Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:96–117
3:96Page 62
إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩٦
Indeed, the first House [of worship] established for mankind was that at Bakkah [i.e., Makkah] - blessed and a guidance for the worlds.
٩٦ - ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ﴾ متعبداً ﴿لِلنَّاسِ﴾ في الأرض، لعبادة الله تعالى وإقامة ذكره، وقِبلة للصلاة، وموضعاً للحج والطواف، سواء العاكف فيه والبـاد ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ أي: لهو الكعبة التي بناها إبراهيم عليه السلام في مكة. و بكة: لغة في مكة، والميم والباء يتعاقبان لغة، كما في لازم ولازب. وقيل: سميت بكة، لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي: تدقها، بمعنى: أنهم يذلون بها ويخضعون عندها.﴿مُبَارَكٗا﴾ أي: كثير النفع والخير لمن حجه أو اعتمره أو اعتكف فيه أو طاف حوله، لمضاعفة ثواب العبادة فيه. من البركة وهي النماء والزيادة.﴿وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ لما فيه من إقامة التوحيد لله، وذكره في المشاعر والمناسك، وإحياء سنة الخليلين إبراهيم ومحمد ﷺ. وقيل: هدى للعالمين، لأنه قبلتهم.وفي الحديث عند أحمد والشيخين بنحوه عن أبي ذر الغفاري، قال: قلت يا رسول الله: أي مسجد وضع أول؟ قال: «المسجد الحرام»، قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى»، قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة» قلت: ثم أي؟ قال: «ثم حيث أدركتك الصلاة فصل، فكلها مسجد».
3:97Page 62
فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩٧
In it are clear signs [such as] the standing place of Abraham. And whoever enters it [i.e., the Ḥaram] shall be safe. And [due] to Allāh from the people is a pilgrimage to the House - for whoever is able to find thereto a way. But whoever disbelieves [i.e., refuses] - then indeed, Allāh is free from need of the worlds.1
٩٧ - ﴿فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ﴾ أي: علامات ودلالات واضحات على حرمته ومزيد فضله، منها: أن الآمر بالبناء هو الله الذي عظّمه وشرّفه، وأن الباني هو إبراهيم عليه السلام الذي رفع قواعده على أسس من التوحيد والتقوى والإخلاص، فهو مهبط الخيرات ومصعد الطاعات، ومنها: الحجر الأسود، والحطيم، وزمزم، والصفا والمروة، والمشاعر كلها، ومنها: إهلاك من قصده من الجبابرة بسوء، كأصحاب الفيل، ومنها كذلك: ﴿مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ﴾ وهو الحجر الذي قام عليه واستعان به على رفع القواعد لما ارتفع البناء، وقد كان ملتصقاً بجدار البيت، حتى أخّره عمر بن الخطاب في خلافته الراشدة إلى ناحية المشرق، حيث هو الآن، ليتمكن الطائفون من الطواف، وليصلي المصلون عنده كما أمر الله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)البقرة(١٢٥). ﴿وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ﴾ أي: ومن دخل حرم مكة حال كونه خائفاً فإنه يأمن من كل سوء، فلا يُتعرّض له بقتل أو ظلم أو غير ذلك، ولا يُهيّج في الحرم، ولو كان سفك دماً، أو أخذ مالاً، حتى يخرج منه. لكن من ارتكب جريمة في الحرم، فإنه يؤخذ بها، وتقام عليه العقوبة، لقوله تعالى: (والحرمات قصاص)البقرة(١٩٤)، ولأنه البادئ بانتهاك الحرمة. والضمير في (دخله) عائد إلى البيت بمعنى: الحرم كله، بقرينة أن بعض هذه الآيات والعلامات موجودة في كل الحرم، لا في خصوص البيت، فهو من باب الاستخدام، وهو ذكر اللفظ بمعنىً، وإعادة الضمير إليه بمعنىً آخر. وفي الصحيحين- واللفظ لمسلم- عن ابن عباس، أن رسول الله ﷺ قال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شوكه - أي: لايقطع- ولا ينفّر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمن عرّفها، ولا يختلى خلاه-أي: لايقطع حشيشه الرطب-». وعن جابر عند مسلم: «لا يحل لأحد أن يحمل السلاح بمكة».وقال تعالى: (أو لم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم)العنكبوت(٦٧). ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ﴾ [وفي قراءة: بفتح الحاء (حَج)] أي: واجب على المكلفين حج البيت، تأكيداً لحقه وتعظيماً لحرمته. ﴿مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ﴾ أي: طريقاً، والاستطاعة:تكون بالنفس أو بالغير و كلاهما متعيّن في الحج. و السبيل: الزاد والراحلة والصحة وأمن الطريق. وعن أنس عند الحاكم أن رسول الله ﷺ سئل عن قوله عز وجل: (من استطاع إليه سبيلاً) فقيل: ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة». وهذه أول آية وجوب الحج عند الجمهور. ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ بالله أو بالآيات البينات في فضائل الحرم. أو جحد فريضة الحج، فلم ير فعله بِراً ولا تركه مأثما ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ فلا تعود إليه طاعات عباده بنفع ولا تضره معصيتهم، تعالى شأنه وتقدس سلطانه. روى سعيد بن منصور في «سننه» عن عكرمة قال: لما نزلت: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه) قال اليهود: فنحن مسلمون، فقال لهم النبي ﷺ: «إن الله فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلاً »، فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا، فأنزل الله: (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين). فائدة فقهيةالحج أحد أركان الإسلام الخمسة، المعلومة من الدين بالضرورة، ويجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع، لحديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا»، فقال رجل: أكُلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال رسول الله ﷺ: «لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم»، ثم قال: «ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم، بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه». وفي رواية عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس بلفظ: «يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج»، فقام رجل فقال: أفي كل عام؟ فقال: «لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولن تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع».
3:98Page 62
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ ٩٨
Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh while Allāh is Witness over what you do?"
٩٨ - ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ أي: القرآن، أو: آيات التوراة الدالة على مبعثه ﷺ وصدقه، وصفته ونعته ﴿وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ﴾ فيجازيكم به، فالله مطلع عليكم لا تخفى عليه منكم خافية.
3:99Page 62
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٩
Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allāh those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allāh is not unaware of what you do."
٩٩ - ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ﴾ أي: لم تصرفون الناس عن دين الله وعن الإيمان به وبمحمد ﷺ، بتدبير المكائد، وإيقاع الفتن بين المؤمنين، للحيلولة بينهم وبين دين الله. ﴿تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا﴾ أي: تطلبون لسبيل الله- وهو دين الله، أو ملة الإسلام- اعوجاجاً وميلاً عن القصد والاستقامة والاستواء. أو:تطلبون السبيل معوجة، أي: مائلة و زائغة عن الحق، والمراد: طلب ذلك لأهلها بالتحريش والإغراء بينهم، وإيهامهم بأن السبيل كذلك، تقويماً لدعاويهم الباطلة، لتختلف كلمة المؤمنين، ويختل أمر دينهم. و «تبغونها»: من البُغاء- بضم الباء- وهو الطلب، يقال: بغيت له كذا، وأبغيه بغاء وبغى وبُغية وبِغية، إذا طلبته. والعَِوج- بكسر العين وفتحها-: مصدر عَوج- كتعب- قال ابن الأثير: إن مكسور العين مختص بما ليس بمرئي- كالرأي والقول- والمفتوح مختص بما هو مرئي، كالأجساد .﴿وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ﴾ أي: كيف تطلبون ذلك الكيد بملة الإسلام، والحال أنكم عالمون بأنه الدين القيم المرضي عند الله، الذي لا يقبل غيره، كما في كتبكم المنزلة على أنبيائكم. ﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ من الكفر والتكذيب، وإنما يؤخركم ليوم فيجازيكم به.
3:100Page 62
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ ١٠٠
O you who have believed, if you obey a party of those who were given the Scripture, they would turn you back, after your belief, [to being] unbelievers.
١٠٠ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: طائفة منهم، وهم اليهود. والمعنى: إن تُصغوا إلى دسائسهم وتركنوا إلى أقوالهم، في إثارة الفتن و العداوات التي كانت بينكم في الجاهلية، وتهييجها ، كراهة لما أنتم عليه بعد الإسلام من التآخـي والتراحـم، ﴿يَرُدُّوكُم﴾ أي: يُصيّروكـم﴿بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ﴾ فاحذروهم أشد الحذر. وقيل: إنها نزلت لمّا مرّ بعض اليهود على الأوس والخزرج- بعد إسلامهم- فغاظهم تألفهم و وحدة كلمتهم، فذكروهم بما كان بينهم من الفتن في الجاهلية، فتشاجروا وكادوا يقتتلون، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فجاء فوعظهم وأصلح بينهم، فسمعوا وأطاعوا. ومثله قوله: (ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً)البقرة(١٠٩).
3:101Page 63
وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٠١
And how could you disbelieve while to you are being recited the verses of Allāh and among you is His Messenger? And whoever holds firmly to Allāh1 has [indeed] been guided to a straight path.
١٠١ - ﴿وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ﴾ استفهام تعجيب وتوبيخ، أي: إن الكفر الذي يراد بكم من قِبَلهم، بعيد منكم، ومستحيل عليكم، ﴿وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ﴾ أي: والحال أن آيات الله تنزل على رسوله، فيتلوها عليكم ويبلغها إليكم ﴿وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ﴾ الذي أرشدكم إلى جميع ما يصلح أمر دينكم ودنياكم. ﴿وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ﴾ أي: يمتنع به ويلتجئ إليه، ويتعلق بسبب من أسبابه، ويستمسك بدينه وكتابه.من الاعتصام: وهو الاستمساك بالشيء في منع النفس من الوقوع في آفة. يقال: اعتصم بالله، أي: امتنع بلطفه من الوقوع في المعصية. ﴿فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ أي:طريق قويم.و المعنى: أن من اعتصم بالله، واستمسك بحبله، وتوكل عليه، وترك الركون إلى أعدائه، ثبتت له الهداية، وانجابت عنه الغواية، وخلص من الكفر والضلال الذي يراد به. وفي الآية: الحث على الاعتصام بالله، والتوكل عليه، وأن العصمة من دسائس أعداء الله وفتنهم تكون في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
3:102Page 63
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢
O you who have believed, fear Allāh as He should be feared and do not die except as Muslims [in submission to Him].
١٠٢ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ﴾ أي: اتقوا الله حق تقواه، أي: اتقاءً حقاً، ثابتاً واجباً، وذلك بأداء ما كُلّفتم به على قدر الطاقة والاستطاعة، كما بيّنه بقوله: (فاتقوا الله ما استطعتم)التغابن(١٦). فتقوى الله التي تحق له، هي: أن لا يترك العبد شيئاً مما يلزمه فعله، ولا يفعل شيئاً مما يلزمه تركه، ويبذل في ذلك جهده ومستطاعه.وفي الحديث عن ابن مسعود عند عبد الرزاق والحاكم في «مستدركه» وصححه و الطبراني قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الله حق تقاته، بأن يُطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُذكر فلا يُنسى». قال ابن كثير: والأظهر: أنه موقوف.وهو من حقَّ الشيءُ، إذا ثبت ووجب.والتّقاة: اسم مصدر من اتقى، كالتؤدة من اتأد. ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ أي: لا تكونوا على حال سوى حال الإسلام، فحافظوا عليه، حتى إذا جاء الموت- وقد يأتي بغتة- جاء وأنتم مسلمون موحدون، مخلصون لله العبادة والدين. وفي الحديث الصحيح عن جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل».
3:103Page 63
وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٠٣
And hold firmly to the rope1 of Allāh all together and do not become divided. And remember the favor of Allāh upon you - when you were enemies and He brought your hearts together and you became, by His favor, brothers. And you were on the edge of a pit of the Fire, and He saved you from it. Thus does Allāh make clear to you His verses that you may be guided.
١٠٣ - ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ﴾ أي: تمسكوا ﴿بِحَبۡلِ ٱللَّهِ﴾ أي: بعهد الله، أو بدينه، أو بكتابه، لأنه سبب يوصل إليه. وأصل الحبل: السبب الذي يُتوصل به إلى البغية. وفي حديث الحارث الأعور عن علي، مرفوعاً في صفة القرآن: «هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم». وعند مسلم عن زيد بن أرقم، أن رسول الله ﷺ قال:«كتاب الله، هو حبل الله، من اتبعه كن على الهدى، و من تركه كان على ضلالة». و عند ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ:«إن هذا القرآن هو حبل الله المتين، وهو النور المبين، وهو الشافع النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتبعه». ﴿جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ بعد الإسلام بالاختـلاف في الدين، فأمرهم سبحانه بالاجتماع والائتلاف على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن، ونهاهم عن التفرق والاختلاف. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً: يرضى لكم: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، وأن تُناصحوا من ولّاه الله أمركم، و يسخط لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي: إنعامه وفضله ﴿إِذۡ كُنتُمۡ﴾ قبل الإسلام ﴿أَعۡدَآءٗ﴾ يقتل بعضكم بعضاً، ويسبي بعضكم بعضاً، وينهب بعضكم بعضاً ﴿فَأَلَّفَ﴾ أي: جمع ﴿بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ﴾ بالإسلام ﴿فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا﴾ أي: فصرتم- بسبب هذه النعمة- إخواناً متحابين بجلال الله، أولياء، متعاونين على البر والتقوى مجتمعين على عبادة الله وطاعته متراحمين متناصحين، كما قال: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين*وألّف بين قلوبهم)الأنفال(٦٢-٦٣). ﴿وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا﴾ أي: طرف أو حرف ﴿حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ﴾ بسبب ما كنتم عليه من الكفر، ليس بينكم وبين الوقوع فيها، إلا أن تموتوا كفاراً. والشفا: طرف الشيء وحرفه، ومثله: شفا البئر. وأشفى عليه: أشرف عليه. ﴿فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ﴾ بأن هداكم للإيمان والإسلام، أو بمحمد ﷺ، فبتيسير أسباب الهداية وبمبعثه ﷺ استنقذهم الله من تلك الحفرة. ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: كما بيّن لكم ما ذكر ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ﴾ إلى شكر الله و التمسك بحبله والاعتصام بدينه وسنة نبيه.
3:104Page 63
وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤
And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong,1 and those will be the successful.
١٠٤ - ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ﴾ أي: طائفــة أو جماعة متحدة مؤتلفة.والأمة: الجماعة التي تؤم وتقصد لأمر ما، وتطلق في القرآن أيضاً على أتباع الأنبياء، وعلى القدوة وعلى الملّة، وعلى الطائفة من الزمان، إلى غير ذلك من المعاني. و«مِنْ» في قوله: (منكم) للتبعيض، لأن ما سيأتي ذكره فرض كفاية لا يلزم كل الأمة ولا يليق بكل أحد.﴿يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ﴾ وهو الإسلام، أصوله وفروعه وشرائعه، أو هو اتباع القرآن وسنة رسول الله ﷺ، أو ما فيه صلاح الناس في الدين والدنيا. والدعوة إلى الخير تكون بالتعليم والوعظ والإرشاد.﴿وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ وهو ما عُرف حسنه شرعاً وعقلاً، أو هو ما وافق الكتاب والسنة قولا و عملا. ﴿وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ﴾ وهو خلاف المعروف، أي: ما عُرف قبحه شرعاً وعقلاً. أو ما خالف الكتاب والسنة قولا و عملا. ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ﴾ الداعون إلى الخير، الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر ﴿هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ أي: الفائزون المدركون لكل مطلوب، الناجون من كل مرهوب. والمراد من الآية: أن تكون في الأمة طائفة متصدية لهذا الشأن، منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان ذلك واجباً على كل فرد من الأمة بحسبه، لما ثبت في «صحيح مسلم» من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وفي رواية: «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». فائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم واجبات الشريعة، وأصل عظيم من أصولها، وبه يكمل نظامها وبناؤها، ثابت بالكتاب والسنة، وهو من فروض الكفايات، يختص بأهل العلم الذين يعرفون كوْن ما يأمرون به معروفاً، وما ينهون عنه منكراً. وفي الحديث عند أحمد والترمذي وابن ماجه عن حذيفة بن اليمان أن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً من عنده، ثم لتدعنّه فلا يستجيب لكم».
3:105Page 63
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥
And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment
١٠٥ - ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ﴾ عن دينهم ﴿َٱخۡتَلَفُواْ﴾ فيه، فصاروا شيعاً وأحزاباً، ومللاً ونحلاً ﴿مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ﴾ وهم اليهود والنصارى، تفرقوا واختلفوا بعد مجيء البينات والآيات الواضحات والحجج العقلية والشرعية الموجبة لاجتماعهم وائتلافهم ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ﴾ يوم القيامة. وفي الآية: زجر للمؤمنين عن التفرق والاختلاف، واتباع الهوى، وترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وفي الحديث عند أحمد وأبي داود: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة». وهذه الفِرق هم مبتدعة هذه الأمة التي تميزت وخالفت باتباع الهوى ما هو من ضروريات الدين وأساسياته.
3:106Page 63
يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ١٠٦
On the Day [some] faces will turn white and [some] faces will turn black. As for those whose faces turn black, [to them it will be said], "Did you disbelieve [i.e., reject faith] after your belief? Then taste the punishment for what you used to reject."
١٠٦ - ﴿يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ﴾ أي: يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم. ويجوز أن يكون المعنى: لهم عذاب عظيم يوم القيامة، يوم تبيض وجوه أهل السعادة وتشرق بالإيمان والطاعة، وتسود وجوه أهل الشقاوة وتكتئب بالكفر والمعاصي. ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ﴾ بالكفر والمعاصي وهم أهل الشقاوة، الذين كذبوا الله ورسله، وعصوا أمره، وفرقوا دينهم شيعاً، وهذا يعم الكافرين والمنافقين، والمرتدين، وأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ بعد مبعثه، وأهل البدعة والفرقة. فيقال لهم توبيخاً: ﴿أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ﴾ أي : بعدما وضحت لكم الآيات والدلائل. وقيل: أكفرتم بعد إيمانكم يوم أخذ الميثاق عليكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً. وقيل: كيف اخترتم الكفر على الإيمان؟ وكفرتم بمحمد ﷺ بعد إيمانكم به وعلمكم ببعثه ونعته ووصفه، وقد كنتم قبل ذلك تستفتحون به على الذين كفروا. ﴿فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ﴾ فيُلْقَوْن في النار بسبب كفرهم واختلافهم في دين الله.
3:107Page 63
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٠٧
But as for those whose faces turn white, [they will be] within the mercy of Allāh. They will abide therein eternally.
١٠٧ - ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ﴾ بالإيمان والطاعة، وهم أهل السعادة، الذين آمنوا بالله ورسله، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه ﴿فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ﴾ أي: في جنته ودار كرامته. ﴿هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون أبداً، لا يبغون عنها حولاً.
3:108Page 63
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٨
These are the verses of Allāh. We recite them to you, [O Muḥammad], in truth; and Allāh wants no injustice to the worlds [i.e., His creatures].
١٠٨ - ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ﴾ وحججه وبراهينه وبيناته ﴿نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿بِٱلۡحَقِّۗ﴾ أي: حال كونها متلبسة بالحق والعدل ﴿وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ فذلك مقتضى فضله وعدله وحكمته، أنه لم يظلم عباده، ولم ينقصهم من أعمالهم شيئاً، أو يعذب أحداً بغير ذنبه، أو يحمل عليه وزر غيره. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه.
3:109Page 64
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ١٠٩
To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And to Allāh will [all] matters be returned.
١٠٩ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً وتدبيراً وتصريفاً وحكماً، فالجميع في ملكه، وتحت قهره وسلطانه ﴿وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ﴾ [وفي قراءة: بفتح التاء و كسر الجيم بالبناء للفاعل (تَرجِعُ)] أي: تصير ﴿ٱلۡأُمُورُ﴾ فهو الحكم المتصرف في الدنيا والآخرة، له الأحكام القدرية والشرعية والجزائية، فيجازي المحسنين بإحسانهم، والمسيئين بعصيانهم.
3:110Page 64
كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠
You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allāh. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.
١١٠ - ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ﴾ في علم الله. وقيل: كنتم كذلك منذ آمنتم ﴿أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ﴾ أي: أُظهرت لهم، فأمة محمد ﷺ خير الأمم في الدنيا والآخرة، وأنفع الناس للناس، وهذه الخيرية عامة في جميع الأمة، أولها وآخرها، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم قرن الصحابة الذين بُعث فيهم رسول الله ﷺ، ثم الذين يلونهم. وعند أحمد والترمذي، من رواية حكيم بن معاوية عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ:«أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل». وعند أحمد من حديث علي ابن أبي طالب:«وجعلت أمتي خير الأمم». وهذه الخيرية لاتصافها بما وصفها الله به: ﴿تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ وهو ما عُرف حسنه شرعا وعقلاً، أو ما وافق الكتاب والسنة قولاً وعملاً ﴿ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾ وهو ما عرف قبحه شرعاً وعقلاً، أو ما خالف الكتاب والسنة، قولاً وعملاً ﴿ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾ فالخيرية قائمة في الأمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، زال عنهم ذلك. وفي الحديث عند أحمد أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ: أي الناس خير؟ قال:«خير الناس أقراهم وأتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم». و تقديم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على الإيمان بالله، لأنهما أظهر في بيان فضل المسلمين على غيرهم، إذ الإيمان يدّعيه أهل الكتاب و إن كانت الدعوى باطلة.﴿وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ من اليهود والنصارى بما أنزل على محمد ﷺ ﴿لَكَانَ﴾ الإيمان بالله ورسوله ﴿خَيۡرٗا لَّهُمۚ﴾ ولكنهم لم يفعلوا ذلك، ثم بيّن حالهم فقال: ﴿مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ بما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وقليل ما هم ﴿وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ أي: الكافرون، الخارجون عن طاعة الله ورسوله المتنكبون طريق الحق، المتمادون في غيهم وباطلهم وضلالهم. ومما يدل على فضيلة هذه الأمة وشرفها وكرامتها على الله عز وجل: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود قال: قال لنا رسول الله ﷺ:«أما ترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ فكبّرنا، ثم قال: أما ترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ فكبّرنا، ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة».
3:111Page 64
لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١
They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs [i.e., retreat]; then they will not be aided.
١١١ - ﴿لَن يَضُرُّوكُمۡ﴾ أي: اليهود يا معشر المسلمين بشيء من الضرر ﴿إِلَّآ أَذٗىۖ﴾ باللسان وضرراً يسيراً لا يبالى به، كالسبّ والطعن، والتهديد والوعيد، والتحريف والكذب والبهت، ونحوه. لكنهم لا يقدرون على حقيقة الضرر لكم بالحرب والنهب والقتل و نحو ذلك. ﴿وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ﴾ منهزمين مخذولين، لأن المنهزم يولي ظهره طالبه، فهي كناية عن ذلك ﴿ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾ عليكم، بل لكم النصر عليهم بإذن الله، وقد كان، إذ أذلّهم الله في خيْبر، وقبلها من المواطن ما حدث مع يهود بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة.
3:112Page 64
ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢
They have been put under humiliation [by Allāh] wherever they are overtaken, except for a rope [i.e., covenant] from Allāh and a rope [i.e., treaty] from the people [i.e., the Muslims].1 And they have drawn upon themselves anger from Allāh and have been put under destitution. That is because they disbelieved in [i.e., rejected] the verses of Allāh and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.
١١٢ - ﴿ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ﴾ أي: جعلت الذلة محيطة بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه، أي: أحاطت بهم، أو: أُلصقت بهم، وألزمهم الله الهوان والصغار. ﴿أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ﴾ أي: حيثما وجدوا أو أدركوا، وأينما كانوا وحلوا، أو ظُفر بهم، فلا عزّ لهم ولا اعتصام ﴿إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: بعهد من الله، أو بذمة منه- وهو عقد الذمة والأمان لهم، وضرْب الجزية عليهم، وإلزامهم أحكام الإسلام- أو: اعتصامهم بدين الله أو بكتابه. والمعنى: أنهم لا يَسلمون من الذلة، ولا عصمة لهم في أي حال ، إلا في حال اعتصامهم بحبل من الله وهو عهده وذمته أو دينه أو كتابه. ﴿وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ وهو عهد الذمة والأمان من المسلمين لهم. أو: معونة ونصرة و ولاية غير المسلمين لهم. و«الواو» هنا بمعنى:«أو».﴿وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: رجعوا به، مستحقين له ﴿وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ﴾ أي: وأحاطت بهم المسكنة من كل جانب، وإحاطتها بهم، لما يبدو عليهم من الاستكانة والخضوع عند الضعف، والخوف من القهر، فكأنهم أُلْزموها قدراً وشرعاً. والمسكنة: الخضوع- مفعلة من السكون- لأن صاحبها قليل الحركة والنهوض، لما به من الحاجة والذلة وشدة المحنة. وقيل: المسكنة: فقر النفس وشحها. ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: ضرب الذلة والمسكنة عليهم، والبواء بغضب من الله ﴿بِأَنَّهُمۡ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ﴾ وإنما حملهم على ذلك الكبر والبغي والحسد ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: كفرهم بآيات الله استكباراً وعتواً وقتلهم الأنبياء بغير حق ﴿بِمَا عَصَواْ﴾ أوامر الله، أي: بسببه ﴿وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ في شرع الله، فيتجاوزون حد الحلال إلى الحرام.
3:113Page 64
۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣
They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community1 standing [in obedience], reciting the verses of Allāh during periods of the night and prostrating [in prayer].
١١٣ -سبب نزول الآية:أخرج ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن منده في «الصحابة» عن ابن عباس قال: لما أسلم عبدالله بن سلام وأصحابه و من أسلم من يهود معهم، قال أحبار اليهود و أهل الكفر منهم:ما آمن بمحمد و اتبعه إلا شرارنا، و لو كانوا خيارنا ما تركوا دين آبائهم و ذهبوا إلى غيره، فأنزل الله : (ليسوا سواء) الآية .﴿لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ ﴾ أي: ليس أهل الكتاب كلهم مستوين أو متساوين في الاتصاف بما ذُكر من ذمهم وقبيح فعلهم. أو: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم طائفة سلمت من الذم والقبائح، واتصفت بالخير والإيمان، وقد وصفهم الله هنا بثمانية أوصاف: ﴿مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ﴾ أي: فالطائفة المؤمنة منهم مستقيمة على الحق والعدل ثابتة على طاعة الله،متبعة أمره وشرعه ،مقيمة لأصول الدين وفروعه. من قام، بمعنى: استقام. تقول: أقمت العود فقام، أي: استقام واعتدل. ﴿يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ﴾ أي: في ساعاته. جمع إنىً وأنىً وإنْي وأنْيٍ وإنْوٍ، فالهمزة في آناء منقلبة عن ياء- كرداء- أو عن واو- ككساء. ﴿وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ﴾ أي: يصلون، وعبّر بالسجود عن مجموع الصلاة، لما فيه من الخضوع والتذلل. والجملة حال.
3:114Page 64
يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤
They believe in Allāh and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.
١١٤ - ﴿يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ وهو جماع الخير كله، أو ما عرف حسنه شرعاً وعقلاً من قول أو عمل ﴿وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ﴾ وهو جماع الشر كله، أو ما عرف قبحه شرعاً وعقلاً من قول وعمل. وقيل: إن المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حق الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب: أمرهم باتباع النبي ﷺ ونهيهم عن مخالفته.﴿وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ﴾ أي: ويبادرون إلى فعلها، غير متثاقلين عنها، ومستكملين بها واجبها ومندوبها. ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر ﴿مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ أي: معهم، فيكونون في عموم الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس.
3:115Page 64
وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥
And whatever good they do - never will it be denied them. And Allāh is Knowing of the righteous.
١١٥ - ﴿ وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ﴾ أيّ خير كان، قليل أو كثير ﴿فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ﴾ أي: فلن يُعدموا أو يُحرموا و يُمنعوا جزاءه وثوابه عند الله، بل هو موفر لهم غير مضيّع، وسيجزون به. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ﴾ الذين قاموا بالخيرات وتركوا المحرمات، فلا يخفى عليه عمل عامل منهم، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملاً .[وفي قراءة بالتاء (وما تفعلوا من خير فلن تكفروه)].
3:116Page 65
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١٦
Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
١١٦ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ﴾ أي: لن تدفع، أو تجزي ﴿عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: من عذابه وعقابه ﴿شَيۡـٔٗاۖ ﴾ فلا ترد عنهم الأموال والأولاد بأس الله ولا عذابه إن أراده بهم، وخصهما بالذكر، لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال وتارة بالاستعانة بالأولاد، فهم أحب القرابة إليه وأرجاهم لدفع ما ينوبه. ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون دائمون.
3:117Page 65
مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٧
The example of what they spend in this worldly life is like that of a wind containing frost which strikes the harvest of a people who have wronged themselves [i.e., sinned] and destroys it. And Allāh has not wronged them, but they wrong themselves.
١١٧ - ﴿مَثَلُ﴾ أي: صفة، أو: حال ﴿مَا يُنفِقُونَ﴾ أي: الكفار ﴿فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ محادة لله ورسوله، ومحاربة لدين الإسلام ، أو: مفاخرة وسمعة، أو قربة وصلة وصدقة إلى ربهم، مع ما هم عليه من الكفر.﴿كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: برد شديد أو سموم حارة مهلكة محرقة ﴿أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ﴾ أي: زرعهم وقد أمّلوا إدراكه ﴿ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾ بالكفر والمعصية ﴿فَأَهۡلَكَتۡهُۚ﴾ أي: فاستأصلته وأحرقته، وأعدمت ما فيه من ثمر وزرع، فلم ينتفعوا به أحوج ما كانوا إليه، فكذلك نفقاتهم ذاهبـة باطلة لا ينتفعـون بشيء منـها ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ﴾ بضياع نفقاتهم وبطلانها ﴿وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ بالكفر الموجب لضياعها، وبطلانها، وعدم منفعتها، فأذهبوا ثواب الآخرة بمعصية الدنيا. والمعنى: مثل ما ينفقه الكفار في الدنيا، محادة لله ورسوله، أو مفاخرة وسمعة، أو قربة وصلة، في ضياعه وذهابه وبطلان ثوابه وعدم منفعته وقت الحاجة إليه في الآخرة، من غير أن يعود عليهم بفائدة، كمثل زرع لقوم ظالمين، أصابته ريح مهلكة فأحرقته واستأصلته، ولم ينتفع أصحابه منه بشيء أحوج ما كانوا إلى نفعه وفائدته. وهذا من التشبيه المركب. ومثله قوله: (إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون)الأنفال(٣٦).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences