Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:26–52
39:26Page 461
فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٢٦
So Allāh made them taste disgrace in worldly life. But the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.
٢٦ - ﴿فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ﴾ أي: الذلّ والهوان والصّغار ﴿فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ﴾ بما أنزل بهم من العذاب والنكال، من المسخ والخسف، والقتل والأسر، وغير ذلك ﴿وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ﴾ لكونه مع شدّته، أدوم ﴿لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ﴾ أي: لو كان المكذّبون ممّن يعلم ويتفكّر، ويعمل بمقتضى علمه، ما كذّبوا رسلهم، فليحذر هؤلاء من المقام على التكذيب، فيصيبهم ما أصاب أولئك من التعذيب !
39:27Page 461
وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٧
And We have certainly presented for the people in this Qur’ān from every [kind of] example - that they might remember.
٢٧ - ﴿وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا﴾ أي: جعلنا ﴿لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ﴾ يحتاجون إليه في أمر دينهم.أي: بيّنا لهم فيه بضرب الأمثال.﴿لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: يتعظون فيعتبرون، فإن المثل يقرّب المعنى المراد إلى الأذهان.كما قال تعالى:(وتلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلاّ العالمون)العنكبوت(٤٣).
39:28Page 461
قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٢٨
[It is] an Arabic Qur’ān, without any deviance1 that they might become righteous.2
٢٨ - ﴿قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي: أنزلناه، أو جعلناه قرآناً عربياً ﴿غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ﴾ أي: ليس صاحب عوج،فلا لَبْس ولا اختلاف ولا اختلال فيه ولا اضطراب بوجه من الوجوه.بل هو بيانٌ ووضوحٌ وبرهان، وهذا يستلزم كمال اعتداله واستقامته، كما قال تعالى: (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً ١ قيّما لينذر بأسا شديدا من لدنه ٢)الكهف(١-٢).وإنمـا جعـلـه الله كـذلك، وأنـزلـه بلسـان عـربيّ مبين ﴿لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ﴾ الله تعالى، فيعملون بما فيه من الوعد، ويحذرون ما فيه من الوعيد.
39:29Page 461
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٩
Allāh presents an example: a man [i.e., slave] owned by quarreling partners and another belonging exclusively to one man - are they equal in comparison? Praise be to Allāh! But most of them do not know.
٢٩ - ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا﴾ أي: للمشرك الذي يعبد آلهة كثيرة شتّى: ﴿رَّجُلٗا﴾ بدل من (مثلاً) أي: عبداً مملوكاً ﴿فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ﴾ أي: متنازعون مختلفون في ذلك العبد المشترك بينهم، لسوء أخلاقهم وشراسة طباعهم ﴿وَرَجُلٗا﴾ أي: وضـرب للموحّد مثلاً: عبداً ﴿سَلَمٗا لِّرَجُلٍ﴾ أي: خالصاً لرجل واحد، ليس لغيره سبيل عليه في الشركة والمنازعة ﴿هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ﴾ وصفة و حالا، أي: هل يستوي العبد لجماعة متشاحنين، متنازعين، سيئة أخلاقهم، شرسة طباعهم، يتجاذبونه ويتعاورونه في أغراضهم المتباينة، فهو في حيرة من أمره، لا يدري على أيّهم يعتمد، ولا أيُّهم يرضى بخدمته – هل يستوي هذا، والعبد الخالص لرجل واحد، لا يملكه غيره، ولا شريك له فيه، يخدمه بإخلاص، والرجل يعولُه ويعرف له صدق بلائه، وموضع طاعته، فهو في راحة من الحيرة، وتوزّع القلب؟ لا، فكذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله، والموحّد المخلص الذي لا يعبد إلاّ الله وحده لا شريك له.والآية ضرب مثل للمشرك والموحّد، فهل يستويان مثلاً وصفة وحالاً؟ كلاّ.﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ﴾ أي: على إقامة الحجّة، ووضوح البرهان، وتبيين الحقّ من الباطل﴿بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ﴾ أي: أهل مكة وغيرهم من مشركي العرب ﴿لَا يَعۡلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه من العذاب، فيُشركون بالله! وقوله:(متشاكسون) أي:متنازعون مختلفون، شرسوا الطباع. يقال: رجل شَكْسٌ وشَكِسٌ، أي: صعب الخُلُق. وفعله ككَرُم.وقوله: (رجلا سلَماً لرجل) أي: خالصاً له خُلوصاً، مصدر وُصف به مبالغة [وفي قراءة: (سالِماً) بمعناه].
39:30Page 461
إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ٣٠
Indeed, you are to die, and indeed, they are to die.
٣٠ - ﴿إِنَّكَ﴾ يا محمد ﴿مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ فالجميع مرتحل عن هذه الدار إلى دار القرار.وفي الآية إعلام للصحابة بأنه ﷺ يموت، فقد كان بعضهم يعتقد أنه لا يموت.وفيها حثّ لكفّار قريش على انتهاز الفرصة، والمسارعة إلى الإيمان، والأخذ عن رسول الله ﷺ قبل مفارقته لهم.كما قال تعالى:(وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن متّ فهم الخالدون)الأنبياء(٣٤).
39:31Page 461
ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ ٣١
Then indeed you, on the Day of Resurrection, before your Lord, will dispute.
٣١ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ﴾ أيها النّاس ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ﴾ فيما تنازعتم فيه من التوحيد والشرك، أو فيما بينكم من المظالم، فيفصل بينكم بحكمه العدل، ويجازي كلّ عامل منكم بعلمه (أحصاه الله ونسوه)المجادلة(٦).والآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة، فإنها شاملة لكل متنازعيْن في الدنيا، فإنها تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة. أخرج الإمام أحمد والترمذي – وقال: حسن صحيح - عن الزّبير بن العوّام قال: لمّا نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ: (إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) قال الزبير: أي رسول الله، أيكرّر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواصّ الذنوب؟ قال: «نعم، ليكررنّ عليكم حتى يؤدي إلى كلّ ذي حق حقّه» قال الزّبير: والله إن الأمر لشديد.وفي لفظ عند ابن أبي حاتم:«قال الزبير: أتكررّ علينا الخصومة؟ قال: «نعم» قال الزبير: إن الأمر إذاً لشديد».وفي الحديث عند أحمد عن عقبة بن عامر مرفوعاً: «أوّل الخصمين يوم القيامة، جاران».وفي مسند أحمد أيضا: عن أبي ذر أنه قال: رأى رسول الله ﷺ شاتين ينتطحان، فقال: «أتدري فيم ينتطحان، يا أبا ذرّ؟» قلت: لا، قال: «لكن الله يدري وسيحكم بينهما».وروى الحافظ البزّار عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «يُجاء بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة، فتخاصمه الرّعية، فيفلحون عليه، فيقال له: سدّ ركنا من أركان جهنّم».
39:32Page 462
۞ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ ٣٢
So who is more unjust than one who lies about Allāh and denies the truth when it has come to him? Is there not in Hell a residence for the disbelievers?
٣٢ -﴿فَمَنۡ أَظۡلَمُ﴾ أي: لا أحد أظلم ﴿مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ﴾ أي: افترى عليه بنسبة الشريك له، أو الولد أو الصّاحبة إليه، أو بنسبته إلى مالا يليق بجلاله، أو القول على الله بما لا يعلم﴿وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ﴾ أي: بالقرآن والحقّ الذي جاء به رسول الله ﷺ من الدعوة إلى التوحيد، والأمر بالقيام بشرائع الدّين، فأيّ ظلم بعد ظلم الكذب على الله، والتكذيب بالصدق وردّ الحق؟﴿أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى﴾ أي: مأوىً ومكانُ إقامـة ﴿لِّلۡكَٰفِرِينَ﴾؟ بلى.والمثوى: مكان الإقامة والسكنى.
39:33Page 462
وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ٣٣
And the one who has brought the truth [i.e., the Prophet (ﷺ)] and [they who] believed in it - those are the righteous.
٣٣ - ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ﴾ فـي قـوله وعـملـه ﴿وَصَدَّقَ بِهِۦٓ﴾ أي: بالصدق، فيدخل في هذا: الأنبياء والمرسلون والمؤمنون، فإن المؤمنين يقولون الحقّ ويعملون به، والرسول ﷺ أوْلى الناس بالدخول في هذه الآية، فإنه جاء بالصدق، وصدّق المرسلين، وآمن بما أنزل إليه من ربّه، وكذا سائر الأنبياء والمؤمنين، ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ الشّرك، الذين جمعوا بين الصدق والتصديق.
39:34Page 462
لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٤
They will have whatever they desire with their Lord. That is the reward of the doers of good -
٣٤ - ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ﴾ من الثواب، ورفع الدرجات، في جنات النعيم ﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ في عبادتهم لله، المحسنين إلى عباد الله، الذين أحسنوا أعمالهم وأصلحوها. وفي الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك».
39:35Page 462
لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٣٥
That Allāh may remove from them the worst of what they did and reward them their due for the best of what they used to do.
٣٥ - ﴿لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ﴾ في الدنيا من الأعمال فيتجاوز عن سيئاتهم وذنوبهم بسبب إحسانهم وتقواهم.وقيل: إذا غفر لهم ما هو الأسوأ من أعمالهم، غفر لهم ما دونه بطريق الأوْلى والأحرى.﴿وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ أي: يجزيهم ثوابهم على الطاعات بالأحسن أو المحاسن من أعمالهم، فيتقبّلها منهم، كما قال تعالى: (أولئك الذين نتقبّل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنّة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون)الأحقاف(١٦).
39:36Page 462
أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٦
Is not Allāh sufficient for His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)]? And [yet], they threaten you with those [they worship] other than Him. And whoever Allāh leaves astray - for him there is no guide.
٣٦ - ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ﴾ محمداً ﷺ ما يخوّفه به المشركون؟ بلى، الله تعالى كاف نبيّه ﷺ في أمر دينه ودنياه، شرّ من عاداه وناوأه من الكافرين.[و في قراءة:(أليس الله بكاف عباده)] أي: أن الله تعالى يكفي مَنْ عَبَده وتوكّل عليه، وامتثل أمره، واجتنب ما نهى عنه.أُدخلت فيه همزة الإنكار على كلمة النّفي، فأفاد إثبات الكفاية، لأن نفي النفي إثبات.﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ أي: كفار قريش ﴿بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ﴾ أي: بالأصنام، والأنداد والأوثان التي اتّخذوها آلهة من دون الله، أن تنالك بسوء، جهلاً منهم وضلالاً ﴿وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ﴾ أي: من حقّ عليه القضاء بضلاله لسوء اختياره ﴿فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ﴾ يهديه من بعد الله إلى الرشد، ويخرجه من الضلالة.
39:37Page 462
وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ ٣٧
And whoever Allāh guides - for him there is no misleader. Is not Allāh Exalted in Might and Owner of Retribution?
٣٧ - ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ﴾ أي: يوفّقه للهداية ﴿فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ ﴾ يخرجه من الهداية، ويوقعه في الضّلالة، لأنه سبق عليه القضاء بهدايته، فإن الهداية والإضلال بيد الله تعالى، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا رادّ لأمره، ولا معقّب لحكمه ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ﴾ أي: غالبٍ على أمره، قاهر لكل شيء ﴿ذِي ٱنتِقَامٖ﴾ ممّن عصاه وعاداه؟ بلى.
39:38Page 462
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٣٨
And if you asked them, "Who created the heavens and the earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "Then have you considered1 what you invoke besides Allāh? If Allāh intended me harm, are they removers of His harm; or if He intended me mercy, are they withholders of His mercy?" Say, "Sufficient for me is Allāh; upon Him [alone] rely the [wise] reliers."
٣٨ - ﴿وَلَئِن﴾ اللاّم، لام قسم ﴿سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ﴾ وحده، فإن المشركين كانوا يعترفون بأن الله عز وجلّ هو خالق الأشياء كلّها، ومع هذا يعبدون معه غيره، ممّا لا يملك لهم نفعاً ولا ضرّا.﴿قُلۡ﴾ لهم – مقرّرا عجز آلهتهم، مثبتا كمال قدرة الله-: ﴿أَفَرَءَيۡتُم﴾ أي: أخبروني - بعد إقراركم –﴿مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: تعبدون من دونه تعالى من الأصنام والأنداد والأوثان ﴿إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ﴾ أي: أيّ ضرّ كان ﴿هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ﴾ أي: هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الشدة؟ لا.﴿أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ﴾ من نعمة أو رخاء، في ديني ودنياي ﴿هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ﴾ عنّي، بحيث لا تصل إليّ؟ لا. أي: لا تستطيع هذه الآلهة المدعوّة من دون الله، شيئاً من الأمر! [وفي قراءة بعدم الإضافة:(هل هنّ كاشفاتٌ ضرَّه)و:(هل هنّ ممسكاتٌ رحمتَه)].﴿قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ﴾ أي: كافيَّ في جميع أموري، من إصابة الخير، ودفع الشرّ، وجلب المنافع، ودفع المضارّ، فبه أكتفي، وإيّاه أعبد، وإليه أفـزع في جميـع أمـوري ﴿عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ﴾ أي: عليه لا على غيره يعتمد المعتمدون و يثق الواثقون في جلب مصالحهم ودفع مضارّهم. كما قال هود عليه السلام:(إنّي توكلت على الله ربّي وربكم..)هود(٥٦).وفي الحديث عند الترمذي وابن أبي حاتم: «تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة».
39:39Page 462
قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٩
Say, "O my people, work according to your position, [for] indeed, I am working; and you are going to know
٣٩ - ﴿قُلۡ﴾ لهم أيها الرسول: ﴿يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ﴾ - بالإفراد والجمع، قراءتان - أي: على حالتكم وطريقتكم التي أنتم عليها، من عبادة غير الله، ومن العداوة ومناصبة الحقّ التي تمكنّتم فيها.وأصل المكانة: المكان المحسوس: استعيرت للحالة التي عليها الإنسان استعارة المحسوس للمعقول.أو: اعملوا على حسب تمكّنكم واستطاعتكم، من العمل الذي تعملون. والأمر للتهديد والوعيد.﴿إِنِّي عَٰمِلٞۖ ﴾ أي: على حالتي ومكانتي التي أنا عليها، من عبادة الله وحده لا شريك له، والدّعوة إلى ذلك، أو: إني عامل على طريقتي ومنهجي، في إخلاص العبادة والدّين لله، ﴿فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ﴾ إذا جاءكم بأس الله.
39:40Page 462
مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٤٠
To whom will come a torment disgracing him and on whom will descend an enduring punishment."
٤٠ - ﴿مَن يَأۡتِيهِ﴾ موصولة، مفعول (تعلمون) بمعنى: من الذي يأتيه ﴿عَذَابٞ يُخۡزِيهِ﴾ أي: يذلّه ويهينه في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ﴾ أي: ينزل به، أو يجب عليه ﴿عَذَابٞ مُّقِيمٌ﴾ أي: دائم مستمر في الآخرة، هو عذاب النّار.والمعنى: سوف تعلمون إذا جاءكم بأس الله مَن المحقّ منّا مِنَ المبطل !
39:41Page 463
إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ ٤١
Indeed, We sent down to you the Book for the people in truth. So whoever is guided - it is for [the benefit of] his soul; and whoever goes astray only goes astray to its detriment. And you are not a manager [i.e., authority] over them.
٤١ - ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: القرآن ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: لأجلهم ولبيان ما كلّفوا به، ﴿بِٱلۡحَقِّۖ﴾ متعلّق ب «أنزل»، أي: إنزالاً متلبّسا بالحق مقترناً به، ملازماً له، أو: أنزلنا عليك الكتاب المشتمل على الحق والصدق في أخباره وأحكامه، وأوامره ونواهيه.﴿فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ﴾ بأن عـرف طـريـق الحـقّ وسـلـكها ﴿فَلِنَفۡسِهِۦۖ﴾ اهتداؤه، أي: إنما يعود نفع ذلك إلى نفسه، ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ عن طريق الحقّ وتنكبها ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ﴾ أي: على نفسه، فإن ضرر ذلك ووباله عائد على نفسه.﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ﴾ أي: برقيب ترقب أفعالهم وتحفظ عليهم أعمالهم، وتحاسبهم عليها، وتجبرهم على الهدى، فلست موكّلا بهدايتهم ولا مكلّفا بها، بل عليك البلاغ، وقد فعلت.كما قال تعالى: (إن أنت إلاّ نذير)فاطر(٢٣) و قال: (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)الرّعد(٤٠).
39:42Page 463
ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٤٢
Allāh takes the souls at the time of their death, and those that do not die [He takes] during their sleep. Then He keeps those for which He has decreed death and releases the others for a specified term. Indeed in that are signs for a people who give thought.
٤٢ - ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ﴾ أي: يقبض الأرواح من الأبدان ﴿حِينَ مَوۡتِهَا﴾ أي: عند حضور أجلها، بأن يقطع تعلّقها بالأجسام تعلّق التصرّف، ظاهراً وباطناً، وهي الوفاة الكبرى، أو وفاة الموت.كما قال تعالى:(حتى إذا جاء أحدكم الموت توفّته رسلنا وهم لا يفرطون)الأنعام(٦١).﴿وَ﴾ يتوفى الأنفس ﴿ٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ﴾ لعدم حضور أجلها ﴿فِي مَنَامِهَاۖ﴾ بأن يقطع تعلّقها بالأجسام تعلّق التصرّف ظاهراً فقط. وهي الوفاة الصغرى أو وفاة النّوم.كما قال تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار)الأنعام(٦٠).أي: أنه تعالى يقبض الأرواح من الأبدان حين الموت، وعند النّوم.﴿فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ﴾ [وفي قراءة بالبناء للمفعول:(قُضِي عليها الموتُ)] فلا يردّها إلى البدن الذي كانت فيه إلى يوم القيامة ﴿وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ﴾ التي لم يقض عليها بالموت، إلى بدنها عند اليقظة، لاستكمال رزقها وأجلها، ﴿إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ﴾ وهو الوقت المحدود للموت.﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ المذكور من التوفّي والإمساك، والإرسال للنفوس ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي: لدلالات عجيبة بديعة على القدرة الباهرة﴿لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعلمون أن القادر على ذلك، قادر على البعث لا محالة، فإن في هذا التوفيّ والإمساك والإرسال موعظة للمتعظين وتذكرة للمتذكرين.وفي الآية دلالة على أن الأرواح تجتمع في الملأ الأعلى، فيمسك الله أنفس الأموات، ويرسل أنفس الأحياء إلى أجل مسمّى -كما رواه ابن منده و غيره مرفوعا -.وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفُضْه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خَلَفه عليه، ثم ليقل: باسمك ربّي، وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين».
39:43Page 463
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ ٤٣
Or have they taken other than Allāh as intercessors? Say, "Even though they do not possess [power over] anything, nor do they reason?"
٤٣ - ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ﴾ أي: بل أتّخذوا ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ﴾ أي: آلهة شفعاء تشفع لهم عند الله، من الأصنام والأنداد والأوثان، بزعمهم!وهمزة الاستفهام المقدّرة: للإنكار عليهم في اتخاذهم الأصنام آلهة تشفع لهم عند الله.﴿قُلۡ﴾ لهم – مبيّنا جهلهم، وأنها لا تستحقّ شيئاً من العبادة -: ﴿أَوَلَوۡ كَانُواْ﴾ أي: أيشفعون وتتخذونهم شفعاء ولو كانوا ﴿لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا﴾ من الشفاعة وغيرها ﴿وَلَا يَعۡقِلُونَ ﴾ شيئاً من شفاعة، أو عبادة، أو غيرها، لكونها جمادات لا تعقل ولا تفهم.والآية نعي على كفّار قريش تركهم التفكّر في دلائل قدرته تعالى على البعث، وتفرّده بالألوهية، واتخاذهم الأصنام آلهة تشفع لهم عند الله!
39:44Page 463
قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٤٤
Say, "To Allāh belongs [the right to allow] intercession entirely. To Him belongs the dominion of the heavens and the earth. Then to Him you will be returned."
٤٤ - ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ﴾ أي: قل يا محمّد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتّخذوه شفعاء لهم عند الله، قل لهم: الله تعالى مالكٌ الشفاعة كلّها، لأن الأمر كله له، فلا يستطيع أحد أن يشفع لأحد إلاّ أن يكون المشفوع له مرتضىً، والشفيع مأذوناً له في الشفاعة، فلا تنفع الشفاعة عند الله إلاّ لمن أذن له وارتضاه، كما قال تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه)البقرة(٢٥٥) و قال: (ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى)الأنبياء(٢٨) - وكلاهما مفقود هاهنا.ثم قرّر أن الشفاعة والأمر كلّه له فقال: ﴿لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ﴾ أي: المتصرّف في جميع ذلك، المدبّر له ﴿ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾ -بضم التاء وفتحها، قراءتان- أي: يوم القيامة، فيحكم بينكم بعدله، ويجزي كلاّ بعمله.
39:45Page 463
وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٤٥
And when Allāh is mentioned alone, the hearts of those who do not believe in the Hereafter shrink with aversion, but when those [worshipped] other than Him are mentioned, immediately they rejoice.
٤٥ - ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ﴾ أي: دون آلهتهم، بأن قيل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، توحيداً له، وعملاً بإخلاص الدّين له، وترك ما يعبدون من دونه.﴿ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ ﴾ أي: نفرت وانقبضت من ذكره تعالى وحده، دون أن تذكر معه آلهتهم.من الشّمْز: وهو نفور النفس ممّا تكره، يقال: اشمأزّ، أي: انقبض واقشعرّ أو ذُعر، وتشمّز وجهه: تمعّر وتقبّض، والمشمئزّ: النافر الكاره، أو المذعور.والاشمئزاز: امتلاء القلب غمّا حتى ينقبض أديم الوجه.وقيل: كفرت واستكبرت، كما قال تعالى:(إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون)الصافات(٣٥) أي: عن المتابعة والانقياد لها.﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ﴾ أي: من الأصنام والأنداد والآلهة المزعومة فرادى أو مع ذكر الله تعالى ﴿إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ﴾ أي: يفرحون بذلك، ويسرّون ويبتهجون.والاستبشار: امتلاء القلب سروراً حتى تنبسط له بشرة الوجه.
39:46Page 463
قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٤٦
Say, "O Allāh, Creator of the heavens and the earth, Knower of the unseen and the witnessed, You will judge between your servants concerning that over which they used to differ."
٤٦ - ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ﴾ بمعنى: يا الله ﴿فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: مبدعهما ومخترعهما على غير مثال سبق، ﴿عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ﴾ أي: السّر والعلانية، وما غاب وما شوهد، ﴿أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ من أمر الدّين في دنياهم، فتفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم وقيامهم من قبورهم، فتظهر المحقّ من المبطل، تجزي المحسن بإحسانه، وتعاقب المسيء بإساءته.أخرج مسلم وأبو داود عن عائشة، قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحقّ بإذنك، إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ».وأخرج أحمد في المسند عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ:«من قال: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الدنيا: أني أشهد أن لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي، تقرّبني من الشرّ، وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلاّ برحمتك، فاجعل لي عندك عهداً، توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، إلاّ قال الله عزّ وجلّ لملائكته يوم القيامة: إن عبدي قد عهد إليّ عهداً، فأوفوه إيّاه، فيدخله الله الجنّة».وأخرج أحمد في المسند أيضاً، والترمذي، وقال: حسن غريب، من حديث عبد الله بن عمرو، أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علّمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال له: «يا أبا بكر، قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، لا إله إلاّ أنت، ربّ كلّ شيء ومليكه، أعوذ بك من شرّ نفسي، وشرّ الشيطان وشركه أن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجرّه إلى مسلم».
39:47Page 463
وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ ٤٧
And if those who did wrong had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby from the worst of the punishment on the Day of Resurrection. And there will appear to them from Allāh that which they had not taken into account.1
٤٧ - ﴿وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بالكفر والشرك ﴿مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا﴾ من الأموال والذخائر والكنوز ونحوها ﴿وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ﴾ منضمّا إليه وزيادة عليه ﴿لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾ جزاء ظلمهم وكفرهم، ومع هذا، لا يُقبل منهم الفداء ولو كان ملء الأرض ذهباً، ولا يُغني عنهم من عذاب الله من شيء، ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ﴾ أي: يظنّون ويتوقّعون، أي: ظهر لهم من عقوبات الله، وسخطه، وشدّة عذابه ونكاله، ما لم يكن في حسبانهم ولم يخطر على بالهم.
39:48Page 464
وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤٨
And there will appear to them the evils they had earned, and they will be enveloped by what they used to ridicule.
٤٨ - ﴿وَبَدَا لَهُمۡ﴾ أي: وظهر لهم ﴿سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ من الشرك والكفر والظلم، أي: ظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من مساوئ أعمالهم. أو ظهر لهم ما يسوؤهم يوم القيامة بسبب صنيعهم وكسبهم في الدنيا،﴿وَحَاقَ بِهِم﴾ أي: أحاط ونزل بهم، أو: وجب عليهم ولزمهم ﴿ مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ﴾ في الدنيا من العذاب، والنكال الذي وُعدوا به، أي: جزاؤه.
39:49Page 464
فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩
And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.
٤٩ - ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ﴾ أي: جنسه ﴿ضُرّٞ﴾ من مرض أو فقر، أو شدة، أو كرب ﴿دَعَانَا﴾ متضرّعاً إلينا في رفعه ودفعه، أي: هذا شأن الإنسان مع ربّه في حال الضرّاء﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا﴾ أي: أعطيناه إيّاها تفضلاً منّا وإحساناً، كسعة بعد ضيق، وعافية بعد بلاء، وفرج بعد شدّة ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ﴾ أي: أعطيته ﴿عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ﴾ من الله بفضلي وأنّي له أهل، أو: على علم منّي بوجوه المكاسب وطرق تحصيلها. أو: على خير عندي لشرفي ورضا الله بعملي.قال تعالى: ﴿بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ﴾ أي: محنة واختبار وابتلاء له - والمراد: تلك النّعمة - أيشكر أم يكفر؟ مع سابق علمنا بحاله و مآله.﴿وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ أن ذلك الإمداد بالنّعم مع المقام على المعصية استدراج من الله لهم، وامتحان لما عندهم من الشكر أو الكفر، فلذلك يخوضون في نعم الله بالباطل، ويقولون ويدّعون ما يدّعون.
39:50Page 464
قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠
Those before them had already said it, but they were not availed by what they used to earn.
٥٠ - ﴿قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ﴾ أي: قال هذه الكلمة – وهي:(إنما أوتيته على علم) – الذين من قبلهم من الأمم السالفة، كقارون وغيره.﴿فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ﴾ بذلك العلم من متاع الدنيا شيئاً، حين جاءهم العذاب. أي: لم تغن عنهم مقالتهم هذه، ولم يدفع عنهم علمهم، و لا نفعهم جمعهم و لا كسبهم في الدنيا من أعمالهم.
39:51Page 464
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٥١
And the evil consequences of what they earned struck them. And those who have wronged of these [people] will be struck [i.e., afflicted] by the evil consequences of what they earned; and they will not cause failure.1
٥١ - ﴿فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ﴾ أي: جزاءُ سيئات كسبهم وفعلهم، من العذاب والنكال والعقوبات.﴿وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ﴾ أي: المخـاطبـين مـن الكفّار من قريش ومن حولهم ﴿سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ أي: جزاؤها، كما أصاب أولئك، من العذاب والعقوبات، من القحط والقتل، والأسر والقهر.﴿وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ﴾ أي: بفائتين أو سابقين من عذاب الله بالهرب ونحوه، بل مرجعهم إليه، يصنع بهم ما يشاء من العقوبة.كما قال تبارك وتعالى مخبراً عن قارون: (قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشدّ منه قوّة وأكثر جمعاً ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون)القصص(٧٨) و قال عن غيره: (وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذّبين)الصافات(٥٩).
39:52Page 464
أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢
Do they not know that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.
٥٢ - ﴿أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ﴾ أي: يوسعه ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾ من عباده، امتحاناً واختباراً ﴿وَيَقۡدِرُۚ﴾ أي: يُضيّق الرزق على من يشاء بحكمته ابتلاءً. وسعة الرزق قد تكون استدراجاً، وتقتيره قد يكون إعظاماً، وكلّ تابع للحكمة.﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ أي: في بسط الرزق وقبضه ﴿لَأٓيَٰتٖ﴾ أي: لدلالات عظيمة وعلامات جليلة، أو لعبراً وحججاً ﴿لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ به ويصدّقون بالحقّ إذا تبيّنوه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences