Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
As-Saffat 37:53–110
37:53Page 448
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ ٥٣
That when we have died and become dust and bones, we will indeed be recompensed?'"
٥٣ - ﴿أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أي: لمجزيّون بأعمالنا، ومحاسبون عليها، بعد أن صرنا تراباً وعظاماً؟ من الدّين بمعنى: الجزاء والحساب.أي: أنه لا يصدّق ذلك بل ينكره ويستبعد حدوثه!
٥٤ - ﴿قَالَ﴾ أي: ذلك المؤمن الذي في الجنّة، لأصحابه وجلسائه من أهل الجنّة: ﴿هَلۡ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ﴾ أي: مشرفون على أهل النار لأريكم ذلك القرين الذي قال لي ما حكيته لكم؟
37:55Page 448
فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٥٥
And he will look and see him1 in the midst of the Hellfire.
٥٥ - ﴿فَٱطَّلَعَ﴾ أي: ذلك المؤمن عـلى أهـل النـار ﴿فَرَءَاهُ﴾ أي: رأى قرينه ﴿فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ﴾ أي: في وسط النّار.وسمّي الوسط سواءً: لاستواء المسافة منه إلى الجوانب.
٥٦ - ﴿قَالَ﴾ أي: ذلك المؤمن لقرينه لمّا رآه في النار: ﴿تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ﴾ أي: إنك قاربت ﴿لَتُرۡدِينِ﴾ لتهلكني بإغوائك وصدّك إيّاي عن الإيمان بالبعث والجزاء. أو: لتوقعني في النّار.يقال: أردى فلان فلاناً: إذا أهلكه، وردِيَ فلان – من باب: رضي -:إذا هلك.
37:57Page 448
وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ ٥٧
If not for the favor of my Lord, I would have been of those brought in [to Hell].
٥٧ - ﴿وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي﴾ عـليّ في الدنيـا بالإسـلام والإيمان، وفضله و رحمته بهدايتي إلى الحق، وعصمتي عن الضلال ﴿لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ﴾ معك في النّار، أي: من الذين أُحضروا للعذاب، مثلك ومثل أحزابك. وأُحضر لا يستعمل عند الإطلاق إلاّ في الشرّ.والآية كقوله: (وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله)الإعراف(٤٣).
٥٨ - ﴿أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ﴾ أي: يقول هذا المؤمن: أنحن مخلّدون، فما نحن بميّتين؟!
37:59Page 448
إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥٩
Except for our first death, and we will not be punished?"
٥٩ - ﴿ إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ﴾ أي: غيـر التـي كانت في الدنيا ﴿وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي: كما يعذّب أهل النار في الآخرة، بعد دخولنا الجنّة؟استفهام تلذّذ، وسرور، وابتهاج، وتحدّث بنعمة الله تعالى من تأبيد الحياة وعدم التعذيب.يقول ذلك المؤمن مبتهجاً بنعمة الله تعالى على أهل الجنة، بالخلود الدائم فيها، والسلامة من العذاب، أو: يقوله أهل الجنّة. والاستفهام بمعنى الإثبات والتقرير.أو يقوله ذلك المؤمن لقرينه، تقريعاً له و توبيخا.
٦٠ - ﴿إِنَّ هَٰذَا﴾ الذي ذُكر لأهل الجنّة من النعيم المقيم، والخلود الدائم، والإقامة في دار الكرامة، ﴿لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ الذي لا يقادر قدره، ولا يُحاط بوصفه.يحتمل أن يكون، هذا من كلام الله تعالى، أو: من كلام أهل الجنّة.
37:61Page 448
لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ ٦١
For the like of this let the workers [on earth] work.
٦١ - ﴿لِمِثۡلِ هَٰذَا﴾ النعيم المقيـم والفـوز العظيـم ﴿فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ﴾ في الدنيا، ليصيروا إليه في الآخرة. وهو من كلام الله تعالى، أو: من كلام أهل الجنّة.
37:62Page 448
أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢
Is that [i.e., Paradise] a better accommodation or the tree of zaqqūm?
٦٢ - ﴿أَذَٰلِكَ﴾ أي: النّعيم والرزق المذكور المعدّ لأهل الجنة ﴿خَيۡرٞ نُّزُلًا﴾ أي: كرامةً وضيافةً وعطاءً وفضلاً. والنّزل: ما يعدّ ويُهيّأ من الطعام للنازل من ضيف وغيره.﴿أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ﴾ المعدّة لأهل النّار؟وهي شجرة لا وجود لها في الدنيا، وإنما يخلقها الله في النّار، كريهة المنظر والطعم، يُكره أهل النار على تناول ثمرها، فهم يتزقمونه، فهو نُزلهم وضيافتهم.
37:63Page 448
إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣
Indeed, We have made it a torment for the wrongdoers.
٦٣ - ﴿إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا﴾ أي: تلك الشجرة ﴿فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: محنة، واختباراً، وعذاباً لهم في الآخرة، بإرغامهم على أكلها. كقوله تعالى: (وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوّفهم فما يزيدهم إلا طغياناً كبيراً)الإسراء(٦٠). قال ابن كثير: أي: إنما أخبرناك يا محمد بشجرة الزقوم، اختباراً نختبر به الناس، من يصدّق منهم ممن يكذّب.أو اختباراً في الدنيا حيث قالوا: كيف يكون في النار شجر؟ والنار تحرق الشجر، فيضاعف عذابهم بسبب هذا الإنكار!
37:64Page 448
إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤
Indeed, it is a tree issuing from the bottom of the Hellfire,
٦٤ - ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ﴾ أي: في قعر جهنّم، فهو أصل منبتها.
37:65Page 448
طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥
Its emerging fruit as if it was heads of the devils.
٦٥ - ﴿طَلۡعُهَا﴾ أي: ثمرها الذي يطلع منها – في تناهي قبحه وكراهيته وشناعة منظره ﴿كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ﴾ في قبح منظرها وبشاعتها، يُكره أهل النّار على أكله، فهم يتزقّمونه على أشدّ الكراهة.تبشيع لها وتكريه لذكرها.والتشبيه بها هنا على نحو ما جرى به استعمال المخاطبين من التشبيه بالشيطان إذا أرادوا المبالغة في تقبيح الشيء، فيشبّهون كلّ ما تناهى في القبح، بما يتخيّله الوهم، وإن لم يروه، وهو وجه الشيطان أو رأسه، على حدّ التشبيه بأنياب الأغوال، فشبّه المحسوس – وهو الثمر – بالمتخيّل – وهو رؤوس الشياطين – وإن لم تكن معروفة عند المخاطبين، غير مرئية لهم، للدلالة على أنه في غاية القبح والكراهية، لأنه قد استقرّ في النفوس أن الشياطين قبيحة المنظر. أفاده حسنين مخلوف في تفسيره.والطّلع: أول ما يظهر من ثمر النّخل.
37:66Page 448
فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦
And indeed, they will eat from it and fill with it their bellies.
٦٦ - ﴿فَإِنَّهُمۡ﴾ أي: أهل النّار ﴿لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا﴾ أي: من هذه الشجرة، أو من طلعها، مع شدّة قبحها، وكراهة منظرها، وسوء طعمها ﴿فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ﴾ أي: فهذا طعامهم في النّار، لغلبة الجوع أو الإكراه على أكلها، كما قال تعالى: (ليس لهم طعام إلاّ من ضريع ٦ لا يسمن ولا يغني من جوع ٧)الغاشية(٦ -٧).أخرج الترمذي – وقال: حسن صحيح – والنسائي و ابن ماجه، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية وقال:«اتقوا الله حقّ تقاته، فلو أن قطرة من الزقوم، قطرت في بحار الدنيا، لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه؟».
37:67Page 448
ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧
Then indeed, they will have after it a mixture of scalding water.
٦٧ - ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا﴾ أي: على هذه الشجرة، بعد الأكل منها ﴿لَشَوۡبٗا﴾ أي: لخلْطا ومزْجاً أو مزاجاً ﴿مِّنۡ حَمِيمٖ﴾ ماء شديد الحرارة، قد انتهى حرّه وبلغ الغاية فيه.أي: يشاب طعامهم منها، الذي ملأوا منه بطونهم، بعدما غلبهم العطش، بهذا الماء الحارّ، الذي تقطّع منه أمعاؤهم، كما قال تعالى: (وسقوا ماء حميماً فقطّع أمعاءهم)محمد(١٥) ليكون أفظع لعذابهم وأشنع لحالهم.يُقال: شاب فلانٌ طعامه، فهو يشوبه: إذا خلطه ومزجه.وفي الحديث عند ابن أبي حاتم، عن أبي أمامة الباهلي: عن رسول الله ﷺ أنه كان يقول:«يُقرّب – يعني: إلى أهل النّار - ماء فيتكرّهه، فإذا أُدني منه، شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه فيه، فإذا شربه، قطّع أمعاءه، حتى تخرج من دبره».
37:68Page 448
ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨
Then indeed, their return will be to the Hellfire.
٦٨ - ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ﴾ أي: مردّهم ومآلهم، ومصيرهم ومآبهم، بعد أكل الزّقوم، وشرب الحميم ﴿لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ﴾ وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه، ثم يردّون إلى الجحيم، كما قال تعالى: (يطوفون بينها وبين حميم آن)الرحمن(٤٤).
37:69Page 448
إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩
Indeed they found their fathers astray.
٦٩ - ﴿إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ﴾ أي: وجدوا، أو: صادفوا ﴿ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ﴾ عن الحقّ والهدى فاقتدوا بهم تقليداً وجهالة، من غير دليل، ولا حجّة، ولا برهان.
37:70Page 448
فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠
So they hastened [to follow] in their footsteps.
٧٠ - ﴿فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ﴾ أي: آثار آبائهم في الكفر والضلال ﴿يُهۡرَعُونَ﴾ أي: يُسرِعون، أو: يُزعجون ويُحثّون على الإسراع في السعي على آثارهم، من غير تدبّر وتفكّر، و مع ظهور كونهم على الباطل بأدنى تأمل، بل مجرّد تقليد، وترك اتباع دليل.والإهراع: الإسراع الشديد، أو: إسراع فيه رِعدة. يقال: هُرع وأُهرع – بالبناء للمفعول فيهما -: إذا استُحثّ وأزعج.وأقبل يُهرَع: أي: يُرعَد في غضب، أو ضعف، أو خوف. وأهرع فلان: إذا سار سيراً حثيثاً.
37:71Page 448
وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٧١
And there had already strayed before them most of the former peoples,
٧١ - ﴿وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ﴾ أي: قبل هؤلاء المخاطبين ﴿أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾ من الأمم الماضية، كعاد وثمود.
٧٢ - ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا فِيهِم﴾ أي: في الأمم الماضية ﴿مُّنذِرِينَ﴾ من الرّسل مخوّفين، ينذرونهم بأس الله ونقمته، فلم ينجع ذلك فيهم.
37:73Page 448
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ ٧٣
Then look how was the end of those who were warned -
٧٣ - ﴿فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ﴾ الذين أنذرتهم الرّسل، وخوّفتهم بأس الله وعقابه، فلم يؤمنوا، أي: كان عاقبتهم العذاب والهلاك.
٧٤ - ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ﴾ – بفتــح اللام وكسرها، قراءتان - أي: الذين أخلصهم الله لدينه وطاعته وعبادته، بتوفيقهم إلى الإيمان والتوحيد، أو: الذين أخلصوا لله الدّين والعبادة، فإنهم نجوا من العذاب والهلاك.
37:75Page 448
وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ ٧٥
And Noah had certainly called Us, and [We are] the best of responders.
٧٥ - ﴿وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ﴾ أي: حين دعا ربّه على هلاك قومه لما كذّبوه، كما قال تعالى: (فدعا ربّه أني مغلوب فانتصر)القمر(١٠) وقال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا)نوح(٢٦).﴿فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ﴾ له نحن إذ دعانا، فأهلكناهم بالغرق.والآيات شروع في ذكر قصص بعض المرسلين تبيّن حسن عاقبتهم وسوء خاتمة المكذبين من قومهم، وفيها إنذار وتهديد، وتسلية للرسول ﷺ.
37:76Page 448
وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٦
And We saved him and his family from the great affliction.
٧٦ - ﴿وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ﴾ ممّن آمن معه ﴿مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ وهو الغرق بالطوفان. والكرب: الغمّ الشديد.
37:77Page 449
وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ ٧٧
And We made his descendants those remaining [on the earth]
٧٧ - ﴿وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ﴾ في الأرض بعد الطوفان وهلاك الكافرين من قومه، فالناس كلّهم من ذريّة نوح، فقد روى الترمذي عن سمرة عن النبي ﷺ، في قوله تعالى: (وجعلنا ذريّته هم الباقين) قال: «سام وحام ويافث».وروى الإمام أحمد والترمذي في سننه عن سمرة أيضا: أن نبي الله ﷺ، قال:«سام أبو العرب، وحام أبو الحبش، ويافث أبو الروم».
37:78Page 449
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٧٨
And left for him [favorable mention] among later generations:
٧٨ - ﴿وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ﴾ أي: أبقينا على نوح ذكراً جميلاً، وثناء حسناً، فيمن بعده من الأنبياء والأمم إلى آخر الدّهر.
٧٩ - ﴿سَلَٰمٌ﴾ منّا ﴿عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ دعاء منه تعالى لنوح – عليه السلام - بالسلامة من أن يُذكر بسوء في العالمين.وقيل: الجملة مفعول «تركنا»، أي: تركنا عليه أن يسلّموا عليه تسليماً إلى يوم القيامة، فيقال: نوح عليه السلام.
٨٠ - ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ﴾ أي: كما جزيناهم، أو: مثل ذلك الجزاء الحسن الذي جازيناه نوحاً ﴿نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ من عبادنا في طاعة الله، فمن كان محسناً في أقواله وأفعاله، نجعل له لسان صدق، يُذكر به بعده.
٨١ - ﴿إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: المصدّقين الموحّدين الموقنين بالله المخلصين له.
٨٢ - ﴿ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ﴾ من كفّار قومه، أهلكناهم بالطوفان، فلم نُبق منهم أحداً.
٨٣ - ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ﴾ أي: وإن ممّن شايع نوحا وتابعه على منهاجه وطريقته وسنّته وملّته في الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالله ﴿لَإِبۡرَٰهِيمَ﴾ عليه السلام.أو: وإنّ من أهل دينه، أو ممن تابعه وشايعه ووافقه في أصل الدّين، والدعوة إلى الله (لإبراهيم).
٨٤ - ﴿إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ﴾ أي: اذكر حين أقبل على ربّه ﴿بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ﴾ أي: مخلَص من الشرك والشكّ والشبه، ناصح لله في خلقه، مخلص له بالتوحيد، خالص من الشوائب باق على الفطرة، سليم من النقائص والآفات.
37:85Page 449
إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ ٨٥
[And] when he said to his father and his people, "What do you worship?
٨٥ - ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ﴾ أي: ما الذي تعبدونه من دون الله؟ استفهام على وجه الإنكار والتوبيخ، وإلزام لهم بالحجّة.
37:86Page 449
أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ ٨٦
Is it falsehood [as] gods other than Allāh you desire?
٨٦ - ﴿أَئِفۡكًا﴾ أي: أكذبا وباطلاً ﴿ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ أي: أتريدون إفكاً آلهة دون الله؟ والإفك: الكذب، أو أسوأ الكذب. وهو مفعول «تريدون» و«آلهة» بدلٌ منه، وجُعلت نفس الإفك مبالغة، أي: أتعبدون غير الله آلهة كذباً؟ أو: أكذبا ومعبوداً باطلاً غير الله تريدون؟والمعنى: هل يصحّ لكم اتخاذ آلهة غير الله، لا لسبب إلاّ لأجل الإفك والكذب؟
37:87Page 449
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٧
Then what is your thought about the Lord of the worlds?"
٨٧ - ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ أي: أيّ سبب حملكم على ظنّ أنه تعالى يترككم بلا عقاب، حين تركتم عبادته وعبدتم غيره؟ أو: ما ظنكم أنه فاعل بكم إذا لاقيتموه وقد عبدتم معه غيره، أيترككم بلا عقاب؟ لا. أو المعنى: فما ظنكم بمن هو الحقيق بالعبادة لكونه ربا للعالمين، حتى تركتم عبادته و أشركتم به غيره؟والاستفهام للإنكار.
٨٨ - ﴿فَنَظَرَ نَظۡرَةٗ فِي ٱلنُّجُومِ﴾ أي: تأمّل فيها تأمل العالِمين. قيل: كان قومه يتعاطون علم النّجوم، فأراد أن يكايدهم في أصنامهم، ليلزمهم الحجّة في أنها لا تجلب خيراً، ولا تدفع شرّاً، وأن عبادتها شرك وضلال، فدبّر أن يحطمها في غفلة منهم، وأن يتخلّف في الخروج معهم في يوم عيدهم، ليتمكّن من ذلك، فأراهم أنه نظر في النجوم، إيهاماً لهم، وتعريضاً بهم.
٨٩ - ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٞ﴾ أي: عليل مريض. استدلّ بالنظر في النجوم على أنه مشارف للسّقم، فلا يستطيع الخروج معهم. والقصد: أنه اعتذر بالسّقم في التخلّف عنهم، ليتمّ له الكيد بآلهتهم. وهذا من باب التعريض القوليّ والفعلي، وليس من باب الكذب الحقيقيّ.أو أنه أراد: أنه سقيم القلب لكفرهم.وفي الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال:«لم يكذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله تعالى: قوله: (إنّي سقيم) وقوله: (بل فعله كبيرهم هذا) وقوله في سارة – زوجته -: هي أختي».قال ابن كثير: وهذا ليس من باب الكذب الحقيقي الذي يذمّ فاعله، حاشا وكلاّ، وإنما هو من المعاريض في الكلام لمقصد شرعي ديني، كما جاء في الحديث عند الطبراني: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب».قال العلاّمة حسنين مخلوف في تفسيره: وإنما أراهم ذلك – وهو لم ينظر في النجوم إلا نظرة المؤمن الذي يشهد فيها الدليل على قدرة مبدعها، و وحدة صانعها - ليوهمهم أنه نظر فيها على غرارهم، فيطمئنوا إلى صدق اعتذاره عن الخروج معهم، ويتمّ له ما يريد من قمع الشرك، وإقامة التوحيد والدلالة عليه .وقوله: (إني سقيم) أي: مشارف للسّقم: صدق، لأن كلّ إنسان لابدّ أن يَسْقم، ومن شارفه السّقم وبدت له أماراته وأعراضه، يقول: إنّي سقيم.وقد سلك عليه السلام – بنظره في النجوم، و بقوله: إني سقيم – مسلك التعريض الفعليّ والقوليّ، وهو ليس بكذب، وتسميته كذباً في الحديث الصّحيح: إنما هو بالنظر لما فَهِم القومُ منه، لا بالنظر إلى قصده عليه السلام.وجَعْله ذنباً في حديث الشفاعة، لما يتبيّن له أنه كان منه خلافَ الأوْلى، وكذلك يقال في قوله: (بل فعله كبيرهم هذا)الأنبياء(٦٣) وقوله في زوجته سارة: هي أختي. اه.
٩٠ - ﴿فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ﴾ أي: تركوه – خشية العدوى – وذهبوا إلى عيدهم.
37:91Page 449
فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٩١
Then he turned to their gods and said, "Do you not eat?1
٩١ - ﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ﴾ أي: فمال بخفية إلى أصنامهم – في غيبتهم – ليحطّمها ويكسرها، بعدما خرجوا عنه وأدبروا. وأصل الرّوغ: الميل إلى الشيء على سبيل الاحتيال.يقال: راغ إليه: مال نحوه لأمر يريده منه بالاحتيال، وراغ الثعلب روْغاً وروغاناً: مال إلى جانب ليخدع من خلفه، فتُجوِّز به عمّا ذُكر.﴿فَقَالَ﴾ أي: إبراهيم لأصنامهم، متهكّما بها، وكانوا قد صنعوا لها طعاماً: ﴿أَلَا تَأۡكُلُونَ﴾ فلم ينطقوا.
٩٢ - فقال: ﴿مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ﴾ فكيف يجوز أن تُعبد من دون الله؟
37:93Page 449
فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ ٩٣
And he turned upon them a blow with [his] right hand.
٩٣ - ﴿فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ﴾ أي: فمال، أو: أقبل على الأصنام ضارباً باليد اليمنى، لأنها أشدّ وأنكى، أو: ضرباً ملتبساً بالقوة.(فجعلهم جذاذاً إلاّ كبيراً لهم لعلهم إليه يرجعون)الأنبياء(٥٨).
37:94Page 449
فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ ٩٤
Then they [i.e., the people] came toward him, hastening.
٩٤ - ﴿فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ﴾ [و في قراءة بالبناء للمفعول:(يُزَفُّون)] أي: يُسرعون في مشيهم، بعدما علموا صنيعه بأصنامهم. من زفّ الظليم يزفّ زفا وزفيفاً: عدا بسرعة كأنه يطير. والظليم: ولد النّعامة.
37:95Page 449
قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ ٩٥
He said, "Do you worship that which you [yourselves] carve,
٩٥ - ﴿قَالَ﴾ لهم موبّخا: ﴿أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ﴾؟ أي: أتعبدون من دون الله أصناماً تنحتونها بأيديكم من الحجارة وغيرها. والنّحت: النجر والبرْيُ، يقال: نحته ينحته نحتاً: براه.
37:96Page 449
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦
While Allāh created you and that which you do?"
٩٦ - ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ﴾ أي: خلقكم وخلق عملكم، ف «ما» هنا مصدرية. أو: خلقكم والذي تعملونه، و«ما» هنا موصولة بمعنى: الذي، أي: فاعبدوه وحده.وكلا القولين متلازم، والأول أظهر، لما رواه البخاري في «أفعال العباد» عن حذيفة مرفوعاً:«إن الله تعالى يصنع كلّ صانع وصنعته».وقيل: إن «ما» موصوفة.
37:97Page 449
قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ ٩٧
They said, "Construct for him a structure [i.e., furnace] and throw him into the burning fire."
٩٧ - ﴿قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ﴾ لإحراقه ﴿بُنۡيَٰنٗا﴾ فاملأوه حطباً، و أضرموا فيه النار ﴿فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ﴾ أي: النار الشديدة التأجّج. وكلّ نار بعضها فوق بعض: جحيم. من الجْحمة: وهي شدّة التأجّج والاتقاد. يقال: جحم النار – كمنع -: أوقدها.
37:98Page 449
فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ ٩٨
And they intended for him a plan [i.e., harm], but We made them the most debased.
٩٨ - ﴿فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا﴾ بإلقائه في النار المحرقة، لتهلكه ﴿فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ﴾ أي: الأخسرين، الأذلّين حجّة، فردّ الله كيدهم في نحورهم، وجعل النار عليه برداً وسلاماً.
37:99Page 449
وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ ٩٩
And [then] he said, "Indeed, I will go to [where I am ordered by] my Lord; He will guide me.
٩٩ - ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي﴾ أي: مهاجر إلى المكان الذي أمرني ربّي بالمصير إليه، وهو الشام أو الأرض المقدّسة ﴿سَيَهۡدِينِ﴾ أي: يدلّني على ما فيه الخير لي في ديني ودنياي.
37:100Page 449
رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠٠
My Lord, grant me [a child] from among the righteous."
١٠٠ - فلمّا وصل إلى الأرض المقدّسة، قال: ﴿رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ﴾ أي: هب لي ولداً صالحاً يعينني على الدّعوة والطاعة.
١٠١ - ﴿فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ﴾ أي: ذي حلم كثير، هو إسماعيل – عليه السلام - متسع الصّدر، حسن الصّبر والإغضاء في كلّ أمر. والحلم رأس الصلاح وأصل الفضائل.وإسماعيل أبو العرب، ووصْفه بالحلم هنا مناسب لمقام الابتلاء بالذبح، وهو يتضمن الصّبر، وحسن الخلق، وسعة الصّدر، والعفو عند المقدرة.وفي البشارة بإسحاق قال: (إنّا نبشّرك بغلام عليم)الحجر(٥٣) وقال: (وبشروه بغلام عليم)الذاريات(٢٨) فوصفه بالعلم.وإسحاق أبو إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام.
37:102Page 449
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٠٢
And when he reached with him [the age of] exertion,1 he said, "O my son, indeed I have seen in a dream that I [must] sacrifice you, so see what you think." He said, "O my father, do as you are commanded. You will find me, if Allāh wills, of the steadfast."
١٠٢ - ﴿فَلَمَّا بَلَغَ﴾ أي: الغلام ﴿مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ﴾ أي: مرتبة أن يسعى مع أبيه ويُعينه في أعماله وحاجاته. أي: شبّ وارتحل، وأدرك سعيُه سعي أبيه، وأطاق ما يفعله أبوه من السّعي والعمل.قيل: كانت سنّه يومئذ ثلاث عشرة سنة.﴿ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ ﴾ أي: رأيت ﴿فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ﴾ أي: أُمرت بذبحك ورؤيا الأنبياء حقّ ووحي من الله، ﴿فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ﴾ من الرأي. وإنما شاوره وأعلمه بذلك، ليكون أهون عليه، وليعلم صبره لأمر الله، ويختبر عزمه في صغره على طاعة الله وطاعة أبيه.﴿قَالَ﴾ الغلام – إسماعيل عليه السلام -: ﴿يَٰٓأَبَتِ﴾ – بكسر التاء وفتحها، قراءتان – ﴿ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ﴾ به، أي: امض لما أمرك الله، وأوحى إليك، من ذبحي ﴿سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ على أمر الله وقضائه وطاعته، محتسباً ذلك عند الله عزّ وجلّ .وقرن صبره بمشيئة الله تعالى، لأنه لا يكون شيء بدون مشيئة الله. وصدق عليه السلام فيما وعد، ولهذا امتدحه الله تعالى فقال: (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيّا)مريم(٥٤).
37:103Page 450
فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ ١٠٣
And when they had both submitted1 and he put him down upon his forehead,
١٠٣ - ﴿فَلَمَّآ أَسۡلَمَا﴾ أي: استسلما، وخضعا، وانقادا لأمر الله، وفوّضا أمرهما إلى الله: إبراهيم متمثلاً أمر الله تعالى، وإسماعيل طاعة لله ولأبيه.﴿وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ﴾ أي: صـرعه، أو أكبّـه، وأسقطـه وطرحه على شقّه، فوقع جبينه على الأرض، أو أضجعه على جبينه على الأرض.وأصل التّلّ: الرّمي على التلّ، وهو التراب المجتمع، كترّبه، ثم عُمّم في كلّ صرع ودفع.يقال: تلّه تلاًّ – من باب: قتل – فهو متلول وتليل: صرعه، أو ألقاه على عنقه وخدّه. والجبين: أحد جانبي الجبهة، وللوجه جبينان، والجبهة بينهما.قيل: وإنما أكبّه على وجهه، ليذبحه من قفاه، لئلاّ يرى منه عند ذبحه، ما يؤثر الرقّة في قلبه.وكان الموضع الذي أراد ذبحه فيه، هو المنحر بمنىً، عند الجمار.
١٠٤ - ﴿وَنَٰدَيۡنَٰهُ﴾ أي: عندما أضجعه للذّبح ﴿أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ﴾ و «أن» تفسيريّة.
37:105Page 450
قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٠٥
You have fulfilled the vision." Indeed, We thus reward the doers of good.
١٠٥ - ﴿قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ﴾ التي أريناكها في منامك، أي: قمت بمصداقها وحقّقت ما طُلب منك بامتثالك أمر الله، وإضجاعك ولدك للذّبح، وإتيانك بما أمكنك من ذلك، فجعله مصدِّقا للرؤيا بمجرّد العزم على التنفيذ، وإن لم يذبحه. ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ﴾ أي: كما جزيناك ﴿نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ في عبادتنا وطاعتنا وامتثال أمرنا، بالخلاص من الشدائد، والسلامة من المحن، وأن نجعل لهم من كل ضيق فرجاً، ومن كل همّ مخرجاً. كما قال تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)الطلاق(٢).
١٠٦ - ﴿إِنَّ هَٰذَا﴾ أي: الذّبح المأمور به لولده ﴿لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ﴾ أي: الابتلاء والاختبار البيّن الواضح، الظاهر الجليّ،الذي يتميّز به المخلص الطائع من غيره، أو: المحنة الظاهرة البيّنة صعوبتها لكل أحد، إلا أن إبراهيم كان في هذه المحنة مستسلماً لأمر الله تعالى، منقاداً لطاعته، كما قال تعالى:(وإبراهيم الذي وفّى)النجم(٣٧).
١٠٧ - ﴿وَفَدَيۡنَٰهُ﴾ أي: إسماعيل عليه السلام من الذّبح ﴿بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ﴾ أي: بمذبوح عظيم القدر، لكونه بأمر الله تعالى.مصدر بمعنى المفعول، كالطّحن بمعنى: المطحون. أي: بكبش يُذبح.أنزل الله عليه كبشاً، فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه إسماعيل، فكان عبادة وسنّة يوم النحّر إلى قيام السّاعة.
37:108Page 450
وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٠٨
And We left for him [favorable mention] among later generations:
١٠٨ - ﴿وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ﴾ أي: أبقينا على إبراهيم ذكراً جميلاً، وثناء حسناً في الأمم الآخرة التي تأتي بعده أبد الدّهر، أي: كما كان في الأولين.
١٠٩ - ﴿سَلَٰمٌ﴾ منّا ﴿عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ أي: تحية وثناء ودعاء بالسلامة من كلّ مكروه، كما قال تعالى: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى)النّمل(٥٩). أو: أمنة من الله له، وثناء حسن جميل من الناس عليه.
١١٠ - ﴿كَذَٰلِكَ﴾ أي: كما جزيناه بهذا الجزاء ﴿نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ في طاعتنا وعبادتنا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences