Al-Jami' al-WajizAli 'Imran · 3:118–139

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:118–139

3:118Page 65

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨

O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.

١١٨ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ﴾ أي: أولياء وأصفياء، تسرون إليهم، وتصافونهم وتطلعونهم على أسراركم وداخلة أمركم. ﴿مِّن دُونِكُمۡ﴾ أي: من غير إخوانكم المؤمنين، كاليهود والنصارى والمنافقين. وبطانة الرجل و وليجته: خاصته وأهل مشورته الذين يستبطنون أمره ويداخلونه ويستودعهم سره، تشبيهاً ببطانة الثوب للوجه الذي يلي البدن، لقربه، وهي ضد الظّهارة، ويسمى بها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث. ﴿لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا﴾ أي: لا يقصّرون لكم عن جهد ولا يدعونه فيما يورثكم شراً وفساداً في دينكم ودنياكم. أو: لا يمنعونكم خبالاً، أي: إنهم يفعلون معكم ما يقدرون عليه من الشر والفساد وما يستطيعونه من المكر والخديعة، ولا يُبقون شيئاً منه عندهم. وأصل الألْو: التقصير، يقال: ألا في الأمر يأْلوا ألْواً وأُلواًّ، إذا قصّر فيه، وهو لازم يتعدى بالحرف، ويستعمل متعدياً إلى مفعولين، فيقال: لا آلوك نصحاً، على تضمين الفعل معنى المنع، أي: لا أمنعك ذلك. والخبال: الشر والفساد في الأقوال والأفعال، والعقول والأبدان. ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ﴾ أي: أحبوا وتمنوا عنتكم، أي: مشقتكم وإحراجكم وشدة ضرركم في دينكم ودنياكم. من العنت: وهو الوقوع في أمر شاق، أو الإثم، وفعله من باب: طرب. و«ما» مصدرية. ﴿قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ﴾ أي: ظهرت عداوتهم لكم من كلامهم وفلتات ألسنتهم بالوقيعة فيكم، وإطلاع المشركين على سرّكم وداخلة أمركم. فكأن ألسنتهم أظهرت ما خفي في صدورهم من خُبث الطوية وشدة الحسد لكم، فتركوا التقية وصرحوا بالتكذيب. ﴿وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ﴾ من العداوة وخُبث الطوية والبغض للإسلام وأهله ﴿أَكۡبَرُۚ﴾ أي: أشد وأفظع مما ظهر لكم من أقوالهم وأفعالهم.﴿قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ﴾ على عداوتهم، بما لاح على صفحات وجوههم وفلتات ألسنتهم، مع ما اشتملت عليه صدورهم من البغض للإسلام وأهله ﴿إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ أي: إن كانت لكم فهوم وعقول تدرك ذلك، فلا توالوهم. وفي الآية: تحذير من الله لعباده عن موالاة الكفار واتخاذهم بطانة وخصيصة من دون المؤمنين. ومثله قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض)المائدة(٥١)، وقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين)النساء(١٤٤). وقوله: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله)المجادلة(٢٢). وفي الحديث عند البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري، مرفوعا:«ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة، إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضّه عليه، وبطانة تأمره بالسوء وتحضّه عليه، والمعصوم من عصم الله».

3:119Page 65

هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩

Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."

١١٩ - ﴿هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ﴾ أيها الموالون لهم الذين اتخذتم منهم بطانة ﴿تُحِبُّونَهُمۡ﴾ بما يُظهرون لكم من الإيمان، أو لقرابتهم منكم أو صداقتهم لكم. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ﴾ باطناً ولا ظاهراً، بما استحكم في صدورهم من البغض والحسد لكم، ومخالفتهم لكم في الدين ﴿وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ﴾ أي: والحال أنكم تؤمنون بكتب الله كلها، ومن جملتها كتابهم، وهم يكفرون بكتابكم.وقيل: ليس عندكم في شيء من الكتاب شك ولا ريب، وهم عندهم الشك والريب والحيرة.﴿وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا﴾ بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، أي: يُظهرون الإيمان إذا لقوكم نفاقاً وتقية. ﴿وَإِذَا خَلَوۡاْ﴾ أي: مضوا إلى أنفسهم، أو انفرد بعضهم ببعض حيث لا يراهم المؤمنون، ﴿عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ﴾ أي: لأجلكم ﴿ٱلۡأَنَامِلَ﴾ أي: أطراف الأصابع ﴿مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ﴾ والحنق وشدة الغضب تأسفاً وتحسراً، لما يرون من ائتلافكم واجتماع كلمتكم وصلاح ذات بينكم وعجزهم عن أن يجدوا سبيلاً إلى التشفي منكم. والعض: معروف، مصدر عضّ، من باب: فرح. والأنامل: رؤوس الأصابع، جمع أنملة.والغيظ: أشد الغضب. وعضهم الأنامل: كناية عن حنقهم وشدة غضبهم أو تحسرهم وندمهم لائتلاف المسلمين واجتماع كلمتهم. ﴿قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ﴾ فإن الله مُتمّ نعمته على المؤمنين، ومعل كلمته، ومظهر دينه، فلتزدادوا غيظاً إلى غيظكم حتى تموتوا به، فلن تروا ما يسركم، بل ما يسوءكم من عز الإسلام وذل الكفر، ولن تدركوا شفاء ذلك بما تقصدون. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: بما في القلوب والخواطر، مما تنطوي عليه ضمائركم وتكنّه سرائركم من البغض والحسد للمؤمنين، ثم هو مجازيكم عليه في الدنيا، بأن يريكم من عز الإسلام وذل الكفر خلاف ما تأملون، وفي الآخرة بالعذاب الشديد الذي لا محيد لكم عنه، ولا خروج لكم منه.

3:120Page 65

إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠

If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.

١٢٠ - ﴿إِن تَمۡسَسۡكُمۡ﴾ أي: تصبكم ﴿حَسَنَةٞ﴾ أي: نعمة، كعز ونصر، وخير وعافية ﴿تَسُؤۡهُمۡ﴾ أي: تحزنهم ﴿وَإِن تُصِبۡكُمۡ﴾ بأمر الله وحكمته ﴿سَيِّئَةٞ﴾ كهزيمة وإدالة عدو، وسَنَة و جدب، وغير ذلك من المصائب الدنيوية ﴿يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ﴾ لشماتتهم وكراهيتهم لكم، فكيف تنخدعون بهم، وتوالونهم، وتتخذونهم بطانة لكم من دون المؤمنين؟ أي: فمن كانت هذه عداوته وتلك حالته، لم يكن أهلاً لأن يُوالى و يُتخذ بطانة.﴿وَإِن تَصۡبِرُواْ﴾ على أذاهم وعدائهم لكم. أو تصبروا على التكاليف الشاقة في حربهم وقتالهم ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الله في موالاتهم وتأخذوا الوقاية من كيدهم ﴿لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ﴾ أي: مكرهم بتدبير السوء لكم ولدينكم ﴿شَيۡـًٔاۗ﴾ قليلاً أو كثيراً.[وفي قراءة: بكسر الضاد و سكون الراء (لا يَضِرْكم ) من ضار يضير، و القراءة الأولى: من ضرّ يضرّ] .و الكيد: الاحتيال للإيقاع في المكروه.﴿إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ﴾ بهم وبأعمالهم فيجازيهم به، مطلع على مكائدهم، وقادر على إحباط ذلك كله.

3:121Page 65

وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١

And [remember] when you, [O Muḥammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uḥud] - and Allāh is Hearing and Knowing -

١٢١ - ﴿وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ﴾ أي: واذكر لهم يا محمد، وقت خروجك غُدوة أول النهار إلى غزوة أحد من المدينة، أو المنزل الذي فيه أهلك- قيل: هي حجرة عائشة- وهذه الآيات نزلت في غزوة أحد، ومناسبتها في سياق الآيات: تذكير المؤمنين لما وقع فيها من الأحوال الناشئة عن عدم الصبر، فيعلموا أنهم إذا لزموا الصبر والتقوى لا يضرهم كيد أعدائهم. اعتبار اليهود بما سيؤول إليه مصيرهم لو حاربهم المسلمون.والغداة: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. ﴿تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: تنزلهم وتهيئ لهم، وتوطّن لهم ﴿مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ﴾ أي: مواطن وأماكن ومواقف له يوم أحد يقفون فيها. يقال: بوأته وبوأت له منزلاً، أي: أنزلته فيه، والتبوئة: اتخاذ المواضع، ومباءة الإبل: مراحها الذي تبيت فيه. ﴿وَٱللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بضمائركم وأحوالكم وأموركم. أو: بنياتكم وأفعالكم. وقد خرج النبي ﷺ يوم أحد بألف رجل، والمشركون ثلاثة ألاف، ونزل بالشعب يوم السبت سابع شوال سنة ثلاث من الهجرة، وجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وسوى صفوفهم، وأجلس جيشاً من الرماة، أمّر عليهم عبد الله بن جبير، بسفح الجبل، وقال: انضحوا عنا بالنبل، لا يأتونَ من ورائنا، ولا نؤتين من قبلكم والزموا مكانكم ولا تبرحوا إن كانت النوبة لنا أو علينا.ذكره ابن هشام في «السيرة».

3:122Page 66

إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢

When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.

١٢٢ - ﴿إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ﴾ هما حيان من الأنصار: بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر يوم أحد.و الهمّ: حديث النفس و اتجاهها إلى الشيء.﴿أَن تَفۡشَلَا﴾ أي: تجبنا عن القتال، وتضعفا عنه، وترجعا لما رجع عبد الله بن أبي بن سلول، رأس النفاق، وأصحابه بثلث الجيش، وقال: علام نقتل أنفسنا و أولادنا، لو نعلم اليوم قتالاً لاتبعناكم، ولكنا لا نراكم تقاتلون. فثبتهما الله بلطفه وحفظهما بعنايته ورعايته فلم ينصرفا.والظاهر: أن ذلك مجرد حديث نفس عند رؤية انخذال عبد الله بن أبي وأصحابه عن رسول الله ﷺ. والفشل: الجبن والخور، يقال: يفشل فشلاً فهو فشِل، أي: جبان ضعيف القلب. ﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ﴾ أي: ناصرهما ومتولي أمرهما، ولذلك عصمهما من الفشل، فلم يرجعا إلى المدينة كما رجع المنافقون. ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ لأنهم إذا توكلوا عليه كفاهم وأعانهم، وعصمهم من وقوع ما يضرهم، في دينهم ودنياهم. وفي الآية ونحوها: وجوب التوكل على الله و الاستعانة به واعتماد العبد على ربه في حصول منافعه، ودفع مضاره، لا على حوله وقوته. ولكن التوكل لا يمنع من الأخذ بالأسباب وإعداد العدة في تحصيل المرجوِّ من الأمور.

3:123Page 66

وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢٣

And already had Allāh given you victory at [the battle of] Badr while you were weak [i.e., few in number]. Then fear Allāh; perhaps you will be grateful.

١٢٣ - ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ﴾ هو موضع بين مكة والمدينة تعرف ببئر منسوبة لرجل يسمى بدراً. وهذه جملة مستأنفة سيقت لتصبير المؤمنين وتذكيرهم بما يترتب على الصبر من النصر. ﴿وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ﴾ أي: ضعفاء لقلة العَدد والعُدَد، حيث كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر في قلة ظهر وسلاح، وأعداؤهم من مشركي مكة يناهزون الألف، في كمال العدة والسلاح. وتذكيرهم بنصر الله لهم يوم بدر، ليعلموا أن النصر من عند الله وحده، لا بكثرة العدد والعُدَد. ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ الله على ما أنعم عليكم بنصره، فتقومون بكامل طاعته.

3:124Page 66

إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ ١٢٤

[Remember] when you said to the believers, "Is it not sufficient for you that your Lord should reinforce you with three thousand angels sent down?

١٢٤ - ﴿إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: واذكر حين قلت للمؤمنين يوم بدر- أو يوم أحد- مبشراً ومطمئناً ومثبتاً لجنانهم ﴿أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ﴾ أي: يعينكم ويقويكم ﴿رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ﴾. [وفي قراءة: بالتشديد (منزّلين)] من السماء لنصرتكم و تثبيتكم؟و الاستفهام في قوله: (ألن يكفيكم) للإنكار عليهم عدم اكتفائهم بذلك المدد من الملائكة.

3:125Page 66

بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ١٢٥

Yes, if you remain patient and conscious of Allāh and they [i.e., the enemy] come upon you [attacking] in rage, your Lord will reinforce you with five thousand angels having marks [of distinction]."

١٢٥ - ﴿بَلَىٰٓۚ﴾ يكفيكم ذلك ﴿إِن تَصۡبِرُواْ﴾ على لقاء العدو وشدة الحرب و تثبتوا فيهما ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الله بامتثال أمره وطاعته واجتناب نهيه ومعصيته ﴿وَيَأۡتُوكُم﴾ أي: المشركون ﴿مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا﴾ أي: من ساعتهم هذه، أو: وقتهم هذا بلا إبطاء. وقيل: من وجههم هذا، وقيل: من غضبهم هذا لما نالهم ببدر. والفور: مصدر فارت القدر، أي: اشتد غليانها، ثم استعير للسرعة، ثم أطلق على الحالة التي لا بطء فيها. وقد تحقق من المشركين ذلك حيث أتوا يوم بدر على عجل دون إبطاء لإنقاذ العير من المسلمين. أو يوم أحد للانتقام لقتلاهم يوم بدر. ﴿يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾- بكسر الواو- أي: معلِّمين أنفسهم أو خيلهم بعلامات مخصوصة. [وفي قراءة: (مسوَّمين)- بفتح الواو- أي: معلَّمين من جهته تعالى بعلامات القتال]. وهو من التسويم: أي: إظهار علامة الشيء. وقد أنجز الله وعده لهم بأن قاتلت معهم الملائكة يوم بدر على خيل بلق عليهم عمائم صفر أو بيض أرسلوها بين أكتافهم. فعن ابن عباس قال: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر، ولم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا في غيره عدداً ومدداً لا يضربون.فائدة و قد اختلف المفسرون في هذا الوعد: هل كان يوم بدر أو يوم أحد؟ على قولين: الأول: أنه كان يوم بدر، فيكون قوله: (إذ تقول للمؤمنين) متعلق بقوله: (ولقد نصركم الله ببدر) واختاره ابن جرير. وقد أمد الله فيه المؤمنين بالملائكة، وذلك على قولين: فذهب قتادة و الربيع بن أنس: إلى أن الله أمد المؤمنين بألف من الملائكة، كما قال: (فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين)الأنفال(٩)، ثم زاد عددهم إلى ثلاثة آلاف، كما قال: (ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين)، أي: يكفيكم ذلك، ولذا قال تعالى بعدها: (بلى) ثم صار خمسة آلاف كما في قوله: (إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين) وقد صبروا واتقوا، وأتاهم المشركون من مكة فوراً حين استنفرهم أبو سفيان لإنقاذ العير، فكان المدد خمسة آلاف. ثم التنصيص على الألف- في آية الأنفال- لا ينافي الثلاثة آلاف فما فوقها- في آية آل عمران- لأن قوله: (مردفين) بمعنى: يردفهم غيرهم ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وذهب ابن جرير والشعبي: إلى أن المدد لم يزد على الألف، وقد بلغ المسلمين أن كُرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله: (ألن يكفيكم)- إلى قوله-: (مسومين) فبلغ كرزا الهزيمة فرجع، ولم يمدهم، فلم يمد الله المسلمين بأكثر من الألف، فلا دلالة في الآية على أنهم أُمدوا بما زاد عن ذلك، ولا على أنهم لم يُمدوا به، ولا يثبت شيء من ذلك إلا بنص. الثاني: أنه كان يوم أحد، فيكون قوله: (إذ تقول للمؤمنين) متعلق بقوله: (وإذ غدوت من أهلك) وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك، لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة آلاف لأن المسلمين فروا يومئذ.

3:126Page 66

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦

And Allāh made it not except as [a sign of] good tidings for you and to reassure your hearts thereby. And victory is not except from Allāh, the Exalted in Might, the Wise -

١٢٦ - ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ﴾ أي: الإمداد بالملائكة، والإعلام بإنزالهم ﴿إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ﴾ بالنصر ﴿وَلِتَطۡمَئِنَّ﴾ أي: لتسكن وتطيب ﴿قُلُوبُكُم بِهِۦۗ﴾ أي: بالإمداد، فلا تجزعوا لكثرة عدد وعُدد عدوكم وقلتكم. ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ﴾ لا عن كثرة عَدد، و لا قوة عُدد، إنما النصر بعون الله وتأييده وتوفيقه. و على هذا : فاتخاذ الأسباب واجب، لكن الاعتماد لا يكون عليها إنما يكون على الله.وفي الحديث عن ابن عباس:«إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».رواه الترمذي. ﴿ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ أي: ذي العزة التي لا ترام ولا تغالب، والحكمة في صنعه وقدره وشرعه، فلو شاء الله تعالى لقضي عليهم دون قتال، ولا سعي في تدبير آلة حرب، ولكن ليختبر إيمانكم وصبركم شرع لكم قتالهم، كما في قوله تعالى: (ذلك و لو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض)محمد(٥).

3:127Page 66

لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ ١٢٧

That He might cut down a section of the disbelievers or suppress them so that they turn back disappointed.

١٢٧ - ﴿لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا﴾ أي: نصركم الله يوم بدر، أو أمركم بالجهاد، ليُهلك طائفة ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ بالقتل والأسر ﴿أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ﴾ أي: يذلهم ويخزيهم ويغمهم بالهزيمة ﴿فَيَنقَلِبُواْ﴾ أي: يرجعوا ﴿خَآئِبِينَ﴾ منقطعي الأمل، لم ينالوا ما راموه ولم يحصلوا على ما أمّلوه. وأصل الكبت: الخزي والإذلال. ومثله قوله: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً)الأحزاب(٢٥).

3:128Page 66

لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٢٨

Not for you, [O Muḥammad, but for Allāh], is the decision whether He should [cut them down] or forgive them or punish them, for indeed, they are wrongdoers.

١٢٨ - أسباب نزول الآية : روى أحمد والبخاري ومسلم عن أنس: أن النبي ﷺ كُسرت رباعيته يوم أحد، وشج في وجهه حتى سال الدم على وجهه، فقال:«كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم»، فأنزل الله: (ليس لك من الأمر شيء) الآية. وروى أحمد والبخاري عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يدعو على رجال من المشركين يسميهم بأسمائهم، حتى أنزل الله: (ليس لك من الأمر شيء) الآية. وروى البخاري عن أبي هريرة نحوه. ﴿لَيۡسَ لَكَ﴾ يا محمد ﴿مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ﴾ بل الأمر كله لله، فاصبر فإنما أنت عبد مأمور ببلاغهم وإنذارهم وجهادهم، وهذا كقوله تعالى: (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)الرعد(٤٠). وهذه الجملة اعتراضية بين المعطوف - آية: (١٢٧)- والمعطوف عليه- آية: (١٢٨)- .﴿أَوۡ يَتُوبَ﴾ الله ﴿عَلَيۡهِمۡ﴾ بالدخول في الإسلام والإنابة إلى الله ﴿أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ﴾ في الدنيا والآخرة بكفرهم وذنوبهم وإصرارهم على ذلك. ﴿فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ﴾ مستحقون لعذاب الله وعقابه. والمعنى: ليس لك يا محمد من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، فأمر هؤلاء الكفار مردّه إلى الله، إن شاء أهلكهم بالقتل والأسر أو أذلهم وأخزاهم بالهزيمة، أو تاب عليهم إن أسلموا أو عذبهم في الدنيا والآخرة بكفرهم وذنوبهم.

3:129Page 66

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢٩

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And Allāh is Forgiving and Merciful.

١٢٩ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ ملكا وخلقا وعبيداً ﴿يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ﴾ أن يغفر له بفضله ﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ﴾ أن يعذبه بعدله، يفعل في ملكه ما يشاء، ويحكم ما يريد ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٞ﴾ لمن تاب من عباده ﴿رَّحِيمٞ﴾ بأوليائه وأهل طاعته. وفيه إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه.

3:130Page 66

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠

O you who have believed, do not consume usury, doubled and multiplied, but fear Allāh that you may be successful.

١٣٠ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ﴾ [وفي قراءة: بدون الألف مع التشديد: (مُضَعَّفة)] بأن تزيدوا في المال عند حلول الأجل وتؤخروا القضاء والطلب، فهو نهي عن تعاطي الربا وأكله، ونهي لما كانوا عليه في الجاهلية من تضعيف الربا أضعافاً كثيرة، فقوله: (أضعافاً مضاعفة) ليس لتقييد النهي به، بل هو بيان لما كان عليه التعامل الربوي الفاسد في الجاهلية، كقولهم إذا حل أجل الديْن: إما أن تقضي، وإما أن تربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة، وزاده في القدر، وهكذا يصير القليل كثيراً مضاعفاً. وقد حرّم الله أصل الربا ومضاعفته. ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومنها ترك تعاطي الربا وأكله أضعافاً مضاعفة. وينبغي للعبد مراعاة الأوامر والنواهي في نفسه وفي غيره، كل بحسب قدرته وطاقته. ﴿لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ في الدنيا والآخرة بالفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب ، فترك الربا من موجبات التقوى، والفلاح متوقف عليه. ولعل الحكمة من ذكر النهي عن أكل الربا أثناء قصة أحد: الإرشاد إلى بذل الأموال في سبيل الله إعلاءً لكلمته ونصرة لدينه.فائدة فقهيةو الربا نوعان : ربا النسيئة أو الأجل: و هو المذكور في هذه الآية ، كما قال ابن عباس. و ضابطه: كل قرض جر نفعا للمقرِض في مقابل النسيئة-وهو: التأخير و الأجل-سواء كانت المنفعة نقدا أو عينا، كثيرة أو قليلة.ربا الفضل:و هو بيع ربوي بمثله مع زيادة في أحد المثلين، كبيع كيلو جرام من القمح الجيد بكيلو ونصف من القمح الرديء برضا الطرفين، و يكون في المطعومات كالقمح و الذرة و الشعير و كل ما تجب فيه الزكاة من الحبوب و في النقدين . و قد ثبت تحريمه بالسُّنة، لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما :«لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل و لا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل، سواءً بسواء».و حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، عند مسلم، قال:«سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة و البُر بالبُر و الشعير بالشعير و التمر بالتمر و الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد أو ازداد فقد أربى».زاد في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : «الآخذ و المعطي سواء» .ولفظ ابن ماجه: قوله ﷺ: «لا تبتاعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل لا زيادة بينهما و لا نظرة-أي: تأخير-».و الجمهور على تحريم التفاضل فيما اتفقا جنسا من الستة المذكورة في حديث عبادة، و ألحقوا بها غيرها مما يشاركها في العلّة.و خالفهم الظاهرية فاكتفوا بالأجناس الستة المنصوص عليها في حديث عبادة ، في جريان الربا فيها دون غيرها.قلت: و الأول أولى، لأن الحكم يدور مع علّته وجودا و عدما.أما إذا اختلفت الأجناس: فالتفاضل و التأجيل جائزان بشرط التقابض في المجلس،كبيع الذهب بالفضة، و التمر بالحنطة، اتفاقا، لما في رواية من حديث عبادة بن الصامت عند مسلم:«فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد».

3:131Page 66

وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١

And fear the Fire, which has been prepared for the disbelievers.

١٣١ - ﴿وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ﴾ بترك ما يوجب دخولها، من الكفر والمعاصي، على اختلاف درجاتها. وفيه الإرشاد إلى تجنب ما يفعله الكفار في معاملاتهم، من أكل الربا ونحوه.

3:132Page 66

وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢

And obey Allāh and the Messenger that you may obtain mercy.

١٣٢ - ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ بفعل الأوامر وامتثالها، واجتناب النواهي ﴿لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ فطاعة الله وطاعة رسوله في كل أمر ونهي سبب من أسباب حصول الرحمة، والتعرض لها.

3:133Page 67

۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣

And hasten to forgiveness from your Lord and a garden [i.e., Paradise] as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous

١٣٣ - ﴿وَسَارِعُوٓاْ﴾ [وفي قراءة: (سارعوا) بدون واو] أي: سابقوا وبادروا ﴿إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ﴾ أي: عرضها كعرضهما، تنبيهاً على اتساع طولها. والمراد: أنها في غاية السعة والبسط، فشبهت بأوسع ما يتصوره الإنسان، وخُصّ العرض بالذكر للمبالغة في ذلك، لأنه غالباً ما يكون أدنى من الطول، أي: فإذا كان عرضها كذلك، فما بالك بطولها؟- وهو كقوله في صفة فرش الجنة: (بطائنها من إستبرق)الرحمن(٥٤)، أي: فما ظنك بالظهائر؟ونظير هذه الآية قوله: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض)الحديد(٢١). ﴿أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ أي : هُيئـت للمتقين الله بعمل الطاعات ، وترك المعاصي. ثم وصف المتقين وأعمالهم بقوله:

3:134Page 67

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤

Who spend [in the cause of Allāh] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allāh loves the doers of good;

١٣٤ - ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ﴾ أموالهم في الخير وطاعة الله ﴿فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ﴾ أي: في اليسر والعسر، والرخاء والشدة، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، والمراد: أنهم لا يتركون الإنفاق في الخير وطاعة الله في جميع الأحوال. ومثله قوله: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية)البقرة(٢٧٤)، فلا يشغلهم أمر عن طاعة الله والإنفاق في مرضاته، والإحسان إلى خلقه من قرابات وصلة رحم، وغير ذلك من أنواع البر. ﴿وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ﴾ أي: الممسكين عليه، الكاتمين له، الحابسين له في قلوبهم، الكافّين عن إمضائه و إنفاذه مع القدرة عليه، محتسبين ذلك عند الله عز وجل.من الكظم: وهو الحبس، يقال: كظم البعير جِرّته، إذا ردّها، وكف عن الاجترار. وكظم القربة: ملأها، وشد على رأسها مانعاً من خروج ما فيها. والغيظ: توقد حرارة القلب من الغضب والحنق، الموجب للانتقام بالقول والفعل عند وقوف المرء على ما يؤلمه في ماله أو ولده أو عرضه. وكظيم ومكظوم: ممتلئ غيظاً وكرباً. وعند ابن أبي حاتم:«يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت، أذكرك إذا غضبت، فلا أُهلكُك فيمن أُهلك». وعند أحمد في «مسنده»: «ليس الشديد بالصُّرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». وعن أبي هريرة في قوله تعالى: (والكاظمين الغيظ) أن النبي ﷺ قال:«من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه، ملأ الله جوفه أمناً وإيماناً».وعند أحمد أيضاً: أن رجلاً قال: يا رسول الله أوصني، قال: «لا تغضب». ﴿وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ﴾ ممن ظلمهـم أو أساء إليهم بقول أو فعل، أي: التاركين عقوبة من ظلمهم أو أساء إليهم مع القدرة على المؤاخذة والعقوبة، سماحة منهم عمّن أساء أو ظلم، احتساباً له عند الله عز وجل. والعفو أبلغ من الكظم، لأن العفو ترك المؤاخذة- مع القدرة على ذلك- و السماحة عن المسيء، فلا يبقى في النفس موجدة على أحد. كما قال تعالى: (فمن عفا وأصلح فأجره على الله)الشورى(٤٠). ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ بهذه الأفعال و غيرها ويثيبهم عليها، وهذا أكمل الأحوال. وفيه إثبات صفة المحبة لله تعالى على الوجه الذي يليق بجلاله و عظمته. وفي الحديث:«ثلاث أُقسم عليهن: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزّاً، ومن تواضع لله رفعه». وعند الحاكم في «مستدركه» من حديث أُبي بن كعب:«من سره أن يُشرف له البنيان، وترفع له الدرجات، فليعف عمّن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس:«إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلموا إلى ربكم، وخذوا أجوركم، وحقُّ كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة».و مثله لا يقال بالرأي.

3:135Page 67

وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٣٥

And those who, when they commit an immorality or wrong themselves [by transgression], remember Allāh and seek forgiveness for their sins - and who can forgive sins except Allāh? - and [who] do not persist in what they have done while they know.

١٣٥ - ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً﴾ أي: فعلة بالغة ومعصية كبيرة متناهية في القبح، كالزنا. من الفحش: وهو مجاوزة الحد في السوء.وقيل: الفاحشة: كل معصية، وكثر اختصاصها بالزنا، لكونه أشنع الفواحش. وقيل: الفاحشة: الكبيرة. ﴿أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ﴾ بارتكاب أو اقتراف أي ذنب. وقيل: ظلم النفس: الصغيرة. وعطفه على ما قبله من عطف العام على الخاص. ﴿ذَكَرُواْ ٱللَّهَ﴾ بألسنتهم وقلوبهم، أو: ذكروا وعده و وعيده ﴿فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ﴾ أي: طلبوا لها التوبة والمغفرة من الله، مبتدرين لذلك.﴿وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ﴾ صغيرها وكبيرها ﴿إِلَّا ٱللَّهُ﴾ أي: لا يغفرها أحد سواه، فلا يتعاظمه ذنب أن يغفره ويتوب على فاعله ﴿وَلَمۡ يُصِرُّواْ﴾ أي: ولم يعزموا المداومة والمعاودة ، ولم يقيموا ﴿عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ﴾ من الذنـوب والمعاصي، بل أقلعوا عنها بالتوبة والاستغفار.والإصرار: العزم على معاودة الذنب و المداومة عليه، وعدم الإقلاع عنه بالتوبة. وفي الحديث عند أبي داود والترمذي والبزار في «مسنده»، قال رسول الله ﷺ:«ما أصرَّ من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة». ﴿وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ أن من تاب إلى الله، تاب الله عليه، فهو كقوله: (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده)التوبة(١٠٤).

3:136Page 67

أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦

Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.

١٣٦ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ الموصوفون بتلك الصفات ﴿جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ﴾ تمحو عنهم الذنوب، وتزيل عنهم المحذور ﴿وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ أي: من تحت أشجارها ومساكنها ، في النعيم المقيم والفضل العميم ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ﴾ أي: ماكثين فيها لا يبغون عنها حولاً ولا يرتضون بها بدلاً ﴿وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ﴾ بالطاعة وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فعند الجزاء يجد العامل أجره كاملاً موفراً غير منقوص. فائدة وهذه الآيات من أدلة أهل السنة والجماعة على أن الأعمال تدخل في الإيمان، خلافاً للمرجئة. وفي الحديث عند أحمد في «مسنده» عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:«إن رجلاً أذنب ذنباً، فقال: رب، إني أذنبت ذنباً، فاغفره لي، فقال الله عز وجل: عبدي عمل ذنباً، فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي. ثم عمل ذنباً آخر- فقال العبد مثل مقالته الأولى، وقال الرب تبارك وتعالى مثل ما قال في الأولى، ثلاثاً- ثم عمل ذنباً آخر، فقال: رب إني عملت ذنباً فاغفره، فقال الله عز وجل: عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، أشهدكم أني غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء». وعند أحمد وأصحاب السنن وابن حبان من حديث أبي بكر الصديق قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:«ما من رجل يذنب ذنباً، فيتوضأ ويحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين، فيستغفر الله عز وجل، إلا غفر له». وروى أحمد في «مسنده» عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال:«قال إبليس: يا رب، وعزتك لا أزال أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي، لا أزال أغفر لهم ما استغفروني». وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي في «مسنده» من حديث أبي بكر الصديق:«عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فأكثروا منهما، فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار».

3:137Page 67

قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧

Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.

١٣٧ - ﴿قَدۡ خَلَتۡ﴾ أي: مضت وانقضت ﴿مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ﴾ أي: وقائع وطرائق وسير في الأمم المكذبة، سنّها الله فيهم، بإمهالهم ثم أخذهم وإهلاكهم عند التمرد والعصيان ﴿فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: سيحوا فيها بقصد التذكرة والاعتبار ﴿فَٱنظُرُواْ﴾ نظر تدبر وافتكار، وتذكر واعتبار- ولذا قيل:«فما راءٍ كمن سمعا»- ﴿كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ﴾ لرسلهم أي: كيف كان آخر أمرهم من الهلاك ودوران الدائرة عليهم، فلا تحزنوا لغلبتهم حيناً، فإن العاقبة للمؤمنين والدائرة على الكافرين.وهذه الآيات نزلت تعزية للمؤمنين وتسلية لهم لمّا أصيبوا يوم أحد وقتل منهم سبعون.

3:138Page 67

هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ١٣٨

This [Qur’ān] is a clear statement to [all] the people and a guidance and instruction for those conscious of Allāh.

١٣٨ - ﴿هَٰذَا﴾ أي: القرآن الكريم، أو: الأمر بالسير في الأرض والنظر في عاقبة الظالمين البائدين ﴿بَيَانٞ لِّلنَّاسِ﴾ كلهم، أي: القرآن فيه بيان الأمور على جليتها وحقيقتها للناس عموماً- مؤمنهم وكافرهم- أو: إيقاع الله بالمكذبين فيه دلالة ظاهرة تبيّن لعموم الناس الحق من الباطل.﴿وَهُدٗى﴾ من الضلالة ﴿وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ الله ، إذ هم المنتفعون بالآيات ، والدلائل البينات. فالبيان لعموم الناس وإقامة الحجة عليهم من الله، و الهدى والموعظة للمتقين الله وحدهم المنتفعين بذلك.

3:139Page 67

وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩

So do not weaken and do not grieve, and you will be superior if you are [true] believers.

١٣٩ - ﴿وَلَا تَهِنُواْ﴾ أي: لا تضعفوا- بسبب ما جرى لكم يوم أحد- عن القتال في سبيل الله. و الوهن- بسكون الهاء وفتحها-: الضعف والعجز والفشل وترك الاستعداد، والملل عن الأخذ بأسباب القوة. ﴿وَلَا تَحۡزَنُواْ﴾ على ما أصابكم يوم أحد من القتل والأسر وفوات الغنيمة. ﴿وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ﴾ على عدوكم بالغلبة والنصرة والظفر وحسن العاقبة ﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ حقاً، فلا تهنوا و لا تحزنوا، أو: إن كنتم مؤمنين حقاً فأنتم الأعلون.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском