Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:32–59
28:32Page 389
ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٣٢
Insert your hand into the opening of your garment; it will come out white, without disease. And draw in your arm close to you [as prevention] from fear, for those are two proofs from your Lord to Pharaoh and his establishment. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."
٣٢ - ﴿ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ﴾ أي: أدخل يدك اليمنى في طوق قميصك - وهو مدخل الرأس منه المفتوح إلى الصّدر - وضعْها تحت عضــدك الأيسـر﴿تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ﴾ لها شعاع يغلب شعاع الشمس﴿مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ﴾ أي: من غير داء يكون بها، من برص، ونحوه.فأدخلها وأخرجها، فإذا هي تضيء شعاعاً كشعاع الشمس، يعشى البصر، وكان موسى عليه السلام – كما في الحديث عند البخاري - : «آدم»، أي: أسمر اللون.﴿وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ﴾ أي: ضمّ يدك – اليمنى - إلى صدرك من أجل الخوف، يذهبْ عنك ذلك. أو: إذا هالَكَ أمر يدك وما تراه من شعاعها، فأدخلها في جيبك، تعُد إلى حالتها الأولى.أو إذا فزعت عند معاينة الحيّة، فاضمم يدك إلى صدرك، يذهبْ عنك الفزع.والظاهر – كما قال ابن كثير – أنه أُمر عليه السلام إذا خاف من شيء، أن يضمّ إليه جناحه من الرّهب، وهو يده، فإذا فعل ذلك، ذهب عنه ما يجده من الخوف والفزع.والجناح: اليد، وعُبّر عنها بذلك، لأنها للإنسان كالجناح للطائر.والرَّهْب - بفتح فسكون– و قُريء (الرَّهَب) - بفتحتين–و(الرُّهْب) – بضمّ فسكون -: و هو الخوف والفزع.﴿فَذَٰنِكَ﴾[و في قراءة: بتشديد النون (فذآنّك)] أي: العصا واليد، وهما مؤنثان، وإنما ذكّر المشار به إليهما، وهو المبتدأ، لتذكير خبره.﴿بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: حجّتان قاطعتان، ودليلان واضحان من الله، على عظيم قدرته، وصحـة نبوّتـك ﴿إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ﴾ مـن الرؤسـاء والكـبـراء والأتباع ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله، مخالفين لأمره ودينه.
28:33Page 389
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ ٣٣
He said, "My Lord, indeed I killed from among them someone, and I fear they will kill me.
٣٣ - ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا﴾ هو ذلك القبطيّ الذي وكزه فقضى عليه ﴿فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ﴾ به، إذا رأوني.
28:34Page 389
وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ٣٤
And my brother Aaron is more fluent than me in tongue, so send him with me as support, verifying me. Indeed, I fear that they will deny me."
٣٤ - ﴿وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا﴾ أي: أحسن بياناً، أو: أبين منّي لساناً. وكان في لسان موسى حُبسة.﴿فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا﴾ أي: عَوْناً. أو: معنيا ومساعداً [وفي قراءة:(رِداً) - بفتح الدال و تنوينها بلا همزة].﴿يُصَدِّقُنِيٓۖ﴾ بالرفع [وفي قراءة: (يصدّقْني) بالجزم، جواب الدعاء] أي: يبيِّن لهم عني فيما أقوله وأخبر به عن الله عز وجلّ، فإن خبر الاثنين أنجع في النفوس من خبر الواحد.يقال: ردأته على عدوّه وأردأته: أعنته عليه. وردأت الحائط: دعمته بخشبة لئلا يسقط.﴿إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾ أي: إن لم يكن معي هارون رسولا.
28:35Page 389
قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ ٣٥
[Allāh] said, "We will strengthen your arm through your brother and grant you both supremacy so they will not reach you. [It will be] through Our signs; you and those who follow you will be the predominant."
٣٥ - ﴿قَالَ﴾ الله تعالى مجيباً لسؤال موسى:﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنقوّيك به ونعينُك، ونعزّ جانبك بأخيك. فجعل هارون رسولاً معه.وشدّ العضد: كناية عن تقويته، لأن اليد تشتدّ بشدة العضد – وهو من المرفق إلى الكتف.﴿وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا﴾ أي: حجّة وبرهاناً، أو: تسلّطاً ومهابة وغلبة على فرعون وقومه، أو تمكّناً من الدعوة إلى الله ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا﴾ بالسّوء والأذى، ولا يقدرون على غلبتكما بالحجة والبرهان، ﴿بِـَٔايَٰتِنَآۚ﴾ أي: بسبب إبلاغكما آيات الله، أي: تمتنعان منهم بآياتنا، كما قال تعالى: (يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك) إلى قوله: (والله يعصمك من الناس)المائدة(٦٧). أوالتقدير: اذهبا بآياتنا.أو: هي متعلق ب «نجعل» أي: نجعل لكما سلطانا بآياتنا.﴿أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ أي:إن العاقبة لكما ولمن اتبعكما في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي)المجادلة(٢١) وقال:(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا)غافر(٥١).
28:36Page 390
فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٦
But when Moses came to them with Our signs as clear evidences, they said, "This is not except invented magic, and we have not heard of this [religion] among our forefathers."
٣٦ - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ﴾ أي: واضحات الدلالة على صدقه فيما أخبر عن ربّه، من توحيده و عبادته واتباع أوامره.وهي حال، أي: حال كونها واضحات.﴿قَالُواْ﴾ أي: فرعون وملؤه، ظلما وعلوّا:﴿مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى﴾ أي: مختلق مكذوب، أو: مفتعل مصنوع مبتدع ، أو: سحر تعلّمته، أو اختلقته من قبل نفسك، ثم نسبته إلى الله كذبا.﴿وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا﴾ الذي جئتنا به من دعوة النبوّة، أو: من عبادة الله وحده لا شريك له، أو: ما سمعنا بهذا السحر الذي جئتنا به ﴿فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ أي: في أيّامهم، فما رأينا أحداً من آبائنا كان على هذا الدين، فحريٌّ به أن يكون كذباً مفترى؟
28:37Page 390
وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٣٧
And Moses said, "My Lord is more knowing [than we or you] of who has come with guidance from Him and to whom will be succession in the home.1 Indeed, wrongdoers do not succeed."
٣٧ - ﴿وَقَالَ﴾[و في قراءة: (قال)] ﴿مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ﴾أي: عالم ﴿بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ﴾ أي: من عند الله، أي: منّي ومنكم، وسيفصل بيني وبينكم﴿وَمَن تَكُونُ﴾ [و في قراءة: بالياء (يكون)] ﴿لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ﴾ أي: العاقبة المحمودة في الدّار الآخرة، وهي الجنة، أو: عاقبة الدنيا، من النّصر والظفر والتأييد، فالله أعلم بمن سيكون له النصر في آخر الأمر، نحن أم أنتم؟﴿إِنَّهُۥ﴾ أي: الشأن و الأمر ﴿لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ أي: الكافرون المشركون بالله، فلا يفوزون بمطلوب، ولا ينجون من مرهوب.
28:38Page 390
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣٨
And Pharaoh said, "O eminent ones, I have not known you to have a god other than me. Then ignite for me, O Hāmān, [a fire] upon the clay1 and make for me a tower that I may look at the God of Moses. And indeed, I do think he is among the liars."
٣٨ - ﴿ وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي﴾ أراد بنفي علمه بإله غيره، نفي وجوده، لزعمه أنه لو كان موجوداً لعلمه، فلمّا لم يعلمه، فهو غير موجود.﴿فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ﴾ أي: فأشعل لي الطين حتى يصير آجرّا. وهامان: وزيره.﴿فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا﴾ أي: ابْنِ لي بالآجرِّ بناء عالياً رفيعاً، كالقصر. من صرح الشيء وصرّحه: إذا بيّنه وأظهره.﴿لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ﴾ أي: أنظـر إليـه، وأقف عليه، وعلى حقيقته.أراد بهذا القول التهكّم بموسى، كأنه نسب إليه القول بأن إلهه في السماء، فقال لوزيره: ابن لي صرحاً أصعد فيه، لعلّي أراه، تهكّما بموسى.﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ﴾ أي: موسى﴿مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ في ادّعائه إلها غيري، وأنه رسوله.ولعلّه أراد بالظنّ اليقين ، فلا ينافي ما ادّعاه أولاً من اليقين بعدم وجود إله غيره. وكذا طلبه من وزيره بناء الصّرح رجاء الاطلاع على إله موسى: لا ينافي يقينه بعدم وجوده، لأنه على سبيل التهكم والسخرية، فإنه قال:(وما ربّ العالمين)الشعراء(٢٣)وقال: (لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين)الشعراء(٢٩).
28:39Page 390
وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ٣٩
And he was arrogant, he and his soldiers, in the land, without right, and they thought that they would not be returned to Us.
٣٩ - ﴿وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ﴾ بدعوى الألوهية لنفسه ونفيها عن الله تعالى ﴿وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: في أرض مـصـر﴿بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ بل بالعـدوان والظـلـم، فطغوا وبغـوا وتجبـروا، وأكثـروا في الأرض الفساد ﴿وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ﴾ [و في قراءة: بالبناء للفاعل (لا يَرجِعون)] أي: اعتقدوا أنه لا بعث ولا قيامة ولا معاد.
28:40Page 390
فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠
So We took him and his soldiers and threw them into the sea.1 So see how was the end of the wrongdoers.
٤٠ - ﴿فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ﴾ بعد أن عتوا في الكفر، وجاوزوا الحدّ فيه ﴿فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ﴾ أي: طرحناهم وألقيناهم، فأغرقناهم في البحر ﴿فَٱنظُرۡ﴾ يا محمد﴿كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: كيف كان آخر أمر الكافرين، حين صاروا إلى الهلاك.والمراد: فإنا كذلك فاعلون بمن كذّبك وصدّ عن دعوتك.
28:41Page 390
وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ ٤١
And We made them leaders1 inviting to the Fire, and on the Day of Resurrection they will not be helped.
٤١ - ﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ﴾ أي: في الدنيا﴿أَئِمَّةٗ﴾ أي: رؤساء في الشرك، قدوة وقادة في الضلال والكفر، يتبعهم غيرهم فيه، فيكون عليهم وزرُهم ووزر أتباعهم ﴿يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ﴾ أي: إلى أعمال أهل النار بدعائهم أتباعهم إلى الشرك ﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾ من عذاب الله، فلا يمنعهـم من عذاب الله مانع، ولا يدفع عنهم العذاب دافع، فاجتمع عليهم خزي الدنيا، موصولاً بذلّ الآخرة.
28:42Page 390
وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ ٤٢
And We caused to overtake them in this world a curse, and on the Day of Resurrection they will be of the despised.1
٤٢ - ﴿وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ ﴾ أي: طرداً وإبعاداً عن رحمة الله.أو: شرعنا لعنتهم على ألسنة المؤمنين من عباد الله. أو: أمرنا العباد بلعنهم، فكل من يذكرهم يلعنهم.﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ﴾ أي: المطرودين المبعدين الممقوتين.جمع مقبوح، من قبّحه الله، أي: نحّاه وأبعده عن كل خير. أو: من المشوّهين في الخِلْقة، بسواد الوجوه ، وزرقة العيون. والآية كقوله:(وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود)هود(٩٩).
28:43Page 390
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٣
And We gave Moses the Scripture, after We had destroyed the former generations, as enlightenment for the people and guidance and mercy that they might be reminded.
٤٣ - ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: التــوراة ﴿مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ﴾ أي: الأمم الماضية المكذّبة بعامّة، كقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم.أو من بعد ما أهلكنا فرعون وقومه.وفي الآية دليل على أنه بعد نزول التوراة، انقطع الهلاك العام، فلم يعذّب الله أمّة بعامّة، بل شرع جهاد الكفار بالسيف، وأمر المؤمنين أن يقاتلوا أعداء الله من المشركين وغيرهم، كما قال سبحانه و تعالى: (وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية)الحاقة(١٠).وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري موقوفاً، ورواه البزّار من طريق آخر عن أبي سعيد مرفوعاً بلفظ: «ما أهلك الله قوماً بعذاب من السماء ولا من الأرض إلاّ قبل موسى، ثم قرأ:(ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى)».﴿بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي: آتيناه الكتاب أنواراً لقلوب الناس من العمى والغيّ، يُبصرون بها الحقائق.وهي حال من«الكتاب»، جمع بصيرة، وهو نور القلب.﴿وَهُدٗى﴾ من الضلالة إلى الحقّ ﴿وَرَحۡمَةٗ﴾ من الله لمن آمن به، وإرشاداً إلى العمل الصالح﴿لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون بما فيه من المواعظ، فيهتدون بسببه، ويجيبون داعي الله إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم في الدنيا والآخرة.
28:44Page 391
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٤٤
And you, [O Muḥammad], were not on the western side [of the mount] when We revealed to Moses the command, and you were not among the witnesses [to that].
٤٤ - ﴿وَمَا كُنتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ﴾ أي: بجانب غربيّ الجبل، أو الوادي، أو المكان الغربيّ في سيناء، حين المناجاة ﴿إِذۡ قَضَيۡنَآ﴾ أي: أوحينا، أو: عهدنا ﴿إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ﴾ بالرسالة إلى فرعـون وقومه ﴿وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ لذلك، فتعلمه، وتقف على حقيقته، وتخبر به، ولكنّه كان وحياً من عند الله أوحاه الله إليك، ليكون حجّة وبرهاناً على نبوّتك ورسالتك.
28:45Page 391
وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٤٥
But We produced [many] generations [after Moses], and prolonged was their duration.1 And you were not a resident among the people of Madyan, reciting to them Our verses, but We were senders [of this message].2
٤٥ - ﴿وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا﴾ أي: خلقنا أمماً من بعد موسى بين زمانه، وزمانك يا محمد ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ ﴾ أي: طالت أعمارهم، أو طالت عليهم المهلة، وتمادى عليهم الأمد، فتركوا أمر الله، ونسوا عهده وحججه عليهم، واندرست العلوم، وانقطع الوحي، وتغيرت الشرائع والأحكام، فجئنا بك رسولاً، وأوحينا إليك خبر موسى وغيره.﴿وَمَا كُنتَ﴾ يا محمد ﴿ثَاوِيٗا﴾ أي: مقيماً ﴿فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا﴾ أي: وقت أو حال تلاوتك على أهل مكة خبر موسى وقصّته في مدين، حتى تنقلها إليهم بطريق المشاهدة، وإنما أتتك بطريق الوحي، فإخبارك أهل مكة بها، إنما هو عن وحي إلهي، ورسالة ربانيّة.والمعنى: أنك ما كنت مقيما في أهل مدين، كما أقام موسى، حتى تقرأ على أهل مكة، وتقصّ عليهم، خبر موسى وما جرى له في مدين، لولا أن أوحينا إليك ذلك وأرسلناك للناس رسولاً، ولذا قال: ﴿وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ﴾ لك، فالخبر الذي جئت به عن موسى، إنما هو أثر من آثار إرسالنا إيّاك، ووحينا إليك، فلا سبيل لك إلى علمه ومعرفته، بدون وحينا وإرسالنا.
28:46Page 391
وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٤٦
And you were not at the side of the mount when We called [Moses] but [were sent] as a mercy from your Lord to warn a people to whom no warner had come before you that they might be reminded.
٤٦ - ﴿وَمَا كُنتَ﴾ يا محمد﴿بِجَانِبِ ٱلطُّورِ﴾ أي: بجانب الجبل المسمّى بالطور﴿إِذۡ نَادَيۡنَا﴾ أي: حين نادينا موسى وناجيناه ﴿وَلَٰكِن﴾ أوحينا إليك القرآن، وأرسلناك للناس رسولاً، وقصصنا عليك خبر موسى و غيره ﴿رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ﴾ بك وبالعباد، بإرسالك إليهم.﴿لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ﴾ وهم أهل مكة ومن حولهم من العرب المعاصرين له ﷺ، فإنهم لم يأتهم نذير ينذرهم قبله، في زمن الفترة بينه ﷺ وبين عيسى عليه السلام ﴿لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون بإنذارك ، فيهتدون بما جئت به من عند الله تعالى.وإنذاره للعرب لا ينفي أن يكون مرسلاً لغيرهم، فإنه ﷺ عربي، والقرآن الذي نزل عليه عربي، وأوّل من باشر بدعوتهم العرب، فكانت رسالته لهم أصلاً، ولغيرهم تبعاً ، قال تعالى:(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)الأعراف(١٥٨) وقال:(أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس)يونس(٢).فائدة قال العلامة حسنين مخلوف في تفسيره: قوله تعالى:(لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك):أي: لتنذرهم العقاب الذي أتاهم من نذير قبلك، أي: على لسانه وبواسطته، ف «ما» اسم موصول بمعنى: «الذي» مفعول ثان «لتنذر» و«من نذير» متعلّق ب «أتاهم».وهذا القول في تفسير الآية جار على ظواهر القرآن ، كما قال تعالى:(وإن من أمة إلاّ خلا فيها نذير)فاطر(٢٤)وقال:(أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير)المائدة(١٩).وقيل: المراد ب «القوم» في الآية: هم العرب المعاصرون له ﷺ، فلا يُتصوّر إنذاره لمن سلفهم، فتكون «ما» نافية، أي: لم يأتهم نذير قبلك. فإن قيل: إنهم قد أتاهم نذير قبله، لأنهم من ذرّية إسماعيل، وقد بُعث إلى العرب وذراريهم، لعدم انقطاع رسالته بموته، فيجب عليهم العمل بها إلى أن يبعث إليهم رسول آخر.يقال في الجواب: إن المراد من عدم إتيان نذير إليهم: أنه لم تأتهم ولم تصل إليهم دعوة رسول قبله على حقيقتها، ولا شكّ أن أحكام رسالة إسماعيل قد اندرست، لتطاول الأمر بين بعثته وبعثة محمد ﷺ، ولم يقف الأكثرون من الناس في أغلب هذه الأوقات المتطاولة على حقيقتها، فجُعل ذلك بمنزلة عدم إتيان النذير لهؤلاء المعاصرين له ﷺ.ولا يُحمل لفظ «القوم» على العرب عامّة، لا مع إبقاء عدم الإتيان على ظاهره، لمنافاته لقوله:(وإن من أمّة إلاّ خلا فيها نذير)فاطر(٢٤) وقد أرسل إليهم إسماعيل، ولا مع تأويله بما ذكر، للقطع ببلوغ دعوة إسماعيل إلى العرب بعده، في الجملة، وفي بعض الأزمنة، ولكن يحمل اللفظ على العرب المعاصرين له ﷺ خاصّة.
28:47Page 391
وَلَوۡلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And if not that a disaster should strike them for what their hands put forth [of sins] and they would say, "Our Lord, why did You not send us a messenger so we could have followed Your verses and been among the believers?"...1
٤٧ - ﴿وَلَوۡلَآ أَن تُصِيبَهُــم مُّصِيبــَةُۢ﴾ أي: عقوبـة﴿بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ﴾ من الكفر وغيره، وهم: أهل مكّة ﴿فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ﴾ أي: هلاّ ﴿أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا﴾ من عندك ﴿فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ﴾ التنزيليّة المرسَلِ بها ذلك الرسول ﴿وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ بها.أي: فأرسلناك يا محمد إليهم لتقيم عليهم الحجّة، ولينقطع عذرهم إذا جاءهم عذاب من الله بكفرهم ، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير.وحاصل معنى الآية: إنه تعالى أرسل رسوله إليهم، ليبطل تعلّلهم بعدم الإعلام و التبليغ - عند حلول العذاب بهم بسبب كفرهم– بقولهم:(لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين)القصص(٤٧).وهو كقوله تعالى:(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) الإسراء (١٥).ف «لولا» الأولى: امتناعية، تدلّ على امتناع الجواب لوجود الشرط، وجوابها محذوف، تقديره: لَماَ أرسلناك إليهم رسولا.و «لولا» الثانية: تحضيضيّة بمعنى: هلاّ، وجوابها قوله: (فنتبع آياتك..).وعلى هذا: فيكون المعنى التركيبي للآية: لولا إصابةُ المصيبة لهم بما اكتسبوا من الكفر، المسبّبُ عنها قولهم المذكور:(لولا أرسلت إلينا رسولا) لما أرسلناك إليهم رسولاً، ولعاجلناهم بالعقوبة. فجُعلت الإصابة سبباً للإرسال، باعتبار ترتب القول المذكور عليها، ولذا أدخلت عليها «لولا» الامتناعية، وعُطف القول عليها بالفاء المفيدة للسببيّة، في قوله:(فيقولوا).
28:48Page 391
فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ ٤٨
But when the truth came to them from Us, they said, "Why was he not given like that which was given to Moses?" Did they not disbelieve in that which was given to Moses before? They said, "[They are but] two works of magic supporting each other,1 and indeed we are, in both, disbelievers."
٤٨ - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا﴾ أي: فلمّا جاء أهل مكّة الحقّ من عند الله، وهو محمد ﷺ وما أنزل عليه من القرآن .فالآية إخبار عن القوم، أنه لو عذّبهم الله قبل قيام الحجة عليهم، لاحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول، فلمّا جاءهم الحقّ من عند الله على لسان رسول الله ﷺ ﴿قَالُواْ﴾ على وجه التعنّت والفساد، والكفر والإلحاد: ﴿لَوۡلَآ﴾ أي: هـلاّ﴿أُوتِيَ﴾ هـذا الرسول، يعنــون: محمدا ﷺ﴿مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ﴾ من الآيات ، كاليد والعصا وغيرهما، وكنزول التوراة جملة واحدة ؟قال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ﴾ أي: أهل مكّة أو: هم و اليهود ﴿بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ ﴾ من الآيات كما كفروا بآيات محمد ﷺ، حيث ﴿قَالُواْ﴾ أي: كفّار مكة، فيما أوتي موسى ومحمد عليهما الصلاة و السلام ﴿سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا﴾ أي: تعاونا وتناصرا وتعاضدا بتصديق كلّ منهما الآخر، يعنون بذلك: التوراة والقرآن.[وفي قراءة:(ساحران تظاهرا) يعنون بذلك: موسى ومحمدا ﷺ].﴿وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّ﴾ من الكتابيْن – التوراة والقرآن – أو: النبيّيْن – موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام –﴿كَٰفِرُونَ﴾.
28:49Page 391
قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٩
Say, "Then bring a scripture from Allāh which is more guiding than either of them that I may follow it, if you should be truthful."
٤٩ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد لمشركي مكّة: ﴿فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ﴾ أي: من التوراة والقرآن ﴿أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ في قولكم ووصفكم الكتابيْن أو الرسوليْن بالسّحر.
28:50Page 391
فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٠
But if they do not respond to you - then know that they only follow their [own] desires. And who is more astray than one who follows his desire without guidance from Allāh? Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.
٥٠ - ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ﴾ أي: لم يجيبوك عمّا قلت لهم من الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين، ولم يتّبعوا الحقّ الذي جئت به﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ﴾ في كفرهم وعنادهم بلا دليل ولا حجّة ولا برهان لهم في اتباعهم الأهواء والآراء.﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ﴾ ولا حجّة مأخوذة من كتاب الله، أي: لا أحد أضلّ منه.والاستفهام إنكاري بمعنى النفي.﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: الكافرين.وفي الآية: بيان أن كلّ من لم يستجب للرسول، واتّبع قولا مخالفا لقوله، فإنه متّبع هواه لا هداه، مقدّم هواه على هدى الله ورسوله.
28:51Page 392
۞ وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥١
And We have [repeatedly] conveyed to them the word [i.e., the Qur’ān] that they might be reminded.
٥١ - ﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ﴾ أي: فصّلنا القرآن وبيّناه، أو تابعناه وواصلناه، وأنزلناه شيئاً فشيئاً، رحمة بهم ولطفاً.أو: أنزلنا عليهم القرآن إنزالاً متواصلاً متتابعاً، بعضه إثر بعض ﴿لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: ليكون بذلك أقرب إلى التذكر والتذكير، فإنهم يطّلعون كل يوم على جديد حين تتكرر عليهم آياته، وتنزل عليهم بيّناته ، وقت الحاجة إليها، فصار نزوله متفرّقا متتابعاً متواصلاً، رحمة بهم ولطفاً. أو يكون المعنى: جعلناه متتابعاً في الأنواع: وعدا و وعيداً، وقصصاً ومواعظ، ونصائح و أحكاماً وشرعة ومنهاجاً، إرادة أن يتعظوا، فيتعلّموا، فيؤمنوا به.وأصله من التوصيل: وهو ضمّ قطع الحبل بعضها إلى بعض.
28:52Page 392
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
Those to whom We gave the Scripture before it - they1 are believers in it.
٥٢ - ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ﴾ أي: من قبل القرآن ﴿هُم بِهِۦ﴾ أي: بالقرآن ﴿يُؤۡمِنُونَ﴾ أيضاً ويصدّقون، والمراد بهم: مؤمنو أهل الكتاب.والآية إخبار عن مؤمني أهل الكتاب الذين آمنوا بكتابهم وبالقرآن، كعبد الله بن سلام، وسائر من أسلم من أهل الكتاب، كما قال تعالى:(وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله)آل عمران(١٩٩) وقال:(الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به)البقرة(١٢١).
28:53Page 392
وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ ٥٣
And when it is recited to them, they say, "We have believed in it; indeed, it is the truth from our Lord. Indeed we were, [even] before it, Muslims [i.e., submitting to Allāh]."
٥٣ - ﴿وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: القرآن﴿قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ﴾ لموافقته ما جاءت به الرسل، ومطابقته لما ذكر في الكتب، وتصديقه لها ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ﴾ أي: من قبل هذا القرآن، أو محمد ﷺ، موحّدين مخلصين لله، مستجيبين له.
28:54Page 392
أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٥٤
Those will be given their reward twice for what they patiently endured and [because] they avert evil through good, and from what We have provided them they spend.
٥٤ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المتصفون بهذه الصّفة من الذين آمنوا بالكتاب الأول، ثم بالثاني، وهو القرآن ﴿ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم ﴾ أي: ثواب عملهم ﴿مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ أي: بسبب صبرهم وثباتهم على اتباع الحقّ، وعلى الإيمان بالكتابيْن: كتابهم والقرآن، وعلى العمل بهما ﴿وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ﴾ أي: ويدفعون بالاحتمال والحلم والصفح الجميل، الخصلة السيئة والأذى من الكفار، فلا يقابلون السيئ بمثله ولكن يعفون ويصفحون.وقيل: يدفعون بالطاعة المعصية. من الدّرء: وهو الدّفع.﴿وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ﴾ في الطاعات ، وفيما أمر الله به، من الزكاة المفروضة، وصدقات النفل والقربات، وفي سبيل الله.وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ:«ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين: رجل من أهل الكتاب، آمن بالكتاب الأول والآخر، و رجل كانت له أمة، فأدّبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها، وعبد مملوك، أحسن عبادة ربّه ونصح لسيّده».وفي لفظ في الصحيح أيضاً:«ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدّى حقّ الله وحقّ مواليه، ورجل كانت له أمة ، فأدّبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها». وعند أحمد في مسنده عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ يوم الفتح:«من أسلم من أهل الكتابين، فله أجره مرّتين، وله ما لنا وعليه ما علينا».
28:55Page 392
وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ ٥٥
And when they hear ill speech, they turn away from it and say, "For us are our deeds, and for you are your deeds. Peace will be upon you;1 we seek not the ignorant."
٥٥ - ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ﴾ أي: السبّ والشتم والأذى من الكفّار، أو: الباطل من القول ﴿أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ﴾ تكرّما، وتنزّها، وتأدّبا بآداب الإسلام، فلم يصغوا له. واللغو في الأصل: السّقط ومالا يعتدّ به من كلام وغيره، كاللّغا واللّغْوى.ومثله قوله تعالى:(وإذا مرّوا باللغو مرّوا كراما)الفرقان(٧٢).﴿وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ﴾ فكلّ يجازى بعمله، إن خيراً فخير، وإن شرا فشرّ، أي: لا يلحقنا من وزر كفركم شيء، كما لا يلحقكم من نفع إيماننا شيء﴿سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ﴾ سلام متاركة و مباعدة، لا تحيّة، أي: أمنة منّا لكم وسلامة.و المعنى: سلمتم منّا من الشتم وغيره، فلا نعارضكم بالشتم، ولا نجاريكم في الجهل والسّوء.﴿لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ أي: لا نطـلب صحبتـهـم ومخالطتهم، كما قال تعالى:(وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً)الفرقان(٦٣).أو: لا نطلب مجاوبة الجاهلين ومسابّتهم، فلا نجزيهم بالباطل على باطلهم.
28:56Page 392
إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦
Indeed, [O Muḥammad], you do not guide whom you like, but Allāh guides whom He wills. And He is most knowing of the [rightly] guided.
٥٦ - سبب نزول الآية:روى البخاري و مسلم عن المسيَّب بن حزن المخزومي قال: لمّا حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله ﷺ:«يا عمّ، قل: لا إله إلا الله ، كلمة أحاجّ لك بها عند الله»، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: يا أبا طالب، أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه، ويعودان عليه بتلك المقالة، حتى كان آخر ما قال: هو على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله ، فقال رسول الله ﷺ: «والله لأستغفرنّ لك، ما لم أُنْه عنك» فأنزل الله تعالى:(ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى) وأنزل في أبي طالب:(إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) الآية.وأخرج مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال: لمّا حضرت وفاة أبي طالب، أتاه رسول الله ﷺ فقال: «يا عمّاه، قل: لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة»، فقال: لولا أن تعيّرني بها قريش، يقولون: ما حمله عليه إلاّ جزع الموت، لأقررت بها عينك، لا أقولها إلاّ لأقرّ بها عينك، فأنزل الله تعالى:(إنك لا تهدي من أحببت) الآية.﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ﴾ هدايته، وليس ذلك إليك، إنّما عليك البلاغ ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ﴾ هدايته إلى الإسلام، أي: ويضلّ من يشاء إضلاله﴿وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ﴾ أي: عالم بهم، وبمن يصلح للهداية، لاطلاعه تعالى على استعدادهم وحُسن اختيارهم. والمراد بها هنا: هداية التوفيق، أما هداية البيان والإرشاد فللأنبياء والرسل، كما في قوله:(وإنّك لتهدي إلى صراط مستقيم)الشورى(٥٢). وهذه الآية كقوله:(ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء)البقرة(٢٧٢).
28:57Page 392
وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٧
And they [i.e., the Quraysh] say, "If we were to follow the guidance with you, we would be swept1 from our land." Have We not established for them a safe sanctuary to which are brought the fruits of all things as provision from Us? But most of them do not know.
٥٧ - ﴿وَقَالُوٓاْ﴾ أي: أهل مكّة ومشركو قريش للرسول ﷺ:﴿إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ﴾ أي: ندخل في دينك، ونتابعك على أمرك ﴿نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ﴾ بالقتل والأسر والنّهب، أي: نُنتزعْ منها بسرعة، ومرادهم: التعلّل في عدم اتباع الرسول بالخوف من اجتماع العرب على حربهم، وإخراجهم من بلادهم، ولا طاقة لهم بهم.فردّ الله عليهم بقوله: ﴿أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا﴾ أي: ذا أمن، يأمنون فيه على أنفسهم وأموالهم﴿يُجۡبَىٰٓ﴾ [و في قراءة: بالتاء (تُجبى)] ﴿إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ﴾ أي: يُجلب ويحمل إليه، ويُجمع فيه من كل جهة، ثمراتُ أشياءَ كثيرة، على اختلاف أنواعها وأشكالها ﴿رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا﴾ أي: من عندنا؟﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ الحقّ، فهم معرضون عنه، لفرط جهلهم، ومزيد غفلتهم، وعدم تفكّرهم في أمر معادهم ورشادهم. يقال: جبى الماء في الحوض، أي: جمعه فيه.والاستفهام للتقرير.والمقصود: أنّا فعلنا ذلك معهم حال كفرهم وشركهم، فكيف نعرّضهم للتخطّف من أرضهم إذا آمنوا وأسلموا وتابعوا الحقّ؟
28:58Page 392
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥٨
And how many a city have We destroyed that was insolent in its [way of] living, and those are their dwellings which have not been inhabited after them except briefly.1 And it is We who were the inheritors.
٥٨ - ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا﴾ أي: وكثيراً أهكلنا﴿مِن قَرۡيَةِۭ﴾ والمراد: أهلها ﴿بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ﴾ أي: كفرت نعمة معيشتها الرّافهة الآمنة، فلم تقم بحقّ شكرها. أو: تمرَّدت وطغت في معيشتها، وأشِرت في أيام حياتها، فأهلكوا.والآية تهديد لكفار مكة، وتعريض بهم.والبطر: الأشر، وقلّة احتمال النعمة، والطغيان بها، وعدم القيام بحقّ الله في شكرها، وفعله: كفرح.والمعيشة: منصوبة على التفسير.﴿فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ﴾ أي: إلا زمنا قليلاً، للمارّة أو المسافرين، يوماً أو بعضه ﴿وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ﴾ لهم، لأنه لم يبق منهم أحد يرث منازلهم وأموالهم ويتصرّف فيها تصرّفهم.
28:59Page 392
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ ٥٩
And never would your Lord have destroyed the cities until He had sent to their mother [i.e., principal city] a messenger reciting to them Our verses. And We would not destroy the cities except while their people were wrongdoers.
٥٩ - ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ﴾ بظلم – لكمال عدله سبحانه – أو: بكفرهم وظلمهم لأنفسهم ﴿حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا﴾ أي: في أصلها وأعظمها التي ترجع تلك القرى إليها ﴿رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ﴾ الدالّة على صحّة ما جاء به، وصدق ما دعاهم إليه، فيبلغ قولُه قاصيهم ودانيهم.وهذا بخلاف بعث الرسل في القرى البعيدة والأطراف النائية، فإن ذلك مظنّة الخفاء والجفاء، أمّا أمّهات القرى، فإنها مظنّة الظهور والانتشار، علاوة على أنهم في غالب الأمر أقل جفاء من غيرهم.﴿وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ﴾ بعد أن نبعث إليها رسولاً ﴿إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ﴾ بكفرهم وتكذيبهم لله ورسله.والآية بيان للسنّة الإلهية، وأنه تعالى قد مضت سنّته ألاّ يعذّب قوماً قبل الإنذار إليهم، إلزاماً للحجّة، وقطعا للمعذرة، حتى لا يقولوا:(لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك)طه(١٣٤)، وهو كقوله تعالى:(وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولا)الإسراء(١٥).وقيل: إن قوله تعالى:(حتى يبعث في أمّها) أي: في أم القرى، وهي مكّة، (رسولا يتلو عليهم آياتنا).وفيه دلالة على أنه ﷺ رسول إلى جميع القرى، من عرب وعجم، كما قال تعالى:(لتنذر أم القرى ومن حولها)الشورى(٧) فكانت بعثته ﷺ شاملة لجميع القرى، لأنه مبعوث إلى أمّها وأصلها التي ترجع إليها.وقد ثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال:«بعثت إلى الأحمر والأسود».أفاده ابن كثير في تفسيره، ورجّحه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences