Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:55–73
33:55Page 426
لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٥٥
There is no blame upon them [i.e., women] concerning their fathers or their sons or their brothers or their brothers' sons or their sisters' sons or their women or those their right hands possess [i.e., slaves].1 And fear Allāh. Indeed Allāh is ever, over all things, Witness.
٥٥ - ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ﴾ أي: لا إثم ولا حرج على نساء رسول الله ﷺ ﴿فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ﴾ أن لا يحتجبن منهم.والآية استئناف لبيان من لا يجب على نساء رسول الله ﷺ – وكذا على غيرهن من النساء – الاحتجاب عنهم، وهم: الآباء والأبناء والإخوة، وأبناء الإخوة والأخوات، ولم يذكر العمّ والخال لأنهما بمنزلة الوالدين.﴿وَلَا نِسَآئِهِنَّ﴾ أي: المؤمنات، اللاتي من جنسهنّ في الدين فلا تحتجب المرأة عن المرأة المؤمنة، فأخرج بذلك من عموم الاستثناء: نساء الكفّار.ويحتمل أن يكون المراد: جنس النساء عموماً، من قراباتهنّ، أو جاراتهنّ، أو من له بلقائهن حاجة من النساء، فإن المرأة لا تحتجب عن المرأة عموماً، وهو الأوْلى.﴿وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ﴾ من العبيد والإماء، أن يروهنّ ويكلموهنّ من غير حجاب. وقيل: إنما عنى به الإماء فقط دون العبيد، والأوّل أوْلى.وقد تقدّم الكلام عليه عند قوله تعالى في سورة النور، الآية (٣١): (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن...).﴿وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ﴾ في كل الأمور والتي من جملتها ما أُمرتنّ به في هذه السورة، واخشيْنه في السرّ والعلانية ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا﴾ لا يخفى عليه شيء، فراقبنه واحفظنه.
33:56Page 426
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا ٥٦
Indeed, Allāh confers blessing upon the Prophet, and His angels [ask Him to do so]. O you who have believed, ask [Allāh to confer] blessing upon him and ask [Allāh to grant him] peace.
٥٦ - ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ﴾ محمد ﷺ، أي: يثنون عليه بإظهار شرفه وتعظيم شأنه.والمراد بالصّلاة هنا: العطفُ، وهو من الله: الرحمة والثناء عليه عند الملائكة، ومن الملائكة: الاستغفار والبركة،ومن الناس: الدعاء.روى البخاري عن أبي العالية، قال: صلاة الله تعالى: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء. وقال سفيان الثوري: صلاة الربّ: الرحمة، وصلاة الملائكة: الاستغفار.﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾ أي: قولوا: اللهم صلّ على محمد وسلّم. أو قولوا: السلام عليك أيها النبي ونحوه. والسلام مصدر بمعنى: السلامة، أي: السلامة من النقائص والآفات لك، أو: ملازمة ذلك لك، ولتضمنه معنى الثناء، عُدِّي ب «على».وأكد التسليم دون الصلاة لاستغنائها عن التأكيد بكونها يفعلها الله وملائكته.والآية إخبار من الله تعالى بمنزلة عبده ونبيّه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة، وأن الملائكة تصلّي عليه، فأمر عباده بأن يقتدوا بذلك، فيصلوا ويسلّموا عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعاً.وقد تقدّم أن الله سبحانه وتعالى يصلي على عباده المؤمنين في قوله تعالى: (هو الذي يصلّي عليكم وملائكته)الأحزاب(٤٣). وقال تعالى: ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)البقرة(١٥٧).وفي الحديث:«إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف».رواه النسائي.فائدة حديثية وقد جاءت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ بالأمر بالصلاة عليه، ومنها:ما رواه البخاري عند تفسير هذه الآية عن كعب بن عجرة، قال: قيل: يا رسول الله، أمّا السلام عليك، فقد عرفناه، فكيف الصلاة؟ قال: قولوا:«اللهمّ صلّ على محمد وعلى آل محمدّ، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».قوله:«أما السلام عليك فقد عرفناه»: معناه: هو الذي في التشهّد، وفيه: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا:«اللهم صلّ على محمد عبدك ورسولك، كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محّمد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم».وروى مسلم عن أبي مسعود الأنصاري: أن بشير بن سعد قال لرسول الله ﷺ: أمرنا الله أن نصلي عليك، فكيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا:«اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم - أي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته –» وأخرجه أيضاً: أبو داود والترمذي والنسائي.وروى ابن أبي حاتم عن كعب بن عجرة، قال: لما نزلت: (يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) – قلنا: يا رسول الله، قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك، قال: قولوا:«اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم،إنك حميد مجيد». فائدة فقهية اختلف في وجوب الصلاة على رسول الله ﷺ، في التشهد الأخير من الصلاة على قولين:الأول: فذهب الشافعي إلى أنه يجب على المصلّي أن يصلي على رسول الله ﷺ في التشهد الأخير، فإن تركه، لم تصحّ صلاته، واستدل للوجوب بظاهر الآية والأحاديث المذكورة.الثاني: وذهب الجمهور إلى خلافه، فقالوا بعدم الوجوب، وإن تركه، صحت صلاته، واستدلوا لعدم الوجوب بحديث المسيء صلاته، إذ ليس فيه وجوب الصلاة عليه في التشهد الأخير.قلت: وهو الراجح عندي. والله أعلم. فائدة فضل الصلاة على النبي ﷺ:روى مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:«من صلّى عليّ واحدة صلّى الله عليه بها عشراً».وأخرج أحمد والنسائي بنحوه عن أبي طلحة: أن رسول الله ﷺ قال:«إنه أتاني الملك فقال: يا محمد، أما يرضيك أن ربك عز وجلّ يقول: إنه لا يصلّي عليك أحد من أمتك، إلاّ صلّيت عليه عشراً، ولا يسلّم عليك أحد من أمتك، إلا سلّمت عليه عشراً، قلت: بلى»وروى الترمذي -وقال: حسن غريب – عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال:«أولى الناس بي يوم القيامة: أكثرهم عليّ صلاة».وروى الترمذي عن أبيّ بن كعب، قال: قلت:«يا رسول الله، إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي، قال: ما شئت،...، قلت: أجعل لك صلاتي كلّها، قال: إذن تكفى همّك، ويغفر لك ذنبك».وروى أحمد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ:«من صلّى عليّ صلاة واحدة، صلى الله عليه عشر صلوات، وحطّ عنه عشر خطيئات».وروى أحمد أيضا عن علي بن الحسين عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال:«البخيل من ذُكرت عنه ثم لم يصلّ عليّ».وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:«رغم أنف رجل ذُكرت عنه، فلم يصلّ عليً» الحديث، وقال: حسن غريب. فائدة واختلف في مشروعية الصلاة على رسول الله ﷺ كلما ذُكر، على أقوال:الأول: فذهب طائفة من العلماء، منهم الطحاوي والحليمي: إلى وجوب الصلاة على رسول الله ﷺ كلما ذُكر. واستدلوا بحديث الترمذي:«رغم أنف رجل ذكرت عنده، فلم يصلّ عليّ» و بحديث أحمد:«البخيل من ذكرت عنده ثم لم يصلّ عليّ».الثاني: وذهب آخرون: إلى أنه تجب الصلاة عليه في المجلس مرّة واحدة، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، بل تستحبّ، و يتأيد ذلك بالحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال:«ما جلس قوم مجلساً، لم يذكروا الله فيه، ولم يصلّوا على نبيّهم، إلاّ كان عليهم ترة – أي: حسرة وندامة – يوم القيامة، فإن شاء عذّبهم وإن شاء غفر لهم».الثالث: وذهب بعضهم إلى أنه إنما تجب الصلاة عليه ﷺ في العمر مرّة واحدة، امتثالاً لأمر الآية، ثم هي مستحبّة في كلّ حال. وهذا هو الذي نصره القاضي عياض، بعدما حكى الإجماع على وجوب الصلاة عليه ﷺ في الجملة، وهو الراجح عندي. فائدةواختُلف في الصلاة على غير الأنبياء والرسل: فإن كانت على سبيل التبعيّة، كما في حديث: «اللهم صلّ على محمد وآله وأزواجه وذريّته» فهذا جائز بالإجماع، وإنما وقع النزاع فيما إذا أُفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم استقلالاً على قولين:الأول: فقال بعضهم: يجوز ذلك، واحتجوا لمذهبهم:بقوله تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته)الأحزاب(٤٣) وبقوله: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)البقرة(١٥٧) وبقوله: (خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم)التوبة(١٠٣).وبحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال:«اللهمّ صلّ عليهم» فأتاه أبي بصدقته، فقال:«اللهم صل على آل أبي أوفى» أخرجاه في الصحيحين.الثاني: وقال الجمهور من العلماء: لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة، لأن هذا قد صار شعاراً لهم، كلما ذُكروا، فلا يلحق بهم غيرهم، فلا يقال: قال أبو بكر صلى الله عليه، أو عليّ صلى الله عليه، وإن كان المعنى صحيحاً، كما لا يقال: قال محمد عز وجلّ، وإن كان عزيزا جليلاً، لأن هذا من شعار ذكر الله عزّ وجلّ، وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة على الدّعاء لهم، ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبي أوفى، ولا لجابر وامرأته .قال ابن كثير: وهذا مسلك حسن.قلت: وهو كذلك، والله تعالى أعلم.وأما السلام على غير الأنبياء والرسل: فعلى قولين أيضاً:الأول: الجواز، لعموم الأدلّة السابقة، ولأن السلام في معنى الصلاة.الثاني: عدم الجواز، وهو مذهب الجمهور، قال الجويني: السلام في معنى الصلاة، فلا يستعمل في الغائب، ولا يُفرد به غير الأنبياء، فلا يقال: عليّ عليه السلام، وسواء في هذا الأحياء والأموات، وأما الحاضر، فيخاطب به، فيقال له: سلام عليك، وسلام عليكم، أو السلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه، اهـ.قال ابن كثير: وقد غلبت عبارة: علي عليه السلام دون سائر الصحابة، وهذا وإن كان معناه صحيحاً لكن ينبغي أن يُسوّى بين الصحابة في ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فأبو بكر وعمر وعثمان أولى بذلك منه، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. قال عكرمة عن ابن عباس: لا تصحّ الصلاة على أحد إلاّ على النبي ﷺ،ولكن يُدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة.قال النّووي: إذا صلّى أحد على النبي ﷺ، فليجمع بين الصلاة والتسليم عليه، ولا يقتصر على أحدهما، فيقول: اللهم صلّ على محمد، أو محمد عليه السلام. قال ابن كثير: وهذا الذي قاله مأخوذ من هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلموا تسليما) فالأوْلى أن يُقال: صلى الله عليه وسلم تسليما.
33:57Page 426
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٥٧
Indeed, those who abuse Allāh and His Messenger - Allāh has cursed them in this world and the Hereafter and prepared for them a humiliating punishment.
٥٧ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ وهذا يشمل كلّ أذيّة قوليّة أو فعلية، من سبٍّ لله، تعالى وتقدّس، أو وصفٍ له بما هو منزّه عنه من الولد والشريك، أو نسبة ما فيه إهانة إليه، بأي طريق كان، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيراً. وكذا كل ما يؤذي رسوله ﷺ من الأقوال والأفعال، من سبّ وشتم وعيب، وتنقّص له، أو لدينه، أو إهانة، أو تكذيب، ونحوه. فالآية عامّة في كلّ أذية قولية أو فعلية لله ورسوله، و أنّ من آذى رسول الله، فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله.﴿لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ﴾ أي: أبعدهم وطردهم من رحمته، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا﴾ أي: ذا إهانة وإذلال، هو النار، ينالون فيه الهوان والخزي.وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:«يقول الله عز وجلّ: يؤذيني ابن آدم، يسبّ الدهر، وأنا الدّهر، أقلّب ليله ونهاره».وأخرج أحمد والترمذيّ:أن رسول الله ﷺ قال:«الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبّي أحبهم، ومن أبغضهم، فببُغضي أبغضهم، ومن آذاهم، فقد آذاني، ومن آذاني، فقد آذى الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه».وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله) قال: نزلت في الذين طعنوا على رسول الله ﷺ في تزويجه صفية بنت حييّ بن أخطب.والآية عامّة في كلّ من آذى الله ورسوله بشيء.
33:58Page 426
وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٥٨
And those who harm believing men and believing women for [something] other than what they have earned [i.e., deserved] have certainly borne upon themselves a slander and manifest sin.
٥٨ - ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ﴾ بأي وجه من وجوه الأذى، من قول أو فعل ﴿بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ﴾ أي: يرمونهم أو ينسبون إليهم – ما هم برآء منه – بغير ما عملوا أو فعلوا، أو بغير جناية يستحقّون بها الأذية. ويدخل في هذا سبّهم وشتمهم، وضربهم، والتنقص منهم، وإتلاف أموالهم واستحلال أعراضهم، ونحو ذلك.﴿ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا﴾ أي: تحمّلوا كذباً فظيعاً وزوراً وفريةً، وفعلاً شنيعاً ﴿وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ أي: بيّنا واضحاً ظاهراً، حيث آذوهم بغير سبب منهم موجب للأذى، وتعدّوا عليهم وانتهكوا حرمة أمر الله باحترامها. وفي الحديث عند ابن أبي حاتم عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: أي الربا أربى عند الله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أربى الربا عند الله، استحلال عرض امرئ مسلم، ثم قرأ: (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا) الآية.وفي الحديث الصحيح أيضاً:«كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه». رواه مسلم.
33:59Page 426
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٥٩
O Prophet, tell your wives and your daughters and the women of the believers to bring down over themselves [part] of their outer garments.1 That is more suitable that they will be known2 and not be abused. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.3
٥٩ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ﴾ إذا هنّ خرجن من بيوتهن لحاجتهن، أي: يُسدلن ويُرخين الجلابيب عليهنّ حتى يسترن أجسامهن، من رؤوسهن إلى أقدامهنّ، ويغطّين زينتهنّ التي أمر الله بسترها، وهي جميع البدن عدا الوجه والكفين (كما تقدم في سورة النور، آية: ٣١).والإدناء: التقريب، ولتضمّنه معنى السّدل أو الإرخاء عُدّي ب «على».والجلابيب: جمع جلباب، وهو ثوب يستر جميع البدن، يُعرف بالملاءة أو الملحفة.﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: إدناء الجلابيب ﴿أَدۡنَىٰٓ﴾ أي: أقرب إلى ﴿أَن يُعۡرَفۡنَ﴾ بأنهنّ حرائر كريمات طاهرات، أي: يعرفهنّ من يراهنّ، فيتميّزن عن غيرهن من غير العفيفات ونساء أهل الجاهلية، ﴿فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ﴾ مـن جهـة أهل الرّيبـة بالتعرض لهنّ، بخلاف غير العفيفات من النساء ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا﴾ لما سلف منهنّ من ترك إدناء الجلابيب ﴿رَّحِيمٗا﴾ بهنّ، إذ أمرهنّ بذلك، فسترهنّ.
33:60Page 426
۞ لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠
If the hypocrites and those in whose hearts is disease1 and those who spread rumors in al-Madīnah do not cease, We will surely incite you against them; then they will not remain your neighbors therein except for a little,
٦٠ - ﴿لَّئِن﴾ اللام لام قسم ﴿لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ﴾ عن نفاقهم ﴿وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ﴾ أي: شكّ وريبة في أمر الدين، وهم المنافقون أيضا، والعطف لتغاير الصّفات مع اتحاد الذات.﴿وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ﴾ وهم الذين يذكرون الأخبار الكاذبة المتضمنّة لتوهين جانب المسلمين، وظهور المشركين عليهم، وهم المنافقون أيضاً، والعطف لما ذكر. أو: هم المشيّعون للأخبار الكاذبة، كمجيء عدوّ وانهزام سرية مما يوهنون به قلوب المؤمنين. وقيل: هم من حول المدينة من اليهود، وكانوا ينشرون أخبار السوء عن سرايا المسلمين، ويلفّقون الأكاذيب الضارة بالمسلمين ويذيعونها.من الإرجاف: وهو إشاعة الكذب والباطل للاغتمام به، وأصله: التحريك الشّديد، مأخوذ من الرجفة، التي هي الزلزلة، وصُفت به الأخبار الكاذبة لكونها في نفسها متزلزلة غير ثابتة، أو لإحداثها الاضطراب في قلوب المصدّقين بها.والمعنى: لئن لم ينته هؤلاء عن نفاقهم وعمّا هم عليه من أمراض القلوب، والإرجاف في المدينة بالمسلمين، وعن كلّ ما يصدر منهم من دعوة إلى الشر، والتعريض بسب الإسلام وأهله، وتوهين قوى المسلمين، والتعرّض لهم بالسوء والفحشاء.﴿لَنُغۡرِيَنَّكَ﴾ يا محمد ﴿بِهِمۡ﴾ أي: لنسلطنّك عليهم فتستأصلهم بالقتل والأسر والنّفي أو الجلاء، بأمرنا لك بذلك ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ﴾ أي: لا يساكنونك في المدينة ﴿إِلَّا قَلِيلٗا﴾ أي: إلا زمناً قليلا ريثما يستعدّون للخروج، وذلك بأن تقتلهم، أو تنفيهم عنها.
33:61Page 426
مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١
Accursed wherever they are found, [being] seized and massacred completely.
٦١ - ﴿مَّلۡعُونِينَۖ﴾ أي: مطرودين، مبعدين عن الرحمة، لا يستريحون بالخـروج حال كونهم كذلك ﴿أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ﴾ أي: وُجدوا وأدركوا وظفر بهم، لا يحصل لهم أمن، ولا يقرّ لم قرار ﴿أُخِذُواْ﴾ لذلّتهم وقلّتهم أسْراً ﴿وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا﴾ أي: الحـكم فيهـم هذا على جهة الأمر به.أو: أنهم لن يجدوا أحداً يؤويهم، فيتخطّفهم الناس قتلاً وأسراً، لغضب الله ورسوله عليهم.وقد انتهى المنافقون عمّا هو المقصود بالنهي، وهو الإيذاء، فلم يُقتلوا، أما اليهود فلم ينتهوا، فوقع القتل والإجلاء لهم.وفي الآية دليل على نفي أهل الشّر، الذين يُتضرّر بإقامتهم بين أظهر المسلمين، فإن ذلك أحسم للشرّ وأدفع له.
33:62Page 426
سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢
[This is] the established way of Allāh with those who passed on before; and you will not find in the way of Allāh any change.
٦٢ - ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ﴾ أي: سنّ الله ذلك سنّة ﴿فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ﴾ من الأمم الماضية في المنافقين المرجفين، وهو لعن المنافقين، وأخذهم، وتقتيلهم، وتسليط المؤمنين عليهم، إن لم ينتهوا عن كفرهم ونفاقهم وإرجافهم، ويرجعوا إلى الحقّ ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا﴾ أي: تحويلاً وتغييراً، بل هي ثابتة دائمة في أمثال هؤلاء من السّلف والخلف، فسنّة الله وعادته جارية مـع الأسباب المقتضية لمسبّباتها.
33:63Page 427
يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ٦٣
People ask you concerning the Hour. Say, "Knowledge of it is only with Allāh. And what may make you perceive? Perhaps the Hour is near."
٦٣ - ﴿يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ﴾ أي: عن وقت قيامها وحصولها، ومتى تكون؟ والسائلون هم: أهل مكّة. وسؤالهم عنها: إمّا أن يكون استعجالاً لها، أو تكذيبا لوقوعها، أو تعجيزاً للذي أخبر بها.﴿قُلۡ﴾ لهم: ﴿إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ﴾ فلا أحد يعلم وقت مجيئها إلاّ الله.﴿وَمَا يُدۡرِيكَ﴾ يا محمد، أي: ما يُعلمك بها؟ فأنت لا تعلمها.﴿لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ أي: توجد في زمان قريب الوقوع. وفيه تهديد ووعيد.فإذا كان رسول الله ﷺ لا يعلم وقتها، وهو رسول الله، فكيف بغيره من الناس؟والآية كقوله(اقتربت الساعة وانشق القمر)القمر(١) وقوله:(اقترب للناس حسابهم)الأنبياء(١).
33:64Page 427
إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤
Indeed, Allāh has cursed the disbelievers and prepared for them a Blaze.
٦٤ - ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ أي: أبعدهم وطردهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا﴾ في الآخرة، أي: ناراً شديدة التسعّر والاتقاد يدخلونها.
33:65Page 427
خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٦٥
Abiding therein forever, they will not find a protector or a helper.
٦٥ - ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَآ﴾ أي: ماكثين فيها ﴿أَبَدٗاۖ﴾ بلا انقطاع، فلا خروج لهم منها، ولا زوال لهم عنها.﴿لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا﴾ يواليهم ويحفظهم من عذابها ﴿وَلَا نَصِيرٗا﴾ ينصرهم، فيدفـع عنهم عذابهـا، ويخلّصهم منها.
33:66Page 427
يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦
The Day their faces will be turned about in the Fire, they will say, "How we wish we had obeyed Allāh and obeyed the Messenger."
٦٦ - ﴿يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ﴾ أي: تصرف من جهة إلى جهة.وخصت الوجوه بالذكر دون سائر الأعضاء لشرفها. و الآية كقوله:(يوم يسحبون في النار على وجوههم)القمر(٤٨) فيذوقون حرّها، ويشتدّ عليهم أمرها.﴿يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ﴾ للتنبيه ﴿أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠﴾ يتمنّون أن لو كانوا في الدنيا ممّن أطاع الله وأطاع الرسول، كما أخبر الله عنهم بقوله: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا)الفرقان(٢٧) وقوله: (ربما يودّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين)الحجر(٢) لينجو من العذاب كما نجا المؤمنون.
33:67Page 427
وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧
And they will say, "Our Lord, indeed we obeyed our masters and our dignitaries,1 and they led us astray from the [right] way.
٦٧ - ﴿وَقَالُواْ﴾ أي: الأتباع منهــم – يوم القيامة -: ﴿رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا﴾ [وفي قراءة: (ساداتنا) بجمع الجمع] ،﴿وَكُبَرَآءَنَا﴾ أي: اتبعنا السّادة والقادة، والرؤساء والكبراء، وهم رؤوس الضلال الذين كانوا يمتثلون أمرهم ويقتدون بهم في الدنيـا ﴿فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠﴾ أي: طريق الهدى و الرشاد، بما زيّنوا لنا الكفر بالله، ومخالفة الرسل.
33:68Page 427
رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨
Our Lord, give them double the punishment and curse them with a great curse."
٦٨ - ﴿رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ﴾ أي: مثلي عذابنا لأنهم ضلّوا وأضلّوا، أو: عذابين يضاعف كلّ منهما الآخر: عذاباً على ضلالهم في أنفسهم، وعذاباً على إضلالهم لنا.﴿وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا﴾ أي:عظيم القدر، شديد الوقع.[وفي قراءة: (كثيرا) أي: عدده] .
33:69Page 427
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا ٦٩
O you who have believed, be not like those who abused Moses; then Allāh cleared him of what they said. And he, in the sight of Allāh, was distinguished.
٦٩ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ﴾ أي: مع نبيّكم محمد ﷺ ﴿كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ﴾ أي: رموه بعيب كذبا وباطلاً، بقولهم: ما يستتر هذا التستّر إلاّ من عيب أو أدرة أو آفة، ﴿فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ﴾ مـن التهمة والأذيّة،﴿وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا﴾ أي: ذا جاه، ووجاهة، وقَدْر، مستجاب الدعوة.والوجيه: النجيب المقبول.أخرج البخاري – عند تفسير هذه الآية - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:«إن موسى عليه السلام كان رجلاً حيياً ستيراً، لا يُرى من جلده شيء، استحياءً منه، فآذاه مَن آذاه مِن بني إسرائيل، فقالوا: ما يتستّر هذا التستّر، إلاّ من عيب في جلده، إما برص، وإمّا أدرة – وهي نفخة في الخصية - وإمّا آفة، وإن الله عز وجلّ أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى عليه السلام، فخلا يوماً وحده، فخلع ثيابه على حجر، ثم اغتسل، فلما فرغ، أقبل على ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عرياناً أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون... قال: فذلك قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى) الآية» الحديث.وفي الصحيحين عن ابن مسعود:«أن النبي ﷺ قسم قسماً، فقال رجل: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى، فغضب رسول الله ﷺ من ذلك، وقال: يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا، فصبر».ولفظ أحمد بن حنبل:«رحمة الله على موسى..».
33:70Page 427
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠
O you who have believed, fear Allāh and speak words of appropriate justice.
٧٠ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ في جميع أموركم وأحوالكم، بامتثال أمره، واجتناب نهيه، ﴿وَقُولُواْ﴾ في كل شأن من شؤونكم ﴿قَوۡلٗا سَدِيدٗا﴾ أي: قويماً حقا صواباً، أو صدقاً، أو قاصداً إلى الحقّ، أو قصداً مستقيما عدلاً، لا اعوجاج فيه ولا انحراف.من سدّد سهمه يسدّده: إذا وجّهه للغرض المرميّ ولم يعدل به عن سمته. والمراد من الأمر به: النهي عن ضدّه،ومنه ما قاله المنافقون في شأنه ﷺ و زيد و زينب رضي الله عنهما. ويدخل في القول السديد: قول لا إله إلا الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، ونحو ذلك.
33:71Page 427
يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١
He will [then] amend for you your deeds and forgive you your sins. And whoever obeys Allāh and His Messenger has certainly attained a great attainment.
٧١ - ﴿يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ﴾ أي: يجعلها صالحة، بأن يوفّقهم لصالح الأعمال، ويتقبّلها منهم﴿وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ﴾ أي: يجعلها مكفّرة غفورة باستقامتكم في القول و العمل ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ﴾ في الأوامر والنواهي ﴿فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا﴾ أي: نال غاية مطلوبه، وظفر بالكرامة العظيمة في الدّاريْن، بأن يُجار من الجحيم، ويصير إلى النعيم المقيم.وفي الحديث عن أبي موسى الأشعري قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فلما انصرف، أومأ إلينا بيده، فجلسنا، فقال:«إن الله تعالى أمرني أن آمركم أن تتقوا الله، وتقولوا قولاً سديداً». ثم أتى النساء، فقال:«إن الله أمرني أن آمركن أن تتقين الله، وتقلن قولاً سديداً».
33:72Page 427
إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا ٧٢
Indeed, We offered the Trust1 to the heavens and the earth and the mountains, and they declined to bear it and feared it; but man [undertook to] bear it. Indeed, he was unjust and ignorant.2
٧٢ - ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ﴾ وهي التكاليف والفرائض الشرعية. أو كلّ ما يؤتمن عليه من أمر ونهي، وشأنِ دينٍ ودنيا، مما يتعلّق بأدائها الثواب، وبتضييعها العقاب.وسمّيت أمانة: لأنها حقوق أودعها الله المكلّفين، وائتمنهم عليها، وأوجب عليهم مراعاتها، والمحافظة عليها، وأداءها بحقّها، من غير إخلال بها وبشرطها.فالأمانة تعمّ الدّين والتكاليف الشرعية، والفرائض والحدود، والطاعة و الإحسان في العبادة، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها – وهو الثواب لمن فعلها، والعقاب على من تركها -. ويدخل في الأمانة: الصلاة والصوم، وأمانة الحديث، وأمانة الأموال، كالودائع ونحوها، مما لا بيّنة فيه، والحلال والحرام، وكلّ ما يؤتمن عليه في أمر دينه ودنياه، مما وُكل أداؤه إلى المؤتمن، ولا يطّلع عليه إذا تركه إلاّ الله تعالى.هذه الأمانة عرضها الله ﴿عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ﴾ عرض تخيير لا تحتيم، إن أدّوها بحقّها أثابهم، وإن ضيّعوها عاقبهم.﴿فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا﴾ أي: امتنعن عن حملها ﴿وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا﴾ أي: خِفْن من الخيانة فيها، من غير معصية لله، ولكن تعظيماً لدينه أن لا يقوموا بها وبحقّها ﴿وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ﴾ بعد عَرْضها عليه، فقبلها بما فيها، والتزمها بحقّها ﴿إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا﴾ لنفسه بما حمل من الأمانـة ﴿جَهُولٗا﴾ به، أو لقدر ما دخل فيه من حَمْلها.ومعنى حمله لها: أنه صار مستعدّا لها بالفطرة، أو عند عرضها عليه في عالم الذرّ.وقوله: (ظلوما جهولا) بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة.وقد نقل القرطبيّ عن القفّال وغيره: أن العرض في الآية، ضرب مثل، أي: أن هذه الأجرام على عظمتها لو كانت بحيث يجوز تكليفها، لثقل عليها تقلّد الشرائع، لما فيها من العقاب والثواب، فالتكليف أمر حقّه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال، وقد حمله الإنسان، وهو ظلوم جهول، لو عقل.وقيل: الآية من المجاز، أي أنّا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلّمت، لأبت وأشفقت منها، فعُبّر عن هذا بعرض الأمانة، كما تقول: عرضتُ الحِمْل على البعير، فأباه، وأنت تريد: قايست قوّته بثقل الحمل، فرأيت أنها تقصر عنه.وقيل: العرض في الآية عرض حقيقي لا مجازي، بأن خلق الله في السموات والأرض والجبال فهماً ونطقاً، فلما عرض الأمانة عليهنّ بشرطها، أبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وقلن: يا ربّ إنا لا نستطيع هذا الأمر، ولكنا لك سامعون مطيعون.قلت: و الحمل على الحقيقة أولى من المجاز إلا لصارف، و لا صارف.
33:73Page 427
لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمَۢا ٧٣
[It1 was] so that Allāh may punish the hypocrite men and hypocrite women and the men and women who associate others with Him and that Allāh may accept repentance from the believing men and believing women. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
٧٣ - ﴿لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ﴾ اللام للعاقبة والصيرورة، أي: لتكون عاقبة حمل الأمانة أن يعذّب الله ﴿ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ﴾ وهم الذين يظهرون الإيمان – خوفاً من أهله – ويبطنون الكفر - متابعة لأهله – ﴿وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ﴾ وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة رسله، لأنهم لم يرعوا الأمانة ولم يقوموا بحقّها، ولم يقابلوها بالطاعة.﴿وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ﴾ الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، العاملين بطاعته، المؤدّين الأمانة بحقها، أي: ليرحمهم، ويقبل توبة من أطاعه، وراعى حقّ الأمانة، وأناب إليه تعالى في جميع أموره.﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا﴾ للمؤمنين والمؤمنات ﴿رَّحِيمَۢا﴾ بهم.وفي الصحيحين من حديث حذيفة ابن اليمان قال: حدثنا رسول الله ﷺ«أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن، وعلموا من السُّنة»، ثم حدثنا عن رفع الأمانة، فقال:«ينام الرجل النّومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظلّ أثرها مثل أثر المجْل – وهو انتفاخ في اليد من العمل الشاق أو النار - كجمر دحرجته على رجلك، تراه منتبراً – أي: متورّما - وليس فيه شيء، قال: فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده وأظرفه وأعقله، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان» الحديث. وأخرج أحمد والطبراني عن عبد الله ابن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال:«أربع إذا كنّ فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفّة طُعْمة».انتهى تفسير سورة الأحزاب
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences