Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:41–71
3:41Page 55
قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١
He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."
٤١ - ﴿قَالَ﴾ زكريا: ﴿رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ﴾ أي: علامة أستدل بها على حصول الحمل عند زوجتي، لأبادر إلى شكر هذه النعمة والقيام بحقها ﴿قَالَ﴾ الله :﴿ءَايَتُكَ﴾ أي: علامتك على الحمل ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ﴾ أي: تعجز عن تكليمهم من غير آفة، فيحبس لسانك ويمتنع من كلام الناس، بخلاف ذكر الله ﴿ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ﴾ أي: لكن إيماء وإشارة، حيث حبس عن النطق من غير آفة مدة ثلاثة أيام، لتخلص تلك الأيام لذكر الله عز وجل، شكراً على ما أنعم به عليه وتفضلا. والاستثناء في الآية منقطع، لأن الرمز ليس من جنس الكلام- وهو النطق باللسان- ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا﴾ بالتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ﴿وَسَبِّحۡ﴾ أي: صل- ومنه التسبيح: الصلاة- أو: نزهه تعالى دائماً عما لا يليق به من العجز والنقص- ومنه التسبيح: التنزيه- ﴿بِٱلۡعَشِيِّ﴾ أواخر النهار، من زوال الشمس إلى الغروب. والعشي: جمع عشية. ﴿وَٱلۡإِبۡكَٰرِ﴾ أوائل النهار، من طلوع الفجر إلى الضحى. والإبكار: مصدر أبكر، بمعنى: بكّر، أريد به الوقت الذي هو البُكرة.
3:42Page 55
وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢
And [mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh has chosen you and purified you and chosen you above the women of the worlds.
٤٢ - ﴿وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ عن أمر الله لهم بذلك، وقيل: المراد جبريل عليه السلام ﴿يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ﴾ أي: اختارك، بما وهب لك من الصفات الجليلة والأخلاق الكريمة وكثرة العبادة والزهادة في الدنيا ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من الكفر والأخلاق الرذيلة وسائر الأدناس الحسية والمعنوية ﴿وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: فضلك على جميع النساء. وفي الحديث عند البخاري: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام».
3:43Page 55
يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣
O Mary, be devoutly obedient to your Lord and prostrate and bow with those who bow [in prayer]."
٤٣ - ﴿يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أي: أخلصي له العبادة وحده، وأديمي له الطاعة، مع الخضوع والخشوع له سبحانه. والقنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع والخشوع .﴿وَٱسۡجُدِي﴾ لربك ﴿وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ﴾ أي: وصلي مع جماعة المصلين، وكوني منهم. وهذا الأمر بكثرة العبادة والخشوع والركوع والسجود والدأب في العمل الصالح لما يريد الله بها من الأمر الذي قدره وقضاه، وهو خلق ولد منها بغير أب.
3:44Page 55
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ ٤٤
That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. And you were not with them when they cast their pens1 as to which of them should be responsible for Mary. Nor were you with them when they disputed.
٤٤ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ مما قصه الله عليك من أمر زكريا ومريم عليهما السلام ﴿مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ﴾ أي: من أخبار ما غاب عنك، ولم تكن في زمانه حاضراً ولا شاهـداً ﴿نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ﴾ أي: نقصه عليك يا محمد، بأمرنا ووحينا ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ﴾ أي: بحضرة المتنازعين في كفالة مريم، بل الله أوحى إليك بخبرهم- وهذا مع التسليم بأنه ﷺ ليس ممن يقرأ الإنجيل ولا ممن يلابس النصارى-. ﴿إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ﴾ أي: حين يرمون أو يطرحون سهامهم للاقتراع بها، والاستهام عليها. والأقلام والسهام والأزلام والأقداح كلها بمعنى واحد. ﴿أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ﴾ أي: يضمها إلى حضانته رغبة منهم في الخير والأجر، كونها بنت إمامهـم وعالمهـم ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ﴾ أي: يختلفون في أمر كفالتها وتربيتها، فأصابت القرعة زكريا عليه السلام فكفلها بأمر الله.
3:45Page 55
إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥
[And mention] when the angels said, "O Mary, indeed Allāh gives you good tidings of a word1 from Him, whose name will be the Messiah, Jesus, the son of Mary - distinguished in this world and the Hereafter and among those brought near [to Allāh].
٤٥ - ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ بأمر الله لهم بذلك: ﴿يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ﴾ أي: بكلمة كائنة من الله تعالى، أي: مبتدئة منه بغير توسط الأسباب العادية، قال له: كن، فكان. والمعنى: إن الله يبشرك بولد يكون خلقه و وجوده بكلمة من الله ﴿ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ﴾ عليه السلام، ونسبه إلى أمه- عليها السلام- تنبيهاً على أنه يولد لها من غير أب، بل بكلمة من الله، كن، فكان .والمسيح: فعيل بمعنى: فاعل، للمبالغة في مسحه الأرض بالسياحة للعبادة. أو مسحه ذا العاهة ليبرأ بإذن الله. أو: بمعنى: مفعول، أي: ممسوح، لأن الله مسحه بالبركة وطهره من الذنوب. وهو لقب لعيسى بن مريم منقول عن الصفة. ﴿وَجِيهٗا﴾ أي: ذا جاه وقدر وشرف وكرامة ﴿فِي ٱلدُّنۡيَا﴾ بالنبوة والرسالة ﴿وَٱلۡأٓخِرَةِ﴾ بالشفاعة وعلو الدرجة ورفيع المنزلة ﴿وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ﴾ عند الله، لكونه من أولي العزم من الرسل.
3:46Page 56
وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦
He will speak to the people in the cradle and in maturity and will be of the righteous."
٤٦ - ﴿وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ﴾ أي: في حال كونه صغيراً قبل أوان الكلام، وهي آية من آيات الله. والمهد: اسم للمضجع الذي يهيأ للصبي في زمن رضاعه. وهو في الأصل: مصدر مهده يمهده، إذا بسطه وسواه. ﴿وَكَهۡلٗا﴾ أي: و يكلم الناس في حال كهولته واكتمال قوته بالوحي والنبوة والرسالة. فهو عليه السلام يكلمهم بكلام الأنبياء في حالتي الطفولة والكهولة. وفي تغير أطوار حياته من طفولة إلى كهولة، ردٌّ على النصارى الذين يزعمون ألوهيته. والكهل: من وخطه الشيب، أو اجتمعت قوته وكمل شبابه وهو المحتنك فوق الغلام ودون الشيخ، والمرأة كهلة، ومنه قولهم: اكتهل النبات، إذا طال وقوي. ﴿وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ أي : وجعـلناه في قولـه وعملـه وعلمه من الصالحين. فتضمنت البشرى: ولادته، وكلامه في المهد، وبلوغه سن الكهولة، وكونه من صالحي عباد الله، وكونه ذا وجاهة، وكونه نبياً رسولاً.
3:47Page 56
قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٧
She said, "My Lord, how will I have a child when no man has touched me?" [The angel] said, "Such is Allāh; He creates what He wills. When He decrees a matter, He only says to it, 'Be,' and it is.
٤٧ - ﴿قَالَتۡ﴾ مريم في مناجتها لربها: ﴿رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ﴾ أي: كيف يكون، أو من أين يكون لي ولد، وهذا من باب الاستبعاد والغرابة الطبيعية في الإنسان بحكم العادة، لا استبعاداً لقدرة الله. ﴿وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ ﴾ بتزوج ولا غيره، فكأنها استبعدت بالطبع أن تلد ولداً من غير ذكر يكون له أباً ﴿قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ﴾ أي: هذا أمره من خلق ولد منك بلا أب. وقد نصّ هنا على قوله: (يخلق) ولم يقل: (يفعل) كما في قصة زكريا، لئلا يبقى لمبطل أو جاحد شبهة. ﴿إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا﴾ أراده أو أحكمه وقدره لكمال حكمته، وجلال مشيئته ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾[وفي قراءة: بالفتح: (فيكونَ)] أي: فيحدث فوراً بلا مهلة، لكمال قدرته، وهو كقوله: (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر)القمر(٥٠) وهذا أمر تكويني لا تكليفي. وجمهور المفسرين على أن قوله: (كن فيكون) تمثيل لتأثير قدرته في مراده، بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع وتوقف، وافتقار إلى مزاولة عمل أو استعمال آلة. فكأن أصل الكلام: إذا قضى أمراً فيحصل عقبه دفعة واحدة، فكأنما يقول له: كن فيكون. وقيل: هو حقيقة لا تمثيل. راجع البقرة: (١١٧). قلت: وهو الأولى والأظهر، لأن الأصل في الكلام الحقيقة، لا المجاز، إلا لقرينة.
3:48Page 56
وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٤٨
And He will teach him writing and wisdom1 and the Torah and the Gospel
٤٨ - ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ [وفي قراءة: بالنون: (ونعلمه)] أي: الكتابة والخط باليد كأحسن ما يكون ﴿وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾ وهي الإصابة في القول والعمل، أو أحكام الشرائع. أو العلم وقوة الفهم وحسن التدبير للأمور بوضعها في مواضعها. ﴿وَٱلتَّوۡرَىٰةَ﴾ الكتاب الذي أنزل على موسى عليه السلام ﴿وَٱلۡإِنجِيلَ﴾ الذي أنزل على عيسى عليه السلام.
3:49Page 56
وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٤٩
And [make him] a messenger to the Children of Israel, [who will say], 'Indeed I have come to you with a sign from your Lord in that I design for you from clay [that which is] like the form of a bird, then I breathe into it and it becomes a bird by permission of Allāh. And I cure the blind [from birth] and the leper, and I give life to the dead - by permission of Allāh. And I inform you of what you eat and what you store in your houses. Indeed in that is a sign for you, if you are believers.
٤٩ - ﴿وَ﴾ يجعله ﴿رَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ ويؤيده بالآيات البينات الدالات على صدقه، قائلاً لهم: ﴿أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ﴾ أي: علامة على صدقي﴿مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ تدلكم على أني رسول الله حقا وصدقاً، وذلك ﴿أَنِّيٓ أَخۡلُقُ﴾ أي: أصوِّر وأقدِّر ﴿لَكُم﴾ لأجل تصديقكم بي وبرسالتي وردّ إنكاركم ﴿مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ﴾أي: شيئاً مثل صورة الطير وشكله [وفي قراءة: (كهيَّة الطير) بدون الهمزة] ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ أي: في ذلك الشيء المصور الذي مثل صورة الطير ﴿فَيَكُونُ طَيۡرَۢا﴾ يطير عياناً كسائر الطيور [وفي قراءة: (طائراً)] ﴿بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ﴾ أي: بأمره وإرادته. فلولا الإذن من الله عز وجل لم يقدر عيسى على ذلك. وعليه، فقد كانت تسوية الطين وتصويره طيراً والنفخ فيه من عيسى، و الخلق و الإنشاء من الله عز وجل. ﴿وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ﴾ أي: وأشفي- بإذن الله- من وُلد أعمى فيبصر ﴿وَٱلۡأَبۡرَصَ﴾ أي: وأشفي كذلك من به برص، وهو بياض يظهر في الجلد، فيعود صحيحاً كما كان. وخُصّا بالذكر لأنهما داءا إعياء لا يبرآن في الغالب بالمداواة. و أبريء: من برأ المريض يبرأ ويبرؤ برْءً وبُروءً. وبرؤ- ككرم وفرح- إذا نقه من مرضه. وأبرأه الله فهو بارئ وبرئ. و الأكمه : من كمه يكمه كمهاً، إذا ولد أعمى، فهو أكمه، وامرأة كمهاء. ﴿وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ﴾ كرر قوله: (بإذن الله) لنفي توهم الألوهية فيه.﴿وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ﴾ أي: أخبركم بما تأكلون الآن ﴿وَمَا تَدَّخِرُونَ﴾ أي: تخبّئون ﴿فِي بُيُوتِكُمۡۚ﴾ لغد، أو لوقت الحاجة إليه، مما لم أعاينه، فكان يخبر الإنسان بما أكل وبما يأكل وقت حاجته. والعادة أن ما يأكله الإنسان في بيته وما يدخره لوقت حاجته لا يطلع عليه الناس، فكان ذلك آية لعيسى عليه السلام. و تدخرون : من الادخار: وهو إعداد الشيء لوقت الحاجة إليه. يقال: ذخرته وادخرته، إذا أعددته للعقبى. وأصله: تذتخرون- بالذال المعجمة- من اذتخر الشيء- على وزن افتعل- ثم دخله الإبدال.﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ المذكور ﴿لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ﴾ أي: علامة دالة على صدقي ﴿إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ بالله وبما جئتكم به من عنده.
3:50Page 56
وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٥٠
And [I have come] confirming what was before me of the Torah and to make lawful for you some of what was forbidden to you. And I have come to you with a sign from your Lord, so fear Allāh and obey me.
٥٠ - ﴿وَ﴾ جئتـكم ﴿مُصَدِّقٗا﴾ أي: مقــرراً ومثبتاً ﴿لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ﴾ أي: قبلي ﴿مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ﴾ لأنها بشرت به وذكرت أوصافه، فكان بعثه تصديقاً لها، وكان هو يراعي أحكامها فيما لم يؤمر بنسخه، فذلك من تصديقه لها ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ﴾ أي: ولأجل أن أحل لكم بعضاً مما حرم عليكم في التوراة، وأضع عنكم بعض الآصار والأغلال، مخففاً عنهم مما شدد الله فيه عليهم لتشديدهم على أنفسهم. وهو صريح في أن شريعة عيسى نسخت شريعة موسى عليهما السلام في بعض الأحكام. وقيل: إنما أحل لهم ما حرمته عليهم الأحبار ولم تحرمه التوراة .﴿وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ على صدقي ورسالتي، وكرره للتأكيد، ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من توحيد الله وطاعته، أي: ادخلوا في ديني وتابعوني عليه. [وفي قراءة: بإثبات الياء وقفاً ووصلاً: (وأطيعوني )].
3:51Page 56
إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٥١
Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is the straight path.'"
٥١ - ﴿إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُـدُوهُۚ﴾ وحـده لا شريك له، وهي دعوة جميع الأنبياء والرسل، ﴿هَٰذَا﴾ الذي آمركم به من عبادة الله وحده وطاعته ومتابعتي على أمري هو ﴿صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ﴾ أي: طريق قويم واضح لا اعوجاج فيه، من سلكه واتبعه في الدنيا، أوصله في الآخرة إلى جنات النعيم.
3:52Page 56
۞ فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢
But when Jesus felt [persistence in] disbelief from them, he said, "Who are my supporters for [the cause of] Allāh?" The disciples said, "We are supporters for Allāh. We have believed in Allāh and testify that we are Muslims [submitting to Him].
٥٢ - ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ﴾ أي: علمه يقيناً بلا شبهة، واستشعره منهم، وتحققه تحقق ما يدرك بالحواس، وهم كفار بني إسرائيل. يقال: أحس الشيء: علمه بالحس، وأحس بالشيء: شعر به بحاسته، ومنه قوله تعالى: (هل تحس منهم من أحد)مريم(٩٨). ﴿قَالَ﴾- نادباً لهم على مؤازرته ونصرته، وذلك بعد أن استشعر منهم التصميم على الكفر، والاستمرار على الضلال، والاتفاق على رد دعوته-: ﴿مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ﴾ أي: أعواني في الدعوة إلى الله وتبليغ رسالته إلى الناس. أو: من أعواني، حال كوني ذاهباً إلى الله ملتجئاً إليه لأنصر دينه. والأنصار: جمع نصير.﴿قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ﴾ أي: أصفياء عيسى وأنصاره وخواصه. جمع حواري. وحواري الرجل: ناصره وصفيه وخالصته، من الحور: وهو شدة البياض، ومنه قيل: الحواري للخبر الخالص الدقيق. وسموا حواريين: لخلوص نياتهم وصفاء سرائرهم من النفاق والريبة. وفي الصحيحين: «لكل نبي حواري، وحواري الزبير» قالها ﷺ يوم الأحزاب لما انتدبهم فانتدب الزبير. ﴿نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ﴾ أي: أعوان دينه ورسوله ﴿ءَامَنَّا بِٱللَّهِ﴾ أي: صدقنا به وبرسوله ﴿وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ أي: اشهد لنا يوم القيامة عند ربك بأنا مخلصون في إيماننا، منقادون لطاعة ربنا ونصرة رسوله.
3:53Page 57
رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٣
Our Lord, we have believed in what You revealed and have followed the messenger [i.e., Jesus], so register us among the witnesses [to truth]."
٥٣ - ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ﴾ في الإنجيل ﴿وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ﴾ عيسى عليه السلام بما جاءنا به- وهذا من تمام كلام الحواريين- ﴿وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ﴾ لك بالوحدانية، ولنبيك عيسى بالرسالة، ولدينك بالحق والصدق.
3:54Page 57
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤
And they [i.e., the disbelievers] planned, but Allāh planned. And Allāh is the best of planners.
٥٤ - ﴿وَمَكَرُواْ﴾ أي: كفار بني إسرائيل بعيسى إذ دبروا قتله غيلة، وتواطئوا عليه، ﴿وَمَكَرُواْ﴾ بهم أي: دبر تدبيرا محكما أبطل مكرهم، فاستدرجهم من حيث لا يعلمون، وأحبط تدبيرهم برفعه من بين أظهرهم إلى محل كرامته، وإلقاء الشبهة على غيره، فقتلوه وصلبوه، ظنا منهم أنهم قتلوا عيسى وظفروا بطلبتهم. ﴿وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ﴾ أي: أقواهم مكراً، وأنفذهم كيدا، وأحكمهم تدبيراً وأقدرهم على إيصال الضرر بهم من حيث لا يشعرون، ولكن لا يمكر إلا بماكر. والمكر: التدبير المحكم، أو صرف الغير عما يريده بحيلة. وهو مذموم إن تحرى به الفاعل الشر والقبيح، كمكر هؤلاء اليهود بقتل عيسى غيلة. ومحمود إن تحرى به الفاعل الخير والجميل، ومنه «مكر الله» حيث نجى رسوله منهم واستدرجهم من حيث لا يعلمون. و في الآية: إثبات صفة المكر لله تعالى على المعنى اللائق بكماله وجلاله.
3:55Page 57
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٥٥
[Mention] when Allāh said, "O Jesus, indeed I will take you and raise you to Myself and purify [i.e., free] you from those who disbelieve and make those who follow you [in submission to Allāh alone] superior to those who disbelieve until the Day of Resurrection. Then to Me is your return, and I will judge between you concerning that in which you used to differ.
٥٥ - ﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: قابضك ومستوفي أجلك في الدنيا، أو مستوفي شخصك من الأرض، أو مستوفي مدة إقامتك بين قومك.من توفى المال، بمعنى: استوفاه وقبضه.أو: آخذك وافياً بروحك وجسدك. من وفيت فلاناً حقه، أي: أعطيته إياه وافياً، فاستوفاه وتوفاه، أي: أخذه وافياً.﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ من الأرض إلى محل كرامتي في السماء روحاً وجسداً، فالعطف هنا للتفسير. وعيسى عليه السلام لم يقتل ولم يصلب، كما قال تعالى: (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)النساء(١٥٧) وقال: (وما قتلوه يقيناً)النساء(١٥٧)، ولكن رفعه الله إليه، كما قال: (بل رفعه الله إليه)النساء(١٥٨) وسينزل في آخر هذه الأمة حكماً عدلاً، يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويتبع ما جاء به محمد ﷺ، فيجب الإيمان بذلك. والجمهور: على أنه رفع حياً من غير موت ولا غفوة، بروحه وجسده إلى السماء، ويبقى فيها إلى الأمد المقدر له الذي لا يعلمه إلا الله. ونزوله من علامات الساعة الكبرى، ويكون بعد ظهور المسيح الدجال، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ. ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: ومبعـدك مـن جوارهم برفعك إلي، وبنجاتك من مكرهم ومما قصدوا بك من القتل والصلب ﴿وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ﴾ وهم كل من آمن بأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وآمن بما جاء به من التوحيد الذي جاء به جميع رسل الله، ويندرج فيهم المسلمون من أمة محمد ﷺ، الذين آمنوا برسل الله جميعاً، ولم يفرقوا بين أحد منهم. ﴿ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ بالحجة والبرهان والفضل أو بالقوة والعزة والغلبة ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ﴾ فكل من تمسك بدين الله وشرعه، نصره الله وأظهره على من نبذ دينـه وشرعه ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ﴾ يـوم القضاء والفصل ﴿فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين، وأمر عيسى عليه السلام.
3:56Page 57
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٥٦
And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."
٥٦ - ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا﴾ بالقتل والسبي والجزية وإزالة الأيدي عن الممالك، ﴿وَٱلۡأٓخِرَةِ﴾ بالنار ﴿وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ﴾ أي: مانعين من العذاب الدنيوي والأخروي.
3:57Page 57
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٧
But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allāh does not like the wrongdoers.
٥٧ - ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ﴾ [وفي قراءة: بالنون (فنوفيهم أجورهم)] كاملة موفرة غير منقوصة، في الدنيا بالنصر والظفر والغلبة، وفي الآخرة بالجنة ﴿وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾بل يبغضهم ويسخط عليهم ويعاقبهم.وفي الحديث عند الشيخين : «أن عيسى عليه السلام ينزل قرب الساعة، ويحكم بشريعة محمد ﷺ، ويقتل الدجال والخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية» .وعند مسلم: «أنه يمكث سبع سنين ويتوفى ويُصلى عليه» أي: بعد نزوله قرب الساعة. وفي رواية عند أبي داود الطيالسي: «أنه يمكث أربعين سنة». فيحتمل أن يكون المراد: مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده، جمعاً بين الحديثين. والله تعالى أعلم.
3:58Page 57
ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ ٥٨
This is what We recite to you, [O Muḥammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message [i.e., the Qur’ān].
٥٨ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ المذكور من نبأ عيسى وغيره ﴿نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ﴾ أي: نقصه عليك يا محمد ﴿مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ﴾ البينات الدالات على صدقك ﴿وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ﴾ أي: المشتمل على الحكم، أو: المحكم الذي لا خلل فيه ولا اضطراب، وهو القرآن الكريم.
3:59Page 57
إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩
Indeed, the example of Jesus to Allāh1 is like that of Adam. He created him from dust; then He said to him, "Be," and he was.
٥٩ - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ﴾ أي: إن شأنه وحاله وصفته العجيبة بالنسبة لقدرة الله في خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ ءَادَمَۖ ﴾ أي: كشأن آدم في خلقه من غير أب ولا أم ، بل شأن آدم أعجب وأغرب حيث ﴿خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ﴾ يابس، وهو كلام مستأنف، لبيان أن المشبَّه به- وهو آدم عليه السلام- أخرق للعادة وأغرب، وهذا من باب تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم، وأوقع في النفس. ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن﴾ بشراً ﴿فَيَكُونُ﴾ أي: فكان بأمر الله. وكذلك عيسى عليه السلام قال له: كن من غير أب، فكان بأمر الله وقدرته. وعليه: فمن آمن بقدرته تعالى في خلق آدم من تراب، كيف لا يؤمن بها في خلقه عيسى عليه السلام من غير أب!
3:60Page 57
ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٦٠
The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.
٦٠ - ﴿ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: في أمر عيسى وشأنه، والمعنى: جاءك الحق من ربك، أو هـو الحـق من ربك ﴿فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾ أي: الشاكين في أنه الحق. والخطاب له ﷺ- والنهي له لزيادة التثبيت- والمراد به: أمته، أو كل من يصلح للخطاب. والامتراء: الشك، من قولهم: مريت الناقة والشاة، إذا حلبتها، فكأن الشاك يجتذب بشكه مراء، كاللبن الذي يجتذب عند الحلب. يقال: مارى فلانٌ فلاناً، إذا جادله، كأنه يستخرج غضبه.
3:61Page 57
فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦١
Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allāh upon the liars [among us]."
٦١ - ﴿فَمَنۡ حَآجَّكَ﴾ أي: جادلك يا محمد، من نصارى نجران ﴿فِيهِ﴾ أي: في شأن عيسى ابن مريم، مدعياً أنه إله أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة- تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- وكان وفد نصارى نجران قد وفد عليه ﷺ سنة تسع من الهجرة وحاجّه في ذلك ﴿مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ﴾ بأمره، مما قصه الله عليك، وبيّنه وأخبرك بحقيقته ﴿فَقُلۡ﴾ لهم: ﴿تَعَالَوۡاْ﴾ أي: هلموا وأقبلوا بالعزم والرأي ﴿نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ﴾ أي: ليدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة- وهي: الملاعنة- ﴿ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ﴾ أي: نتباهل ونتلاعن، كافتعل وتفاعل، أي: ندع باللعنة على الكاذب منا ﴿فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ بأن نقول في دعائنـا جميعاً: بُهْلة الله على الكاذب منا ومنكم- أي: في شأن عيسى- أو: اللهم اجعل لعنتك على الكاذب منا ومنكم. والبُهلة والبَهلة: اللعنة، والمباهلة: الملاعنة، يقال: بهله الله يبهله بهلاً، لعنه وأبعده من رحمته وطرده عنها. ثم شاعت في كل دعاء مجتهد فيه وإن لم يكن التعاناً. وكان النبي ﷺ قد دعا وفد نصارى نجران إلى المباهلة لما حاجوه في شأن عيسى ابن مريم، فامتنعوا وأبوا عليه، وقالوا: إنه والله النبي المبشر به في التوراة والإنجيل، ولو باهلناه ما بقي نصراني على وجه الأرض. وفي الصحيحين عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ، قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ، فأراد أن يلاعنهما، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعننا، لا نُفلح أبداً نحن ولا عقبنا من بعدنا، فقالوا له: نعطيك ما سألت، فابعث معنا رجلاً أميناً، فقال: «قم يا أبا عبيدة ابن الجراح»، فلما قام، قال: «هذا أمين هذه الأمة».
3:62Page 58
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٢
Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allāh. And indeed, Allāh is the Exalted in Might, the Wise.
٦٢ - ﴿إِنَّ هَٰذَا﴾ الذي قصه الله عليك يا محمد من نبأ عيسى وشأنه ﴿لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ ﴾ أي: الخبر الذي لا ريب فيه ولا شك ولا مرية، ﴿وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ﴾ فلا معبود بحق إلا هو ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ﴾ في ملكه وسلطانه ﴿ٱلۡحَكِيمُ﴾ في صنعه وأمره، وشرعه وقدره.
3:63Page 58
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٣
But if they turn away, then indeed - Allāh is Knowing of the corrupters.
٦٣ - ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ﴾ أي: أعرضوا عن الحق إلى الباطل وعدلوا عن الإيمان إلى الكفر ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ فيجازيهم على ذلك شر الجزاء، لأن التولي عن الحق إلى الباطل والعدول عن الإيمان إلى الكفر هو عين الفساد في الأرض.
3:64Page 58
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٦٤
Say, "O People of the Scripture, come to a word that is equitable between us and you - that we will not worship except Allāh and not associate anything with Him and not take one another as lords instead of Allāh."1 But if they turn away, then say, "Bear witness that we are Muslims [submitting to Him]."
٦٤ - ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: اليهود والنصارى- ومن جرى مجراهم من المشركين- ﴿تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ﴾ أي: هلموا إلى كلمة ذات عدل وإنصاف- من السواء: وهو العدل والنصفة- أو: هلموا إلى كلمة مستو أمرها- من السواء: مصدر بمعنى مستوية- ﴿بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ﴾ لا تختلف فيها الرسل والكتب المنزلة والشرائع، ثم فسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا﴾ من خلقه في ملك أو رزق أو استحقاق عبادة، بل نفرده وحده بالعبادة، لا شريك له، وهي دعوة جميع الرسل. قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)الأنبياء(٢٥) وقال: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)النحل(٣٦). ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ﴾ كما اتخذتم الأحبار والرهبان، واعتقدتم ربوبية المسيح وعزير. ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ﴾ أي: أعرضوا عن التوحيد، وعما دُعوا إليه من عدم اتخاذ البعض بعضاً أرباباً من دون الله ﴿فَقُولُواْ﴾ أنتم- أيها المسلمون- لهم: ﴿ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ موحدون، مستمرون على دين الإسلام الذي شرعه الله لنا، مرتضون بما رضي الله لنا من الدين، منقادون لأمره وأحكامه. وأما أنتم فكافرون- من باب التعريض- حيث توليتم عن الحق. وعن ابن عباس، قال: حدثني أبو سفيان: أن هرقل دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت، فإنما عليك إثم الأريسيين، و (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)- إلى قوله:- (فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون)»رواه البخاري.
3:65Page 58
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٦٥
O People of the Scripture, why do you argue about Abraham while the Torah and the Gospel were not revealed until after him? Then will you not reason?
٦٥ - أسباب نزول الآية:أخرج البيهقي في «الدلائل» عن ابن عباس، قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله ﷺ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً، فأنزل الله: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم) الآية. ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ﴾ أي: تخاصمون وتجادلون ﴿فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ بزعمكم أنه كان على دينكم، يدين بما تدينون ﴿وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ﴾ بزمن طويل، فاليهودية حدثت بعد نزول التوراة على موسى بفعل أحبارهم، والنصرانية حدثت بعد نزول الإنجيل على عيسى بفعل رهبانهم،وإبراهيم كان قبل ذلك بدهر طويل، ثم إن موسى وعيسى جاءا بالإسلام لا بسواه وأتباعهما الذين آمنوا بهما مسلمون، فلا اليهودية ديناً لموسى ولا النصرانية ديناً لعيسى بل دينهما الإسلام. ﴿أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ بطلان قولكم.
3:66Page 58
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٦٦
Here you are - those who have argued about that of which you have [some] knowledge, but why do you argue about that of which you have no knowledge? And Allāh knows, while you know not.
٦٦ - ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ﴾ أي: جادلتم ﴿فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ﴾ من أمر موسى وعيسى، وزعمكم أنكم على دينهما. أو فيما لكم به علم في التوراة والإنجيل من الحلال والحرام وأنواع العبادات، مما خالفوا مقتضاه وجادلوا فيه بالباطل . ﴿فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ﴾ من أمر إبراهيم وشأنه، وزعمكم أنه على دينكم. ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ﴾ من أمره وشأنه ﴿وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ شيئا من ذلك. وفي الآية: دليل على أنه لا يحل للمرء أن يقول أو يجادل فيما لا علم له به.
3:67Page 58
مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٦٧
Abraham was neither a Jew nor a Christian, but he was one inclining toward truth, a Muslim [submitting to Allāh]. And he was not of the polytheists.1
٦٧ - ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا﴾ على زعمكم وادعائكم ﴿وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا﴾ أي: مائلاً عن الأديان الباطلة كلها إلى الدين الحق، مائلاً عن الشرك إلى التوحيد ﴿مُّسۡلِمٗا﴾ مطيعاً لله، عابداً له، منقاداً لأمره، أو موحداً. والإسلام يطلق بمعنى التوحيد، ومنه قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)آل عمران(١٩). ﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ﴾ إنما كان دينه الإسلام، فاليهود أشركوا بزعم التشبيه وقولهم: عزير ابن الله، والنصارى أشركوا بزعم ألوهية المسيح. ونظير هذه الآية قوله: (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين)البقرة(١٣٥). وفيه رد أيضاً على المشركين الذين ادعوا أنهم على ملة إبراهيم.
3:68Page 58
إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٨
Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allāh] and this prophet [i.e., Muḥammad (ﷺ)] and those who believe [in his message]. And Allāh is the Ally1 of the believers.
٦٨ - ﴿إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ﴾ أي: أحقهم وأخصهم به ﴿لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ﴾ في زمانه، فآمنوا به، وأطاعوه وتابعوه على دينه وملته ﴿وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ﴾ محمد ﷺ، وأولويته بإبراهيم من جهة كونه من ذريته ومن جهة موافقته له في الإيمان وكثير من شرعه ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ﴾ من أمته ﷺ، فهم الذين ينبغي لهم أن يقولوا نحن على دينه وملته، لا أنتم معشر اليهود والنصارى. ﴿وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ جميـعاً بالنصـر والتأييد، فهو ناصرهم وحافظهم ومجازيهم بالحسنى.
3:69Page 58
وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩
A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.
٦٩ - ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ﴾ أي: أحبوا ذلك وتمنوه لكم، واستقرت في قلوبهم الرغبة أن تضلوا عن الحق، باتباع ما يدعونكم إليه بغياً وحسداً. قيل: نزلت في جماعة من اليهود دعوا جماعة من المسلمين إلى دينهم. ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ﴾ لثبوت قَدم المؤمنين على إيمانهم، فلا يعود إثم إضلالهم، ووبال فتنتهم إلا عليهم﴿وَمَا يَشۡعُرُونَ﴾ بذلك وبأنه ممكور بهم و بالوِزْر الواقع عليهم .
3:70Page 58
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠
O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?
٧٠ - ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ المنزّلة في كتبه، المشتملة على وصفه ونعته ﷺ، الدالة على صدق نبوته ودعوته. أو بالقرآن المنزل على محمد ﷺ. ﴿وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ﴾ أي: تعلمون أنها حق بما قام عليها من دلائل الصدق في كتبكم.
3:71Page 59
يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١
O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?
٧١ - ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ﴾ أي: تخلطون أو تسترون ﴿ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ بتحريف كتبكم وتبديلها، وإدخال ما ليس من الدين فيها، وإظهار تكذيبكم لمحمد ﷺ مع علمكم بصدقه، وإلقاء الشبه في دينه. وهو من اللبس: أي: الخلط.يقال: لبس عليه الأمر يلبسه فالتبس، إذا خلطه عليه حتى لا يعرف جهته. وأمر ملبس وملتبس، أي: مشتبه. ﴿وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ﴾ الذي لا يقبل تحريفاً ولا تبديلاً ولا تمويها مما في كتبكم من صفته ونعته، وصدق نبوته ﴿وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ ذلك وتعرفونه وتتحققونه من البشارة به في كتبكم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences