Al-Jami' al-WajizAli 'Imran · 3:177–194

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:177–194

3:177Page 73

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧

Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.

١٧٧ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ﴾ أي: استبدلوا الكفر بالإيمان، و أخذوه بدله، و رغبوا فيه رغبة من بذل ما يحب من المال، في شراء ما يحب من السلع ﴿لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ﴾ بكفرهم، و اختيارهم له على الإيمان، و إنما يضرون بذلك أنفسهم ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: مؤلم موجع يوم القيامة.

3:178Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٧٨

And let not those who disbelieve ever think that [because] We extend their time [of enjoyment] it is better for them. We only extend it for them so that they may increase in sin, and for them is a humiliating punishment.

١٧٨ - ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ﴾ أي: لا يظنن ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ﴾ أي: أن إمهالنا و إملاءنا لهم بطول العمر والإنساء في الأجل، و رغد العيش، والتمتع بطيبات الدنيا و زينتها، والإمداد بالأموال و البنين، وعدم استئصالنا لهم، على ما هم عليه من الكفر والطغيان ﴿خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ ﴾ ومحبة منا لهم، كلا فليس الأمر كذلك، بل ﴿إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ﴾ أي: إنما نمهلهم لازدياد ذنوبهم و آثامهم، بكثرة معاصيهم، وتعززهم وتجبرهم عن الإيمان. و الإملاء في الأصل: إطالة المدة، يقال: أملى عليه الزمان: أي طال عليه، و أملى له: طوّل له وأمهله. [وفي قراءة: بالتاء (ولا تحسبن) أي: يا محمد إملاءنا للكافرين خيرا لهم ] ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ﴾ أي: ذو إهانة في الآخرة. فأخبر أنه يطيل أعمارهم، و يرغد عيشهم، و يمد لهم في الأموال والبنين، ليزدادوا به إثماً. فالله يملي للظالم حتى يزداد طغياناً، ويترادف كفره، ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر، فإذا أخذه بعد ذلك، لم يفلته. و نظير هذا قوله تعالى: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين ٥٥ نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون)المؤمنون(٥٥-٥٦)وقوله: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون)القلم(٤٤)، وقوله: (ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون)التوبة(٥٥).

3:179Page 73

مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٧٩

Allāh would not leave the believers in that [state] you are in [presently] until He separates the evil from the good. Nor would Allāh reveal to you the unseen. But [instead], Allāh chooses of His messengers whom He wills, so believe in Allāh and His messengers. And if you believe and fear Him, then for you is a great reward.

١٧٩ - ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ﴾ مريداً في علمه وحكمته ﴿لِيَذَرَ﴾ أي: ليترك و يدع ﴿ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ﴾ أيها الناس، من اختلاط المؤمن المخلص بغيره، بل يعقد من الأسباب، كالأمر بالجهاد والهجرة ﴿حَتَّىٰ يَمِيزَ﴾ أي: يفصل [وفي قراءة: (يُميِّز)- بضم الياء الأولى وتشديد الثانية مع الكسر- أي: يفرِّق] ﴿ٱلۡخَبِيثَ﴾ أي: المنافق ﴿مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ﴾ أي: المؤمن المخلص بالتكاليف الشاقة. وقيل: الخطاب هنا للمؤمنين، والمعنى: ما كان الله مريداً لأن يترككم على ما أنتم عليه أيها المؤمنون، من الاختلاط و عدم التمييز بين المخلص وغيره، حتى يميز المنافق منكم من المؤمن المخلص بالامتحان والابتلاء، وقد وقع ذلك في يوم أحد. يقال: مِزْتُ الشيء أميزه ميزاً، إذا فصلت بعضه عن بعض، وميَّزْته: فرّقت بين جزئيه. ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ﴾ مُريداً في علمه وحكمته ﴿لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ﴾ الذي يعلمه من أمر عباده، فتعرفوا الخبيث من الطيب، و تميزوا المؤمن من المنافق، لولا ما يعقده لكم من الأسباب الكاشفة عن ذلك، بأنواع الامتحان والابتلاء. ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي﴾ أي: يصطفي ويختار ﴿مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ﴾ فيطلعه على بعض غيبه، ومن ذلك نفاق المنافقين وإخلاص المؤمنين، فيميز بينكم، كما أطلع النبي ﷺ على حال المنافقين، فعيّن كثيراً منهم. و هذه الآية كقوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً ٢٦ إلا من ارتضى من رسول)الجن(٢٦-٢٧). والاجتباء: بمعنى الاختيار، واجتباء الله العبد: تخصيصه إياه بفيض إلهي، يحصل له منه أنواع من النعم، بلا كسب من العبد. ﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ﴾ وذلك بطاعته فيما شرع لكم، و بطاعة رسله والانقيـاد لهـم ومتابعتهـم على أمرهـم ﴿وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ الله، بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه، أو تتقوا النفاق والكفر ﴿فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ﴾ وثواب جزيل، هو الجنة.

3:180Page 73

وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٨٠

And let not those who [greedily] withhold what Allāh has given them of His bounty ever think that it is better for them. Rather, it is worse for them. Their necks will be encircled by what they withheld on the Day of Resurrection. And to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

١٨٠ - ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ﴾ عن الإنفاق في سبيل الله ﴿بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ﴾ أي: من المال الواجب أداؤه في الزكاة والصدقات ﴿هُوَ﴾ أي: بخلهم عن الإنفاق ﴿خَيۡرٗا لَّهُمۖ﴾ ومنفعة في دينهم ودنياهم ﴿بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ﴾ و مضرة عليهم في دينهم ودنياهم.[وفي قراءة :بالتاء (ولا تحسبن الذين يبخلون) أي:بخلهم خيرا لهم] ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ﴾ أي: سيُجعل ما بخلوا به من المال الواجب عليهم أداؤه وزكاته، طوقاً من نار في أعناقهم، أو : سيُلزمون وبال ما بخلوا به وبزكاته إلزام الطوق.﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ﴾ وذلك بأن يُمثَّل لهم المال شجاعاً أقرع، له زبيبتان، كما في الحديث عند البخاري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:«من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مُثِّل له شجاعاً- وهو نوع من الحيات- أقرع له زبيبتان، يُطوّقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه- أي: بشدقيه- ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية». و البخل: أن يمنع الإنسان الحق الواجب عليه، ويترك الإنفاق حيث ينبغي و يكون. ﴿وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ﴾ يرثهما بعد فناء أهلهما، فمرجع الأمور كلها إلى الله، وله ما فيهما مما يتوارثه أهلهما، فما بالهم يبخلون بذلك، و لا ينفقونه حيث أمرهم، و إنما كان عندهم- مما أنعم الله به عليهم- عارية مستردة؟ ﴿وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ﴾[وفي قراءة: بالياء (يعملون)] فيجازيكم به، بما يقتضي عدله و فضله، وعلمه و حكمته.وفي الآية: ذم البخل بما أنعم الله وتفضّل . وجمهور المفسرين :على أن هذه الآية نزلت في مانعي الزكاة. و روى العوفي عن ابن عباس: أنها نزلت في اليهود الذين كتموا العلم في محمد ﷺ وصفته.

3:181Page 74

لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ١٨١

Allāh has certainly heard the statement of those [Jews] who said, "Indeed, Allāh is poor, while we are rich." We will record what they said and their killing of the prophets without right and will say, "Taste the punishment of the Burning Fire.

١٨١ - أسباب نزول الآية : روى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: لما نزل قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً) البقرة(٢٤٥) أتت اليهود محمداً ﷺ فقالوا: يا محمد، أفتقر ربك فسأل عباده القرض؟ فأنزل الله: (لقد سمع الله قول الذين قالوا) الآية. و روى ابن إسحاق وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: دخل أبو بكر بيت المدراس- أي: المعلِّم المدرِّس- فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص بن عازوراء، فقال أبو بكر: يا فنحاص، اتق الله و أسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً عبد الله و رسوله، جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة و الإنجيل. فقال فنحاص: و الله يا أبا بكر، ما بنا إلى الله من حاجة من فقر، و إنه إلينا لفقير، ما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، و إنا عنه لأغنياء، ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم. فغضب أبو بكر فضرب وجهه، فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك، فقال: «يا أبا بكر ما حملك على ما صنعت؟» فقال: يا رسول الله، قال قولاً عظيماً، يزعم أن الله فقير، وأنهم عنه أغنياء، فجحد فنحاص، فأنزل الله الآية.﴿لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ﴾ إلينا ﴿وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ﴾ عنه، وهم: اليهود، قالوا هذه المقالة- تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- غروراً بما هم فيه من الغنى، و جهلاً منهم بقدر الله تعالى (و ما قدروا الله حق قدره)الزمر(٦٧). ﴿سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ﴾ أي: نأمر بكتب ما قالوا في صحائف أعمالهم، ليجازوا عليه يوم القيامة. ﴿وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ﴾ أي: و نكتب عليهم- في صحائف أعمالهم كذلك- قتلهم الأنبياء تمرداً وعناداً، لا جهلاً وضلالاً. وجعلُ ذلك القول منهم قريناً بقتل الأنبياء- تنبيهاً على العظم والشناعة في الجرم، أي: فهذا قولهم في الله، وهذه معاملتهم رسل الله. وفي الآية تهديد لهم ووعيد.[وفي قراءة بالياء والبناء للمفعول: (سيُكتبُ ما قالوا و قتلُهم الأنبياء بغير حق)] ﴿وَنَقُولُ﴾ لهم في الآخرة [و في قراءة بالياء:(و يقول) أي: الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة] ﴿ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ﴾ أي: النار الملتهبة. وفيه من التقريع والتوبيخ ما فيه.

3:182Page 74

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٨٢

That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

١٨٢ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: العذاب في النار ﴿بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ﴾ أي: بسبب ما قدّمت و جنت من الذنوب والآثام، ومنها قولهم في الله قولاً عظيماً، وقتلهم أنبياء الله بغير حق. وعبّر بالأيدي عن ذات الإنسان تغليباً لأن أكثر الأفعال تُزاول بها. ﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ أي: ليس بذي ظلم لهم أصلاً حتى يعذبهم بلا ذنب أو جرم، بل الله منزه عن ذلك بكمال عدله، ومن العدل أن يثيب المطيع، ويعذب العاصي.وصيغة«ظلاّم»صيغة نسب في اللغة، كعطّار و لبّان.

3:183Page 74

ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣

[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

١٨٣ - ﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ﴾ لمحمد ﷺ، وهم: اليهود ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ﴾ أي: أمرنا وأوصانا و تقدم إلينا في التـوراة ﴿أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ﴾ و لا نصدقـه ولا نتبعــه ﴿حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ﴾ وهو ما يُتقرب به إلى الله من أنواع البر والصدقات، من نَعَم و غيرها.وهو مصدر، كالغفران والرجحان، من قولك: قربت قرباناً، سُمي به المتقرَّب به إلى الله من نَعَم وغيرها.﴿تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ ﴾ أي: تنزل نار من السماء فتحرقه. و قد كان مما تعبَّد الله به بني إسرائيل، أنهم كانوا يقربون القربان ويتصدقون بالصدقة لله، فيقوم النبي فيدعو، فإن تُقُبِّل منهم ذلك القربان أو الصدقة، نزلت نار من السماء فأحرقته، و إلا بقي مكانه. والمعنى: لا نؤمن لك حتى تأتينا به. ولكن الله لم يتعبد كل أنبيائه بذلك، و لم يجعله دليلاً على صدق دعوى النبوة، فجمعوا بين الكذب على الله، و حصر آية الرسل بالقربان الذي تأكله النار، و جعْله دليلاً على صدق دعوة النبي ﷺ و عدمها.﴿قُلۡ﴾ لهم يا محمد، توبيخاً: ﴿قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي﴾ أي: بالحجج و البراهين والمعجزات الدالة على صدقهم ﴿وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ﴾ من القرابين المتقبَّلة التي تأكلها النار ﴿فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ﴾ كزكريا و يحيى- عليهما السلام- إذ قابلتموهم بالتكذيب والمخالفة والمعاندة، ثم قتلتموهم.﴿إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ في اتباعكم الحق ودعوى إيمانكم بالرسول الذي يأتيكم بقربان تأكله النار. والخطاب لليهود في زمن النبي ﷺ، وإن كان الفعل لأجدادهم، لرضاهم بذلك.

3:184Page 74

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤

Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1

١٨٤ - ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ﴾ يا محمد ﴿فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ﴾ فلك أسوة بهم، فقد كُذبوا بمثل ما كُذِّبت به، و﴿جَآءُو﴾ بمثل ما جئت به ﴿بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ أي: بالحجج العقلية، والبراهين النقلية، والمعجزات الحسية ﴿وَٱلزُّبُرِ﴾ أي: الكتب المقصورة على الحكم و المواعظ والزواجر،كزبور داود عليه السلام.جمع زَبور: و هو الكتاب المتضمن على الحكم والمواعظ، وأصله: من الزَّبْر: و هو الزجر، لزجره عن الباطل. ﴿وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ﴾ أي: الواضح الجلي المتضمن للأحكام الشرعية النقلية، و الحكم العقلية. والمعنى: فاصبر على قولهم وتكذيبهم، وجاهدهم في الله جهاداً كبيراً، كما صبر غيرك من الرسل وجاهد. [وفي قراءة:بإثبات الباء (و بالزبر والكتاب) وفي أخرى: (وبالزبر وبالكتاب المنير)].

3:185Page 74

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

١٨٥ - ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ﴾ وكل العوالم والمخلوقات من إنس وجن وملائكة، و غير ذلك، صائر إلى الفناء، خلا الله عز وجل، الحي الذي لا يموت ، المنفرد وحده بالديمومة و البقاء. وفي الآية: تعزية لجميع الخلق، فإن الله كتب الموت على كل حي مخلوق.و هذا كقوله سبحانه :(كل من عليها فان ٢٦ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)الرحمن(٢٦-٢٧) وقوله:(كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون)القصص(٨٨). ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ﴾ أي: تعطون جزاء أعمالكم وافياً غير منقوص ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ﴾ فتمام التوفية إنما يكون في ذلك اليوم، و أما ما يقع من الأجور في الدنيا أو في البرزخ، فإنما هو من بعض توفية الأجور. ﴿فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ﴾ أي: بُعِّد ونُحِّي عنها، بفضل الله و رحمته، ﴿وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ﴾ الفوز كله ونال غاية مطلوبه، بتوفيق الله ، أي: ظفر بما يريد و نجا مما يخاف. و في الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:«إن موضع سوط أحدكم في الجنة خيرٌ من الدنيا وما فيها، اقرأوا إن شئتم: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز)». رواه ابن أبي حاتم وأصله في الصحيحين، و أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه و ابن حبان.ومفهوم الآية: أن من لم يزحزح عن النار و يدخل الجنة، فإنه لم يفز، بل كان من أهل الشقاوة الذين قال الله فيهم: (و أما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير و شهيق )هود(١٠٦)، فإن كل فوز، وإن كان بجميع الغايات و المطالب، فليس بشيء دون الفوز بالجنة، وكل نجاة، و إن كانت من جميع الأضرار، فليست بشيء دون النجاة من النار.و في الحديث عند أحمد مرفوعا:«من أحب أن يُزحزح عن النار و يدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله و اليوم الآخر، و ليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه». ﴿وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ﴾ والعيش فيها، والاستمتاع بشهواتها وملذاتها ﴿إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ أي: الخداع الذي يخدع المشغول بها فلا يتنبه للمخاطر. أو: الباطل الفاني، الذي يُتمتع به دهراً، قل أو كثر، ثم يفنى و يزول. والمتاع: ما يتمتع به الإنسان وينتفع، ثم يزول عنه ويحول. والغرور: من غره، أي: خدعه وأطمعه بالباطل. وفي الآية: وعد للمؤمنين الصادقين و وعيد الكافرين المكذبين. وهذا كقوله تعالى: (وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة و زينتها وما عند الله خيرٌ وأبقى)القصص(٦٠). وفي الحديث عند مسلم:«والله ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بم ترجع إليه».

3:186Page 74

۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.

١٨٦ - ﴿لَتُبۡلَوُنَّ﴾ أي: لتُختبرن ولتُمتحنن بالمحن ﴿فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ﴾ ببذلها في جميع وجوه الخير والبر، بالنفقات الواجبة و المستحبة، و سائر التكاليف الشرعية المتعلقة بالأموال كالزكاة و الصدقات، والابتلاء بالمصائب والجوائح ﴿وَأَنفُسِكُمۡ﴾ بالعبادات، والتكاليف الشرعة المتعلقة بها، والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب، ونحو ذلك، ليتميز الصادق من الكاذب و المؤمن من المنافق، ويَظهر أمره للناس على حقيقته. و المؤمن يبتلى على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء، و هذا كقوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات)البقرة(١٥٥). وفي الحديث عند أحمد:«يبتلى العبد على قدر دينه». ﴿وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ﴾ من العرب و سائر الطوائف الكفرية من غير أهل الكتاب ﴿أَذٗى كَثِيرٗاۚ﴾ من السب والطعن فيكم، وفي دينكم، وكتابكم، و رسولكم، وأعراضكم.﴿وَإِن تَصۡبِرُواْ﴾ على ما نالكم في أموالكم و أنفسكم، من الابتلاء والامتحان، و على أذية الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الله في صبركم، بأن تبتغوا به وجه الله والتقرب إليه و لا تعتدوا فيه الحد الشرعي، و ذلك في موضع يوجب الانتقـام، وعـدم الاحتمـال ﴿فَإِنَّ ذَٰلِكَ﴾ الصبر و التقوى ﴿مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ﴾ أي: من معزوماتها التي يُعزم عليها و يُنافس فيها لوجوبها، ولا يُوفق لها إلا أهل العزائم والهمم العالية.يقال: عزم الأمر: أي شدّه وأصلحه. أو: مما عزمه الله أن يكون، بمعنى: حتّمه أن يكون. وقد كان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين و أهل الكتاب، كما أمرهم الله، و يصبرون على الأذى، و كان رسول الله ﷺ يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به، حتى أذن الله له فيهم، فكانت وقعت «بدر الكبرى» ثم تلتها وقائع أخر. و الآية خطاب للنبي ﷺ و أمته، وتسلية لهم عما سيلقونه من الابتلاء والامتحان- في سبيل هذه الدعوة- في الأموال والأنفس، وإرادة الأذى بهم من الكفار والمنافقين وغيرهم، وفي الإخبار بهذا فوائد منها: تمييز الجازع من الصابر، والمؤمن المخلص الصادق من المنافق. توطين أنفسهم على احتماله عند وقوعه، و الاستعداد للقائه، ومقابلته بحسن الثبات و الصبر على المكاره. أن الله يقدر عليهم هذه الأمور، بما يريده بهم من الخير، إعلاءً لدرجاتهم وإتماماً ليقينهم، حيث قالوا: (هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله و ما زادهم إلا إيماناً وتسليماً)الأحزاب(٢٢).

3:187Page 75

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧

And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

١٨٧ - ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: و اذكر حين أخذ الله العهد الثقيل المؤكد على كل من اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ﴾ أي: الكتاب، و لتظهرن ما فيه من الأحكام و الأخبار وصفة محمد ﷺ و نعته و نبوته، و الأمر بالإيمان به، ومتابعته ﴿وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ﴾ عنهم، أي: ولا تكتموا الحق الذي بأيديكم من الأمر بالإيمان به والتصديق له ومتابعته على دينه.[وفي قراءة: بالياء في الفعلين (لَيُبيّننه للناس و لا يكتمونه)] ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ أي: طرحوا الميثاق ولم يراعوه ﴿وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ﴾ مبالغةً في النبذ و الطرح، فلم يعملوا به، فكتموا الحق، و أظهروا الباطل، تجرؤاً على محارم الله، و تهاوناً بحقوقه، وحقوق خلقه. ﴿وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ﴾ أي: أخذوا بدله، واستعاضوا عن ذلك الكتمان و جحدان الحق﴿ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ﴾ أي: حقيراً يسيراً من حطام الدنيا وأعراضها، كرياسة و مكانة، فكتموا الحق خوف فوات الحظ الدنيوي عنهم ﴿فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ﴾ أي: فبئست الصفقة صفقتهم، و بئس البيع بيعهم، وبئس الشراء شراؤهم، وبئس هذا العوض الذي اشتروا به الباطل، ورغبوا فيه عن الحق. وفي الآية: تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم، فيصيبهم ما أصابهم، فعليهم أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، و لا يكتموا منه شيئاً. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال:«من سئل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار». رواه الترمذي.

3:188Page 75

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

١٨٨ -أسباب نزول الآية:روى البخاري و مسلم وأحمد والترمذي: أن مروان بن الحكم قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذباً، لنعذبن أجمعون؟ فقال ابن عباس: ما لكم وهذه الآية؟ إنما نزلت في أهل الكتاب، سألهم النبي ﷺ عن شيء فكتموه و أخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، و استحمدوا بذلك إليه، و فرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه.وأخرج الشيخان، و اللفظ للبخاري، من حديث أبي سعيد الخدري: أن رجالاً من المنافقين في عهد رسول الله ﷺ، كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو، تخلفوا عنه، و فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله ﷺ، فإذا قدم رسول الله ﷺ من الغزو، اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت الآية. ﴿لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ﴾ من الآثام، والقبائح، والإضلال، والباطل القولي والفعلي [وفي قراءة بالياء : (لا يحسبن)] .﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ﴾ من التمسك بالحق و هم على ضلال، ومن الوفاء بعهد الله وميثاقه وهم على نقضه وخلافه، فجمعوا بين فعل الشر و قوله، والفرح بذلك، ومحبة أن يُحمدوا و يُثنى عليهم بالخير الذي ما فعلوه، و الحق الذي ما قالوه. ﴿فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ﴾ [وفي قراءة: بالياء وكسر السين وضم الباء: (فلا يحَسِبُنَّهم بمفازة)] أي: بفوز، أو بمنجاة، أي: بمكان ينجون فيه ﴿مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ﴾ في الآخرة، بل سيصيرون إليه، و يعذبون فيه، وهو جهنم ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: مؤلم فيها.ومفازة: مصدر بمعنى: الفوز، تقول: فاز يفوز، إذا نجا. و في الآية: وعيد للمرائين المتكثّرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين:«من ادعى دعوى كاذبة ليتكثّر بها لم يزده الله إلا قلّة». وفي الصحيحين أيضاً:«المتشبّع بما لم يعط، كلابس ثوبي زور».فائدةيدخل في عموم هذه الآية: أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من العلم ولم يتابعوا محمداً ﷺ على ما جاء به، وكذلك كل من ابتدع في الدين بدعة قولية أو فعلية، وفرح بها، ودعا إليها، وزعم أنه على الحق. وقد دلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يُحمد و يُثنى عليه بما فعله من الخير و اتباع الحق، دون قصد من رياء أو سمعة، فإن ذلك غير مذموم، بل هو من الأمور المطلوبة، كقول إبراهيم عليه السلام: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين)الشعراء(٨٤) ، وكقول عباد الرحمن: (واجعلنا للمتقين إماماً)الفرقان(٧٤).

3:189Page 75

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.

١٨٩ - ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ﴾ وما فيهما من شيء، المالك لهما، المتصرف فيهمـا بما شاء و كيف شاء ﴿وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ﴾ فلا يمتنع عليه منهم أحد، ولا يعجزه أحد.

3:190Page 75

إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠

Indeed, in the creation of the heavens and the earth and the alternation of the night and the day are signs for those of understanding -

١٩٠ - سبب نزول الآية:أخرج الطبراني وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: أتت قريش اليهود، فقالوا: بما جاءكم موسى من الآيات؟ قالوا: عصاه، و يد بيضاء للناظرين، و أتوا النصارى، فقالوا: كيف كان عيسى؟ قالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، فأتوا النبي ﷺ، فقالوا: ادعُ لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهباً، فدعا ربه، فنزلت: (إن في خلق السماوات والأرض)- إلى قوله:- (لأولي الألباب) فليتفكروا فيها.﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ وما فيهما من الإحكام، والإتقان، وبديع الصنع والنظام، و منافع الخلق، والتقدير والترتيب ﴿وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ﴾أي: تعاقبهما بالمجيء والذهاب، وتفاوتهما بالزيادة والنقصان. ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي: دلالات واضحة، و براهين بينة ظاهرة، تدل على الخالق الذي أحكمها وأتقنها وأبدع صنعها، بكمال قدرته، وسعة علمه و حكمته، و وضعه الأشياء مواضعها، و عموم فضله، وشمول بره، و وجوب شكره. ﴿لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ أي: لذوي العقول الصحيحة، الخالصة عن شوائب النقص و الوهم . و خص ذوي العقول دون غيرهم، لأنهم المنتفعون بهذه الآيات، الناظرون إليها بعين العقل والبصيرة، لا بعين البصر.

3:191Page 75

ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٩١

Who remember Allāh while standing or sitting or [lying] on their sides and give thought to the creation of the heavens and the earth, [saying], "Our Lord, You did not create this aimlessly; exalted are You [above such a thing]; then protect us from the punishment of the Fire.

١٩١ - ﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ﴾ على كل أحوالهم، وكان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه ، كما في الصحيح من حديث عائشة. و هذا يشمل جميع أنواع الذكر القلبية منها و القولية، ويدخل في ذلك الصلاة .﴿قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ﴾ فلا يضيعونها في حال من الأحوال، فيصلونها قياماً مع عدم العذر، وقعوداً وعلى جنوبهم مع العذر. وفي الصحيحين عن عمران بن حصين رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال:«صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنبك». و قيل: يذكرون الله قياماً في صلاتهم، و قعوداً في غير صلاتهم، وعلى جنوبهم نياماً. ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ في بديع صنعهما، وحسن إتقانهما، وعظيم إحكامهما، ليستدلوا بذلك على عظمة خالقهما، و كمال قدرته، وعلمه و حكمته، و رحمته. وفي الآية: إرشاد إلى فضيلة التفكر في خلق الله الدالة على ذاته و صفاته، وشرعه وقدره، وآياته، فإن فيها عبرة لمن اعتبر، و مواعظ لمن ادكر. ثم هم يقولون:﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا﴾ الخلق الذي نراه بعين بصيرتنا ﴿بَٰطِلٗا﴾ أي: عبثاً وهزلاً ولعباً، عارياً عن الحكمة، خالياً عن المصلحة، بل خلقته بالحق و العدل دليلاً على حكمتك و قدرتك، مشتملاً على حكم جليلة، منتظماً لمصالح عظيمة، يدور عليها أمر معاش العباد، ومعرفة أحوال المبدأ والمعاد، و جعلته ميداناً لاختبار عبادك، لتجزي الذين أساءوا بما عملوا، وتجزي الذين أحسنوا بالحسنى.﴿سُبۡحَٰنَكَ﴾ تنزيهاً لك عما لا يليق بجلالك و كمالك من خلق الباطل! ﴿فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ بحولك وقوتك، واحفظنا من عذابها، بتوفيقنا للطاعات، و الأعمال الصالحات، و مجانبة السيئات، والعصمة عن المنكرات.

3:192Page 75

رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ١٩٢

Our Lord, indeed whoever You admit to the Fire - You have disgraced him, and for the wrongdoers there are no helpers.

١٩٢ - ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ﴾ أي: فضحته، أو: أهنته و أذللته، أو: أهلكته، بحلول سخطك عليه ﴿وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: الكافرين ﴿مِنۡ أَنصَارٖ﴾ يمنعونهم وينقذونهم و يجيرونهم من عذاب الله، فإنهم لا محيد لهم عما أردت بهم، ولا مجير لهم يوم القيامة منك.

3:193Page 75

رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ ١٩٣

Our Lord, indeed we have heard a caller [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] calling to faith, [saying], 'Believe in your Lord,' and we have believed. Our Lord, so forgive us our sins and remove from us our misdeeds and cause us to die among the righteous.

١٩٣ - ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا﴾ أي: داعياً ﴿يُنَادِي﴾ أي: يدعو الناس و يرغبهم ﴿لِلۡإِيمَٰنِ﴾ أي: إلى الإيمان بأصوله و فروعه، و هو محمد ﷺ، أو القرآن. ﴿أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ﴾ به، و استجبنا له وصدقناه، وامتثلنا أمره، و اتبعناه بإيماننا بـك، واتباعنا نبيك. ﴿رَبَّنَا﴾ وتكريـر النـداء لإظهـار التضرع و الخضوع ﴿فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: استر لنا الكبائر منها، بعفوك وكرمك ﴿وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا﴾ أي: أزل وحُـطّ عـنا صغائر ذنوبنا،أو: غطِّها فلا تظهرها بالعقـاب عليها ﴿وَتَوَفَّنَا﴾ أي: اقبض أرواحنا وأمتنا ﴿مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ﴾ وهم الأنبياء والصالحون، أي: اجعلنا في جملتهم، واحشرنا في زمرتهم، وعلى مثل أعمالهم، ثم ألحقنا بهـم. والأبرار: جمع برّ، كرب و أرباب، أو جمع بارّ، كصاحب و أصحاب. و هو الكثير الخير، و المتسع في الإحسان وطاعة الله.

3:194Page 75

رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ١٩٤

Our Lord, and grant us what You promised us through Your messengers and do not disgrace us on the Day of Resurrection. Indeed, You do not fail in [Your] promise."

١٩٤ - ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا﴾ أي: وأعطنا ﴿مَا وَعَدتَّنَا﴾ به ﴿عَلَىٰ﴾ ألسنة ﴿رُسُلِكَ﴾ من النصر، و الظهور في الدنيا، والرحمة و الفضل، والثواب لأهل طاعتك، و الفوز برضوانك وجنتك. وسؤالهم ذلك- وإن كان وعده تعالى لا يتخلف- سؤال أن يجعلهم من مستحقيه، لأنهم لم يتيقّنوا استحقاقهم له. ﴿وَلَا تُخۡزِنَا﴾ أي: لا تفضحـنا، ولا تهـنا، و لا تهلكـنا ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ﴾ على رؤوس الخلائق و بين أهل الجمع، ﴿إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ أي: الوعد بالبعث والحساب و الجزاء، فالله تعالى بكرمه و عظيم إنعامه، لا يخلف وعده رسله، و لا يخلف عباده المؤمنين الصالحين وعده إياهم، على ألسنة رسله، و ما جاء في كتبه، من مغفرة ذنوبهم، وإنجائهم من عذابه، ومصيرهم إلى جنته ورضوانه، ولطفه ورحمته بالمسيئين منهم.فائدةوقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يقرأ هذه الآيات العشر من آخر آل عمران إذا قام من الليل لتهجده: فعند البخاري عن ابن عباس قال:«بِتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله ﷺ مع أهله ساعة ثم رقد، فلما كان ثلث الليل الآخر، قعد، فنظر إلى السماء فقال: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار) الآيات، ثم قام فتوضأ و اسْتَنّ، ثم صلى إحدى عشر ركعة، ثم أذن بلال فصلى ركعتين، ثم خرج فصلى بالناس الصبح». وروى ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما :«أن رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة بعدما مضى ليل فنظر إلى السماء، و تلا هذه الآية: (إن في خلق السموات والأرض) الآيات، ثم قال: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، و في بصري نوراً، و عن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن بين يدي نوراً، ومن خلفي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وأعظم لي نوراً يوم القيامة». وروى ابن مردويه و عبد بن حميد من حديث عائشة: أن بلالاً جاء يُؤْذن رسول الله ﷺ بصلاة الصبح، و رسول الله يبكي، فقال: ما يبكيك يا رسول الله، و قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر؟ فقال:«ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل الله علي هذه الليلة: (إن في خلق السماوات والأرض) الآيات». ثم قال:«ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском