Al-Jami' al-WajizAz‑Zumar · 39:1–25

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

الزمر

Az-Zumar

The Troops · Meccan · 75 ayahs

39:1Page 458

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١

The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.

١ - ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: هذا تنزيل القرآن عليك يا محمد.مبتدأ، خبره: ﴿مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ﴾ في ملكه، الغالب على أمره،﴿ٱلۡحَكِيمِ﴾ في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره. أي: فهو الحقّ الذي لا مرية فيه، ولا شك، كما قال تعالى: (وإنه لتنزيل ربّ العالمين)الشعراء(١٩٢)وقال: (تنزيل من حكيم حميد)فصلت(٤٢).

39:2Page 458

إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢

Indeed, We have sent down to you the Book, [O Muḥammad], in truth. So worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.

٢ - ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ﴾ أي: متلبّسا بالحقّ والصّواب، وذلك يوجب قبوله، والعمل بكلّ ما فيه، وإخلاص العبادة لمن أنزله.والمراد: أن كلّ ما فيه حقّ، من إثبات التوحيد، والنبوّة، والمعاد، وأنواع التكاليف.﴿فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: اعبد الله وحده لا شريك له، مخلصاً له الدّين كلّه، من الشرائع الظاهرة والباطنة: الإيمان والإسلام والإحسان، بأن تُفرد الله وحده بها، وتقصد بها وجهه، لا غير ذلك من المقاصد، ممحّضاً له الطاعة والعبادة، خالياً من الشرك والرياء.والعبادة: غاية التذلّل للمعبود.والدّين هنا: العبادة والطاعة.والإخلاص فيه: أن يَمْحض العبد عبادته لله تعالى ولا يجعل له شريكا فيها، ولا يقصد بعمله إلاّ وجه الله، فلا يشوبه بشيء من الرياء والسّمعة.

39:3Page 458

أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ ٣

Unquestionably, for Allāh is the pure religion.1 And those who take protectors besides Him [say], "We only worship them that they may bring us nearer to Allāh in position." Indeed, Allāh will judge between them concerning that over which they differ. Indeed, Allāh does not guide he who is a liar and [confirmed] disbeliever.

٣ - ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ﴾ أي: التعبّد الخالص من شوائب الشّرك وغيره، هو لله وحده، وما سواه من الأديان، فليس بدين الله الخالص الذي أمر به، فإن الله لا يقبل من العمل إلاّ ما كان خالصاً له وحده، موافقاً لشرعه.﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ﴾ يتولّونهم بعبادتهم ودعائهم، أي: آلهة يعبدونها، من الأصنام والأنداد والأوثان، معتذرين عن أنفسهـم، قائليـن:﴿مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ﴾ أي: قربى ومنزلة ويشفعوا لنا عنده، فيما ينوبنا من أمور الدنيا.مصدر بمعنى: إزلافا، أي: تقريباً. وهم: كفار مكّة وغيرهم.﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ﴾ أي: وبين خصمائهم، الذين هم: المخلصون له الدّين يوم القيامة.أو: يحكم بين أهل الأديان جميعاً، يوم القيامة ﴿فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ﴾ من أمر الدّين، بالتوحيد والشّرك، والإخلاص وعدمه، بإدخال الموحّدين الجنّة، والمشركين النّار.فقوله: (ما نعبدهم) حال من فاعل (اتخذوا)، وجملة: (إن الله يحكم بينهم) خبر الموصول.﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي﴾ أي: لا يرشد لدينه، ولا يوفّق للاهتداء للحق ﴿مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ﴾ في زعمه أن الآلهة تقرّبه إلى الله، و تشفع له عنده ﴿كَفَّارٞ﴾ بعبادته غير الله، أو: باتخاذها آلهة، وجعلها شركاء لله.

39:4Page 458

لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٤

If Allāh had intended to take a son, He could have chosen from what He creates whatever He willed. Exalted is He; He is Allāh, the One, the Prevailing.1

٤ - ﴿لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا﴾ كما زعم المشركون ذلك في الملائكة، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود والنصارى في عزير وعيسى: (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله)التوبة(٣٠).﴿لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ﴾ أي: لاختار من خلقه ما يشاء هو، لا ما يختارونه هم ويشاؤونه، لكنّه لم يختر أحداً، فدّل ذلك على أنه لم يُرد اتخاذ الولد.﴿سُبۡحَٰنَهُۥۖ﴾ أي: تنزيهاً له تعالى وتقديساً عن اتّخاذ الولد ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ﴾ في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته وأفعاله، لا شبيه له في شيء من ذلك ولا مماثل ﴿ٱلۡقَهَّارُ﴾ لجميع خلقه بقدرته، الذي قهر الأشياء كلّها، فدانت له وذلّت وخضعت، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيراً.والآية نظير قوله تعالى: (لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنّا إن كنا فاعلين)الأنبياء(١٧).فإرادة الاتخاذ في الآيتين ممتنعة، لأن الإرادة لا تتعلّق إلاّ بالممكنات، واتخاذ الولد محال، كما ثبت بالبرهان القطعي، فتستحيل إرادته، وكذلك إرادة اتخاذ اللّهو. وجعلها في الآيتين شرطاً، وتعليق الجواب عليها، لا يقتضي إمكانها، فضلاً عن وقوعها، وقد عُرف في الفصيح من الكلام: تعليق المحال على المحال جوازاً ووقوعاً.على أن الوالديّة تقتضي التجانس بين الوالد والولد، إذ هو بضعة منه، وقد ثبت أن كلّ ما سواه تعالى حادث مخلوق له، فيلزم بموجب التجانس أن يكون المخلوق من جنس الخالق، وهذا يستلزم حدوث الخالق أو قِدم المخلوق، وكلاهما محال. أفاده العلامة حسنين محمد مخلوف في تفسيره.

39:5Page 458

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ ٥

He created the heavens and earth in truth. He wraps the night over the day and wraps the day over the night and has subjected the sun and the moon, each running [its course] for a specified term. Unquestionably, He is the Exalted in Might, the Perpetual Forgiver.1

٥ - ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ ﴾ أي: متلبّساً بالحق والصواب، مشتملاً على الحكم والمصالح، ومن كان هذا شأنه، استحال في حقّه أن يكون له شريك أو صاحبة أو ولد.﴿يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ﴾ أي: أن هذا يكُرُّ على هذا، وهذا يكُرُّ على هذا، كروراً متتابعاً، كتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض، إلاّ أن أكوار العمامة مجتمعة، وأكوار الليل والنهار متعاورة. وقريب منه قوله تعالى:(يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا)الأعراف(٥٤).أي: يغشي الليل على النهار حتى يذهب ضوؤه، ويغشي النهار على الليل، حتى تذهب ظلمته.مأخوذ من تكوير الشيء: أي: إدارته وضمّ بعضه إلى بعض، ككوْر العمامة.وقيل: المعنى: يزيد الليل على النّهار ويضمّه إليه، بأن يجعل بعض أجزاء الليل نهاراً، فيطول النّهار عن الليل، ويزيد النهار على الليل ويضمّه إليه، بأن يجعل بعض أجزاء النهار ليلاً، فيطول الليل عن النّهار، وهو كقوله تعالى:(يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)الحجّ(٦١). أو: يلفّ الليل على النّهار لفّ اللّباس على اللابس، فيستره فتظهر الظلمة، ويلفّ النهار على الليل، فيستره، فيظهر الضوء.﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ﴾ أي: جعلهما منقادين لأمره، بالطلوع والغروب، لمنافع العبـاد ومصالحهـم ﴿كُلّٞ يَجۡرِي﴾ في فلكه ﴿لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ﴾ هو وقت نهاية دورته، أو: وقت انقطاع حركته يوم القيامة.﴿أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره، المنتقم من أعدائه ﴿ٱلۡغَفَّٰرُ﴾ لأوليائه، لمن تاب منهم وأناب.كقوله تعالى:(وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى)طه(٨٢).

39:6Page 459

خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ ٦

He created you from one soul. Then He made from it its mate, and He produced for you from the grazing livestock eight mates.1 He creates you in the wombs of your mothers, creation after creation, within three darknesses.2 That is Allāh, your Lord; to Him belongs dominion. There is no deity except Him, so how are you averted?

٦ - ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ﴾ هو آدم عليه السلام، أي: مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم، وألسنتكم وألوانكم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا﴾ هي حوّاء، خلقها من ضِلَع آدم.كما قال تعالى:(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساءً)النساء(١).﴿وَأَنزَلَ لَكُم﴾ أي: أنشأ وأحدث لأجلكم ﴿مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ﴾أي: من الإبل والبقر والضأن والمعز ﴿ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ﴾ من كلّ زوجين: ذكر وأنثى، يتمّ بهما التناسل وبقاء النّوع، كما بيّن ذلك في سورة الأنعام، الآية ١٤٣: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين) وقوله في نفس السورة، الآية ١٤٤:(ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين). وعُبِّر عن الخلق ب «الإنزال»، لأن الخلق إنما يكون بأمر من السماء.وخصّ الأنعام بالذكر، مع إنزال غيرها من البهائم لمصالح عباده – لكثرة نفعها، وعموم مصالحها، ولشرفها، ولاختصاصها بأشياء لا يصلح لها غيرها، كالأضحية، والعقيقة، والهدْي، ووجوب الزكاة فيها، واختصاصها بالدّية ونحوها.﴿يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ﴾ أي: نطفة، ثم علقـة، ثـم مضغـة، ثـم عظمـاً، ثم لحماً ﴿فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ﴾ هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وفيها يتم تكوين الجنين، وتصويره، ونفخ الروح فيه، وتدبيره حتى يولد.﴿ذَٰلِكُمُ﴾ الذي خلق السماوات والأرض، وسخر الشمس والقمر، وخلقكم وخلق لكم الأنعام والنّعم ﴿ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ﴾ أي: المألوه المعبود، الذي رباكم ودبّركم، فكما أنه الواحد في خلقه وتربيته، فهو الواحد في ألوهيّته.﴿لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ﴾ كلّه في الدنيا والآخرة ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ﴾ أي: لا معبود بحقّ في الوجود سواه، فلا تنبغي العبادة إلاّ له وحده.﴿فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ﴾ أي: فكيف تصرفون عن التوحيد إلى الشرك، وعن عبادته وحده إلى عبادة غيره، وتزعمون أنّ له شريكاً أو ولداً، مع وفور الأدلة الصّارفة عن هذا الزّعم الفاسد؟من الصّرف:وهو إبدال الشيء بغيره، وفعله من باب: ضرب.وقد اشتملت الآيتان: (٥ -٦) على ثمانية أدلة على كمال قدرته تعالى، وعلى وحدته وقهره ما سواه: خلق السماوات والأرض بالحق، وتكوير الليل على النهار وعكسه، وتسخير الشمس والقمر لمنافع الخلق، وخلق النوع الإنساني من نفس واحدة خلقها، وهي آدم، وخلق حوّاء من آدم، وخلق الأنعام ثمانية أزواج، وتطوّر الأجنّة في بطون الأمهات.

39:7Page 459

إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٧

If you disbelieve - indeed, Allāh is Free from need of you. And He does not approve for His servants disbelief. And if you are grateful, He approves [i.e., likes] it for you; and no bearer of burdens will bear the burden of another. Then to your Lord is your return, and He will inform you about what you used to do. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.

٧ - ﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ﴾ أي: لا يضرّه كفركم، كما لا ينتفع بإيمانكم، كما قال موسى عليه السلام لقومه: (إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغني حميد)إبراهيم(٨).وفي صحيح مسلم – وهو جزء من حديث قدسي طويل -: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً».﴿وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ﴾ أي: لا يحبّـه ولا يأمر به، أو: لا يحمد منهم الكفر ولا يمدحه، أو: لا يجازي الكافر مجازاة المرضيّ عنه، بل مجازاة المغضوب عليه.ثم إن الرضا غير الإرادة والمشيئة، فالإرادة تسبق الفعل، والرضا يتأخّر عنه، فنفيه لا يستلزم نفيها.فإن الله يضلّ من يشاء، ويهدي من يشاء، وما تشاؤون إلاّ أن يشاء الله، فمشيئته شيء، وحبّه شيء آخر.﴿وَإِن تَشۡكُرُواْ﴾ الله بتوحيده وإخلاص العبادة له، فتؤمنوا ﴿يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ﴾ أي: يحبّ الشكر لكم، ويزدكم من فضله، ويقبله منكم ويثبكم عليه، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر، لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة.﴿وَلَا تَزِرُ﴾ نفس ﴿وَازِرَةٞ﴾ أي: آثمة أو حاملة للآثام ﴿وِزۡرَ﴾ نفس ﴿أُخۡرَىٰۚ﴾ أي: ذنبها، أي: لا تحمل نفس حاملة للآثام، ذنب نفس أخرى، بل كلّ مطالب بأمر نفسه، من خير أو شرّ. أو: لا تؤخذ نفس بذنب أخرى، بل كلّ مأخوذ بذنبه.﴿ثُـمَّ إِلَىٰ رَبِّـكُم مَّرۡجِعُـكُمۡ﴾ أي: يــوم القيـامــة ﴿فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ﴾ في الدنيا، من خير وشرّ، أي: يخبركم به.﴿إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ أي: بما تضمره القلوب وتستره، فكيف بما تظهره وتبديه؟ فلا تخفى عليه من أمركم خافية.والمراد بهذا: الإخبار بالجزاء العدل التامّ، يوم القيامة.

39:8Page 459

۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ ٨

And when adversity touches man, he calls upon his Lord, turning to Him [alone]; then when He bestows on him a favor from Himself, he forgets Him whom he called upon before,1 and he attributes to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy your disbelief for a little; indeed, you are of the companions of the Fire."

٨ - ﴿وَإِذَا مَسَّ﴾ أي: أصاب ﴿ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ﴾ من مرض أو بلاء في جسده أو فقر أو خوف أو شدّة، أيّ ضرّ كان ﴿دَعَا رَبَّهُۥ﴾ أي: تضرّع ﴿مُنِيبًا إِلَيۡهِ﴾ أي: راجعاً إليه تعالى بالدعاء، منصرفاً عمّا كان يدعوه من دون الله وقت الرّخاء.﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ﴾ أي: أعطاه نعمة عظيمة – كعافية من بلاء ورخاء من شدة - تفضلاّ منه سبحانه وإحساناً، وملّكه إيّاها.من التخويل: وأصله: إعطاء الخَوَل، أي: العبيد والخدم. أو إعطاء ما يحتاج إلى تعاهده والقيام عليه، ثم عُمّم لمطلق الإعطاء. يقال: خوّله الشيء، أي: أعطاه وملّكه إيّاه.﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ﴾ أي: نسي الضرّ الذي كان يدعو الله إلى كشفه عنه، من قبل أن يخوّله ما خوّله.وقيل: نسي ربّه الذي كان يدعوه ويتضرّع إليه، من قبل، عند الضرّ والكرب، ثم جاوز ذلك إلى الشرك بالله.و «ما» هنا في موضع «مَنْ».أو: ترك – في حال الرفاهية – ذلك الدعاء والتضرّع، الذي كان يدعو إلى الله عند الحاجة، من قبل أن يكشف عنه.كما قال تعالى: (وإذا مسّ الإنسان الضرّ دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً، فلمّا كشفنا عنه ضرّه مرّ كأن لم يدعنا إلى ضرّ مسه)يونس(١٢) وقال: (وإذا مسّكم الضرّ في البحر ضلّ من تدعون إلاّ إياه، فلما نجاكم إلى البرّ أعرضتم وكان الإنسان كفوراً)الإسراء(٦٧).﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا﴾ أي: أمثالاً ونظائر أو أشباهاً يعبدها من دون الله، أو: شركاء، وذلك في حال العافية.جمع ندّ: وهو المِثْل و النظير.﴿لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾ – بضمّ الياء وفتحها، قراءتان - أي: ليُضلّ الناس عن طريق الله ويصدّهم عن دينه وطاعته، وهو: التوحيد والإسلام.أو: ليَضلّ بنفسه عن دين الله ويَرُدّ من أراد التوحيد والإيمان، لأن الإضلال فرع عن الضلال، وأتى بالملزوم، ليدلّ على اللازم.﴿قُلۡ﴾ أي: لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه: ﴿تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا﴾ أي: تمتّعاً قليلاً، أو زماناً قليلاً، هو بقية أجلك ﴿إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ﴾ أي: مصيرك إليها عن قريب، كما قال تعالى:(قل تمتّعوا فإن مصيركم إلى النار)إبراهيم(٣٠). و الأمر في الآية للتهديد و الوعيد.

39:9Page 459

أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩

Is one who is devoutly obedient during periods of the night, prostrating and standing [in prayer], fearing the Hereafter and hoping for the mercy of his Lord, [like one who does not]? Say, "Are those who know equal to those who do not know?" Only they will remember [who are] people of understanding.

٩ - ﴿أَمَّنۡ﴾ أي: بَلْ أَمَنْ ﴿هُوَ قَٰنِتٌ﴾ أي: قائم بواجب الطاعات، ودائم على وظائف العبادات.أو: مطيع خاضع عابد لله تعالى.من القنوت: وهو لزوم الطاعة مع الخشوع.﴿ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ﴾ أي: ساعاته ﴿سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا﴾ للصّلاة، أي: في حال سجوده وقيامه ﴿يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ﴾ أي: يخاف عذابها ﴿وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ﴾ أي: الجنّة ورضوان الله، كمن هو ليس كذلك؟أو كالذي جعل لله أنداداً ليضلّ عن سبيله؟وحُذف المعادل لدلالة الكلام عليه.و (أمّن) أصلها: «أمْ» التي بمعنى بل، وهزة الاستفهام، و «من» التي هي اسم موصول، أي: بل أمن هو قانت لله، كمن أشرك به، وجعل له أنداداً؟ لا يستوون عند الله.[وفي قراءة: (أَمَنْ) – بتخفيف الميم – والاستفهام للإنكار المفيد للنّفي].وفي الحديث عند الترمذي -وقال: غريب - والنسائي وابن ماجه عن أنس، قال: «دخل رسول الله ﷺ على رجل وهو في الموت، فقال له: كيف تجدك؟ فقال: أرجو وأخاف، فقال رسول الله ﷺ:لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلاّ أعطاه الله عز وجل الذي يرجو، وأمّنه الذي يخافه».﴿قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ﴾ توحيد الله وأمره ونهيه في الثواب والجزاء ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ﴾؟ أي: لا يستويان، فكما لا يستوي الليل والنهار، والظلام والضياء، لا يستوي العلماء والجهّال، والعاملون بطاعة الله والعصاة.﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أي: يتّعظ بهذا الذّكر﴿أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ أي: أصحاب العقول الراجحة الصافية.

39:10Page 459

قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠

Say,1 "O My servants who have believed, fear your Lord. For those who do good in this world is good, and the earth of Allāh is spacious. Indeed, the patient will be given their reward without account [i.e., limit]."

١٠ - ﴿ قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ ﴾ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ﴿لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ﴾ العمل ﴿فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا﴾ بالعبادة والطاعة ﴿حَسَنَةٞۗ﴾ هي الجنّة. أو: مثوبة حسنةٌ في دنياهم وأخراهم، كما قال تعالى:(من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة)النحل(٩٧).﴿وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ ﴾ أي: فسيحة، فهاجروا فيها، وجاهدوا، فمن لم يدرك التقوى والإحسان في وطنه، فليهاجر إلى حيث يتمكّن منهما، كما هو دأب الأنبياء والصّالحين، كما قال تعالى:(ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)النساء(٩٧).﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ﴾ على مفارقة الأوطان، واحتمال الشدائد، في طاعة الله، والصابرون عن معاصي الله، والصابرون على أقدار الله المؤلمة، وعلى ما لقوا في ذات الله في الدنيا .﴿أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ من الحاسبين، أي: بغير مكيال ولا ميزان، ولا عدّ ولا حدّ ولا مقدار، أو: بلا نهاية لما يُعطي، أو بتوسعة.

39:11Page 460

قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١

Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.

١١ - ﴿قُلۡ﴾ يا محمد: ﴿إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ أي: إنما أمرت أن أعبد الله عبادة خالصة عن الشرك والرياء وغير ذلك، أو: أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.

39:12Page 460

وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٢

And I have been commanded to be the first [among you] of the Muslims."

١٢ - ﴿وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾ من هذه الأمة، أي: مُقدّمهم في الدنيا والآخرة، وقد كان ﷺ.

39:13Page 460

قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

١٣ - ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي﴾ بترك إخلاص العبادة له وتوحيده، وترك الدّعوة إليه وإلى دينه ﴿عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾ هو يوم القيامة. و معناه: التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى.

39:14Page 460

قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤

Say, "Allāh [alone] do I worship, sincere to Him in my religion,

١٤ - ﴿قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ﴾ فلا أعبد غيره، لا استقلالا و لا على جهة الشركة، أي: أخصـه بالعبـادة وحـده ﴿مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي﴾ من الشرك والرياء، أي: إن تعبّدي خالص لله وحده، غير مشوب بشرك ولا رياء ولا غيرهما.

39:15Page 460

فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥

So worship what you will besides Him." Say, "Indeed, the losers are the ones who will lose themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, that is the manifest loss."

١٥ -﴿فَٱعۡبُدُواْ﴾ أيها المشركون ﴿مَا شِئۡتُم﴾ أن تعبدوه ﴿مِّن دُونِهِۦۗ﴾ أي: غيره تعالى من الأصنام والأنداد والأوثان، فستعلمون عاقبة عبادتكم.والأمر للتهديد و الوعيد، و التقريع والتوبيخ.﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ أي: الكاملين في الخسران هم: ﴿ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ﴾ حيث تفرقوا، فلا التقاء لهم أبداً، وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنّة، وهم إلى النّار، أو أن الجميع ذهبوا إلى النّار، فلا اجتماع لهم فيها ولا لقاء.أو: أهلكوا أنفسهم بالضلال وأهليهم بالإضلال، أو خسروا أنفسهم بالهلاك وأهليهم به أيضاً، إن كانوا مثلهم.﴿أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ﴾ أي: البيّن، الظاهر، الواضح.

39:16Page 460

لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦

They will have canopies [i.e., layers] of fire above them and below them, canopies. By that Allāh threatens [i.e., warns] His servants. O My servants, then fear Me.

١٦ - ﴿لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ﴾ أي: لأولئك الخاسرين أطباق كثيرة من النار متراكمة، فوقهم كهيئة الظلل. جمع ظُلّة، وأصلها: السّحابة تظلّ ما تحتها، وأكثر ما يقال فيما يُستوخم ويُكره.﴿وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ﴾ من النار، والمراد: أن النّار محيطة بهم إحاطة تامّة من جميع الجوانب. وإطلاق الظلّة على ما تحتهم، لكونها ظلّة لمن تحتهم من أهل الدّركات، وهو كقوله تعالى: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش)الأعراف(٤١) وقوله: (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم)العنكبوت(٥٥).﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: الوصف الذي وصفنا به عذاب أهل النار ﴿يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ﴾ ليتّقوه وينزجروا عن المحارم والمآثم ﴿يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ أي: اخشوا بأسي وسطوتي، وعذابي ونقمتي.

39:17Page 460

وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧

But those who have avoided ṭāghūt,1 lest they worship it, and turned back to Allāh - for them are good tidings. So give good tidings to My servants

١٧ - ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا﴾ أي: اجتنبوا عبادة الطاغوت، وهو الأصنام والأوثان والأنداد، أو: الشياطين، وكلّ معبود من دون الله.ويستعمل في الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.أو: أعرضوا عن عبادة كلّ معبود سوى الله.﴿وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ﴾ أي: رجعوا إلى عبادته وحده، وأقبلوا إليه مخلصين له العبادة والدين، معرضين عمّا سواه.﴿لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ﴾ في الحياة الدنيا، وفي الآخرة، بالثناء الحسن، والثواب الجزيل، وهو الجنّة، إمّا على ألسنة الرسل أو عند حضور الموت ﴿فَبَشِّرۡ عِبَادِ﴾ بذلك، وهم:

39:18Page 460

ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨

Who listen to speech and follow the best of it. Those are the ones Allāh has guided, and those are people of understanding.

١٨ - ﴿ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ﴾الحقّ، أو: عموم القول، حسنه وقبيحه ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ﴾ أي: أحسن القول وأرشده، فيفهمونه، ويعملون بما فيه، وهو قول الله وقول رسوله، كما قال تعالى:(فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها)الأعراف(١٤٥).﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ المتصفون بهذه الصفة هم ﴿ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ﴾ في الدنيا والآخرة لأحسن الأقوال والأعمال والأحوال، بأن أوصلهم إلى الحقّ، وإلى طريق مستقيم.﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ أي: أصحاب العقول الصحيحة، والفطر المستقيمة.

39:19Page 460

أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ١٩

Then, is one who has deserved the decree of punishment [to be guided]? Then, can you save one who is in the Fire?

١٩ - ﴿أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ﴾ لإصراره على الكفر، أي: وجبت وثبتت عليه بما سبق في علم الله أنه من أهل النار. وكلمة العذاب، هي قوله تعالى: (لأملأن جهنّم منك وممن تبَعك منهم أجمعين)الأعراف(١٨) أو قوله تعالى: (لأملأن جهنم من الجِنة والناس أجمعين)هود(١١٩).﴿أَفَأَنتَ﴾ يا محمد ﴿تُنقِذُ﴾ أي: تخرج ﴿مَن فِي ٱلنَّارِ﴾؟ جواب الشّرط، والهمزة للإنكار، أي: لا تقدر على هدايته فتنقذه من النّار. أو: ءأنت مالك أمر الناس، قادر على التصرّف فيهم، فمن حقّ عليه كلمة العذاب، فأنت تنقذه؟.أي: لست مالكاً ولا قادراً على ذلك.وزيدت همزة الاستفهام في (أفأنت) لاستطالة الكلام وتأكيد معنى الإنكار والنفي.والآية تسلية لرسول الله ﷺ، لأنه كان حريصاً على إيمان قومه، أشدّ الحرص، فأعلمه الله: أن من سبق عليه القضاء، وحقّت عليه كلمة العذاب، لا يقدر الرسول ﷺ أن ينقذه من النّار، بجعله مؤمناً في الدنيا، أو بإخراجه من النّار يوم القيامة.

39:20Page 460

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ ٢٠

But those who have feared their Lord - for them are chambers,1 above them chambers built high, beneath which rivers flow. [This is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in [His] promise.

٢٠ - ﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ﴾ بأن أطاعوه، وأخلصوا له العبادة والدّين ﴿لَهُمۡ غُرَفٞ﴾ أي: منازل رفيعة عالية في الجنة ﴿مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ﴾ بعضها فوق بعض ﴿مَّبۡنِيَّةٞ﴾ بناءً محكماً، مزخرفاً عالياً ﴿ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ ﴾ أي: من تحت تلك الغرف، الفوقانية والتحتانية ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِ﴾ منصوب بفعله المقدّر، أي: هذا الذي ذكرناه، وَعَد الله به عباده المؤمنين وَعْداً، ﴿لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ﴾ أي: وعده، ومن أوفى بعهده ووعده من الله!وفي الحديث عند الترمذي – وقال: حسن غريب: «إن في الجنة لغرفاً يُرى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها، قيل: لمن هي يا رسول الله؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام».وفي الصحيحين ومسند أحمد عن سهل بن سعد أن رسول الله ﷺ قال: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنّة، كما تراءون الكوكب في أفق السماء».وعند أحمد من حديث أبي هريرة: قلنا: يا رسول الله، حدّثنا عن الجنّة، ما بناؤها؟ قال: «لبنة ذهب، ولبنة فضة، وبلاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران» الحديث.

39:21Page 460

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢١

Do you not see that Allāh sends down rain from the sky and makes it flow as springs [and rivers] in the earth; then He produces thereby crops of varying colors; then they dry and you see them turned yellow; then He makes them [scattered] debris. Indeed in that is a reminder for those of understanding.

٢١ - ﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي: تعلم وتشاهد أيها الرسول وكلّ من يصلح للخطاب ﴿أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ ﴾ أي: من السّحاب مطراً ﴿فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: أدخله وأسكنه في عيون ومسارب في الأرض ومجارٍ.جمع ينبوع، وهو المنبع والمجرى.﴿ ثُمَّ يُخۡرِجُ بِهِۦ﴾ أي: بذلك المطر من الأرض ﴿زَرۡعٗا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ﴾ أي: أشكاله وأصنافه، وطعومه ومنافعه وروائحه ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: ييْبس ويجفّ.من الهَيْج، بمعنى: اليبس والجفاف، يقال: هاج النبات هَيْجاً وهياجاً: يبس واصفرّ. أو: يثورُ، من الهَيْج، بمعنى: الحركة. يقال: هاج الشيء يَهيجُ: إذا ثار لمشقّة أو ضرر.﴿فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا﴾ أي: تراه بعد خضرته ونضارته وحسن رونقه، مصفرّاً، قد خالطه اليبـس والجفـاف ﴿ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ﴾ أي: يصيّره فتاتاً متكسّراً هشيماً بعدما صار يابساً.يقال: حَطِم الشيءُ حَطَماً – من باب: تَعِب -: إذا تكسّر. وحَطَمتهُ حطْماً – من باب: ضرب -: كسرته، وتحطّم العود: إذا تفتّت من اليُبس.﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ أي: المذكور من حال هذا الزرع وتقلبـه ﴿لَذِكۡرَىٰ﴾ أي: تذكيراً وموعظة ﴿لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ أي: لأصحاب العقول الصحيحة، يتذكّرون به، وينتفعون بدلالته على وحدانية الله، وكمال قدرته، ويعتبرون بأن حال الدنيا كحال هذا الزّرع في سرعة تصرّمه، وقرب تقضّيه، وزوال بهجته، وذهاب رونقه ونضارته. والآية تمثيل للحياة الدنيا - في سرعة زوالها، وقرب اضمحلالها - بما ذُكر من أحوال الزّرع، تحذيراً من الاغترار بها، وتنفيراً من التشبث بأذيالها، بعد أن وُصفت الجنّة بما يرغب فيها ويشوّق إليها.

39:22Page 461

أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٢

So is one whose breast Allāh has expanded to [accept] Islām and he is upon [i.e., guided by] a light from his Lord [like one whose heart rejects it]? Then woe to those whose hearts are hardened against the remembrance of Allāh. Those are in manifest error.

٢٢ - ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ﴾ أي: أكلّ الناس سواء؟ فمن شرح الله صدره وفسح قلبه لمعرفته، وخَلَقَه مستعدّاً لقبول الإسلام، فبقي على الفطرة النقيّة التي لم تشُبها العوارض المكتسبة القادحةُ فيها ﴿فَهُوَ﴾ بمقتضى ذلك الشّرح﴿عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ﴾ أي: بصيرة وهداية - كمن قسا قلبه، فطُبع عليه، وحَرِج صدرُه، بتبديل الفطرة بسوء الاختيار، واستولت عليه ظلمات الغيّ والضلال، فأعرض عن ذكر ربّه؟ دلّ على هذا قوله:﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ أي: من قبول القرآن، وهم الذين جَفَتَ قلوبهم ونأت عن ذكر الله الذي حقّه أن تنشرح له الصدور.أي: هلاك أو حسرة، أو شدّة عذاب، وخزي لهم.والآية كقوله:(أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها)الأنعام(١٢٢).﴿أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ أي: بيّن واضح، فأيّ ضلال أعظم من ضلال من أعرض عن ربّه، وقسا قبله عن ذكره، وأقبل على كلّ ما يضرّه؟ والاستفهام للإنكار المفيد للنفي.

39:23Page 461

ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ ٢٣

Allāh has sent down the best statement: a consistent Book wherein is reiteration. The skins shiver therefrom of those who fear their Lord; then their skins and their hearts relax at the remembrance [i.e., mention] of Allāh. That is the guidance of Allāh by which He guides whom He wills. And one whom Allāh sends astray - for him there is no guide.

٢٣ - ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ﴾ أي: أبلغه وأصدقه وأوفاه، وهو القرآن.وسمّاه حديثاً، لأن النبي ﷺ كان يحدّث به قومه، ويخبرهم بما ينزل عليه منه.﴿كِتَٰبٗا﴾ بدل من «أحسن» أي: قرآناً ﴿مُّتَشَٰبِهٗا﴾ أي: يشبه بعضه بعضاً في خصائصه، أي: في فصاحته وبلاغته ونظمه وإعجازه، وحسنه وإحكامه، وفي صحّة معانيه، وقوّة مبانيه، وعظيم أحكامه، وصدقه، وهدايته، وحكمته، واستتباعه مصالح الخلق في المعاش والمعاد، وتشابهه في الحسن والائتلاف، وعدم الاختلاف والتضادّ بوجه من الوجوه، وغير ذلك.﴿مَّثَانِيَ﴾ أي: مكرّراً مردّدا، تُثنّى وتُكرر فيه القصص والمواعظ، والأمثال والأحكام، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وتثنّى فيه أسماء الله تعالى وصفاته، وتثنّى تلاوته، فلا يخلَق على كثرة الردّ، ولا يملّ قارئه ولا يسأم سامعه.جمع ثِنْي، ومثناة ومثنّى، من التثنية، بمعنى: التكرير والإعادة، وُصف القرآن كلّه هنا بالمثاني - لما تقدّم من معناه – وسمّيت الفاتحة بالمثاني في سورة الحجر، في قوله:(ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم)الحجر(٨٧) لأنها تثنّى وتكرّر قراءتها في الصلاة.﴿تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ﴾ أي: ترتعد وتضطرب عند ذكر وعيده ﴿جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ﴾ أي: يخافونه، فتعلوها قَشْعريرة ورِعْدة من الخوف ممّا فيه من الوعيد.من الاقشعرار: وهو التقبّض الشديد، يقال: اقشعرّ جلده: أي: تقبّض تقبّضاً شديداً، أو: قفّ شعره: إذا عرض له خوف شديد، من أمر هائل، دهمه بغتة، وهو كناية عن شدة خوفهم من الله تعالى.﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ﴾ أي: تسكن وتطمئن ليّنة غير منقبضة ﴿ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ﴾ أي: و تلين قلوبهم عند ذكر وعده، لما يرجون ويؤمّلون من رحمته ولطفه، وثوابه وجنّته.أو: تلين جلودهم و قلوبهم إلى التصديق به والعمل بما فيه.﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: القرآن الذي وصفناه لكم، وتأثيره في المؤمنين ﴿هُدَى ٱللَّهِ﴾ أي: هداية منه لعباده، وهو من جملة فضله وإحسانه عليهم، أو: (هدى الله) الذي لا طريق يوصل إلى الله إلاّ منه.﴿يَهۡدِي بِهِۦ﴾ أي: بسببه ﴿مَن يَشَآءُۚ﴾ من عباده ممّن حسن قصده، واستوت فطرته، كما قال تعالى: ﴿يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام﴾المائدة(١٦).﴿وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ﴾ يهديه بعد أن أضلّه الله وختم على قلبه، لأن التوفيق إلى الهداية لا يكون إلاّ من الله، ولا طريق إليه إلاّ بالإقبال على كتابه، تفكّرا وتدبّراً.

39:24Page 461

أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٢٤

Then is he who will shield with his face1 the worst of the punishment on the Day of Resurrection [like one secure from it]? And it will be said to the wrongdoers, "Taste what you used to earn."

٢٤ - ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾ أي: أكلّ الناس سواء؟ فمن يتّقي بوجهه العذاب السيئ الشديد يوم القيامة، لكوْن يده، التي كان يتّقي المكاره بها، مغلولةً إلى عنقه – كمن هو آمِنٌ في ذلك اليوم، لا يناله مكروه، ولا يعتريه سوء، ولا يحتاج إلى الاتّقاء بوجه من الوجوه.كما قال تعالى: (أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمّن يمشي سويّاً على صراط مستقيم)الملك(٢٧) و قال: (أفمن يُلقى في النار خير أمّن يأتي آمناً يوم القيامة)فصّلت(٤٠).واكتفى في هذه الآية بذكر أحد القِسْمين عن الآخر، لدلالته عليه.﴿وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ﴾ أنفسهم بالكفر والمعاصي - تقريعاً وتوبيخاً -: ﴿ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ﴾ في دنياكم من الكفر والعصيان، أي: جزاءه.

39:25Page 461

كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٥

Those before them denied, and punishment came upon them from where they did not perceive.

٢٥ - ﴿كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ﴾ أي: من الأمم الماضية المكذّبة لرسلهم، كما كذّب أهل مكّة رسولهم محمداً ﷺ ﴿فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ﴾ أي: من جهة لا تخطر ببالهم، وذلك عند أمنهم وغفلتهم، وما كان لهم من الله من واق.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском