Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:99–109
4:99Page 94
فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا ٩٩
For those it is expected that Allāh will pardon them, and Allāh is ever Pardoning1 and Forgiving.
٩٩ - ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ﴾ إشارة إلى المستضعفين الموصوفين بما ذكر ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ﴾ أي: يتجاوز عنهم، بترك الهجرة، بفضله وكرمه وعظيم إحسانه. و(عسى) من الله تعالى واجب وقوعها بمقتضى فضله وكرمه، لأنه إطماعٌ وترجٍّ، والله تعالى إذا أطمع عبده، وصله. وفي الآية: تأكيد لأمر الهجرة، حتى يُظن أن تركها- ممن لا تجب عليه- يكون ذنباً يُطلب العفو عنه بسبب العذر. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا﴾ لمن تاب وأناب. وفي البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يدعو للمستضعفين في صلاته ويقول: «اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين». وفي الآية: دليل على أن من عجز عن المأمور، من واجب وغيره، فإنه معذور، كما في قوله في العاجزين عن الجهاد: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج)الفتح(١٧) وقوله في عموم الأوامر: (فاتقوا الله ما استطعتم)التغابن(١٦). وفي الحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». ولكن لا يعذر الإنسان عند ربه إلا إذا بذل جهده، وانسدت عليه أبواب الحيل جميعها، لقوله: (لا يستطيعون حيلة).
4:100Page 94
۞ وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠
And whoever emigrates for the cause of Allāh will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allāh and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allāh. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.
١٠٠ - سبب نزول الآية: أخرج ابن أبي حاتم وأبو يعلى- بسند جيد- عن ابن عباس قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً- إلى الله ورسوله- فقال لأهله: احملوني فأخرجوني من أرض المشركين إلى رسول الله ﷺ، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله، فنزلت الآية. ﴿وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: يفارق دار الكفر إلى دار الإسلام في طاعة الله وابتغاء مرضاته، بقصد صحيح، ونية خالصة، غير مشوبة بشيء من أمور الدنيا. وفي الصحيحين: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه». ﴿يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا﴾ أي: متحولاً ومهاجراً ينتقل إليه. و المراد : أماكن يتحول ويهاجر إليها ويسكن فيها على رغم أنف قومه الذين فارقهم ﴿كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ﴾ في الرزق أو في البلاد والأمن. وقيل: وسعة من الضلالة إلى الهدى ومن القلة إلى الغنى. والمُراغَم: اسم مكان، وعبَّر عنه بالمراغم للإشعار بأن المهاجر في سبيل الله يصل في الموضع الذي يهاجر إليه، إلى ما يكون سبباً لرغم أنوف قومه الذين فارقهم، وهو من الرّغم- بتشديد الراء- أي: الذل والهوان، وأصله: لصوق الأنف بالرغام، وهو التراب، وفعله: رغم- بكسر الغين المعجمة وفتحها- لغتان. وفي الآية: حث وترغيب على الهجرة إلى الله ورسوله، ووعد بأن من هاجر في سبيل الله وابتغاء مرضاته، يجد مراغماً في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، واسم جامع لكل ما يحصل به إغاظة لأعداء الله من قول وعمل، والسعة مشتملة على مصالح الدنيا.وذلك أن كثيراً من الناس يتوهم أن في الهجرة شتاتاً بعد ألفة، وفقراً بعد غنى، وذلاً بعد عز، وشدة بعد رخاء، وليس الأمر كذلك، فما دام المؤمن بين أظهر الكفار، فدينه في غاية النقص، ثم هو بصدد أن يُفتن عن دينه، خصوصاً إن كان مستضعفاً. فإذا هاجر في سبيل الله تمكن من إقامة دين الله وجهاد أعداء الله، ومراغمتهم. ﴿وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ أي: قاصداً ربه ورضاه، نصراً لدينه، وولاء لرسوله ﴿ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ﴾ في الطريق- بقتل أو غيره- قبل أن يصل إلى المكان الذي قصد الهجرة إليه ﴿فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ﴾ أي: وجب وثبت له الأجر والثواب كاملاً عند الله، تفضُّلاً منه تعالى. فمن نوى الهجرة وعزم عليها وشرع فيها ومات قبل تمامها، فقد حصل له أجر المهاجر ولو لم يصل دار الهجرة. وفي الصحيحين: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىءٍ ما نوى». ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا﴾ بعباده التائبين المنيبين إليه ﴿رَّحِيمٗا﴾ بأوليائه وأهل طاعته. وفي الآية : دليل على أن من نوى فعل طاعة من الطاعات ثم مات قبل إتمامها، فإنه يكتب له ثوابها كاملاً. وفي الحديث عند أحمد عن عبد الله بن عتيك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله، فخرَّ عن دابته، فمات، فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة، فمات، فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله». وروى الحافظ أبو يعلى عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من خرج غازياً في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة».و قد كانت الهجرة إلى دار الإسلام قبل فتح مكة واجبة لإعزاز دين الله وإقامة حدوده و أركانه و تقوية شوكة المسلمين و نصرة النبي ﷺ ، حتى إذا فُتحت مكة و دخل الناس في دين الله أفواجا و انتشر الصحابة يُعلِّمون الناس أمور دينهم و قَويت شوكة الإسلام، لم تعد الهجرة واجبة بعد الفتح. و في الصحيحين: «لاهجرة بعد الفتح، و لكن جهاد ونية، و إذا استُنفرتم فانفروا» .
4:101Page 94
وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ١٠١
And when you travel throughout the land, there is no blame upon you for shortening the prayer,1 [especially] if you fear that those who disbelieve may disrupt [or attack] you.2 Indeed, the disbelievers are ever to you a clear enemy.
١٠١ - أسباب نزول الآية: أخرج ابن جرير عن علي، قال: سأل قوم من بني النجار رسول الله ﷺ، فقالوا: إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي؟، فنزلت: (وإذا ضربتم في الأرض) ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحوْل غزا النبي ﷺ، فصلى الظهر، فقال المشركون: لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلاَّ شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إن لهم أخرى مثلها في إثرها، فأنزل الله بين الصلاتين: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) إلى قوله: (إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً). فنزلت صلاة الخوف. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي في «الدلائل» وصححه وكذا عبد الرزاق عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله ﷺ بعُسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد وهم بيننا وبين القبلة فصلى بنا النبي ﷺ الظهر، فقالوا: قد كانوا على حال، لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا: يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة). وروى الترمذي نحوه عن أبي هريرة وابن جرير نحوه عن جابر ابن عبد الله وابن عباس. وصلى النبي ﷺ صلاة الخوف في أربعة مواضع: عسفان، وبطن نخل، وذي قرد، وفي غزوة ذات الرقاع. ﴿وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: سافرتم فيها،وهذا كقوله:(وآخرون يضربون في الأرض)المزمل(٢٠). وسميت ضربا، لأن المسافر يضرب الأرض برجليه، أو بعصاه ، أو بقوائم راحلته.﴿فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ﴾ أي: لا حرج، ولا إثم عليكم في ﴿أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ﴾ بأن تجعلوا الرباعية ثنائية.وهذه الآية أصل في رخصة القصر في السفر في حالتي الأمن والخوف.فائدة فقهيةواختلف في نوعية السفر المبيح للقصر على أقوال: الأول: فذهب البعض: إلى أن سفر القصر لا بد أن يكون سفر طاعة، من جهاد،أو حج،أو عمرة،أو طلب علم،أو زيارة رحم ونحو ذلك. الثاني: وذهب الجمهور والشافعي وأحمد: إلى أن سفر القصر لا يشترط أن يكون سفر طاعة، بل لا بد أن يكون سفراً مباحاً. واستدلوا بقوله: (فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم)المائدة(٣). فكما أباح له تناول الميتة مع الاضطرار بشرط أن لا يكون عاصياً في سفره، فكذا لم يُجوِّزوا له الترخيص بالقصر في سفر المعصية، تخصيصاً للآية بالمعنى والمناسبة. فإن الرخصة سهولة من الله لعباده، إذا سافروا أن يقصروا من الصلاة ويفطروا، والعاصي بسفره لا يناسب حاله التخفيف. الثالث: وذهب أبو حنيفة والثوري وداود: إلى أن ظاهر الآية وعمومها يقتضي الترخيص في أي سفر كان، فقالوا بجواز القصر في مطلق السفر سواء كان مباحاً أو سفر معصية، كقطع الطريق وإخافة السبيل. قلت: وعندي أن ظاهر الآية يقتضي الإطلاق دون التخصيص، إلا بدليل.و الله تعالى أعلم. قوله: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) فيه: دليل على أن القصر ليس بواجب على من سافر، فالمسافر إن شاء قصر وإن شاء أتم الصلاة. واختلف فيه على قولين: الوجوب والرخصة.أن نفي الحرج لا ينافي كون القصر أفضل، لأن نفي الحرج إزالة لبعض الوهم الواقع في النفوس، بل ونفي الحرج لا ينافي الوجوب أيضاً. ومما يدل على أفضلية القصر على الإتمام أمران: أحدهما: ملازمة النبي ﷺ للقصر في جميع أسفاره. ثانيهما: أن هذا من باب التوسعة والترخيص والرحمة بالعباد. وفي الحديث: «والله يحب أن تؤتى رخصه كما يُحب أن تؤتى عزائمه». رواه ابن حبان في «صحيحه». قوله: (أن تقصروا من الصلاة): ولم يقل: أن تقصروا الصلاة، وفيه فائدتان: الأولى: أنه لو قال: أن تقصروا الصلاة، لكان القصر غير منضبط بحد من الحدود، فربما ظن البعض أنه لو قصر معظم الصلاة وجعلها ركعة واحدة، لأجزأه ذلك، فأتى بلفظ: «من الصلاة» ليدل على أن القصر محدود مضبوط، مرجوع فيه إلى ما تقرر من فعل النبي ﷺ وأصحابه. الثانية: أن لفظ: «من» تفيد التبعيض، ومنه يعلم أن القصر لا يكون إلا لبعض الصلوات المفروضة دون غيرها فالرباعية تقصر إلى ركعتين، والفجر والمغرب لا يقصران. أما قصر الصلاة في السفر، فمشروع بإجماع المسلمين، وثبتت مشروعيته بنص الكتاب والسنة:ففي الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة قالت: «أوَّل ما فرضت الصلاة ركعتان، فأُقرَّت صلاة السفر، وأُتمَّت صلاة الحضر». وللبخاري: «ثم هاجر- أي: رسول الله ﷺ- ففرضت أربعاً- أي: صلاة الحضر- وأُقرَّت صلاة السفر على الأول- أي: ركعتان-». زاد أحمد في روايته: «إلا المغرب فإنها وتر النهار، وإلا الصبح فإنها تُطوَّل فيها القراءة». قلت: وبه استدل من قال بوجوب القصر في السفر، لا بالرخصة. وفي الصحيحين- و اللفظ للبخاري- عن أنس بن مالك قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين، ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قيل: أقمتم بمكة شيئاً؟ قال: أقمنا بها عشراً». وعند مسلم والنسائي من حديث ابن عباس قال: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد ﷺ في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة». قلت: وهو ظاهر في وجوب القصر في صلاة السفر. وللمسافر أن يجمع الظهر والعصر معاً، والمغرب والعشاء معاً إما جمع تقديم- أي: العصر في وقت الظهر، والعشاء في وقت المغرب- أو جمع تأخير- أي: الظهر في وقت العصر، والمغرب في وقت العشاء- لأدلة بيَّنتها السُّنة.﴿إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ﴾ أي: إن خفتم أن يتعرض لكم الأعداء في الصلاة بمكروه أو ينالوكم بأذى من قتل أو جرح أو أسر ﴿إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا﴾ أي: بيِّني العداوة، ظاهريها.فائدة فقهيةواختلف في التقييد بشرط الخوف في قوله: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا)- والذي يدل ظاهره على أن القصر لا يجوز إلا بوجود الأمرين كليهما: السفر مع الخوف وعدم الأمن من فتنة الكافرين- وحاصل اختلافهم مرده إلى أنه: هل المراد بقوله: (أن تقصروا من الصلاة) قصر العدد (الكمية) فقط؟ أم قصر الصفة (الكيفية) فقط؟ أم قصر العدد والصفة (أي: الكمية والكيفية) معاً؟ وذلك على قولين: الأول: فذهب الجمهور: إلى أن قصر الصلاة مشروع في السفر في حالتي الخوف والأمن، وقد ثبت عنه ﷺ قصرها في الأمن- كما تقدم في الصحيحين وغيرهما- والتقييد بشرط الخوف في الآية إنما يدل على ثبوت القصر في حالة الخوف، ولا ينفي ما سواه- أي: لا يدل على عدمه في حالة عدم الخوف- بل هو مسكوت عنه، ويستفاد حكمه من حكم آخر، وهو ما رواه أحمد عن يعلى بن أمية، أنه سأل عمر بن الخطاب عن القصر في السفر حال الأمن. فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ: ما بالنا نقصر الصلاة- أي: في السفر- وقد أمِنَّا، والله يقول: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) فقال رسول الله ﷺ: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته». وعن ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس قال: «صلينا مع رسول الله ﷺ بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف بينهما: ركعتين، ركعتين». وعليه: يكون هذا القيد قد خرج مخرج الغالب، نظراً لغالب حال النبي ﷺ وأصحابه، فإن غالب أسفاره كانت أسفار جهاد، ولم تخل في الغالب من خوف الأعداء لكثرتهم إذ ذاك. فالتقييد بشرط الخوف، وإن كان منطوقاً في الآية، لا مفهوم له- أي: ليس شرطاً في جواز القصر- عند القائلين بالمفهوم من الأصوليين إذا خرج مخرج الغالب، أو على حادثة، كقوله: (وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم)النساء(٢٣)، فإن قوله: (اللاتي في حجوركم) خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له- أي: ليس كون الربيبة في حجره شرطاً لحرمة الزواج بها بعد الدخول بأمها- وكذا قوله: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أَرَدْنَ تحصناً)النور(٣٣)، فالإكراه حرام مطلقا،ً سواء أَرَدْن التحصن، أم لم يُردن. فقصر الصلاة في السفر يكون قصر عدد حال الأمن، وقصر عدد وصفة حال الخوف. الثاني: وذهب مجاهد والضحاك: إلى أن المراد بالقصر هنا: إنما هو قصر الصفة لا العدد، واحتجوا:بما في الصحيحين من حديث عائشة أنها قالت: «فرضت الصلاة ركعتين، ركعتين في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر». قالوا: فإذا كان أصل الصلاة في السفر ركعتين، فكيف يكون المراد بالقصر في الآية هنا قصر العدد؟ قالوا: والأصل لا يقال فيه: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة).و بما رواه أحمد عن عمر قال: صلاة السفر ركعتان،تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، فيكون المراد من القصر في الآية قصر الصفة كما في صلاة الخوف ولذا قال: (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) وقال بعدها: (وإذا كنتم فيهم فأقمت لهم الصلاة) فبيَّن المقصود من القصر- وهو قصر الخوف- وذكر صفته وكيفيته. قلت: وهو متجه عندي، إلا أن قصر السفر في حال الأمن مأخوذ من السُّنة كما تقدم. وجملة القول: أنه إذا وجد السفر والخوف، جاز قصر العدد وقصر الصفة معاً. وإذا وجد السفر وحده دون خوف، جاز قصر العدد فقط. وإذا وجد الخوف وحده دون سفر، جاز قصر الصفة فقط. و الله تعالى أعلم.
4:102Page 95
وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٠٢
And when you [i.e., the commander of an army] are among them and lead them in prayer,1 let a group of them stand [in prayer] with you and let them carry their arms. And when they have prostrated, let them be [in position] behind you and have the other group come forward which has not [yet] prayed and let them pray with you, taking precaution and carrying their arms. Those who disbelieve wish that you would neglect your weapons and your baggage so they could come down upon you in one [single] attack. But there is no blame upon you, if you are troubled by rain or are ill, for putting down your arms, but take precaution. Indeed, Allāh has prepared for the disbelievers a humiliating punishment.
١٠٢ - ثم بيَّن صفة صلاة الخوف، فقال: ﴿وَإِذَا كُنتَ﴾ يا محمد حاضراً ﴿فِيهِمۡ﴾ وأنتم تخافون العدو، وهذا بيان لكيفية القصر حال الخوف، بعد النص المجمل على مشروعيته. والخطاب له ﷺ يتناول الأئمة من بعده،فهم نوابه والقائمون بما كان يقوم به - كقوله:(خذ من أموالهم صدقة)التوبة(١٠٣). ﴿فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ﴾أي:صلَّيت بهم صلاة الخوف إماما. و هذا جرى مجرى الغالب، فلا مفهوم له-أي: ليس حضوره ﷺ شرطا لإقامة صلاة الخوف- ﴿فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ﴾ أي: بعد أن تجعلهم طائفتين: طائفة تقف بإزاء العدو للحراسة، وطائفة تقوم معك في الصلاة. ﴿وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ﴾ معهم، أي: الطائفة التي قامت تصلي معك، والطائفة القائمة بإزاء العدو لابد أن تكون قائمة بأسلحتها تحرس إلى أن تقضي الطائفة الأولى الصلاة مع الإمام. والمراد منه: أن يكونوا حاملين لسلاحهم، ليتناولوه عن قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدوهم من إمكان فرصته فيهم. ﴿فَإِذَا سَجَدُواْ﴾ أي: الذين معك بأن أتموا الركعة بالسجود الثاني أو جميع الصلاة، ثم تقوم أنت إلى الجماعة الثانية منتظراً، فإذا فرغت الجماعة الأولى من صلاتها ﴿فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ﴾ أي: فلينصرفوا بعد الفراغ من إكمال جميع الصلاة إلى مقابلة العدو للحراسة. ﴿وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ﴾ وهي القائمة في مقابلة العدو، التي لم تُصَلِّ بعدُ ﴿فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ﴾ على الصفة التي كانت عليها الطائفة الأولى، أي:يصلوا معك ركعتهم الأولى و تكون أنت في الثانية، ثم تجلس منتظرا و يقومون هم إلى ركعتهم الثانية، فيتموا صلاتهم، ثم يجلسوا ليسلِّموا معك.وفيها دلالة على أن الإمام يبقى بعد انصراف الطائفة الأولى، منتظراً للطائفة الثانية، فإذا حضروا، صلى بهم ما بقي من صلاته ثم جلس ينتظرهم حتى يكملوا صلاتهم، ثم يُسلِّم بهم . وعبر عن الصلاة بالسجود، ليدل على فضل السجود، وأنه ركن من أركانها . ﴿وَلۡيَأۡخُذُواْ﴾ أي: هذه الطائفة الأخرى﴿حِذۡرَهُمۡ﴾ أي: احترازهم من عدوهم ﴿وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ﴾ معهم - كما فعلت الطائفة الأولى - إلى أن يقضوا صلاتهم مع الإمام. ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: تمنوا حال قيامكم إلى الصلاة ﴿لَوۡ تَغۡفُلُونَ﴾ أي: تسهون ﴿عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ﴾ أي: فيشدُّون عليكم شدَّة واحدة، بأن يحملوا عليكم بكل قوتهم فيأخذوكم. وهذا علة الأمر بأخذ الحذر والسلاح. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي: لاإثم ولا حرج عليكم ﴿إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ﴾ أي: عذر من مطر يثقل معه حمل السلاح ﴿أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ﴾ كذلك ﴿أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ﴾ فلا تحملوها، وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر من مطر أو مرض، وهو أحد قولي الشافعي. والثاني: أنه سنة، وهو الراجح. ﴿وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ﴾ من عدوكم، بأن تحترزوا منه ما استطعتم إلى ذلك سبيلاً، لئلا يأخذكم على غرة وأنتم ساهون. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا﴾ أي: ذا إهانة . فائدة فقهيةوردت صلاة الخوف في السُّنة المطهرة على صور مختلفة، وصفات متعددة، وكلها صحيحة مجزئة، من فعل واحدة منها فقد أجزأته، فمن ذلك: ما رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم من حديث أبي عياش الزُّرقي أنه قال: «فأمرهم رسول الله ﷺ فأخذوا السلاح، قال: فصفَّنا خلفه صفين، ثم ركع فركعنا جميعاً، ثم رفع فرفعنا جميعاً، ثم سجد النبي ﷺ بالصف الذي يليه، والآخرون قيام يحرسونهم، فلما سجدوا وقاموا، جلس الآخرون، فسجدوا في مكانهم، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، ثم ركع فركعوا جميعاً، ثم سجد النبي ﷺ والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم، فلما جلسوا، جلس الآخرون فسجدوا، ثم سلَّم بهم، ثم انصرف». وما رواه أحمد من حديث جابر بن عبد الله أنه قال: « فلما حضرت الصلاة، صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين، طائفة بإزاء العدو، وطائفة صلوا مع رسول الله ﷺ، فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين، وانصرفوا، فكانوا مكان الطائفة الذين كانوا بإزاء العدو، ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو، فصلوا مع رسول الله ﷺ ركعتين، فكان لرسول الله ﷺ أربع ركعات، وللقوم ركعتين، ركعتين». ومثله ما رواه ابن جرير عن ابن عمر أنه سئل عن صلاة الخوف، فقال: «يُصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان ولكل طائفة ركعة، ركعة». وجاء في بعض الروايات: أن الطائفة الأولى تصلي مع الإمام ركعة- إن كانت صلاة قصر- أو ركعتين- إن كانت صلاة تمام- ثم يتمون لأنفسهم ركعة أو ركعتين ويسلِّمون، ويبقى الإمام ثابتاً منتظراً للطائفة الأخرى، فيصلي بهم ركعة أو ركعتين، ثم يجلس للسلام منتظراً لهم، فيتمون لأنفسهم ركعة أو ركعتين، ثم يسلم الإمام بهم. وعلى هذا تحظى الطائفة الأولى بالتكبير مع الإمام والثانية بالتسليم معه. ظاهر الآية في صلاة الخوف: أنها في غير حالة الالتحام، أما في حالة الالتحام: فقيل: يؤخرون الصلاة إلى أن يأمنوا، ثم يقضون ما فاتهم منها، كما أخَّر النبي ﷺ يوم الأحزاب الظهر والعصر، فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب والعشاء.وكقوله يوم بني قريظة: «لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قريظة».فصلت طائفة منهم العصر في بني قريظة بعد الغروب وأقرَّهم رسول الله على ذلك. وقيل: يصلون بالإيماء بالركوع والسجود إلى أي جهة، مستقبلي القبلة و غير مستقبليها ، رجالا وركباناً ، لقوله تعالى: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا)البقرة(٢٣٩).وقيل: يصلون ركعة واحدة، لحديث ابن عباس عند مسلم والنسائي: «فرض الله الصلاة على لسان نبيكم...وفي الخوف ركعة».وبه قال أحمد. وقال إسحق بن راهويه: أما عند المسايفة، فيجزيك ركعة واحدة تومئ بها إيماءً، فإن لم تقدر، فسجدة واحدة لأنها ذكر الله. ذهب البعض إلى أن هذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين من وجهين: الأول: أن الله أمر بها في هذه الحالة الشديدة، وقت اشتداد الخوف من الأعداء، قالوا: فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة، فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن، من باب أولى وأحرى. الثاني: أن المصلين صلاة الخوف، يتركون كثيراً من الشروط واللوازم، كما ويعفى فيها عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة، ولأنه لا تعارض بين واجب ومستحب، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها. قلت: و لا دلالة فيهما صريحة على الوجوب ، إلا أن المترجح عندي كون الجماعة سنة مؤكدة، كما بيَّنته في «موسوعة أحاديث الأحكام».
4:103Page 95
فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣
And when you have completed the prayer, remember Allāh standing, sitting, or [lying] on your sides. But when you become secure, re-establish [regular] prayer. Indeed, prayer has been decreed upon the believers a decree of specified times.
١٠٣ - ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ﴾ أي: فإذا فرغتم من صلاة الخوف ﴿فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ﴾ بالتهليل والتسبيح والتحميد ﴿قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ﴾ مضطجعين، أي: فداوموا على ذكر الله تعالى في جميع أحوالكم وهيئاتكم، حتى في حال المقارعة والالتحام. ﴿فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ﴾ أي: أمنتم، واستقررتم، وذهب الخوف عنكم ولم يعد هناك عدو تخافون منه، وسكنت قلوبكم بالعودة إلى أوطانكم ﴿فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ﴾ أي: أدوها بحقوقها على الوجه الأكمل، في أوقاتها، بأركانها وشروطها، وحدودها وخشوعها، ظاهراً وباطناً ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا﴾ مكتوباً، أي: مفروضاً ﴿مَّوۡقُوتٗا﴾ أي: محدوداً معيناً بأوقات معلومة مقدرة، فلا تُؤخَّر عنه، ولا تُقدم عليه، إلا لعذر شرعي، من نوم أو سهو أو نحوهما.وأمْره تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وإن كان مشروعاً مرغباً فيه أيضاً بعد غيرها من الصلوات، ولكن ههنا آكد، لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب، كقوله تعالى في الأشهر الحرم: (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)التوبة(٣٦) وإن كان هذا منهياً عنه في غيرها، لكنه فيها آكد، لشدة حرمتها وعظمها.
4:104Page 95
وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٠٤
And do not weaken in pursuit of the enemy. If you should be suffering - so are they suffering as you are suffering, but you expect from Allāh that which they expect not. And Allāh is ever Knowing and Wise.
١٠٤ - ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ ﴾ أي: لا تضعفوا ولا تتوانوْا في طلب الكفار بالقتال والمجاهدة و ردّ عدوانهم، والمرابطة على ذلك. بل جِدُّوا في طلبهم، وأظهروا الجَلَد والقوة في قتالهم، والقعود لهم كل مرصد. من الوهن: وهو الضعف، فإن ضعف القلب مستدع لضعف البدن ﴿إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ﴾ أي: تجدون ألم الجراح والقتل ﴿فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ﴾ أي: فهم يجدون ألم الجراح والقتل مثلكم، فيصيبهم منه مثل ما يصيبكم، ولا يجبنون عن قتالكم، فليسوا إذن بأولى منكم بالصبر على حر القتال و مرارة الحرب. وهذا كقوله: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله)آل عمران(١٤٠). ﴿وَتَرۡجُونَ﴾ أنتم ﴿مِنَ ٱللَّهِ﴾ المثوبة والأجر، والتأييد و النصر، والتوفيق و العون ﴿مَا لَا يَرۡجُونَۗ﴾ هم من العقبى الحسنة والمغفرة، لكفرهم وجحودهم، فأنتم تزيدون عليهم بذلك، فينبغي أن تكونوا أولى بالجهاد منهم، وأشد رغبة فيه، وأحق بالصبر في مواطن النزال.﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا﴾ بكل شيء ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يقدره ويقضيه، وينفذه ويمضيه، من أحكامه الكونية والشرعية.
4:105Page 95
إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا ١٠٥
Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book in truth so you may judge between the people by that which Allāh has shown you. And do not be for the deceitful an advocate.
١٠٥ - أسباب نزول الآية:أخرج ابن مردويه، عن ابن عباس: أن نفراً من الأنصار غزوْا مع رسول الله ﷺ في بعض غزواته، فسرقت درعٌ لأحدهم، فأُظِنَّ بها رجل من الأنصار، فأتى صاحبُ الدرع رسول الله ﷺ فقال: إن طعمة بن أُبيرق سرق درعي، فلما رأى طعمة ذلك، عمد إليها، فألقاها في بيت رجل بريء، وقال لنفر من عشيرته: إني غيَّبت الدرع، وألقيتها في بيت فلان، فانطلقوا إلى نبي الله ﷺ وقالوا: يا نبي الله، إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، فقام رسول الله ﷺ فبرأه وعذره، فأنزل الله الآية. وروى الترمذي والحاكم وغيرهما هذه القصة عن قتادة بن النعمان وفيها: أن ابن أبيرق -وكان رجلاً منافقاً- سرق طعام عمه و درعه وسلاحه، واتهم بها رجلاً له صلاح وإسلام، ثم إن قتادة أخبر النبي ﷺ بما كان من أمر عمه وسرقته، فلما علم بنو أبيرق بالأمر، أتوا رسول الله ﷺ وقالوا: إن قتادة وعمه يرموننا بالسرقة من غير بيّنة ولا ثبت، فراجع النبي ﷺ قتادة في أمرهم، فلم يلبث أن نزلت الآية. ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: القرآن ﴿بِٱلۡحَقِّ﴾ من عند الله، مشتملاً عليه، متضمناً ذلك في خبره وطلبه، فأخباره صدق، وأوامره ونواهيه عدل. (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً)الأنعام(١١٥). ﴿لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ﴾ أي: لتقضي بينهم بما أعلمك الله فيه وألهمك، وعرَّفك به وأرشدك، وأوحى به إليك. أي: ليس بهواك، وهذا كقوله: (وما ينطق عن الهوى ٣ إن هو إلا وحي يوحى ٤)النجم(٣و٤). وفيه دلالة على عصمته ﷺ، فيما يُبلغ عن ربه عز وجل في جميع الأحكام وغيرها. وفيه دلالة أيضا على اشتراط العلم والعدل في الحكم لقوله: (بما أراك الله). وفيه أيضاً ترتيب الحكم بين الناس على معرفة الكتاب.ومثل هذه الآية قوله: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)النحل(٤٤)، فيحتمل أن تكون آية النساء في الحكم بين الناس في مسائل النزاع والاختلاف، وآية النحل في تبيين جميع الدين: أصوله وفروعه. ويحتمل أن كلتا الآيتين معناهما واحد. فيكون الحكم بين الناس هنا: يشمل الحكم بينهم في الدماء والأعراض والأموال وسائر الحقوق. ولما أمره بالحكم بين الناس المتضمن للقسط والعدل، نهاه عن الجور والظلم فقال: ﴿وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ﴾ أي: لأجلهم، وهم طعمة وقومه وأمثالهم. واللام للتعليل.﴿خَصِيمٗا﴾ أي: مخاصماً ومدافعاً عنهم، مجادلاً للمحقين بسببهم. فلا تخاصم عمن عُرفت خيانته، من مدّع ما ليس له، أو منكر حقاً عليه، سواء علم ذلك أو ظنّه. وفي الآية: دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق. وفيها دليل على تحريم الخصومة في الباطل، والنيابة عن المبطل في الخصومات الدينية، والحقوق الدنيوية. ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يُعرف منه ظلم.والخصيم أصله من الخُصْم- بضم الخاء وسكون الصاد- وهو ناحية الشيء وطرفه، كأن كل واحد من الخصمين في ناحية من الدعوى والحجة.فائدة قوله: (لتحكم بين الناس بما أراك الله) احتج به من ذهب من علماء الأصول: إلى أنه ﷺ كان له أن يحكم بالاجتهاد، بهذه الآية، وبما ثبت في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصوم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال:«ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو مما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو ليذرها». قلت: وهو كذلك، إلا أن الوحي لا يُقرُِّه على خطأ، لحديث أبي قتادة عند مسلم، أن رجلا قال:«أرأيت إن قُتلْت في سبيل الله، تُكفَّر عني خطاياي؟، قال: نعم ، إن كنت صابرا محتسبا ، مقبلا غير مدبر، ثم قال:إلا الدَّيْن، أخبرني بها جبريل آنفاً».
4:106Page 96
وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٦
And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.
١٠٦ - ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ﴾ مما هممت به في أمر طُعمة من الدفاع عنه، وخصمه بمعاقبته - لظنه ﷺ صدق طُعمة وقومه، وهمِّه بمعاقبة خصمه - وقيل: استغفر الله من خصامك عن بني أُبيرق. وقيل: استغفر الله مما قلت لقتادة، وهو المدَّعي فإن النبي ﷺ قال له - كما في رواية الترمذي والحاكم-:«عمدت إلى أهل بيت ذُكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثبت وبينة؟». ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا﴾ لمن تاب إليه وأناب ﴿رَّحِيمٗا﴾به، بتوفيقه للعمل الصالح، الموجب لثوابه، و زوال عقابه. وأمره ﷺ بالاستغفار، وإن كان معذوراً ومغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر: لزيادة الثواب وإرشاده إلى التثبُّت، وإلى أن ما ليس بذنب - مما يكاد يُعدُّ حسنة من غيره - إذا صدر منه ﷺ، يوشك أن يكون كالذنب بالنسبة لمقامه المحمود .
4:107Page 96
وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا ١٠٧
And do not argue on behalf of those who deceive themselves. Indeed, Allāh loves not one who is a habitually sinful deceiver.
١٠٧ - ﴿وَلَا تُجَٰدِلۡ﴾ أي: لا تخاصم ولا تحاجج. من المجادلة وهي: شدة المخاصمة، وأصلها من الجدْل، وهو شدة الفتل. ﴿عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ﴾ أي: يخونونها بارتكاب المعاصي والآثام، لأن ضرر معصيتهم و وبال خيانتهم راجع إليهم. والخيانة بمعنى: الجناية والظلم والإثم. وهذا يشمل النهي عن المجادلة والمخاصمة عمن أذنب، وتوجهت إليه عقوبة، من حد أو تعزير، فإنه لا يجادل عنه بدفع ما صدر منه من الخيانة، أو بدفع ما ترتب على ذلك من العقوبة الشرعية. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا﴾ أي: كثير الخيانة والإثم مفرطاً فيهما. وإذا انتفى الحب، ثبت ضده، وهو البغض، وهذا كالتعليل للنهي المتقدم في الآية.
4:108Page 96
يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا ١٠٨
They conceal [their evil intentions and deeds] from the people, but they cannot conceal [them] from Allāh, and He is with them [in His knowledge] when they spend the night in such as He does not accept of speech. And ever is Allāh, of what they do, encompassing.
١٠٨ - ﴿يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ أي: يستترون منهم حياءً وخوفاً، لئلا ينكروا عليهم قبائحهم، ويفتضح أمرهم. ﴿وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: لا يستترون منه بترك الذميم من أفعالهم، بل يجاهرون الله بها ويبارزونه بالعظائم، مع أنه مطلع على سرائرهم، وعالم بما في ضمائرهم. ﴿وَهُوَ مَعَهُمۡ﴾ بعلمه وقدرته في جميع أمورهم وأحوالهم، لا تخفى عليه منهم خافية. فكوْن مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، دليل على ضعف إيمانهم، ونقص يقينهم. ﴿إِذۡ يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يدبِّرون، ويضمرون، ويُسرُّون، ويديرون الرأي بينهم، في كل ﴿مَا لَا يَرۡضَىٰ﴾ الله ﴿مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ﴾ الباطـل، من تبرئة الجاني، ورمي البريء بالجناية وشهادة الزور، والسعي في ذلك لرسول الله ﷺ ليخاصم عن صاحبهم. وأصل التبييت: تدبير الفعل ليلاً، ثم أطلق على كل تدبير وإن لم يكن بالليل. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا﴾ أي: أحاط بهم وبتدبيرهم علما و قدرةً، فلا يفوتونه ولا يعجزونه.
4:109Page 96
هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ١٠٩
Here you are - those who argue on their behalf in [this] worldly life - but who will argue with Allāh for them on the Day of Resurrection, or who will [then] be their representative?
١٠٩ - ﴿هَٰٓأَنتُمۡ﴾ يا ﴿هَٰٓؤُلَآءِ﴾ خطاب لقوم طُعمة- الذين جادلوا وخاصموا عنه في الباطل- ﴿جَٰدَلۡتُمۡ﴾ أي: خاصمتم ﴿عَنۡهُمۡ﴾ أي: عن طعمة وذويه أشد المخاصمة ﴿فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ فَهَبْ أن جدالكم دفع عنهم بعض ما يحذرون من العار والفضيحة بين الناس، فماذا يغني عنهم وينفعهم؟ وماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله الذي يعلم السر وأخفى؟ولذا قال: ﴿فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ إذا أخذهـم بذنوبهـم، وهـو المطلـع عـلى كـل تدبيرهـم ﴿أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا﴾ أي: مجادلاً ومخاصاً بالوكالة عنهم، يتولى أمورهم ويذُبُّ عن حياضهم؟ أو: من يكون محافظاً ومحامياً عنهم من عقاب الله وبأسه يوم القيامة؟ أي: لا أحد يومئذ يكون لهم وكيلاً.وأصل معنى الوكيل: من يوكل له الأمر ويسند إليه، ثم أطلق على ما ذكر مجازاً، من استعمال الشيء في لازم معناه. وفي الآية: تحريم الدفاع عن الباطل وأهله أياً كان سببه، لأن الحق أحق أن يُتَّبع.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences