Al-Jami' al-WajizAl‑Furqan · 25:54–77

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:54–77

25:54Page 364

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا ٥٤

And it is He who has created from water [i.e., semen] a human being and made him [a relative by] lineage and marriage. And ever is your Lord competent [concerning creation].

٥٤ -﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ﴾ أي: من ماء النطفة أو المنيّ﴿بَشَرٗا﴾ أي: إنساناً ﴿فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا﴾ أي: ذا نسب﴿وَصِهۡرٗاۗ﴾ أي: ذا صهر ، بأن يتزوّج ، ذكراً كان أو أنثى ، طلباً للتناسل .أي: جعل من جنس البشر ، ذوى نسب: ذكوراً يُنسب إليهم ، وذوات صهر: إناثاً يُصاهَر بهنّ ، كقوله تعالى:(فجعل منه الزّوجين الذكر والأنثى)القيامة(٣٩).والنسب: الولادة وما نشأ عنها من علاقة الأبوّة، والأمومة، والجدودة، والبنوّة ، والأخوّة ، والعمومة، والخئولة ، وأولادهم .والصِّهر: العلاقة الناشئة من الزواج، بين الزوج وأهل زوجته، وبين المرأة وأهل زوجها ، وبين أهله وأهلها.فقرابة الزوجة هم: الأَخْتان، وقرابة الزوج هم: الأحماء ، وعلاقة الأصهار تعمّهما .والصهر يطلق على قرابات النساء ذوي المحارم وذوات المحارم ، كالأبوين والإخوة ، وأولادهم، والأعمام والأخوال، والعمّات والخالات، فهؤلاء أصهار زوج المرأة، وعلى من كان من قِبَل الزوج من ذوي قرابته المحارم، فهم أصهار المرأة أيضاً.﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا﴾ أي: قادراً على خلق ما يشاء ، فعبادته هي الحقّ، وعبادة غيره باطلة .

25:55Page 364

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا ٥٥

But they worship rather than Allāh that which does not benefit them or harm them, and the disbeliever is ever, against his Lord, an assistant [to Satan].

٥٥ -﴿وَيَعۡبُدُونَ﴾ أي: الكفّار المشركون ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: غــيـره ﴿مَا لَا يَنفَعُهُمۡ﴾ شـيـئـاً بـعـبادته ﴿وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ﴾ بتركها ، وهي: الأصـنام ، والأنـداد، والأوثان ﴿وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا﴾ أي: معيناً للشيطان بطاعته ، مظاهراً له على معصية الله بالشرك والعداوة والمبارزة.أي: يظاهر الشيطان على معصية الله ويعينه ، فصار عدوّا لربّه ، مبارزاً له بالعداوة والمعصية .والظهير: المعين. والمراد بالكافر: الجنس .

25:56Page 365

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦

And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.

٥٦ -﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ﴾ يا محمد ﴿ إِلَّا مُبَشِّرٗا﴾ بالجنة لمن أطاع الله ﴿وَنَذِيرٗا﴾ أي : مخوّفا من النار لمن خالف أمر الله.أو : بشيرا للمؤمنين بالثواب العاجل و الآجل و نذيرا للكافرين بالعقاب العاجل و الآجل.

25:57Page 365

قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧

Say, "I do not ask of you for it any payment - only that whoever wills might take to his Lord a way."

٥٧ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد : ﴿مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ﴾ أي: على تبليغ ما أرسلت به، أو: على هذا البلاغ والإنذار ﴿مِنۡ أَجۡرٍ﴾ أي: من مال أو عطاء أطلبه منكم ، وإنما أفعل ذلك ابتغاء وجه الله ومرضاته ، ﴿إِلَّا﴾ أي: لكـن﴿مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا﴾ أي: طريقاً ومسلكاً ومنهجاً ، يتقرّب إليه بالإيمان والطاعة ويقتدي فيها بما جئتُ به ، فليفعل .

25:58Page 365

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا ٥٨

And rely upon the Ever-Living who does not die, and exalt [Allāh] with His praise. And sufficient is He to be, with the sins of His servants, [fully] Aware -

٥٨ -﴿وَتَوَكَّلۡ﴾ يا محمد ﴿عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ أي: الذي له الحياة الدائمة الكاملة المطلقة، أي: كن متوكلاً على الله في جميع أمورك وأحوالك معتمداً عليه واثقاً به، واجعله ذخرك وملجأك، فإنه كافيك وناصرك ، ومؤيّدك ومظهرك، كما قال تعالى:(والله يعصمك من الناس)المائدة(٦٧).﴿وَسَبِّحۡ﴾ متلبّسا ﴿بِحَمۡدِهِۦۚ﴾ أي: نزّهه تعالى عن جميع النقائص، مثنياً عليه بأوصاف الكمال والجلال قائلاً: سبحان الله، والحمد لله، أو سبحان الله و بحمده. وكان رسول الله ﷺ يقول -كما في البخاري-: «سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك».و المعنى : أخلص له العبادة والتوكّل كقوله:(فاعبده وتوكل عليه)هود(١٢٣) وقوله:(قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا)الملك(٢٩).﴿وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا﴾ أي: عالماً بها مطلعاً عليها ، لا يخفى عليه خافية ، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة، أي: فليس عليك من هداهم شيء ، وليس عليك حفظ أعمالهم.

25:59Page 365

ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا ٥٩

He who created the heavens and the earth and what is between them in six days and then established Himself above the Throne1 - the Most Merciful, so ask about Him one well informed [i.e., the Prophet (ﷺ)].

٥٩ - هو﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ﴾ من أيّامه تعالى أو أيّام الدنيا ، أي: في قدرها لأنه لم يكن ثمّ شمس ، ولو شاء لخلقهنّ في لمحة ، والعدول عنه لتعليم خلقه التثبّت في الأمور .﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ﴾ استواء يليق بجلاله وكماله، أي: علا عليه وارتفع ، يدبّر الأمر، ويقضي الحقّ، وهو خير الفاصلين .والاستواء في اللغة : العلوّ والارتفاع، وكيفيته في علم الله تعالى.والعرش في اللغة: سرير الملك ، وهو سقف المخلوقات وأعظمها وأعلاها وأوسعها. ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ بدل من ضمير استوى، أي: استوى على العرش الرحمنُ استواءً يليق بجلاله وكماله. أو: هو الرحمن.﴿فَسۡـَٔلۡ﴾ يا محمد ﴿بِهِۦ خَبِيرٗا﴾ أي: اسأل الله الخبير عن تفاصيل ما أجملناه في هذه الآيات ، من خلق السموات والأرض والاستواء على العرش ، وغير ذلك من صفات العظمة والجلال والكمال ، فلا أحد أعلم بالله من الله.أو:(فاسأل) أيها الإنسان(به) أي: بالرحمن(خبيراً) يخبرك بصفته ، أي: استعلم عنه من هو عالم بالله، خبير به ، فلا أحد من الناس أعلم بالله ولا أخبر به من محمد ﷺ عبده ورسوله، فاتبعه واقتد به . والآية كقوله :(ولا ينبئك مثل خبير)فاطر(١٤) .

25:60Page 365

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠

And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.

٦٠ -﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: لكفّار مكة : ﴿ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ ﴾ كفراً وجحوداً وعناداً : ﴿وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ﴾ أي: لا نعرف الرحمن ولا نقرّ به﴿أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا﴾ أي: لمجرّد قولك؟ [وفي قراءة: بالياء (لما يأمرنا) أي: للرحمن الذي تأمرنا بالسجود له؟]. ﴿وَزَادَهُمۡ﴾ هذا القول منهم﴿نُفُورٗا﴾ أي: تباعداً عن الإيمان ، لأنه مبنيّ على التكذيب بالرسول ، والاستكبار عن طاعته .أو: زادهم الأمر بالسجود للرحمن نفوراً عن الدين وبُعدا عنه ، وفراراً منه ، أما المؤمنون فإنهم يعرفون الرحمن ويعبدونه ويفردونه بالإلهية، ويسجدون له.

25:61Page 365

تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١

Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.

٦١ -﴿تَبَارَكَ﴾ أي : تعالى و تعاظم وتمجد، وتقدست أوصافه ، أو تكاثر خيره و تنزّه ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا﴾ أي: منازل رفيعة عالية –اثنى عشر منزلاً- للكواكب السيّارة.وأصل البروج: القصور العالية ، وسمّيت بها هذه المنازل ، لعلوّها وارتفاعها.﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أي : في السماء أيضاً ﴿سِرَٰجٗا﴾ أي: شمسا متقدة منيرة، كقوله تعالي : (وجعلنا سراجاً وهاجاً)النبأ(١٣) .﴿وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا﴾ أي: مشرقاً مضيئاً –لكنه غير متّقد–كما قال تعالى:(هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً)يونس(٥) وقال : (وجعل القمر فيهنّ نوراً وجعل الشمس سراجاً)نوح(١٦) .[وفي قراءة(سُرُجاً) بالجمع ، أي: نجوماً نيرات] .وخصّ القمر منها بالذكر لنوع فضيلته .

25:62Page 365

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢

And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.

٦٢ -﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ﴾ أي: يخلف كلّ واحد منهما الآخر ، أو: ذوي عُقْبة يعقب كل منهما الآخر ، يتعاقبان في الإضاءة والإظلام ، والزيادة والنقصان ، كقوله:(وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين)إبراهيم(٣٣).والخِلْفَة: اختلاف الليل و النهار ، ومنه خِلْفَة النبات : وهو ورق يخرج بعد الورق الأوّل في الصيف.﴿لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ﴾[و في قراءة: بالتخفيف (يذْكُر)] أي: لمن أراد أن يتذكّر بهما ويعتبر ، ويستدلّ بتعاقبهما وانتقالهما من حال إلى حال، على أنه لابدّ لهما من خالق مدبّر.أو: جعلهما يتعاقبان، توقيتاً لعبادة عباده، فمن فاته عمل في الليل، استدركه في النهار، ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل. وفي الحديث عند مسلم : «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ، ليتوب مسيء الليل» .﴿أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا﴾ أي: جعلهما خلفة لمن أراد شكراً لنعمة ربّه عليه فيهما ، وعلى ما أودعه فيهما من النعم العظيمة والألطاف الكريمة ، من السكون بالليل والتصرف في النهار.

25:63Page 365

وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا ٦٣

And the servants of the Most Merciful are those who walk upon the earth easily,1 and when the ignorant address them [harshly], they say [words of] peace,2

٦٣ -﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ مبتدأ ، وما بعده صفات له ، أوّلها: ﴿ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا﴾ أي: مشياً ليّناً رفيقاً هيّنا ، أو : يمشون هيّنين في تُؤدة وسكينة و وقار ، وتواضع وحلم، وحسن سمْت ، من غير تجبّر ولا تكبّر ، كقوله:(ولا تمش في الأرض مرحاً)لقمان(١٨) .والهَوْن: مصدر بمعنى: اللّين والرّفق ، أو: السكينة والوقار . و (هونا): صفة لمصدر محذوف ، أو حال من ضمير «يمشون» .وفي الحديث عند البخاري : قال ﷺ: «إذا أتيتم الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأتوها وعليكم السكينة ، فما أدركتم منها فصلّوا ، وما فاتكم فأتموّا».وليس المراد بالهوْن أن يمشي كالمريض تصنّعا ورياء، فقد كان ﷺ إذا مشى، كأنما ينحطّ من صَبَب وكأنما الأرض تُطوى له، وإنما المراد بالهوْن: السكينة والوقار، والرّفق واللين.﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ﴾ بما يكرهونه من سيّء القول﴿قَالُواْ سَلَٰمٗا﴾ أي: تسلّما منكم ومتاركة، لا خير بيننا وبينكم ولا شرّ، فيتحملون ما ينالهم من أذى الجهلاء والسّفهاء. أو: يقولون قولاً معروفاً سديداً يسْلمون فيه من الإثم والأذى فلا يقابلون الجاهل بجهله ولا المسيء بإساءته، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلاّ خيراً، فقد كان رسول الله ﷺ لا تزيده شدّة الجاهل عليه إلاّ حلماً .فليس المراد بقوله :(سلاماً) : سلام التحيّة ، بل سلام المتاركة ، التي لا خير فيها ، ولا شرّ ، كما قال تعالى:(وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين)القصص(٥٥).فائدةقوله :(وعباد الرحمن) : قال السعدي في تيسيره : العبودية لله نوعان:عبودية لربوبيّته ، وهذه يشترك فيها سائر الخلق، مسلمهم وكافرهم، برّهم وفاجرهم ، فكلّهم عبيد لله، مربوبون له ، مدبَّرون بتدبيره، قال تعالى :(إن كل من في السموات والأرض إلاّ آتي الرحمن عبداً)مريم(٩٣).وعبودية لألوهيّته و عبادته ورحمته، وهي عبودية أنبيائه وأوليائه ، وهي المراد هنا، ولهذا أضافها إلى اسمه «الرحمن»، إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال، بسبب رحمته.

25:64Page 365

وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا ٦٤

And those who spend [part of] the night to their Lord prostrating and standing [in prayer]

٦٤ -﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا﴾ في طاعته وعبادته، أي: ساجدين قائمين ، يقضون ليلهم ساجدين لربّهم ، قائمين في صلاة الليل ، مخلصين لربهم ، متذلّلين له.و الآية كما قال تعالى :(كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون)الذاريات(١٧) وقال:(تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً) السجدة(١٦)وقال :(أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربّه)الزّمر(٩).والبيتوتة: الدخول في الليل . وفيه: مدح قيام الليل والثناء على أهله في طاعتهم وعبادتهم والإخلاص لربهم .

25:65Page 365

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ٦٥

And those who say, "Our Lord, avert from us the punishment of Hell. Indeed, its punishment is ever adhering;

٦٥ -﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ﴾ أي: ادفعه عنّا، بالعصمة من أسبابه ، ومغفرة ما وقع منّا ، مما هو مقتض للعذاب فيها، فإن مقتضى العلم بالشيء: إيفاؤه حقه و العمل بموجبه.﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ أي: لازماً ، دائماً ، ملحّاً ، غير مفارق، في حق الكفّار، وغير دائم في حقّ عصاة المؤمنين. أو: هلاكاً .والغَرام: الوَلُوع بالشيء، والشّرُّ الدائم والهلاك. يقال: فلان مُغْرم بكذا، أي : لازم له ، مولع به ، ومنه الغريم : لملازمته، فعذاب جهنم ملازم لأهلها، ملازمة الغريم لغريمه .

25:66Page 365

إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٦٦

Indeed, it is evil as a settlement and residence."

٦٦ -﴿إِنَّهَا﴾ أي: جهنم﴿سَآءَتۡ﴾ أي: بئست وقبُحت ﴿مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا﴾ أي: موضع استقرار وإقامة.والجملة تعليل للدعاء السابق.وفي الحديث عند أحمد في المسند عن أنس بن مالك ، عن النبي ﷺ قال: «إن عبداً في جهّنم لينادي ألف سنة ، يا حنّان يا منّان ، فيقول الله لجبريل: اذهب فأتني بعبدي هذا ، فينطلق جبريل فيجيء به ، فيوقفه على ربّه، فيقول له: يا عبدي ، كيف وجدت مكانك ومقيلك؟ فيقول : يا ربّ ، شرّ مكان وشرّ مقيل»الحديث.

25:67Page 365

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا ٦٧

And [they are] those who, when they spend, do so not excessively or sparingly but are ever, between that, [justly] moderate

٦٧ -﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ﴾ النّفقات الواجبة والمستحبة ﴿لَمۡ يُسۡرِفُواْ﴾ في الإنفاق ، أي: لم يخرجوا عن حدّ الاعتدال بكثرة الإنفاق والتبذير ، حتى ولو كان ما أنفق فيه حلالاً .﴿وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ﴾[وفي قراءة: بفتح الياء، وضمّها مع كسر التاء فيهما:(ولم يَقْتِروا) و (ولم يُقْتِروا)] أي: لم يُضيّقوا في الإنفاق تضييق الشحيح.من قَتَر بمعنى: ضَيّق. يقال: قَتَر يَقْتِرُ ويَقْتُر قَتْراً وقُتُوراً، وقَتَر وأقْتَر: إذا ضيّق في النفقة .﴿وَكَانَ﴾ أي: إنفاقهم ﴿بَيۡنَ ذَٰلِكَ﴾ الإسـراف والإقتـار﴿قَوَامٗا﴾ أي: وسطاً، عدلاً ، خياراً .والقوام: الشيء بين الشيئين. وقوام الرجل: قامته وحسن طوله.فلا إفراط ولا تفريط ، ولا إسراف ولا تقتير ، بل عدلاً خياراً ، وخير الأمور أوسطها، كما قال تعالى:(ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط)الإسراء(٢٩).وفي الحديث عند أحمد عن أبي الدرداء مرفوعا : «من فقه الرجل قصده في معيشته» . وعنده أيضا عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «ما عال من اقتصد».فالواجب أن ينفق العبد نفقة معتدلة، فيوسّع إن وسّع الله عليه، ويبذل ويتصدّق ، ولكن يدّخر لوقت الحاجة.

25:68Page 366

وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨

And those who do not invoke1 with Allāh another deity or kill the soul which Allāh has forbidden [to be killed], except by right, and do not commit unlawful sexual intercourse. And whoever should do that will meet a penalty.

٦٨ - سبب نزول الآية :أخرج الشيخان – واللفظ لهما – والنسائي وأحمد: عن ابن مسعود قال: «قلت: يا رسول الله ، أيّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندّا ، وهو خلقك ، قلت: ثم أيْ؟ قال: أن تقتل ولدك ، مخافة أن يطعم معك ، قلت: ثم أيْ؟ قال: أن تزاني حليلة جارك» فأنزل الله تصديق ذلك:(والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) الآية.وأخرج الطبري عن ابن عبّاس: أن ناساً من أهل الشرك، قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمّدا ﷺ، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما علمنا كفّارة، فنزلت:(والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) إلى قوله: (غفوراً رحيماً) ونزل: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)الزمر(٥٣).﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ﴾ أي: لا يصرفون العبادة أو الدعاء لغير الله ، فيتّخذوه إلها مع الله ، بل يعبدون الله وحده ، مخلصين له الدين حنفاء، مقبلين عليه ، متّبعين رسوله ، معرضين عمّا سواه .﴿وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾ قتلها – وهي نفس المسلم أو غير المسلم المعاهَد- ﴿إِلَّا بِٱلۡحَقِّ﴾ الذي شرعه الله ، كالقصاص ، وهو قتل النفس بالنفس – إن كان القتل عمداً وعدوانا – وقتل الزاني المحصن ، والمرتدّ عن دينه ، المفارق للجماعة.﴿وَلَا يَزۡنُونَۚ﴾ أي: ولا يستحلّون الفروج المحرّمة بغير زواج ، ولا ملك يمين.﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ﴾ أي: شيئاً مما ذكر ، من الشرك بالله، أو قتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق ، أو الزنا.﴿يَلۡقَ﴾ أي: في الآخرة﴿أَثَامٗا﴾ أي: جزاء الإثم ، وهو العقوبة.يقال: أَثَمه الله يَأْثِمه إِثْماً وأثَاماً: جازاه جزاء الإثم ، فهو مأثوم، أي: مجزيٌّ جزاء إثمه .وفي الحديث عن سلمة بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ في حجة الوداع: «ألا إنّما هي أربع : لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلاّ بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا» .رواه النسائي.وأخرج ابن أبي الدنيا عن الهيثم بن مالك مرفوعاً : «ما من ذنب بعد الشرك أعظم عند الله من نطفة وضعها رجل في رحم لا يحلّ له» .

25:69Page 366

يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا ٦٩

Multiplied for him is the punishment on the Day of Resurrection, and he will abide therein humiliated -

٦٩ -﴿يُضَٰعَفۡ﴾ [وفي قراءة:(يُضعَّفْ) بالتشديد] أي: يكرّر عليه ويغلّظ ﴿لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ﴾ أي: في العذاب المضاعف﴿مُهَانًا﴾ أي: ذليلا حقيراً ، وهي حال.وقوله:(يضاعفْ) و (يخلدْ) بجزم الفعلين بدلاً من قوله:(يلق أثاماً).[وفي قراءة برفعهما استئنافا: (يضاعَفُ) و (يُضعَّفُ) و(يخلدُ)].والوعيد بالخلود في النار ثابت في حقّ من أشرك بالله ، وكذلك من ضمّ كبيرة القتل والزنا إلى الإشراك بالله .أما خلود القاتل والزاني في العذاب، فغير متناول في هذه الآية، لأن النصوص القرآنية و الأحاديث النبوية قد دلّت على أن جميع المؤمنين سيخرجون من النار ، ولا يخلد فيها مؤمن – غير مشرك بالله – ولو فعل من المعاصي ما فعل .ونصّ تعالى على هذه الثلاثة لأنها أكبر الكبائر: فالشرك فيه فساد الأديان ، والقتل فيه فساد الأبدان ، والزنا فيه فساد الأعراض.

25:70Page 366

إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠

Except for those who repent, believe and do righteous work. For them Allāh will replace their evil deeds with good. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

٧٠ - سبب نزول الآية : أخرج الطبري وغيره عن ابن عباس قال: لما أُنزلت في الفرقان:(والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ..) قال مشركو أهل مكة: قد قتلنا النفس بغير حقّ ، ودعونا مع الله إلها آخر، وأتينا الفواحش ، فنزلت : (إلاّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً ..) الآية .﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ إلى الله ، مـن هـذه المعـاصـي وغيـرها وأناب، بأن أقلع عنها في الحال ، وندم على ما مضى له من فعلها ، وعزم عزماً صادقاً أكيداً على أن لا يعود إليها .﴿وَءَامَنَ﴾ بالله إيماناً صحيحاً ، يقتضي ترك المعاصي ، وفعل الطاعات.﴿وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا﴾ ممّا أمر الله به، قاصداً به وجه الله ، متّبعاً فيه شرع الله ، وذلك في الدنيا .وفيه دلالة على صحّة توبة القاتل ، وأنه لا تعارض بين هذه الآية وبين آية النساء ٩٣:(ومن يقتل مؤمنا متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها) فإن آية النساء- وإن كانت مدنيّة – فإنها مطلقة ، فتُحمل على من لم يتب إلى الله .﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ﴾ وذلك على قولين: الأول: أنهم بُدّلوا مكان عمل السيئات بعمل الحسنات.قال ابن عباس: هم المؤمنون ، كانوا من قبل إيمانهم على السيئات ، فرغب الله بهم عن السيئات، فحوّلهم إلى الحسنات، فأبدلهم مكان السيئات الحسنات .وقال الحسن البصري: أبدلهم الله بالعمل السيئ، العمل الصالح ، وأبدلهم بالشرك إخلاصاً، وبالفجور إحصاناً ، وبالكفر إيماناً وإسلاماً. وقال سعيد بن جبير: أبدلهم بعبادة الأوثان ، عبادة الرحمن ، وبقتال المسلمين ، قتال المشركين .فالتبديل في الدنيا يكون: بالتوفيق لصالح العمل ، مع حسن التوبة ، والإنابة والإخلاص والطاعة.الثاني: أن تلك السيئات الماضية، تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات، كما ثبتت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ:فقد أخرج أحمد و مسلم في صحيحه عن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار ، وآخر أهل الجنة دخولاً إلى الجنة : يؤتى برجل فيقول: نحّوا عنه كبار ذنوبه ، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت يوم كذا ، كذا وكذا ، وعملت يوم كذا، كذا وكذا ، فيقول : نعم ، لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئاً ، فيقال: إن لك بكل سيئة حسنة ، فيقول: يا ربّ عملت أشياء لا أراها هاهنا ، قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه » .وروى ابن أبي حاتم والطبراني بنحوه، عن مكحول قال: «جاء رجل كبير هرم ، قد سقط حاجباه على عينيه ، فقال: يا رسول الله ، رجل غدر و فَجَر ، ولم يدع حاجة، إلاّ اقتطفها بيمينه ، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم، فهل له من توبة؟ فقال النبي ﷺ : أأسلمت؟ قال : أمّا أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله، فقال النبي ﷺ: فإن الله غافر لك ما كنت كذلك، ومبدّل سيئاتك حسنات، فقال: يا رسول الله ، وغدراتي وفجراتي ؟ فقال: وغدراتك وفجراتك ، فولّى الرجل يكبر ويهلّل».وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة موقوفاً ، قال: «ليأتينّ الله بأناس يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات ، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدّل الله سيئاتهم حسنات» .و أخرج عن علي بن الحسين ، زين العابدين:(يبدّل الله سيئاتهم حسنات) قال: في الآخرة .﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا﴾ أي: ولم يزل متصفا بذلك، غفور لمن تاب وأناب وعمل صالحاً ، بعدما فرّط في جنب الله ، رحيم بعباده ، حيث دعاهم إلى التوبة بعد مبارزته بالعظائم ، فوفقهم لها ، و قَبِلها منهم .

25:71Page 366

وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١

And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.

٧١ - ﴿وَمَن تَابَ﴾ إلى الله من أي ذنب كان ، جليلاً أو حقيراً ، كبيراً أو صغيراً ، بالإقلاع عن الذنب والندم عليه ، والعزم على أن لا يعود إليه﴿وَعَمِلَ صَٰلِحٗا﴾ مخلصاً عمله لله، متبعاً فيه شرع الله ﴿فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا﴾ أي: يرجع إلى الله رجوعاً صحيحاً قوياً ، فيقبل توبته ويجازيه خيراً .وفيه تأكيد لما سبق ، وحثٌّ على التوبة وتحقيقها بالعمل الصالح، حتى تكون توبة نصوحاً ، كما قال تعالى :(ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده)التوبة(١٠٤)وقال:(قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)الزمر(٥٣).

25:72Page 366

وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا ٧٢

And [they are] those who do not testify to falsehood, and when they pass near ill speech, they pass by with dignity.

٧٢ -﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ﴾ أي: لا يحضرون الباطل ولا يشاهدونه، شركاً كان أو كذبا ، أو غيرهما من الأقوال والأفعال المحرّمة ، كالخوض في آيات الله ، والجدال بالباطل ، والغيبة والنميمة، والسبّ، والقذف ، ونحو ذلك ، فإن المشاهد كالمشارك . وإذا كانوا لا يشهدون الزّور ، فمن باب أولى وأحرى أن لا يقولوه ولا يفعلوه. ويدخل في ذلك قول الزّور وشهادته، وهو الكذب المتعمّد على الغير ، ففي الصحيحين من حديث أبي بكرة قال: قال ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا، قلنا: بلى يا رسول الله، قال : الشرك بالله وعقوق الوالدين ، وكان متكئاً فجلس ، فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزّور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت» .وأصل الزور : تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته ، حتى يُخيّل أنه خلاف ما هو به. وهم اسم جامع لكلّ ما هو باطل وكذب .﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ﴾ أي: بكلّ ما يجب أن يُلغى ويُطرح من قول أو فعل لا خير فيه ، كقول السفهاء وفعلهم ﴿مَرُّواْ كِرَامٗا﴾ أي: معرضين عنه، منكرين له ، لا يرضونه ، ولا يمالئون عليه ، ولا يجالسون أهله.يقال: تكرّم فلان عمّا يشينه: أي: تنزّه وأكرم نفسه عنه، وربأ بنفسه عنه، لما فيه من نقص الكرامة والمروءة.واللغو: كلّ قول أو فعل لا خير فيه، ولا فائدة دينية أو دنيوية. أو: كل قول وعمل باطل لا حقيقة له ولا أصل .وقوله: (وإذا مرّوا) فيه إشارة إلى أنهم لا يقصدون حضور اللغو ولا سماعه ، ولكن إذا اتفق مرورهم به، مصادفة من غير قصد ، نزّهوا أنفسهم وأكرموها عن الخوض فيه بالإعراض عنه .

25:73Page 366

وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا ٧٣

And those who, when reminded of the verses of their Lord, do not fall upon them deaf and blind.

٧٣ -﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾ أي: وُعظوا بالقرآن ، أو بما فيه موعظة وعبرة ، أو بحجج الله وبراهينه ﴿لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا﴾ أي: لم يسقطوا على آيات ربهم ولم يقعوا ﴿صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا﴾ بل خرّوا وأكبوا عليها سامعين، مبصرين ، بآذان واعية ، وعيون راعية، منتفعين بها. أو: لم يقابلوها بالإعراض عنها، والصمم عن سمعها، وصرف النظر والقلوب عنها ، كما هو حال من لم يؤمن بها ولم يصدّق ، وإنما حالهم فيها وعند سماعها، كما قال تعالى:(إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكّروا بها خرّوا سجدا وسبّحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون)السجدة(١٥) فيقابلونها بالقبول والانقياد والتسليم لها .

25:74Page 366

وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤

And those who say, "Our Lord, grant us from among our wives and offspring comfort to our eyes1 and make us a leader [i.e., example] for the righteous."

٧٤ -﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا﴾[وفي قراءة: بالإفراد (و ذرّيتنا)] أي: أولاداً وحفدة. ﴿قُرَّةَ أَعۡيُنٖ﴾ لنا ، أي: ما تقرُّ به أعيننا ، أو : ما تُسَرُّ وتفرح به.والمعنى: اجعلهم لنا موضع سرور، بتوفيقنا وإياهم لطاعتك وحسن عبادتك .وقرة العين: برد دمعها ، لأنه دليل السرور والضحك، كما أن حرّ الدمع دليل الحزن والغمّ .﴿وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: قدوة و أئمة يُقتدى بنا في الخير قولا وعملاً، أوحجة في دين الله ، أو: هداة مهتدين، دعاة إلى الخير .و قد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث : صدقة جارية، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له» .وفي الآية دلالة على مشروعية الرئاسة الدينية وأنها مما يجب أن تُطلب ويُرغّب فيها ، لا للفخر بها، ولكن لعظم النفع بها في الناس ، ولتحصيل أجرها العظيم، فهذه الدرجة – درجة الإمامة في الدين- لا تتم إلاّ بالصبر واليقين ، كما قال تعالى :(وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون)السجدة(٢٤) لذا فالدعاء ببلوغ هذه الدرجة يستلزم من الأعمال الصالحة ، والصبر على طاعة الله ، وعن معصيته ، وعلى أقداره ، ومن العلم التامّ الموصل إلى درجة اليقين ، خيراً كثيراً ، وعطاء جزيلاً.و الآيات (٦٣-٧٤) في وصف عباد الرحمن بعشر خصال من المحامد والفضائل.

25:75Page 366

أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا ٧٥

Those will be awarded the Chamber1 for what they patiently endured, and they will be received therein with greetings and [words of] peace,

٧٥ -﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المتّصفون بهذه الصفات الجميلة ، والأقوال الجليلة ﴿يُجۡزَوۡنَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿ٱلۡغُرۡفَةَ﴾ أي: الدرجة الرفيعة العليا في الجنّة، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها ﴿بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي: بسبب صبرهم على طاعة الله ، وعن معصيته ، وعلى قضائه وقدره ، فإن الجزاء من جنس العمل.﴿وَيُلَقَّوۡنَ﴾ [وفي قراءة : بالتخفيف مع فتح الياء (ويَلْقَوْن)] ﴿فِيهَا﴾ أي: فـي الغرفــة، أو : في الجنّـة، ﴿تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا﴾ من الله عز وجل ، ومن ملائكته الكرام، ومن بعضهم على بعض ، و يسْلمون من جميع الآفات والمنغّصات والمكدِّرات ، كقوله سبحانه: (والملائكة يدخلون عليهم من كلّ باب ٢٣ سلام عليكم بما صبرتهم فنعم عقبى الدار ٢٤)الرعد(٢٣-٢٤).وقوله :(أولئك) وما بعده ، خبر(وعباد الرحمن) – المبتدأ.

25:76Page 366

خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا ٧٦

Abiding eternally therein. Good is the settlement and residence.

٧٦ -﴿خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ﴾ أي: في الغرفة ، أو: في الجنة، مقيمين فيها من غير موت ، ماكثين فيها أبداً،لا يزولون عنها ، ولا يبغون عنها حولاً .﴿حَسُنَتۡ﴾ أي : الغرفة ﴿مُسۡتَقَرّٗا﴾ يستقرون فيـه ﴿وَمُقَامٗا﴾ يقيمون فيه. أي: حسنت موضع قرار وإقامة لهم ، وطابت منزلاً ومقيلاً . وهذا في مقابلة ما تقدم من قوله سبحانه في جهنم:(إنها ساءت مستقراً ومقاماً) .

25:77Page 366

قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا ٧٧

Say, "What would my Lord care for you if not for your supplication?"1 For you [disbelievers] have denied, so it [i.e., your denial] is going to be adherent.2

٧٧ -﴿قُلۡ﴾ يا محمّد لأهل مكّة: ﴿مَا يَعۡبَؤُاْ﴾ أي: ما يكترث وما يبالي ﴿بِكُمۡ رَبِّي﴾ .أو: أيّ اعتداد يعتدّ بكم ربي، أو أيّ مبالاة يبالي بكـم ﴿لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ﴾ أي: لولا عبادتكـم له تعـالى ، أو عبادة من يعبده منكم.والمراد بالدعاء هنا: دعاء العبادة و دعاء المسألة.يقال: ما عَبَأْتُ به ، أي: ما عددته من هميّ ، وممّا يكون عبئا عليّ ، كما تقول: ما اكترثت له ، أي: ما عددته من كوارثي وممّا يهمني.والمعنى : لا يبالي بكم ربّي ، ولا يكترث بكم ، إذا لم تعبدوه ، فإنه إنّما خلق الخلق ليعبدوه و يوحّدوه. كقوله :(إن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم)الزمر(٧).أو: فلولا عبادتكم له، ودعاؤكم إيّاه ، ما عبأ بكم ، ولا أحبّكم ، ولا رضي عنكم ، فإن الله لا يبالي ولا يعبأ بغير المؤمنين من عباده .﴿فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ﴾ أيها الكافرون ، بالتوحيد والقرآن والرسول و بما جاءكم من الحق ﴿فَسَوۡفَ يَكُونُ﴾ جزاء التكذيب﴿لِزَامَۢا﴾ لكم ، أي: عذاباً دائماً ، ملازماً لكم في الدنيا والآخرة .مصدر لازم ، كقاتل قتالاً ، والمراد به هنا: اسم الفاعل. وقد لزمهم العذاب في الدنيا يوم بدر، فقتل منهم سبعون .و قيل : (فسوف يكون) هذا النبأ، أو القرآن ، أو أمْرُ الرسالة (لزاما) أي: لازما ثابتا يفتح من الحق بابا، ويدخل الناس في دين الله أفواجا.انتهى تفسير سورة الفرقان

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском