Al-Jami' al-WajizAli 'Imran · 3:159–176

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:159–176

3:159Page 71

فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩

So by mercy from Allāh, [O Muḥammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allāh. Indeed, Allāh loves those who rely [upon Him].

١٥٩ - ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: فبرحمة عظيمة منه لك و لأصحابك ﴿لِنتَ لَهُمۡۖ﴾ أي: سهّلت لهم أخلاقك، وألنت لهم جانبك، وخفضت لهم جناحك، وكنت رفيقاً بهم، فلم تعنفهم إذ خالفوك. و«ما» صلة، والعرب تصلها بالمعرفة، كقوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم)المائدة(١٣)، أي: فبنقضهم ميثاقهم. وتصلها بالنكرة، كقوله: (عما قليل)المؤمنون(٤٠). والمراد: أن لينه ﷺ لهم ما كان إلا بسبب الرحمة العظيمة من الله له ولهم، إعانة منه تعالى لرسوله على تأليف قلوب أصحابه، واستقامة لأمر الدين.و نظير هذا قوله: (لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم)التوبة (١٢٨). ﴿وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا﴾ أي: كريه الخلق سيّئه، خشن الجانب، جافياً في المعاشرة قولاً وفعلاً. وفعله : فظِظ- من باب: تعب-وأصل الفظ: ماء الكرش، وهو مكروه طبعاً. ﴿غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ﴾ أي: قاسيه، مع قلة إشفاق، وعدم انفعال للخير. وهو من الغلظة ضد الرقة، وتنشأ عنها الفظاظة، وفعله غلظ- بفتح اللام وضمها- كضرَب وكرُم. ﴿لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ أي: لتفرقوا، و نفروا منك، وانصرفوا عنك وتركوك، ولكن الله جمعهم عليك، وألان جانبك لهم تأليفاً لقلوبهم. ﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ﴾ أي: تجاوز عما صدر منهم من التقصير في حقك ﴿وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ﴾ الله، أي: اطلب لهم المغفرة منه فيما هو من حقه سبحانه، فجمع بين العفو والإحسان.﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ أي: استخرج آراءهم، بمراجعة بعضها بعضاً، في الأمور التي ترد عليك مما تحتاج إلى نظر وفكر، وتجري فيه المشاورة عادة، كالمشاورة في أمر الحرب، والمصالح الدنيوية، والدينية التي لم ينزل فيها وحيٌ ولم يرد بها شرع، للاستظهار بآرائهم، و لتطييب قلوبهم وخواطرهم، واستجلاب مودتهم، ولتعريف الأمة بمشروعية الاستشارة، حتى تستنّ بك في ذلك، وقد كان ﷺ كثير المشاورة لأصحابه. وفي الحديث عند البيهقي وابن عدي:«أما إن الله ورسوله لغنيان عنها، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غيّاً».وفي الحديث عند ابن ماجه عن أبي هريرة ، مرفوعا:«المستشار مؤتمن». والمشورة والمشاورة: استخراج الرأي بمراجعة البعض البعضَ. مأخوذ من قولهم: شُرت الدابة، إذا علمت خُبرها بجري أو غيره. أو من قولهم: شرت العسل واشترتُه، إذا أخذته من الخلية. ﴿فَإِذَا عَزَمۡتَ﴾ أي: فإذا عقدت قلبك على إمضاء أمر من الأمور بعد المشورة، واطمأنت به نفسك- إن كان الأمر مما يحتاج إلى مشورة- ﴿فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ﴾ أي: فاعتمد عليه وعلى حوله و قوته في إمضاء أمرك، متبرئا من حولك و قوتك، و ثق به، لا بالمشورة، و استعن به، و فوّض أمرك إليه، فإن مقاليد الأمور كلها بيده، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.والتوكل: الاعتماد على الله وعلى حوله وقوته، والتفويض إليه. وهو لا ينافي الأخذ بالأسباب ومنها الشورى.وفي الحديث عند الترمذي:«اعقلها وتوكل». والله تعالى خلق الأسباب و المسبَّبات، وربط بينهما ربطاً عادياً منطقياً، وجعلها من سننه الكونية التي لا تتبدل ولا تتغير، فترك الأخذ بها جهل مخالف لسنته ﷺ، وترك التوكل على الله بعد الأخذ بالأسباب زندقة وزيغ وانحراف عن المنهج. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ﴾ عليه، المستعينين به، المعتمدين عليه، المفوضين أمورهم إليه. وفيه إثبات صفة المحبة لله تعالى على ما يليق بعظمته و كماله . فائدةالمشاورة من العبادات المتقرب بها إلى الله، وتكون في غير الأمور التي ورد الشرع بها- إن كانت جلية لا خفاء فيها- فواجب على الولاة:مشاورة العلماء، فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين. ومشاورة وجوه الجيش، فيما يتعلق بأمور الحرب. ومشاورة وجوه الناس وأهل الرأي والفضل فيهم، فيما يتعلق بالمصالح الدنيوية العامة والخاصة. وحكى القرطبي أنه لا خلاف في وجوب عزل من لا يستشير أهل العلم والدين. وقد كان ﷺ كثير المشاورة لأصحابه: فقد شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى عير أبي سفيان، فقالوا: لو استعرضت بنا البحر لخضناه معك ما تخلف منا أحد، فخرج بهم.وشاورهم يوم بدر أيضاً في المنزل، فأشار عليه الحباب بن المنذر أن يغوّر بالجيش عند ماء بدر، ففعل.وشاورهم يوم أحد في القعود في المدينة أو الخروج إلى العدو، فأشار جمهورهم عليه بالخروج إليهم، ففعل .و شاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ، فأبى عليه سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فترك ذلك. وشاورهم يوم الحديبية في أن يميل على ذراري المشركين، فقال له الصِّدّيق: إنا لم نجئ لقتال أحد، وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ذلك. فإذا كان هذا شأنه ﷺ، فكيف بغيره؟ وقد درج الأئمة الراشدون من بعده ﷺ على هذه السنة التي هي من أهم عزائم الأحكام في الإسلام، وكانوا يستشيرون الأمناء الصلحاء من أهل العلم والدين، والبصر بالأمور، و الصدق والأمانة، والشجاعة في الحق.

3:160Page 71

إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٦٠

If Allāh should aid you, no one can overcome you; but if He should forsake you, who is there that can aid you after Him? And upon Allāh let the believers rely.

١٦٠ - ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: يعنكم على عدوكم، ويمدكم بنصره و معونتـه ﴿فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ﴾ أي: فلا قاهر، ولا خاذل لكم، ولو اجتمع عليكم من بأقطارها عدَدَاً وعُدَدَاً ﴿وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ﴾ أي: يترك نصركم وإعانتكم على عدوكم، ويكلكم إلى أنفسكم ﴿فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦ﴾ [وفي قراءة: (ينصرْكم) بإسكان الراء جزما] أي: من بعد خذلانه لكم، والمعنى: لا ناصر لكم .﴿وَعَلَى ٱللَّهِ﴾ لا على غيره ﴿فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ بالاستنصار به، والاعتماد عليه، وتفويض الأمور إليه، والبراء من الحول والقوة إلا له. وفي الآية: بيان الأمر بالتوكل على الله وحده- لا على غيره- و أنه بحسب إيمان العبد، يكون توكله.

3:161Page 71

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦١

It is not [attributable] to any prophet that he would act unfaithfully [in regard to war booty]. And whoever betrays, [taking unlawfully], will come with what he took on the Day of Resurrection. Then will every soul be [fully] compensated for what it earned, and they will not be wronged.

١٦١ - أسباب نزول الآية : أخرج أبو داود والترمذي وحسنه، عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء، فُقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله ﷺ أخذها، فأكثروا في ذلك، فأنزل الله: (وما كان لنبي أن يغُل) الآية. وأخرج الطبراني في «الكبير» بسند رجاله ثقات، عن ابن عباس قال: بعث النبي ﷺ جيشاً، فرُدّت رايته، ثم بعث فرُدت، ثم بعث فردت بغلول رأس غزال من ذهب، فنزلت: (وما كان لنبي أن يغل) الآية. ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ ﴾ أي: ما ينبغي لنبي أن يخون في شيء من المغنم، فيأخذه خفية قبل قسمته، دون علم غيره، أو اطلاع على ذلك .[وفي قراءة: (يُغَلّ)- بالبناء للمفعول- أي: ما ينبغي لنبي أن يُنْسب إلى الغلول، أو يُخان في الفيء]. والمراد: تنزيهه ﷺ- وكذا جميع الأنبياء- عن الغلول، وعن جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة ونحو ذلك. أو المراد: نهى أمته ﷺ عن الغلول. وقد جاء النص القرآني بصيغة: (ما كان لنبي) التي يمتنع معها وجود الفعل منهم، أي: يمتنع ذلك و يستحيل عليهم، إذ لا يصح و لا يليق هذا الفعل بمن اختارهم الله لنبوته. والغلول: هو الأخذ من الغنيمة خفية قبل قسمتها. يقال: غل شيئاً من المغنم يغل غلولاً، إذا أخذه خفية. وأصله: من الغلل- بفتح الغين المعجمة- وهو دخول الماء في خلل الشجر، وسميت هذه الخيانة غلولاً، لأنها تجري في المال على خفاء من وجه لا يحل. ﴿وَمَن يَغۡلُلۡ﴾ أي: يخُن في الغنيمة، أو أداء الأمانة، أو الولاية، أو نحو ذلك. ﴿يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾ حاملاً له على عنقه، حيـواناً كان، أو متـاعاً، أو مالاً، أو هدية أو نحو ذلك. وفي الآية: بيان تحريم الغلول، والتنفير منه، وبأنه ذنب يختص فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد، يطّلع عليها أهل المحشر. ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال:قام فينا رسول الله ﷺ يوماً، فذكر الغلول، فعظّمه و عظّم أمره، ثم قال: «لا أَلْفَينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلّغتك، لا أَلْفَينّ أحدكم يوم القيامة يجيء على رقبته فرس لها حمحمة، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلّغتك، لا أَلْفَينّ أحدكم يوم القيامة يجيء على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئاً، قد بلّغتك». وروى الترمذي من حديث معاذ بن جبل- وقال: حسن غريب- قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري، فرددت، فقال:«أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئاً بغير إذني فإنه غلول: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) لهذا دعوتك، فامض لعملك».وروى الإمام أحمد في مسنده: أن رسول الله ﷺ استعمل رجلاً على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم، وهذا أهدي لي، فقام رسول الله ﷺ على المنبر، فقال:«ما بال العامل نبعثه على عمل، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمدٍ بيده، لا يأتي أحدكم منها بشيء، إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيْعر ثم قال: اللهم هل بلغت؟ ثلاثاً». ﴿ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ﴾ الغال وغيره، جزاء ﴿مَّا كَسَبَتۡ﴾ أي: عملت من خير و شر ﴿وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ بزيادة سيئة، ولا نقصان حسنة، فكل- من الغال و غيره- يوفى أجره و وزره، على مقدار كسبه، ولا يظلمون من أعمالهم شيئاً. فائدةالغلول في الغنيمة، والخيانة في الأمانة، والولاية، وكل ما يتولاه الإنسان من الأمور الدينية والدنيوية، حرام إجماعاً لهذه الآية، بل هو من أعظم الذنوب وأخطرها، فمن أخذ لنفسه من مال المسلمين شيئاً، سواء أكان غنيمة، أو صدقة، أو هدية، مما لا حق له فيه، فهو غال، لحديث المستورد بن شداد عند أحمد في «مسنده» قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:«من ولي لنا عملاً و ليس له منزل، فليتخذ منزلاً، أو ليست له زوجة، فليتزوج، أو ليس له خادم، فليتخذ خادماً، أو ليس له دابة، فليتخذ دابة، ومن أصاب شيئاً سوى ذلك، فهو غال». وقد كان النبي ﷺ يأخذ الوبرة من ظهر البعير من المغنم، ثم يقول:«ما لي فيه إلا مثل أحدكم، إياكم والغلول، فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة. أدوا الخياط و المخيط وما فوق ذلك». وفي الحديث عند أحمد-أيضاً-:«أعظم الغلول عند الله ذراع في الأرض، تجدون الرجلين جارين في الأرض- أو في الدار- فيقطع أحدهما من حظ صاحبه ذراعاً، فإذا قطعه طُوِّقه من سبع أرضين يوم القيامة».

3:162Page 71

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦٢

So is one who pursues the pleasure of Allāh like one who brings upon himself the anger of Allāh and whose refuge is Hell? And wretched is the destination.

١٦٢ - ﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ﴾ فيما شرع من أمره ونهيه، فأطاع وامتثل، ولم يغل، ﴿كَمَنۢ بَآءَ﴾ أي: كمن رجع متلبساً ﴿بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: بغضب شديد منه، بسبب معصيته و غلوله، ومخالفة أمره ونهيه، ﴿وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ ﴾ يوم القيامة ﴿وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾ أي: المرجع هي. فلا يستوي من اتبع رضوان الله فيما شرعه، فاستحق رضا الله وثوابه، مع غيره ممن خالف شرعه، فاستحق غضب الله وعقابه. ولهذا قال: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون)السجدة (١٧).

3:163Page 71

هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٦٣

They are [varying] degrees in the sight of Allāh, and Allāh is Seeing of whatever they do.

١٦٣ - ﴿هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ﴾ أي: أهل الخير وأهل الشر أصحاب درجات، مختلفون متفاوتون في منازلهم، بحسب تفاوتهم واختلافهم في أعمالهم، فالمتبعون رضوان الله، درجاتهم في الجنة، والمتبعون مساخط الله، دركاتهم في النار، وهذا كقوله: (ولكل درجات مما عملوا)الأحقاف(١٩).﴿وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ﴾ لا يخفى عليه من أعمالهم شيء، فيجازي كل عامل بعمله.

3:164Page 71

لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤

Certainly did Allāh confer [great] favor upon the believers when He sent among them a Messenger from themselves, reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom,1 although they had been before in manifest error.

١٦٤ - ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: تفضل وأنعم عليهم، بأجلّ النعم وأعظمها. والمراد بالمؤمنين: أي: من قومه ﷺ، أو من العرب مطلقاً. ﴿إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ﴾ أي: من جنسهم، يعرفون نسبه و حاله و لسانه، ليفهموا عنه خطابه، وينتفعوا بسؤاله ومجالسته ومخالطته، ويشرفوا به وبدينه.﴿يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ﴾ أي: القرآن، يعلمهم ألفاظه و معانيه، بعد أن كانوا في جاهلية لا يعرفون شيئاً من الكتب و الشرائع، ﴿وَيُزَكِّيهِمۡ﴾ أي: يطهرهم من نجاسة الشرك والكفر، ودرن الذنوب والمعاصي بالدعوة إلى الله وتوحيده وامتثال أمره واجتناب نهيه. أو: يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر لتزكو نفوسهم و تطهر من دنس الجاهلية ورجس الشرك وخبث الاعتقادات الفاسدة.﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: جنس الكتاب، وهو القرآن، فيكون قوله: (يتلو عليهم آياته) المراد به: الآيات الكونية الدالة على قدرته ووحدانيته. أو: يعلمهم الكتابة، فيكون قد امتنّ عليهم بتعليم الكتاب، و الكتابة التي بها تُدرك العلوم و تُحفظ. ﴿وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾ أي: السُّنة، أو الإصابة في القول والعمل، أو معرفة أسرار الشريعة، أو وضع الأمور في مواضعها. فجمع لهم بين تعليم الأحكام، وما به تنفيذها و تطبيقها، وما به تُدرك فوائدها وثمراتها. ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ﴾ أي: من قبل مبعثهﷺ ﴿لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ أي: لفي غي وجهل ظاهر واضح، جلي بيِّن، لا ريب فيه.

3:165Page 71

أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٦٥

Why [is it that] when a [single] disaster struck you [on the day of Uḥud], although you had struck [the enemy in the battle of Badr] with one twice as great, you said, "From where is this?" Say, "It is from yourselves [i.e., due to your sin]." Indeed, Allāh is over all things competent.

١٦٥ - ﴿أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ﴾ أي: أحين نالكم من المشركين يوم أحد ما نالكم من الهزيمة وقتل سبعين منكم، وكنتم قبل ذلك ﴿قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا﴾ يوم بدر، حين قتلتم من المشركين سبعين، وأسرتم سبعين منهم- أي: نالكم منهم يوم أحد نصف ما نالهم منكم يوم بدر- ﴿قُلۡتُمۡ﴾ عند رجوعكم متعجبين: ﴿أَنَّىٰ هَٰذَاۖ﴾ أي: من أين لنا هذا القتل والانهزام والخذلان ، ومن أي وجه أصابنا هذا، و نحن مسلمون، نقاتل في سبيل الله، وفينا رسوله، وقد وعدنا الله بالنصر عليهم، وهم مشركون! وهذه الجملة- وهي قولهم: (أنّى هذا)- محل الاستفهام الإنكاري. ﴿قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ﴾ أي: هذا الذي نالكم منهم كان بسبب عصيانكم و مخالفتكم أمر رسول الله ﷺ حين أمركم أن لا تبرحوا مكانكم، فاختلفتم عليه، و تنازعتم فيما بينكم. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ ومنه النصر وعدمه- أي: الخذلان- فالله يفعل ما يشاء، و يحكم ما يريد، لا معقب لحكمه: (ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض)محمد(٤).

3:166Page 72

وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٦٦

And what struck you on the day the two armies met [at Uḥud] was by permission of Allāh that He might make evident the [true] believers

١٦٦ - ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ﴾ بأحد من القتل والجراح والهزيمة والتولّي ﴿يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ﴾ جمع المسلمين وجمع المشركين ﴿فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ﴾ وإرادته، وقضائه و قدره، و له الحكمة البالغة في ذلك كله ﴿وَلِيَعۡلَمَ﴾ الله علم ظهور و تمييز ﴿ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ حقاً، الذين صبروا وثبتوا وأخلصوا دينهم لله، أي: ليظهر ما علمه من صدق إيمانهم و يتميز و يتضح.

3:167Page 72

وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ ١٦٧

And that He might make evident those who are hypocrites. For it was said to them, "Come, fight in the way of Allāh or [at least] defend." They said, "If we had known [there would be] battle, we would have followed you." They were nearer to disbelief that day than to faith, saying with their mouths what was not in their hearts. And Allāh is most knowing of what they conceal -

١٦٧ - ﴿وَلِيَعۡلَمَ﴾ كذلك، علم تمييز وظهور ﴿ٱلَّذِينَ نَافَقُوا﴾ و هم عبد الله بن أبي بن سلول- رأس النفاق- وأصحابه.وعن ابن شهاب الزهري قال: خرج رسول الله ﷺ إلى أحد في ألف من أصحابه، فلما كانوا بالشوط بين أحد والمدينة، انحاز عنهم عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، و قال: أطاعهم و عصاني، و الله ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا؟ فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب.﴿وَقِيلَ لَهُمۡ﴾ لما انصرفوا عن القتال، ورجعوا إلى المدينة، ﴿تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أعداءه، وجاهدوا للدفاع عن الدين و الحق والعدل نصرة لدينه تعالى، وطلباً لمرضاته- إن كنتم ممن يؤمن بالله واليوم الآخر- ﴿أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ﴾ عن أنفسكم و أولادكم و محارمكم ودياركم- إن كنتم ممن لا يؤمن بالله واليوم الآخر- وقيل: دافعوا من ورائنا، ولا تقاتلوا.وقيل: ادفعوا عنا و كثِّروا سوادنا، إن لم تقاتلوا، فأبوا جميع ذلك، واعتذروا بأن ﴿قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ﴾ أي: لو نعلم أنكم تلقون حرباً لجئناكم، وقاتلنا معكم، و لما أسلمناكم، و لكن لا نرى أن يكون ثَمَّ قتال. و قيل: لو كنا نحسن القتال ونقدر عليه لاتبعناكم. قال تعالى تكذيباً لهم: ﴿هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ﴾ أي: يوم انخذلوا عن المسلمين وقالوا ما سلف من مقالتهـم ﴿أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ﴾ ظاهراً عند من كان يظن أنهم مؤمنون، إذ كانوا قبل ذلك أقرب إلى الإيمان من حيث الظاهر. و فيه دليل على أن العبد قد تتقلب به الأحوال: فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي أخرى أقرب إلى الإيمان .﴿يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ﴾ بإظهار الإيمان، و إبطان الكفر، فيظهرون بكلامهم و فعالهم ما يبطنون ضده في قلوبهم وضمائرهم. وقيل: يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم: (لو نعلم قتالاً لاتبعناكم) ولو علموا ما اتبعوهم. ﴿وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ﴾ في قلوبهم وضمائرهم، أي: من النفاق، فيطلع رسوله و المؤمنين عليه، ويؤاخذهم به. فائدة أصوليةيستدل بقوله تعالى: (تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا) على القاعدة الأصولية:«ارتكاب أخف المفسدتين، لدفع أعلاهما، وفعل أدنى المصلحتين، للعجز عن أعلاهما»، لأن المنافقين أُمروا أن يقاتلوا لدين الله أولاً، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن الأهل والعيال والأوطان.

3:168Page 72

ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨

Those who said about their brothers while sitting [at home], "If they had obeyed us, they would not have been killed." Say, "Then prevent death from yourselves, if you should be truthful."

١٦٨ - ﴿ٱلَّذِينَ﴾ بدل من «الذين»- في الآية السابقة- أو نعت، أي: هم الذين ﴿قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ﴾ أي: قالوا لأجل إخوانهم في الدين، أو القرابة و النسب، من الذين قتلوا في وقعة أحد ﴿وَقَعَدُواْ﴾ أي: والحال أن هؤلاء القائلين قد قعدوا عن القتال في سبيل الله ﴿ لَوۡ أَطَاعُونَا﴾ أي: شهداء أحد و إخواننا في القعود وترك الخروج من المدينة إلى أحد ﴿مَا قُتِلُواْۗ﴾ مع من قُتل [وفي قراءة: بالتشديد: (ما قُتِّلوا)] فجمعوا بين التخلّف عن الجهاد مع رسول الله وفي سبيل الله، وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره. قال الله رادّاً عليهم: ﴿قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ﴾ أي: فادفعوا ﴿ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ في أن القعود وعدم الخروج إلى الجهاد ينجي منه. ولكن هيهات، فالحذر كله لا ينفع من القدر، فالمقتول يقتل بأجله، ولا مفر لأحد من الموت.

3:169Page 72

وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ ١٦٩

And never think of those who have been killed in the cause of Allāh as dead. Rather, they are alive with their Lord, receiving provision,

١٦٩ -أسباب نزول الآية : روى أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:«لما أصيب إخوانكم يوم أحد، جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم، و حسن مقيلهم، قالوا: يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد، و لا ينكلوا - أي: يجبنوا- عن الحرب، فقال الله عز وجل: أنا أبلغهم عنكم». فأنزل الله : (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله) الآية. وروى الترمذي نحوه عن جابر. ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ﴾أي: لا تظنّن [وفي قراءة: بالياء (ولا يحسبن)] ﴿ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [وفي قراءة بالتشديد: (قُتّلوا في سبيل الله)] جهاداً لنصرة دين الله، وإعلاء كلمته، وابتغاء مرضاته ﴿أَمۡوَٰتَۢاۚ﴾ وإن قتلوا في هذه الدار ﴿بَلۡ﴾ هم ﴿أَحۡيَآءٌ﴾ حياة محققة في دار القرار ﴿عِندَ رَبِّهِمۡ﴾ في محل كرامته، وهذا يقتضي علو درجتهم، و قربهم من ربهم جل وعلا. و العنديّة في قوله:(عند ربهم): عندية مكانة و تشريف، لا عندية مكان و حدود. ﴿يُرۡزَقُونَ﴾ في الجنة من نعيمها، و يأكلون من ثمارها- وهذا غير ممتنع، فحياتهم حياة برزخية، وإن كانوا بالنسبة إلينا موتى، ورزقهم مستمر عند الله، وإن انقطع في الدنيا بقتلهم. وفي الحديث عند مسلم: أن الصحابة سألوا رسول الله ﷺ عن هذه الآية فقال:«إن أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل» الحديث. وعند أحمد و مسلم: أن رسول الله ﷺ قال:«ما من نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى الدنيا، إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل مرة أخرى، مما يرى من فضل الشهادة». وأما روح المؤمن غير الشهيد:فقد أخرج الإمام أحمد في «مسنده» من حديث الزهري عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال:« نسمة المؤمن طائر يعلُق- أي: يأكل - في شجر الجنة، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه». وفي الحديث أيضاً:«إن روح المؤمن على شكل طائر في الجنة». وفي الآية: حث وحض على الجهاد في سبيل الله، لنصرة دين الله وإعلاء كلمته.

3:170Page 72

فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠

Rejoicing in what Allāh has bestowed upon them of His bounty, and they receive good tidings about those [to be martyred] after them who have not yet joined them - that there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

١٧٠ - ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡـلِهِۦ﴾ وهـم الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، بما ساقه الله إليهم من الكرامة بالشهادة، وما صاروا إليه من النعيم المقيم، والرزق الكريم. ﴿وَيَسۡتَبۡشِرُونَ﴾ خيراً، أي: يفرحون ويسرون ﴿بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم﴾ من إخوانهم المؤمنين المجاهدين﴿مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ﴾ الذين يقتلون بعدهم في سبيل الله، ويمضون على ما مضوا عليه من الجهاد ﴿أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ﴾ [وفي قـراءة: بالنصب: (ألا خوْفَ عليهم)] أي: بأنه لا خوف على إخوانهم الذين لم يلحقوا بهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ﴿وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ﴾ على ما يستدبرونه من أمر الدنيا. والمعنى: أنهم يستبشرون خيراً ويسرون بلحوق من يقتل بعدهم في سبيل الله من إخوانهم وبأنه لا خوف عليهم ولا حزن لديهم.و الاستبشار: السرور الحاصل بالبشارة.

3:171Page 72

۞ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١

They receive good tidings of favor from Allāh and bounty and [of the fact] that Allāh does not allow the reward of believers to be lost -

١٧١ - ﴿يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ لإخوانهم، أهل الإيمان وأهل الجهاد، و يُسرّون بما أعد الله لهم في الجنة من النعيم والكرامة والثواب ﴿وَفَضۡلٖ﴾ أي: وزيادة على ذلك، وهو رضوان الله عليهم، فلا يسخط عليهم بعده أبداً. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [وفي قراءة: بكسر الهمزة استئنافا (و إن الله لا يضيع أجر المؤمنين)] العاملين الصالحين، بل ينميه ويزيده، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. وفي الآيات: إثبات نعيم البرزخ، ومنزلة الشهادة والشهداء عند الله.

3:172Page 72

ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢

Those [believers] who responded to Allāh and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allāh is a great reward -

١٧٢ - سبب نزول الآية:أخرج الطبراني - بسند صحيح- عن ابن عباس، قال: لما رجع المشركون من أحد، قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا، فسمع رسول الله ﷺ بذلك، فندب المسلمين فانتدبوا، حتى بلغوا «حمراء الأسد»، فأنزل الله:(الذين استجابوا لله والرسول) الآية. فقال المشركون: نرجع من قابل، فرجع رسول الله ﷺ، فكانت تعدُّ غزوة. ﴿ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ لما ندبهم إلى الخروج لملاحقة أبي سفيان و جيش قريش، بعد رجوعهم من أحد، ليرعبهم ويريهم أن بالمسلمين قوة وجلداً، ولم يأذن لأحد في الخروج سوى من حضر وقعة أحد، وكان ذلك يوم «حمراء الأسد».﴿مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ﴾ أي: نالهم القتل والجراح بالسلاح يوم أحد ، فانتُدب المسلمون على ما بهم من الجراح والإثخان، طاعةً لله و لرسوله. ﴿لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ﴾ بطاعته سبحانه وامتثال أمره ﴿وَٱتَّقَوۡاْ﴾ مخالفته، أي: أخذوا الوقاية من عذاب الله ﴿أَجۡرٌ عَظِيمٌ﴾ هو الجنة. روى البخاري عن عائشة- في قوله تعالى:(الذين استجابوا لله والرسول) - أنها قالت لعروة بن الزبير: يا ابن أختي، كان أبواك منهم: الزبير و أبو بكر، لما أصاب نبي الله ﷺ ما أصابه يوم أحد، وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال:«من يرجع في أثرهم»، فانتدب منهم سبعون رجلاً، فيهم أبو بكر والزبير.

3:173Page 72

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣

Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1

١٧٣ - أسباب نزول الآية :أخرج ابن مردويه عن أبي رافع، أن النبي ﷺ وجه علياً في نفر معه في طلب أبي سفيان، فلقيهم أعرابي من خزاعة، فقال: إن القوم قد جمعوا لكم، فقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، فنزلت فيهم هذه الآية. و روي عن الحسن البصري قوله: إن أبا سفيان وأصحابه أصابوا من المسلمين ما أصابوا ورجعوا، فقال رسول الله ﷺ:«إن أبا سفيان قد رجع، وقد قذف الله في قلبه الرعب، فمن يُنتدب في طلبه؟» فقام النبي ﷺ و أبو بكر و عمر و عثمان و علي وناس من أصحابه، فتبعوهم، فبلغ أبا سفيان أن النبي ﷺ يطلبه، فلقى عيراً من التجار، فقال: ردوا محمداً، و لكم من الجُعل - أي:الأجر- كذا وكذا، وأخبروهم أني جمّعت جموعاً، وأني راجع إليهم، فجاء التجار فأخبروا رسول الله ﷺ بذلك، فقال: «حسبنا الله ونعم الوكيل»، فأنزل الله الآية.﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ﴾ قيل: هو الأعرابي الذي أرسله أبو سفيان ليثبّط المسلمين الذين استعدوا للقاء المشركين في موسم بدر. و قيل: هو نُعيْم بن مسعود الأشجعي. وقيل: هو الشيطان الذي جاء يُخوّف المسلمين أولياءه. ﴿إِنَّ ٱلنَّاسَ﴾ أي: أبا سفيان و أصحابه ﴿قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ﴾ الجمـوع ليستأصلوكـم إن خرجتم للقائهم ﴿فَٱخۡشَوۡهُمۡ﴾ وخافوهم، وارهبوهم، و احذروهم، و لا تأتوهم من فوركم هذا ﴿فَزَادَهُمۡ ﴾ ذلك القول عنهم ﴿إِيمَٰنٗا﴾ وتصديقاً بالله واتكالاً عليه ويقيناً بـه ﴿وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ﴾ أي: كافينا أمرهم و كلّ ما أهمّنا وأغمّنا ﴿وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ هو، المفوَّض إليه الأمر، الذي نتوكل عليه، و نُسْند أمورنا إليه. روى البخاري عن ابن عباس - في قوله:(حسبنا الله ونعم الوكيل)- قال: قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، و قالها محمد ﷺ حين قال لهم الناس:(إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم). و في رواية: كان آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار:(حسبنا الله ونعم الوكيل). وفي الحديث عند ابن مردويه -وقال: غريب من هذا الوجه -:«إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا:(حسبنا الله ونعم الوكيل)».وعند أحمد في «مسنده»:«فإذا غلبك أمر فقل: حسبي الله ونعم الوكيل».

3:174Page 73

فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤

So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.

١٧٤ - سبب نزول الآية : روى الطبراني عن ابن عباس، قال: قال أبو سفيان لرسول الله ﷺ: موعدك موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا- و ذلك بعد أن طلبه رسول الله ﷺ و أصحابه في «حمراء الأسد»- فأما أبو سفيان فرجع، وأما رسول الله ﷺ فأخذ أهبة القتال و التجارة، فأتوْه فلم يجدوا به أحداً، وتسوّقوا، فأنزل الله: (فانقلبوا بنعمة من الله) الآية.﴿فَٱنقَلَبُواْ﴾ أي: فرجعوا- أي: النبي ﷺ وأصحابه- من بدر الصغرى- وكان أبو سفيان وأصحابه قد أرادوا العوْد، و تواعدوا مع النبي ﷺ سوق بدر العام المقبل من يوم أحد، فخرج النبي ﷺ في أصحابه فوافوا سوق بدر، و ألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان و أصحابه، فلم يأتوا، و كان مع رسول الله ﷺ وأصحابه تجارات فباعوا و ربحوا. والمعنى: لما توكلوا على الله كفاهم ما أهمهم، ورد عنهم بأس عدوهم، فرجعوا إلى بلدهم ﴿بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: بسلامة من الله وعافية وأجر ﴿وَفَضۡلٖ﴾ أي: وربح في التجارة. أو أجر تفضّل الله به عليهم.روى البيهقي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «النعمة»: أنهم سلموا، «و الفضل»: أن عيراً مرت في أيام الموسم فاشتراها رسول الله ﷺ، فربح فيها مالاً، فقسمه بين أصحابه. ﴿لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ﴾ من قتل، أو جراح، أو حـرب ﴿وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ﴾ فيما يأتون و يذرون، و منه طاعة الله وطاعة رسوله في الخروج لهذه الغزوة، وهي غزوة «بدر الصغرى» ﴿وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ﴾ على أهل طاعته و مرضاته. و في الآية: بيان جزاء تفويض الأمر لله، و هو: النعمة والفضل، وصرف السوء، و اتباع الرضى.

3:175Page 73

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

١٧٥ - ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ﴾ أي: المثبط لكم، أيها المؤمنون، أو القائل لكم: (إن الناس قد جمعوا لكم). ﴿ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ﴾ أي: يخوفكم أولياءه- الكفار، أو أبا سفيان وأصحابه- بأن يعظمهم في قلوبكم، و يوهمكم أنهم ذوو بأس وشدة. فإما أن يكون المراد: الشيطان نفسه باعتبار ما يصدر عنه من الوسوسة، أو يكون المراد: الأعرابي الذي نقل لهم وعيد أبي سفيان و أصحابه. ﴿فَلَا تَخَافُوهُمۡ﴾ أي: فلا تخافوا الكفار أولياء الشيطان، وإن سوّل لكم و أوهمكم بأسهم، فنهاهم عن أن يخافوهم، فيجبنوا عن اللقاء، ويفشلوا عن الخروج. ﴿وَخَافُونِ﴾ [وفي قراءة: بإثبات الياء وصلا ووقفا (وخافوني )] بامتثال ما آمركم به، و اجتناب ما أنهاكم عنه، فالله هو الحقيق بالخوف منه، و المراقبة لأمره ونهيه، لكون الأمر كله بيده. ﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ حقاً، فتوكلوا عليّ، والجئوا إلي، فإني كافيكم وناصركم ومتولي أمركم. و مثله قوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده و يخوفونك بالذين من دونه)الزمر(٣٦)، وقوله: (فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا)النساء(٧٦)، و قوله: (أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)المجادلة (١٩).وفي الآية: وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله.

3:176Page 73

وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦

And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.

١٧٦ - ﴿وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ﴾ أي: يقعون فيه سريعاً من شدة رغبتهم فيه، وحرصهم عليه، وهم كفار مكة، أو المنافقون، فقد كان ﷺ- من شدة حرصه على الناس، واجتهاده في هدايتهم- يحزنه مبادرة الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق، فنهاه الله عن ذلك وعن الإفراط فيه، كقوله: (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات)فاطر(٨). [وفي قراءة: (ولا يُحْزِنْك)- بضم الياء و كسر الزاي- أي: يكدّرْك ويُؤْلمك. من: أحزنه، والقراءة الأولى: من حَزَنَه وهي لغة في أحْزَنَه]. ﴿إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ﴾ بكفرهم ومسارعتهم فيه، و إنما يضرون أنفسهم. و قيل: إن كفرهم لا يُنقص من ملك الله شيئاً. و قيل: لن يضروا بكفرهم دينه الذي شرعه ورضيه لعباده. ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ﴾ بمشيئته، وقدرته، وكمال حكمته ﴿ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا﴾ أي: نصيباً ﴿فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ ﴾ من الثواب أو في الجنة، فلذلك خذلهم، ولم يوفقهم لما وفق إليه أولياءه، عدلاً منه وحكمة. ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ في النار بسبب مسارعتهم في الكفر، فكان ضرر كفرهم عائداً عليهم، جالباً لهم عدم الحظ في الآخرة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском