لا يحزنهم الفزع الأكبر)الأنبياء(١٠٣) لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى العظيمة .روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال : قيل : يا رسول الله (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) ما أطول هذا اليوم ؟ فقال رسول الله ﷺ:«والذي نفسي بيده، إنه ليخفّف على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا» .وإضافة الملك في يوم القيامة لاسمه «الرحمن» دليل على أن رحمته تعالى وسعت كل شيء ، وعمّت كل حيّ، وعمرت بها الدنيا والآخرة، وأن رحمته تسبق غضبه ، وأنه أرحم بالناس في ذلك اليوم من أنفسهم ووالديهم، وأنه لا يهلك على الله ، في ذلك اليوم ، إلا هالك ، ولا يخرج من رحمته إلا من غلبت عليه الشقاوة، وحقّت عليه كلمة العذاب.
25:27Page 362
وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧
And the Day the wrongdoer will bite on his hands [in regret] he will say, "Oh, I wish I had taken with the Messenger a way.1
٢٧ -﴿وَيَوۡمَ﴾ أي: واذكر يوم﴿يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ﴾ أي: المشرك بالله ، المكذّب لرسله، المتّبع غير سبيل المؤمنين ﴿عَلَىٰ يَدَيۡهِ﴾ ندماً وحسرة وأسفاً ، وذلك في يوم القيامة.ففي ذلك اليوم يندم الظالم لنفسه – الذي فارق طريق الرسول ﷺ ، والحقّ الذي جاء به، وسلك طريق الباطل، متبعاً هواه- أشدّ الندم، حيث لا ينفعه ندم ولا أسف.وعضّ اليدين والأنامل وأكل البنان ونحوها: كنايات عن شدّة الغيظ والحسرة ، لحصولها عندها غالباً ، وذلك شأن كل ظالم .﴿يَقُولُ يَٰـلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَـعَ ٱلرَّسُولِ﴾ مـحـمـد ﷺ ﴿سَبِيلٗا﴾ أي: طريقاً إلى الهدى أو إلى النجاة، بتصديقه واتباعه ، والإيمان بما جاء به. و «يا» للتنبيه.
25:28Page 362
يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨
Oh, woe to me! I wish I had not taken that one1 as a friend.
٢٨ -﴿يَٰوَيۡلَتَىٰ﴾ دعاء على نفسه بالويل والثبور .وألفُه عوضٌ عن ياء الإضافة ، أي: ويلتي ، ومعناه: هَلْكَتي .﴿لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا﴾ من الناس – وهو من صرفه عن الهدى ، وعدل به إلى طريق الضلال ، من دعاة الكفر والضلالة- ﴿خَلِيلٗا﴾ أي: حبيباً مصافياً ، حيـث لم تُفدني مخاللته في الدنيا إلا الشقاء والخسار، والخزي والبوار في الآخرة.و في الآية التحذير من مصاحبة قرين السوء و مخاللته.
25:29Page 362
لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩
He led me away from the remembrance1 after it had come to me. And ever is Satan, to man, a deserter."2
٢٩ -﴿لَّقَدۡ أَضَلَّنِي﴾ أي: هذا الذي اتخذته خليلاً ﴿عَنِ ٱلذِّكۡرِ﴾ أي: القرآن ﴿بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ﴾ أي: بعد بلوغه إليّ ، حيث زيّن لي ما هو عليه من الضلال بخداعه وتسويله، فردّني عن الإيمان به ، وصدّني عنه .قـال تعالى :﴿وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰـنُ لِلۡإِنسَٰنِ﴾ أي: الـكافـر﴿خَذُولٗا﴾ أي: كثير الخذلان لمن يواليه ، يخذله عن الحقّ، ويصرفه عنه ، ويستعمله في الباطل، ويدعوه إليه ، ويعده الأمانيّ، ثم يتخلّى عنه ، ويتبرأ منه .و الآية كقوله:(وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم)إبراهيم(٢٢) . أو : كان الشيطانُ مُسْلماً له ، لِمَا نزل به من البلاء، يعده ويُمنّيه في الدنيا ، ما يحسّره عليه في الأخرى.وسواء ما قيل في سبب نزول الآيات:(٢٧- ٢٩) : إن عقبة بن أبي معيط كان قد نطق بالشهادتين ثم رجع، إرضاءً لأبيّ بن خلف. أوْ ما أخرجه ابن جرير: أن أبيّ بن خلف كان يحضر النبيّ ﷺ ، فيزجره عقبة بن أبي معيط. فنزلت الآيات.إلا أن هذه الآيات عامّة في كل ظالم وشقيّ ، كما قال تعالى :(يوم تقلّب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ٦٦ وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلّونا السبيلا ٦٧)الأحزاب(٦٦-٦٧).فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
25:30Page 362
وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠
And the Messenger has said, "O my Lord, indeed my people have taken this Qur’ān as [a thing] abandoned."1
٣٠ -﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ شاكيا ما صنع قومـه:﴿يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي﴾ قريشاً ، الذين أرسلتني لهدايتهم وتبليغهم ﴿ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا﴾ أي:متروكاً مهملاً، فلم يؤمنوا به ، ولم يرفعوا إليه رأساً، ولم يتأثروا بوعده ووعيده، بل أعرضوا عنه، وتركوا تدبّره وتفهّمه، والعمل به، وعدلوا عنه إلى غيره ، فلم يقبلوه بوجه من الوجوه. من الهجْر بمعنى: التّرك. وهو نظير قوله تعالى:(وهم ينهون عنه وينأون عنه)الأنعام(٢٦) أي: يصدّون عنه ويبعُدون عنه .أو: قالوا في القرآن هُجْراً و باطلاً من القول ، كما قال تعالى:(مستكبرين به سامراً تهجرون)المؤمنون(٦٧) .وعلى الجملة فإن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يستمعونه سماع تدبّر وتفهّم ، كما قال تعالى:(وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه)فصلت(٢٦) فكانوا إذا تُلي عليهم، أكثروا اللغط والكلام حتى لا يسمعونه ، وهذا من هجرانه أيضاً، و ترك الإيمان به.و في الآية تخويف عظيم لمن هجر القرآن و لم يعمل به .
25:31Page 362
وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا ٣١
And thus have We made for every prophet an enemy from among the criminals. But sufficient is your Lord as a guide and a helper.
٣١ - قال تعالى تسلية لرسوله ﷺ:﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي: وكما جعلنا لك عدوّاً من مشركي قومك يعادونك ويكذّبونك ﴿جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ قبلك﴿عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ﴾ أي: من مجـرمي قـومـه ، المشـركيـن بالله المكذّبين لرسله ، فاصبر كما صبروا. كما قال تعالى:(و كذلك جعلنا لكل نبيّ عدوا شياطين الإنس والجنّ)الأنعام(١١٢).﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ﴾ يا محـمـد﴿هَادِيٗا﴾ لك إلـى الحـق ﴿وَنَصِيرٗا﴾ أي: وناصراً لك على أعدائك ، في الدنيا والآخرة. ويدخل في هذا كلّ من آمن بك وصدّقك واتبعك على دينك ، فإن الله هاديه وناصره في الدنيا والآخرة، فاكتف بالله، وتوكّل عليه .
25:32Page 362
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا ٣٢
And those who disbelieve say, "Why was the Qur’ān not revealed to him all at once?" Thus [it is] that We may strengthen thereby your heart. And We have spaced it distinctly.1
٣٢ -﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا﴾ أي: هلاّ ﴿نُزِّلَ عَلَيۡهِ﴾ أي: على محمد ﷺ ﴿ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ﴾ أي: دَفْعَة واحدة غير مفرّق ولا منجّم كما أنزلت الكتب السابقة ، كالتوراة والإنجيل على موسى وعيسى عليهما السلام جملة واحدة .قال تعالى ردّا عليهم :﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: تنزيلاً مثل ذلك التنزيل –الذي اقترحتم خلافه- نزلناه فجعلناه مفرّقاً في ثلاث وعشرين سنة ، بحسب الوقائع والحوادث، وما يحتاج إليه من الأحكام ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ﴾ أي: لنقوّي به قلبك وقلوب المؤمنين ، بتيسير حفظه وضبطه، وفهم معانيه، والوقوف على تفاصيل ما روعي فيه من الحكم والمصالح، وتجدّد عجز الطاعنين في الإتيان بمثله وغير ذلك ، كقوله:(وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً)الإسراء(١٠٦).فإن ما يتواتر إنزاله كذلك يكون أبعث للهمة و أثبت للعزيمة و أنهض للدعوة.﴿وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا﴾ أي: فرّقناه آية بعد آية ، وبعضه في إثر بعض ، محقّقا مبيّنا مفصلاً ، كما قال تعالى:(كتاب أحكمت آياته ثم فصّلت)هود(١) .أو: قرأناه عليك بلسان جبريل شيئاً فشيئاً على تُؤَدة وتمهّل ، لتيسير فهمه وحفظه.من قولهم: ثغر مُرتّل : أي مفلّج الأسنان غير متلاصقها .وقيل:(ورتّلناه ترتيلا) أي: بينّاه تبييناً ، وفسّرناه تفسيراً ، وفصّلناه تفصيلا.والترتيل: هو الترسّل والتثبّت. أو: التفسير والتبيين .
25:33Page 363
وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا ٣٣
And they do not come to you with an example [i.e., argument] except that We bring you the truth and the best explanation.
٣٣ -﴿وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ أي: بكلام عجيب هو مَثَل في البطلان، يعارضون به الحقّ ، ويقدحون به في أمر رسالتك، ويجابهونك به. أو: لا يأتيك المشركون بحجة أو شبهة يلتمسون به عيب القرآن والرسول ﴿إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ﴾ الثابت في مقابلة مثلهم ، الدافع له ، الذي يبطل ما جاءوا به من المثل ، ويدمغه ﴿وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا﴾ أي: وأحسن بياناً، وأصدق تفصيلاً وإيضاحاً لمشكل ما جاءوك به. أو: بما هو أحسن معنىً من مَثَلهم .وفي الآية بيان شرف رسول الله ﷺ، وشرف كتابه القرآن على سائر إخوانه الأنبياء ، وسائر كتب الله، فكتابه أشرف كتاب ، وهو أعظم رسل الله. وقد تقدّم أن الله جمع للقرآن الصفتين معاً: إنزاله جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في السماء الدنيا، ثم إنزاله من بيت العزّة إلى الأرض مفرّقا بحسب الوقائع والحوادث .فقد أخرج النسائي في «الكبرى» عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة .
25:34Page 363
ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٣٤
The ones who are gathered on their faces to Hell - those are the worst in position and farthest astray in [their] way.
٣٤ -﴿ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ﴾ أي: يُجمعون ويساقون على وجوههم مقلوبين ﴿إِلَىٰ جَهَنَّمَ﴾ .و الآية إخبار عن حال المشركين المكذبين لله ورسوله ، وسوء مآلهم في الآخرة.﴿أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا﴾ أي: منزلاً ومصيراً، بسبب كفرهم وضلالهم ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلٗا﴾ أي: وأخطأ طريقا. وهو من باب استعمال أفعل التفضيل، فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، فالمؤمنون خير مكاناً ، وأهدى سبيلاً.وفي مسند أحمد عن أنس: «أن رجلاً قال: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: إن الذي أمشاه على رجليه ، قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة» .
25:35Page 363
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا ٣٥
And We had certainly given Moses the Scripture and appointed with him his brother Aaron as an assistant.
٣٥ -﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُـوسَى ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: التـوراة ﴿وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا﴾ أي: معيناً وظهيراً، وناصرا ومؤيداً وموازراً لأخيه ، مع كونه نبيّا أيضا .
25:36Page 363
فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا ٣٦
And We said, "Go both of you to the people who have denied Our signs." Then We destroyed them with [complete] destruction.
٣٦ -﴿فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ وهم القبط، فرعون وقومه، فذهبا إليهم بالرسالة فكذّبوهما ﴿فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا﴾ أي: فأهلكناهم – إثر ذلك التكذيب – إهلاكاً عظيماً ، أو أشدّ الإهلاك.والمراد بقوله : (إلى القوم الذين كذّبوا بآياتنا) أي: إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذّبوا بآياتنا ، فإنهم لم يكونوا قد كذّبوا بها بَعْدُ ، عند أَمْر الله لموسى وهارون عليهما السلام بالذهاب إليهم.
25:37Page 363
وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٣٧
And the people of Noah - when they denied the messengers,1 We drowned them, and We made them for mankind a sign. And We have prepared for the wrongdoers a painful punishment.
٣٧ -﴿وَقَوۡمَ نُوحٖ﴾ أي: واذكر قوم نوح ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ﴾ بتكذيبهم نوحاً عليه السلام ، وكان قد لبث فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاماً يدعوهم إلى الله، ويحذّرهم نقمه.وجمع «الرسل» مع كونه لم يبعث لهم إلا نوحاً فقط ، لطول لبثه فيهم ، فكأنه « رُسُل» .أو لأن من كذّب نبيّا فقد كذّب جميع الأنبياء ، لاشتراكهم في المجيء برسالة التوحيد ، و إفراد الله بالعبادة.﴿أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ﴾ بالطوفان، وهو جواب «لمّا» ﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ﴾ من بعدهم، أي: جعلنا إغراقهم أو قصّتهم ﴿ءَايَةٗۖ ﴾ أي : عظة وعبرة ، يعتبرون بها ، أو: علامة ظاهرة على قدرتنا ، يعتبر بها من شاهدها أو سمعها .﴿وَأَعۡتَدۡنَا﴾ في الآخرة، أي: هيأنا وأعددنا ﴿لِلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: الكافـرين ﴿عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ أي: مؤلماً موجعاً سوى ما يحلّ بهم في الدنيا بتكذيبهم رسل الله .
25:38Page 363
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd and the companions of the well1 and many generations between them.
٣٨ -﴿وَعَادٗا﴾ أي: واذكر عاداً ، وهم: قوم هود ﴿وَثَمُودَاْ﴾ وهم : قوم صالح ﴿وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ﴾ وهم: قوم كانوا على بئر ، قيل: هم أهل قرية من قرى ثمود .والرّسّ: بئر كانت لبقيّة من ثمود، وأصحابها : قوم كذّبوا نبيّهم وقتلوه ورسّوه - أي: دسّوه - في البئر ، فأهلكهم الله ، كما أهلك القرون السابقة .﴿وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ﴾ أي: وأمماً وأقـوامـاً بين عـاد وأصحاب الرسّ﴿كَثِيرٗا﴾ أضعاف من ذُكر، أهلكناهم.والقرن: الأمة من الناس المتعاصرون في الزمن الواحد. وفي الصحيحين: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» الحديث .
25:39Page 363
وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩
And for each We presented examples [as warnings], and each We destroyed with [total] destruction.
٣٩ -﴿وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ ﴾ أي: بيّنا لهم الحجج، و وضحنا لهم الأدلة ، و رفعنا الأعذار عنهم بإقامة الحجة عليهم ، فلم نهلكهم إلاّ بعد الإنذار.﴿وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا﴾ أي: أهلكنا إهلاكاً هائلا ، ودمّرنا تدميراً شديداً ، لعدم تأثّرهم بما ضربنا من الأمثال، ولتماديهم في الكفر والطغيان وتكذيبهم أنبياءهم .والتتبير: التفتيت، وكل شيء فتّتّه وكسّرته، فقد تبّرته، ومنه : التِّبْر: لفتات الذهب والفضة .
25:40Page 363
وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠
And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1
٤٠ -﴿وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ﴾ أي: مشركو مكّة، مرّوا ﴿عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ﴾ أي: رُميت من السماء بالحجارة فهلكت ، وهي «سدوم» أعظم قرى قوم لوط ، وكذلك أهلكت سائر قراهم ، أهلكها الله بالقلب وبالمطر من الحجارة التي من سجّيل بسبب فعلهم الفاحشة ، كما قال تعالى: (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل)الحجر(٧٤).والسَّوْء – بالفتح - : مصدر ساءه، أي: فعل به ما يكره، والسُّوء – بالضمّ- : اسم منه .﴿أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ﴾ أي: في سَفَرهم إلى الشام ، فيعتبرون ؟ والاستفهام للتقرير.و الآية كقوله سبحانه:(وإنكم لتمرّون عليهم مصبحين ١٣٧ وبالليل أفلا تعقلون ١٣٨)الصافات(١٣٧-١٣٨)وقوله:(وإنها لبسبيل مقيم)الحجر(٧٦) وقوله:(وإنهما لبإمام مبين)الحجر(٧٩).﴿بَلۡ كَانُواْ﴾ أي: الكفّار المارّون بها﴿لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا﴾ أي: لا يتوقّعون بعثاً ولا معاداً أصلاً ، بل ينكرونه . أو: لا يخافون البعث للجزاء يوم القيامة، فذلك هو السبب في عدم اتعاظهم واعتبارهم بما حلّ بأهل تلك القرى من العذاب والنكال.
25:41Page 363
وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١
And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?
٤١ -﴿وَإِذَا رَأَوۡكَ﴾ يا محمّد ، أي: هؤلاء المكذبون لك ، المعاندون لآيات الله ، المستكبرون في الأرض.﴿إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي: مهزوءاً بـك، أو موضع هزء وسخرية ، بدل الإيمان بك والتفكر فيما جئتهم به .كما قال تعالى :(وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلاّ هزواً)الأنبياء(٣٦).يقولون على سبيل التنقّص والازدراء والسخرية :﴿أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا﴾ إلى دينه ؟.يعنونه ﷺ بالعيب والنقص، محتقرين شأن الرسالة ، وهذا من شدة ظلمهم وعنادهم .
25:42Page 363
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢
He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.
٤٢ -﴿إِن﴾ مخفّفة من الثقيلة ، واسمها محذوف، أي: إنه ﴿كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا﴾ أي: قارَبَ أن يصرفنا عنها ، فنترك عبادتـها ﴿لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ﴾ أي: حبسنا أنفسنا على عبادتها وثبتنا، وأقمنا على ذلك، لصرفنا عنها ، وأضلّنا .قال تعالى:﴿وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ﴾ عياناً في الآخرة ، بسبب كفرهم وعنادهم ﴿مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: من أخطأ طريقا وأبعد عن الحقّ والهدى، أهم أم المؤمنون؟ والآية في صبرهم على آلهتهم كما قال تعالى في سورة ص آية ٦: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد).
25:43Page 363
أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣
Have you seen the one who takes as his god his own desire? Then would you be responsible for him?
٤٣ -﴿أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ﴾ أي: أخبرني، من جعل هواه إلها لنفسه يتبعه في كلّ ما يأتي ويذر.أو : أطاع هواه طاعةً ، كطاعة الإله، معرضاً عن استماع الحقّ ، لا يهوى شيئاً إلا اتبعه ، ولا يرى في هوى نفسه شيئاً حسناً إلا كان دينه ومذهبه، كما قال تعالى:(أفمن زُين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء)فاطر(٨).والاستفهام للتقرير والتعجب.﴿أَفَأَنتَ﴾ يا محمّد ﴿تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا﴾ أي: حفيظاً وكفيلاً ، تحفظه من اتباع هواه وتمنعه من عبادة ما يهواه حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من الكفر والضّلال؟ لا.أي : فلست تقدر على ذلك ولا تطيقه، كما قال تعالى (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)الرعد(٤٠) .والاستفهام للإنكار.
25:44Page 364
أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤
Or do you think that most of them hear or reason? They are not except like livestock.1 Rather, they are [even] more astray in [their] way.
٤٤ -﴿أَمۡ تَحۡسَبُ﴾ أي : بل أتظن يا محمد ﴿أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ﴾ سماع تفهم و تدبر ﴿أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ﴾ ما تقول لهم ، وتتلو عليهم﴿إِنۡ﴾ ما ﴿هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ﴾ أي: كالبهائم التي هي مسلوبة الفهم والعقل ، فلا تطمع فيهم ﴿بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: أخطأ طريقاً، وأسوأ حالاً من الأنعام، فإنها تفعل ما خُلقت له ، وهؤلاء خلقوا لعبادة الله وحده ، وهم يعبدون غيره ويشركون به ، مع قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم .
25:45Page 364
أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا ٤٥
Have you not considered your Lord - how He extends the shadow, and if He willed, He could have made it stationary? Then We made the sun for it an indication.1
٤٥ -﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾ أي: ألم تنظر إلى صُنع أو فعْل ربّك ، فتعلم﴿كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ﴾ أي: بسطه من وقت الإسفار إلى طلوع الشمس -وهو ظلّ لا شمس معه- ثم تطلع الشمس ، فتكون ظلال الأشياء الشاخصة ، طويلة ممتدّة إلى جهة الغرب.﴿وَلَوۡ شَآءَ﴾ ربّك ﴿لَجَعَلَهُۥ﴾ أي: الظلّ ﴿سَاكِنٗا﴾ أي: دائماً مقيماً ، ثابتاً على حاله لا يزول بطلوع الشمس، ممدوداً لا تُذهبه الشمس ولا تنقصه.﴿ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ﴾ أي: على الظلّ﴿دَلِيلٗا﴾ فلولا الشمس ما عُرف الظلّ.أو: جعلنا الشمس علامة على الظلّ، يُستدلّ بأحوالها على أحواله طولاً وقصراً ، وذلك لأن الظلّ يزيد بها وينقص ويمتدّ ويتقلّص .
25:46Page 364
ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا ٤٦
Then We [retract and] hold it with Us for a brief grasp.1
٤٦ -﴿ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ﴾ أي: قلّصنا الظلّ الممدود ﴿إِلَيۡنَا﴾ بقدرتنا ومشيئتنا ﴿قَبۡضٗا يَسِيرٗا﴾ أي: تقليصاً خفيّا سهلاً بطلوع الشمس فتنسخُه . أو: محوناه و أزلناه على مهل قليلاً قليلاً ، بقدر ارتفاع الشمس ، فكلما ارتفعت الشمس تقلّص الظل شيئاً فشيئاً ، حتى يذهب بالكليّة ، وذلك بحسب دوران الأرض حول نفسها مقابل الشمس. وقوله :(إلينا) تعليق لمحو الظلّ بإرادة الله ومشيئته ، لا سلطان لأحد فيه سواه .وقد اشتملت الآية:(٤٥)، والآيات التسع بعدها، على ستّة أدلّة محسوسة، شاهدة على توحيده تعالى، وقدرته وعظمته ، وكمال رحمته ، وعنايته بعباده ، وانفراده وحده بالإيجاد ، والقدرة الباهرة والصّنع العجيب، وأنه وحده المعبود المحمود، وهي: الظلال بسطاً وقبضاً، والليل والنهار، راحة ونشوراً، والرياح بُشْراً، والأمطار حياة ، ومَرْجُ البحرين العذب و الملح، وخلْق الإنسان من نطفة وتناسله.
25:47Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا ٤٧
And it is He who has made the night for you as clothing1 and sleep [a means for] rest and has made the day a resurrection.2
٤٧ -﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا﴾ أي : ساترا لكم بظلامه كاللّباس، يستر الوجود ويغشاه،كقوله تعالى :(والليل إذا يغشى)الليل(١).﴿وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا﴾ أي:و جعل النوم راحة لأبدانكم ، وقطعاً لأعمالكم .والسُّبات –كما قال الزجّاج-: أن ينقطع عن الحركة ، والروح في بدنه.من السّبْت: وهو القطع ، أو: الراحة والسكون .﴿وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا﴾ أي: ذا نشور، ينتشر فيه الناس لطلب المعاش والمكاسب والأسباب ، فتقوم بذلك مصالحهم وتنتظم أمورهم ، وهو كقوله تعالى:(وجعلنا النهار معاشا)النبأ(١١).أو: انبعاثاً من النوم للسعي والعمل، أو : قيظة وحياة.وفيه تشبيه اليقظة بالحياة والنشور، وتشبيه النوم بالسبات الشبيه بالممات.
25:48Page 364
وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا ٤٨
And it is He who sends the winds as good tidings before His mercy [i.e., rainfall], and We send down from the sky pure water
٤٨ -﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ﴾[وفي قراءة بالإفراد:(الريح)] ﴿بُشْراً﴾ أي: مبشّرات . مفردها: بشير ، كقدير.﴿بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ﴾ أي : قدّام المطر .والمعنى : مبشرات بالغيث والرحمة ، أي: تسبق المطر وتبشّر به. و فيه استعارة الرحمة للمطر.[وفي قراءة:(نُشُراً بين يدي رحمته) – بضم النون والشين- أي: متفرّقة قدّام المطر . مفردها : نَشور.وفي أخرى : بضمّ النون وسكون الشين:(نُشْراً) أي: لموات الأرض. وفي رابعة : بفتح النون وسكون الشين، مصدراً:(نَشْراً) أي : ناشرات للسّحاب].قال ابن كثير: والرياح أنواع: فمنها ما يثير السّحاب، ومنها ما يحمله ، ومنها ما يسوقه ، ومنها ما يكون بين يدي السّحاب مبشراً ، ومنها ما يلقح السحاب ليمطر.﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا﴾ أي: طاهراً مُطهِّراً، يطهّر من الحدث والخبث ، والدّنس والنجس.
25:49Page 364
لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا ٤٩
That We may bring to life thereby a dead land and give it as drink to those We created of numerous livestock and men.
٤٩ -﴿لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ﴾ أي : بالماء الطّهور المنزل من السماء ﴿بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا﴾ أي: أرضاً هامدة لا نبات فيها ، وذلك بإخراج النبات فيها ، كما قال تعالى:(فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربت)الحج(٥).و (ميْتا) : يستوي فيه المذكّر والمؤنث، وذكّره هنا باعتبار المكان.﴿وَنُسۡقِيَهُۥ﴾ أي: ذلك الماء﴿مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا﴾ أي: إبلاً وبقراً وغنماً.﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا﴾ جمع إنسان .فإنهم محتاجون للماء النازل من السماء لشربهم وزروعهم وثمارهم . وأصله: «أناسين» فأبدلت النون ياء ، وأدغمت فيها الياء التي قبلها. أو: جمع إنسيّ، ككرسي و كراسي.و خصّ الأنعام بالذكر ، لأنها مدار معاشهم ، فقدّم سقيها على سقيهم، كما قدّم عليها إحياء الأرض ، لأنها سبب لحياة أنعامهم.و الآية كما قال تعالى:(فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى)الروم(٥٠) فهذا الذي يستحقّ أن يُعبد وحده ، ولا يُشرك معه غيره.
25:50Page 364
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٥٠
And We have certainly distributed it among them that they might be reminded,1 but most of the people refuse except disbelief.
٥٠ -﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ﴾ أي: الماء النّـازل مـن السـماء ﴿بَيۡنَهُمۡ﴾ أي: في البلدان المختلفة ، والأوقات المتغايرة، وعلى الصّفات المتفاوتة ، فنزيد منه في بعض البلدان ، وننقص منه في بعض آخر منها ، على حسب الحاجة ﴿لِيَذَّكَّرُواْ﴾ به ويعتبروا ، وأن الذي أحيا الأرض الميتة قادر على إحياء الأموات والعظام والرّفات. أو: ليذكّر من مُنع المطر ، إنما أصابه ذلك بذنب أصابه، فيقلع عمّا هو فيه بالتوبة و الإنابة.[وفي قراءة:(ليذْكُروا) بسكون الدال وضم الكاف ، أي: نعمة الله به].أو: ولقد كرّرنا ذكر إنشاء السحاب وإنزال المطر بين الناس ، في القرآن وما سبقه من الكتب ، ليتفكروا ويعتبروا ويذعنوا بكمال قدرتنا ، وعظيم سلطاننا ، ويعرفوا حقّ النعمة فيه فيشكروا .﴿فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا﴾ أي: جحودا وكفراناً بالنعمة ، فلم يحمدوا الله على نعمة إنزال المطر، ولكن نسبوه إلى الأنداد والأنواء ، فقالوا : مطرنا بنوء كذا ، ولم يقولوا: مطرنا بفضل الله ورحمته . وفي صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال يوماً لأصحابه على أثر سماء أصابتهم من الليل : «أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم ، قال : قال الله :أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته ، فذاك مؤمن بي ، كافر بالكوكب ، وأمّا من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي ، مؤمن بالكوكب» .
25:51Page 364
وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا ٥١
And if We had willed, We could have sent into every city a warner.1
٥١ -﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ﴾ من قرى الأرض﴿نَّذِيرٗا﴾ يخوّف أهلها ، ويدعوهم إلى الله عزّ وجلّ، أي: رسولاً ينذرهم ويحذّرهم ، ولكنا خصصناك يا محمد بالبعثة والرسالة إلى جميع أهل الأرض ، وأمرناك أن تبلّغهم هذا القرآن ، كما قال تعالى:(لأنذركم به ومن بلغ)الأنعام(١٩) وقال:(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)الأعراف(١٥٨). وفي الصحيحين: «بعثت إلى الأحمر والأسود» وفيهما أيضاً : «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصّة ، وبعثت إلى الناس عامّة» .
25:52Page 364
فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا ٥٢
So do not obey the disbelievers, and strive against them with it [i.e., the Qur’ān] a great striving.
٥٢ -﴿ فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ﴾ في هواهم، وترك شيء مما أرسلت به ، بل اجتهد في التبليغ والدعوة ، واثبت عليهما ﴿وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ﴾ أي: بالقرآن﴿جِهَادٗا كَبِيرٗا﴾ فلا يعتريك فتور ، بل ابذل جهدك ، واستفرغ وسعك في نصر الحقّ وقمع الباطل .و الآية كما قال تعالى:(يا أيها النبيّ جاهد الكفّار والمنافقين واغلظ عليهم)التوبة(٧٣).
25:53Page 364
۞ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٥٣
And it is He who has released [simultaneously] the two seas [i.e., bodies of water], one fresh and sweet and one salty and bitter, and He placed between them a barrier and prohibiting partition.
٥٣ -﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ﴾ أي: أرسل البحرين : العذْب والملْح في مجاريهما متجاورين ، كما تُرسل الخيلُ في المَرْج. يقال : مَرَج الدابّة يمرجها: إذا أرسلها ترعى .أو: خلطهما ، فأمرج أحدهما في الآخر ، وأفاضه فيه ، أي: أجراهما. من المرْج، وأصله : الخَلْط . يقال: مَرجَ أمرهم ، يَمْرج: إذا اختلط ، ومنه قيل للمرعي : مَرْج ، لاجتماع أخلاط من الدوابّ فيه.﴿هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ﴾ أي: شديد العذوبة ، مائل إلى الحلاوة ، وهو ماء الأنهار ، وسُمّي فراتاً: لأنه يَفْرُت العطش ، أي: يقطعه ويكسّره.﴿وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ﴾ أي: شديد الملوحة والمرارة أو الحرارة ، وهو ماء البحار ، وسُمّي أجاجاً: من الأجيج وهو تلهّب النار ، لأن شربه يزيد العطش .وفي الحديث عند أحمد ومالك والشافعي وأهل السُّنن: أن رسول الله ﷺ سئل عن ماء البحر: أنتوضأ به ؟ فقال : «هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته» .﴿وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا ﴾ أي: بيـن البحـرين العـذب والملـح ﴿بَرۡزَخٗا﴾ أي: حاجزاً عظيما من الأرض يمنع اختلاطهما، أو: حائلاً مانعاً يمنع بَغْي أحدهما على الآخر ، لحفظ حياة الإنسان والنّبات، كما قال الله سبحانه وتعالى:(مرج البحرين يلتقيان ١٩ بينهما برزخ لا يبغيان ٢٠)الرحمن(١٩-٢٠).﴿وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا﴾ أي: وجعل كلّ واحد منهما حراماً مُحرّماً على الآخر أن يفسده أو يغيّر صفته . أو: ستراً مستوراً ممنوعاً به اختلاطهما، فلا يَعْذَبُ المالح بالعذب ، ولا يملح العذب بالمالح ، فلا تختلط ملوحة هذا بعذوبة هذا .والمراد: لزوم كلّ منهما على صفته ، فلا ينقلب العذب في مكانه ملحاً، ولا الملح في مكانه عذباً ، رغم اختلاطهما في مكان التقائهما عند مصبّات الأنهار مثلاً، فلا يطغى المالح على العذب ، ولا العذب على المالح ، ويبقى النوعان موجودين بتقدير الله تعالى ، لحاجة البشر إليهما جميعاً ، كما قال تعالى : (وجعل بين البحرين حاجزاً ءإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون)النمل(٦١).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences