Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:110–126
4:110Page 96
وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١١٠
And whoever does a wrong or wrongs himself but then seeks forgiveness of Allāh will find Allāh Forgiving and Merciful.
١١٠ - ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا﴾ أي: ذنباً أو إثماً أو عملاً قبيحاً يسوء به غيره. وعمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة منها. و يُفسَّر بالظلم الذي يسوء الناس، وهو ظلمهم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم. ﴿أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ﴾ بارتكاب المعاصي والآثام التي لا تتعدى إلى غيره.وعمل السوء سُمي «سوءً»، لكونه يسوء عامله بعقوبته، ويسوء غيره في حقوقهم، ولكونه شيئاً في نفسه، غير حسن. وظلم النفس سُمي «ظلماً»، لأن نفس العبد ليست ملكاً له، وإنما هي ملك لله، جعلها الله أمانة عند العبد، وأمره أن يقيمها على طريق الحق والعدل. واقتران عمل السوء بظلم النفس يقتضي أن يُفسر كل واحد منهما بما يناسبه. فيفسر عمل السوء بالظلم الذي يسوء الناس، و يُفسر ظلم النفس، بالظلم الذي يسوء به العبد نفسه. ﴿ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ﴾ أي: يتوب إلى الله توبة صادقة ﴿يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا﴾ لذنبه ﴿رَّحِيمٗا﴾ به، يستر له ذنبه، ويمحو عنه أثره، بفضله وعظيم كرمه. وهو كقوله سبحانه و تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم و من يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)آل عمران(١٣٥). وفي الحديث عند أحمد:«ما من مسلم يذنب ذنباً، ثم يتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله لذلك الذنب، إلا غفر له». وعمل السوء أو ظلم النفس يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه، والإقلاع عنه، والعزم على ألاَّ يعود إليه أبداً. وفي الآية: ترغيب وحث على الاستغفار والإنابة إلى الله كلما أحدث العبد ذنباً صغر أو كبر.
4:111Page 96
وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١١١
And whoever earns [i.e., commits] a sin only earns it against himself. And Allāh is ever Knowing and Wise.
١١١ - ﴿وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا﴾ أي: ذنباً، وهذا يشمل كل ما يُؤْثِم من صغير و كبير ﴿فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ﴾ لأن وباله عائد عليه لا على غيره، فمن كسب سيئة، فعقوبتها الدنيوية والأخروية، عائدة عليه، كقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)فاطر(١٨)، فلا يغني أحد عن أحد، وإنما لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت. ولكن إذا ظهرت السيئات، ولم تُنْكر، عمَّت عقوبتها، وشمل إثمها، لأن من ترك الإنكار الواجب، فقد كسب سيئة أيضا. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٗا﴾ في أمره وشرعه. وفيه بيان عدل الله وحكمته، وأنه لا يعاقب أحدا بذنب أحد، ولا يعاقب أحداً أكثر من العقوبة الناشئة عن ذنبه.
4:112Page 96
وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ١١٢
But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.
١١٢ - ﴿وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً﴾ أي: ذنباً صغيراً وقيل: الخطيئة: الذنب المختص بفاعله، وتكون عن عمد، وعن غير عمد. ﴿أَوۡ إِثۡمٗا﴾ أي: ذنباً كبيراً. وقيل: الإثم: الذنب المتعدي إلى الغير، ولا يكون إلا عن عمد. ﴿ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ﴾ أي: يتهم بالخطيئة أو الإثم ﴿بَرِيٓـٔٗا﴾ من ذلك الذنب ظلما و عدوانا- وإن كان المرميُّ مذنباً- ﴿فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ﴾ أي: تحمَّل ﴿بُهۡتَٰنٗا﴾ فرية وكذباً فظيعاً برميه للبريء. والبهتان: الكذب على الناس بما يَبهتون به، ويتحيَّرون منه عند سماعه لفظاعته.﴿وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ أي: ظاهراً بيّناً بكسبه واتهامه لغيره. وهذا يدل على أن ذلك من كبائر الذنوب وموبقاتها، لأنه جمع عدة مفاسد: كسبه الخطيئة أو الإثم، ثم رميه من لم يفعلها بفعلها، ثم الكذب بتبرئة نفسه، واتهام البريء، ثم ما يترتب على ذلك من كلام الناس في البريء، وإقامة العقوبة الدنيوية على من لا يستحقها.
4:113Page 96
وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا ١١٣
And if it was not for the favor of Allāh upon you, [O Muḥammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allāh has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allāh upon you been great.
١١٣ - ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ﴾ يا محمد ﴿وَرَحۡمَتُهُۥ﴾ بعصمتك قولاً وعملاً، والمراد بهذا الفضل والرحمة لرسول الله ﷺ: أنه نبهه على الحق في قصة بني أبيرق ﴿لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ﴾ أي: أضمرت جماعة من بني أبيرق- وهم قوم طعمة- ﴿أَن يُضِلُّوكَ﴾ عن الحق، والقضاء به، بتلبيسهم عليك الأمر في قصة السرقة، واتهامهم البريء منها، ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ﴾ لأن وبال مكرهم وكيدهم عائد عليهم ﴿وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ ﴾ لأن الله سبحانه يعصمك عن كل ضلال، ولأنك تقضي بالبينة الظاهرة، ولا ضرر عليك في الحكم به قبل نزول الوحي. والضلال نوعان: ضلال في العلم: وهو الجهل بالحق، وضلال في العمل: وهو العمل بغير ما أوجب الله. وقد حفظ الله رسوله عن كل هذا. ﴿وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ أي: القرآن، الذي فيه تبيان كل شيء، وشرع لك في هذه الآيات وغيرها من القواعد والأحكام ما فيه خير الدنيا والآخرة. ﴿وَٱلۡحِكۡمَةَ﴾ أي: السُّنة- فقد أنزلها الله عليك كما أنزل القرآن- أو معرفة أسرار الشريعة ومقاصدها وأحكامها، أو تنزيل الأشياء منازلها، وترتيب كل شيء بحسبه. ﴿وَعَلَّمَكَ﴾ من أمور الدين والشرائع والأحكام والغيب. وهذا يشمل جميع ما علَّمه الله تعالى ﴿مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ﴾ قبل نزول ذلك عليك، فقد وصفه الله قبل النبوة بقوله تعالى: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان)الشورى(٥٢)، وقال سبحانه: (ووجدك ضالاً فهدى)الضحى(٧). ﴿وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ﴾بالنبوة والرسالة، ونزول الوحي ﴿عَظِيمٗا﴾ إذ لا فضل أعظم من ذلك.
4:114Page 97
۞ لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١١٤
No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allāh - then We are going to give him a great reward.
١١٤ - ﴿لَّا خَيۡرَ﴾ أي: لا نفع﴿فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ﴾ أي: مُسارَرَتهم مما يتناجى به الناس ويتسارُّون ويخوضون فيه، أو يتحدثون ويتخاطبون به سراً. والنجوى: السر بين الاثنين أو الجماعة، إذا تحدثوا بأمر من الأمور سراً. وهو اسم مصدر بمعنى: المسارّة. يقال: نجوته نجواً ونجوىً، وناجيته مناجاة، أي: ساررته.وأصله: أن تخلو بمن تُسارُّه في نجوة من الأرض، وهو المكان المرتفع المنفصل بارتفاعه عما حوله، ويطلق على القوم المتناجين، كقوله : (وإذ هم نجوى)الإسراء (٤٧)، مبالغةً ، على حد قولهم: قومٌ عدلٌ،أو بتقدير مضاف:أي: ذوو نجوى. والكلام: إما خير ومنفعة محضة، كذكر الله وقراءة القرآن، ونحو ذلك من أمور الخير والبر، وإما مباح، كفضول الكلام مما لافائدة فيه،ولا طائل تحته، وإما شر ومضرة محضة، كالكلام المحرَّم بجميع أنواعه،من غيبة ونميمة ونحوهما. ثم استثنى من عموم ما يتناجى به الناس مما لا خير فيه، فقال: ﴿إِلَّا﴾ نجوى ﴿مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ من مال، أو علم، أو أي نفع كان، ويدخل فيه التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، لقوله ﷺ في الحديث:«إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، و في بُضع أحدكم صدقة». ﴿أَوۡ مَعۡرُوفٍ﴾ وهو جماع كل خير وبر، وإحسان وطاعة، و كل ما عرف في الشرع والعقل حسنه. وإذا أُطلق الأمر بالمعروف دون أن يقترن بالنهي عن المنكر، فإنه داخل فيه، لأن ترك المنهيات من المعروف، وأما عند الاقتران به، فيُفسَّر المعروف: بفعل المأمور به، والمنكر: بترك المنهي عنه. ﴿أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ﴾ وهو عام في الدماء والأموال والأعراض مما يصل نفعه إلى الناس، في جلب الخير لهم ودفع الشر عنهم، وفي كل شيء يقع فيه التداعي والتخاصم، والتغاضب والتنازع بينهم، قال تعالى:(و الصلح خير)النساء(١٢٨) وقال:(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)الحجرات(٩). وفي الحديث عند ابن مردويه، عن أم حبيبة، قالت: قال رسول الله ﷺ:«كلام ابن آدم كله عليه لا له، إلا ذكر الله عز وجل، أو أمر بمعروف، أو نهي عن المنكر». وفي الحديث:«ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرا أو يقول خيرا» رواه الجماعة. وعند أحمد من حديث أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ:«ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة والصدقة، قالوا: بلى يا رسول الله، قال:إصلاح ذات البين قال:وفساد ذات البين هي الحالقة - أي: التي تحلق الدين -» رواه أبو داود والترمذي.فالساعي في الإصلاح يصلح الله سعيه وعمله، كما أن الساعي في الإفساد لا يصلح الله سعيه ولا عمله، ولذا قال:(إن الله لا يصلح عمل المفسدين)يونس(٨١). ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ﴾ المذكور من أمر بصدقة، أو معروف، أو إصلاح بين الناس ﴿ٱبۡتِغَآءَ﴾ أي: طلـب ﴿مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ﴾ لا غيره من أمور الدنيا، أي: مخلصاً في ذلك قصده وعمله، محتسباً ثوابه عند الله تعالى، فكمال الأجر وتمامه بحسب النية والإخلاص. ﴿فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ في الآخرة أي: ثواباً جزيلاً، كثيراً واسعاً. [وفي قراءة بالياء: (يؤتيه) أي: الله تعالى.].
4:115Page 97
وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ١١٥
And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken1 and drive him into Hell, and evil it is as a destination.
١١٥ - ﴿وَمَن يُشَاقِقِ﴾ أي: يخالف ويعادي ويباين ويفارق ويعارض ﴿ٱلرَّسُولَ﴾ فيما جاء به من الحق والشرع، ويعانده، ويسلك طريقاً غير طريقه، فيصير في شقٍّ، والحق والشرع- الذي جاء به محمد ﷺ- في شق آخر ، وذلك عن عمد منه.والمشاقة: أصلها : المشاققة ، أي: المعاداة والمخالفة. ﴿مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ﴾ أي: من بعد ما ظهر له الحق واتضح بالدلائل القرآنية والبراهين النبوية ﴿وَيَتَّبِعۡ﴾ طريقاً ﴿غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ أي: غير طريقهم الذي هم عليه من دين الإسلام وعقيدته وأحكامه وشرعه، بأن يتولى أهل الكفر والضلال. وقيل: ويخالف إجماع المسلمين ﴿نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ﴾ أي: نُخْل بينه وبين ما اختار لنفسه من الضلال في الدنيا، فنجعله والياً لمن تولاه من الكفر والضلال، ونخذله، فلا نوفقه للخير، لكونه رأى الحق وعلمه وتركه، فكان جزاؤه من الله عدلاً، أن يبقيه في ضلاله حائراً متردداً، و يستدرجه بتزيين ذلك في نفسه، فيزداد ضلالاً إلى ضلاله، كما قال تعالى: (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون)القلم(٤٤) وقوله: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم)الصف(٥) وقوله: (ونذرهم في طغيانهم يعمهون)الأنعام(١١٠). ﴿وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ﴾ أي: ندخله فيها في الآخرة فيُشوى بها ﴿وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ أي: مرجعاً هي له ومآلاً. فائدةقوله تعالى: (ويتبع غير سبيل المؤمنين): فيه دليل واضح على أن الحق لا يكون في غير سبيل المؤمنين، وهو أيضاً تحذير من مخالفة الجماعة والشذوذ عنها، فقد أخرج الترمذي والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً، ويد الله على الجماعة، فمن شذ شذ في النار». وفيه أن هذه الصفة ملازمة للصفة الأولى، وهي قوله: (ومن يشاقق الرسول)، وقد تكون المشاقة والمخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة، فيما عُلم اتفاقهم عليه تحقيقاً، فإنه قد ضُمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ. وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة. وقد احتج الشافعي بهذه الآية على أن الإجماع حجة تحرم مخالفته، وخالفه بعضهم فاستبعد الدلالة منها على ذلك. يدل مفهوم الآية: على أن من لم يشاقق الرسول، ويتبع سبيل المؤمنين، بأن كان قصده وجه الله واتباع رسوله، ولزوم جماعة المسلمين، ثم صدر منه من الذنوب والهمّ بها ما هو من مقتضيات النفوس، وغلبات الطباع، فإن الله لا يوليه نفسه وشيطانه، بل يتداركه بلطفه، ويمُنّ عليه بحفظه، ويعصمه من السوء، كما قال عن يوسف عليه السلام : (كذلك لنصْرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين)يوسف(٢٤)، فبسبب إخلاصه صرفنا عنه السوء والفحشاء، وكذا كل مخلص، كما يدل عليه عموم التعليل.
4:116Page 97
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١١٦
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly gone far astray.
١١٦ - ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ﴾ فالشـرك لا يغفره الله أبداً، لتضمنه القدح في ذات الله، ووحدانيته، وربوبيته، وألوهيته، وتسوية المخلوق - الذي ليس له من الصفات إلا العدم- بالخالق المتصف بكل صفات الكمال والجلال. ﴿وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ﴾ أي: ما دون الشرك من الذنوب والمعاصي ﴿لِمَن يَشَآءُۚ﴾ فما كان دون الشرك من الذنوب والمعاصي، فهو تحت المشيئة، إن شاء غفر الله له برحمته وحكمته، وإن شاء عذبه وعاقبه بعدله وعلمه. ﴿وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ﴾ إشراكاً في القصد أو التوجه أو القول أو الفعل أو المتابعة ﴿فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا﴾ عن الحق والهدى، وبعُد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة. وقد تقدم تفسيرها في آية: (٤٨) من هذه السورة، وذكرت هنا تكميلاً لقصة طُعمة بن أُبيْرق بذكر الوعد بعد ذكر الوعيد في ضمن الآيات السابقة. والله لا يتعاظمه ذنب فيغفر الذنوب جميعاً قبل النزع الأخير، ولكن لا يغفر لمن مات مشركاً به.
4:117Page 97
إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا ١١٧
They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan,
١١٧ - ﴿إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا﴾ أي: ما يعبُد المشركون من دون الله إلا أوثانا وأصناما، سمَّوْها بأسماء الإناث، كاللاّت - مأخوذ من «إله» - والعزَّى - من «العزيز» - ومناة - من «المنان» - ومن المعلوم أن الاسم دال على المسمى، فإذا كانت أسماؤهم مؤنثة ناقصة، فهذا دليل على نقصان المسميات بتلك الأسماء وفقدانها لصفات الكمال. و قد كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونه، ويسمونه أنثى بني فلان، ويزيِّنونه بالحلي كالنساء. وهذا من شدة جهلهم وضلالهم وسخف عقولهم، إذ هم يكرهون الأنثى ويئدونها، ومع ذلك يعبدون أصناما سموها أسماء الإناث. وقيل: المراد بالإناث هنا: الملائكة، لقولهم: الملائكة بنات الله. وروى ابن جرير عن الضحاك قال: قال المشركون: إن الملائكة بنات الله، وإنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، قال: فاتخذوهن أربابا، وصوَّروهن صور الجواري، فحلوا وقلدوا، وقالوا: هؤلاء يُشبهن بنات الله الذي نعبده- يعنون بذلك الملائكة، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا-.وهذا القول شبيه بقوله تعالى عنهم: (أفرأيتم اللات والعزى ١٩ ومناة الثالثة الأخرى ٢٠ ألكم الذكر وله الأنثى ٢١)النجم(٢١،٢٠،١٩) وقوله: (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا)الزخرف(١٩) وقوله: (وجعلوا بينه و بين الجِنَّة نسبا)الصافات(١٥٨). ﴿وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا﴾ أي: وما يعبدون بعبادة هذه الأصنام، إلا شيطانا عاتيا، متمردا متجردا من الخير عاصيا خارجا عن الطاعة، أغراهم بعبادتها، فأطاعوه فيما سوَّل وأملى لهم، فكأنهم - في نفس الأمر - عبدوه. ومثله: (ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان)يس(٦٠). والمريد والمتمرد: البالغ الغاية في الشر والفساد، يقال: مرد - بفتح الراء وضمها، كنصر و ظرُف - إذا عتا وتجبر، فهو مارد ومريد ومتمرد، وأصل مادة «مرَدَ»: الملامسة والتجرد، ومنه: صرح ممرد، أي: أملس، وشجرة مرداء: التي تناثر ورقها، وغلام أمرد: لم ينبت في وجهه شعر. ووصف الشيطان بالتمرد، لتجرده للشر، أو لظهور شره ظهور عيدان الشجرة المرداء. وقوله: (يدعُون) أي: يتوجهون ويطلبون المعونة، وهو نوع من العبادة.
4:118Page 97
لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا ١١٨
Whom Allāh has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.
١١٨ - ﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ﴾ أي: طرده وأبعده عن رحمـته ﴿وَقَالَ﴾ أي: الشيطان حين أُبعد: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ﴾ أي: لأجعلن لي وتحت غوايتي ﴿مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا﴾ أي: حظاً ﴿مَّفۡرُوضٗا﴾ أي: مقدَّراً معيَّناً معلوماً مقطوعاً لي، أدعوهم إلى طاعتي وعبادتي، فيكفرون أو يعصون. من الفرض، وأصله: القطع، وأطلق هنا على المقدار المعلوم، لاقتطاعه عمن سواه من صالحي المؤمنين. فكل من أطاع الشيطان فهو نصيبه المفروض، وحظه المقطوع. ومثله: (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين)ص(٨٣) ، وكذلك قوله: (ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين)سبأ(٢٠) فلا سلطان له عليهم، إنما سلطانه على من تولاه وآثر طاعته، على طاعة مولاه.
4:119Page 97
وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا ١١٩
And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allāh." And whoever takes Satan as an ally instead of Allāh has certainly sustained a clear loss.
١١٩ - ثم بيَّن ما يريد بهذا النصيب المفروض بقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ﴾ أي: لأصرفنهم عن الصراط المستقيم، ضلالاً في العلم والعمل ولأزيغنهم عن الحق والهدى والتوحيد والطاعة بالوسوسة. ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ﴾ بالغرور، أي: ولألقين في صدورهم الأماني الباطلة الميسِّرة للعصيان، الناشئة عن تسويل الشيطان و وسوسته، كالتزيين لهم بترك التوبة، والتسويف بها، وتزيين ما هم فيه من ضلال وبعد عن الحق، وإلقاء حب الدنيا في قلوبهم، وإغرائهم بالأماني، وإلهائهم بطول الأمل. ومثله قوله: (كذلك زينا لكل أمة عملهم)الأنعام(١٠٨)، وقوله: (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ١٠٣ الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً١٠٤)الكهف(١٠٤،١٠٣) وقوله: (ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور)الحديد(١٤).﴿وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ﴾ أي: فليُقطِّعُنَّها- من أصلها- أو ليشُقُّنَّها. من البتك: وهو القطع، ومنه سيف باتك: أي: صارم قاطع. وكانوا في الجاهلية إذا ولدت الناقة خمسة أبطن، وجاء الخامس ذكراً، قطعوا أذنها، أو شقوها شقاً واسعاً، علامة على أنهم حرَّموا على أنفسهم الانتفاع بها، فلا يحملون عليها، ولا يمنعونها من ماء ولا كلأ، وجعلوها للطواغيت، وسموها: البحيرة- أي: المشقوقة الأذن- والمراد: أن الشيطان يغريهم بعبادة الطواغيت، ويدعوهم إلى التقرب إليها بالبحائر ونحوها- مما سيأتي ذكره في سورة المائدة - فيسارعون إلى إجابته.وهذا نوع من الإضلال يقتضي تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله. ﴿وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ﴾ أي: ما خلقه الله عن نهجه صورة وصفة، وهذا يشمل تغيير الخلقة الظاهرة، كفقء أعين البهائم، وقطع آذانها، وخصاء فحولها، والوشم والوشر والنَّمَص، وخصاء بني آدم.وفي الصحيح عن ابن مسعود: «لعن الله الواشمات والمستوشمات- أي: الفاعلات للوشم والمفعول بهن- والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله». وهذا يتضمن التسخط من خِلْقته تعالى ، والقدح في حكمته، وعدم الرضا بتقديره وتدبيره.وقيل:(ولأمرنهم فليغيرن خلق الله) أي: دينه وأحكامه بالكفر، وإحلال ما حرَّم الله، وتحريم ما أحل، وهذا يشمل تغيير الخلقة الباطنة، والفطرة التي فطر الله الناس عليها، كقوله: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله)الروم(٣٠). وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمجِّسانه». وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، قال: قال رسول الله ﷺ:«قال الله عز وجل: إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم- أي: صرفتهم- عن دينهم، وحرَّمت عليهم ما أحللت لهم». ﴿وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا﴾ يتولاه و يُطيعه ﴿مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ باتباع وامتثال ما أمر به، دون ما أمر به الله. ﴿فَقَدۡ خَسِرَ﴾ في الدارين ﴿خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا﴾، أي: بيِّناً ظاهراً، لمصيره إلى النار، فأي خسار أعظم ممن خسر دينه ودنياه؟.
4:120Page 97
يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ١٢٠
He [i.e., Satan] promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.
١٢٠ - ﴿يَعِدُهُمۡ﴾ الشيطان المواعيد الباطلة. والوعد منه في الدنيا، وعيد يوم القيامة، كوعدهم الفقر إذا أنفقوا في سبيل الله (الشيطان يعدكم الفقر)البقرة(٢٦٨)، وتخويفهم القتل إذا جاهدوا في سبيل الله (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه)آل عمران(١٧٥). ﴿وَيُمَنِّيهِمۡۖ﴾ الأماني العاطلة، والآمال الفارغة الباطلة التي هي عند التحقيق كالسراب لا حقيقة له. ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ﴾ بما يوقعه في خواطرهم من الأماني والآمال بوسوسته وتسويله ﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ أي: خداعاً وباطلاً، يغرهم به، ويظهر لهم فيه النفع، وهو ضرر محض. والغرور: ما له ظاهر محبوب، وباطن مكروه. وهذا كقوله: (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم)إبراهيم(٢٢).
4:121Page 97
أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا ١٢١
The refuge of those will be Hell, and they will not find from it an escape.
١٢١ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: المستحسنون له فيما وعدهم ومنَّاهم ﴿مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ﴾ أي: مصيرهم ومآلهم يوم القيامة ومستقرهم ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا﴾ أي: معدلاً ومحيداً ومهرباً، يفرون إليه للنجاة من عذابها، فليس لهم عن جهنم مصرفٌ، ولا خلاص ولا مناص. يقال: حاص عنه يحيص حيصاً وحيوصاً ومحيصاً: إذا حاد وعدل.
4:122Page 98
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا ١٢٢
But the ones who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. [It is] the promise of Allāh, [which is] truth, and who is more truthful than Allāh in statement.
١٢٢ - ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، على الوجه الذي أمروا به علماً وتصديقاً، وإقراراً ﴿وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ أي: عملت جوارحهم بما صدقت به قلوبهم، فوافق العمل العلم بامتثال ما أمر واجتناب ما نهى عنه و زجر ﴿سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا﴾ أي: من تحت أشجارها و غرفها ومساكنها ﴿ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ فيها ما لا عين رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ﴾ بلا زوال ولا انتقال ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ﴾ أي: وعدهم الله ذلك وعداً صادقاً، و وعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة، ولهذا أكده بالمصدر الدال على تحقيق الخبر، وهو قوله: (حقاً). ﴿وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا﴾ أي: لا أحد أصدق من الله قولاً ولا خبراً ولا حديثاً، فكلامه صدق، وخبره صدق، وقوله صدق، وكذا كلام رسوله وخبره وقوله، لكونه لا يخبر إلا بأمره، ولا ينطق إلا عن وحيه. وكان رسول الله ﷺ يقول في خطبته: «إن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار». أخرجه مسلم. و(قيلاً): مصدر قال، أو اسم مصدر.
4:123Page 98
لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٢٣
It [i.e., Paradise] is not [obtained] by your wishful thinking nor by that of the People of the Scripture. Whoever does a wrong will be recompensed for it, and he will not find besides Allāh a protector or a helper.
١٢٣ - سبب نزول الآية : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: افتخر مشركو العرب وأهل الكتاب، فقال المشركون: لا نُبعث ولا نُحاسب، وقالت اليهود والنصارى: لا يدخل الجنة غيرنا، فأنزل الله هذه الآية. ﴿لَّيۡسَ﴾ الأمرمن وعد الله بالثواب أو الفضل أو القربى ، أو دخول الجنة، أو النجاة من النار، أو التزكية، مقترناً ﴿بِأَمَانِيِّكُمۡ﴾ أيها المسلمون ﴿وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ﴾ بل بالعمل الصالح الذي يُصدِّق الإيمان ويوافقه. فالدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدَّقه العمل. وعليه ، فليس هذا الأمر حاصلاً بمجرد التمني و التشهي، سواء من أهل الكتاب- كقولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه)المائدة(١٨)، وقولهم: (لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى تلك أمانيهم)البقرة(١١١)، وقولهم: (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات)البقرة(٨٠)- أو من المسلمين، وإنما يحصل بالسعي والجد في طاعة الله، واتباع ما شرعه على ألسنة رسله، والعمل الصالح. وليس كل من ادَّعى شيئاً حصل له بمجرد دعواه وهواه، بل لا بد له من برهان على صحة ما ادعى، كالأعمال فإنها تُصدِّق الدعوى أو تكذبها.والأماني: جمع أمنية، وهو ما يوده الإنسان ويشتهيه، كأحاديث النفس المجردة عن العمل والمفتقرة إليه. [وفي قراءة بتخفيف الياء فيهما: (ليس بأمانِيكم ولا أماني أهل الكتاب)]. ﴿مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ﴾ أي: من يرتكب معصية- صغيرة كانت أو كبيرة- مؤمناً كان أو كافراً، يجازه الله بها، بحسبها قلة أو كثرة، عاجلاً في الدنيا بالبلاء والمحن، أو آجلاً في الأخرى، إلا إذا تاب أو تفضل الله عليه بالمغفرة، فالجزاء منوط بالعمل لا بالأماني والشهوات. وهذا الجزاء على عموم عمل السوء مخصوص في غير التائبين، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له. والجمهور: على أن العلل والأمراض والأسقام، ومصائب الدنيا وهمومها وغمومها يكفِّر الله بها الخطايا، وتُرفع بها الدرجات، وتُكتب لها الحسنات، لكنها للمؤمن على الخصوص دون الكافر. ويؤيده من الأحاديث: ما رواه أحمد وابن حبان وغيرهما: أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، كيف الصلاح- وفي رواية: «الفلاح»- بعد هذه الآية: (ليس بأمانيكم...)، فكل سوء عملناه جُزينا به؟ فقال النبي ﷺ:«غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ -أي: تتعب- ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟» قال: بلى، قال:«فهو ما تُجزون به». أي: تكون هذه المصائب كفارة لذنوبكم. وفي رواية عند ابن مردويه: قال- أي: أبو بكر: وأينا لم يعمل السوء، وإنا لمجزيّون بكل سوء عملناه؟ فقال رسول الله ﷺ: «أما أنت وأصحابك المؤمنون، فإنكم تجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يُجزوا به يوم القيامة». وفي رواية ابن جرير أن رسول الله ﷺ قال- لما نزلت هذه الآية-:«إنما هي المصيبات في الدنيا». وما رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح:«ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه و ولده وماله، حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة». وما رواه أحمد وابن جرير وسعيد بن منصور في «سننه» عن أبي هريرة قال: لما نزلت: (من يعمل سوءاً يجز به) شق ذلك على المسلمين، فقال رسول الله ﷺ:«سددوا وقاربوا، فإن في كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى الشوكة يشاكها والنكبة ينكبها». وفي رواية ابن جرير:«أبشروا وقاربوا وسددوا، فإنه لا يصيب أحداً منكم مصيبة في الدنيا إلا كفَّر الله بها من خطيئته، حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه». وفي الصحيح عن أبي هريرة وأبي سعيد: أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول:«ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولا سقم ولا حزن، حتى الهمَّ يهمُّه، إلا كفَّر الله به من سيئاته». وروى ابن مردويه، عن ابن عباس، قال: قيل يا رسول الله: (من يعمل سوءاً يجز به) قال:«نعم، ومن يعمل حسنة يُجز بها عشراً، فهلك من غلب واحدته عشراته». وعند أبي داود الطيالسي، أن عائشة سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية، فقال:«يا عائشة، هذه مبايعة الله للعبد مما يصيبه من الحمى و النكبة والشوكة، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه، كما أن الذهب يخرج من الكير». ﴿وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: من غيره ﴿وَلِيّٗا﴾ يحفظه ويتولى أمره ويدافع عنه ﴿وَلَا نَصِيرٗا﴾ يمنعه منه، أو يشفع له عنده.
4:124Page 98
وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤
And whoever does righteous deeds, whether male or female, while being a believer - those will enter Paradise and will not be wronged, [even as much as] the speck on a date seed.
١٢٤ - ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ﴾ شيئاً ﴿مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ ويدخل فيه سائر الأعمال القلبية والبدنية ﴿مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ﴾ فيدخل فيه كل عامل من إنس أو جن، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى ﴿وَهُوَ مُؤۡمِنٞ﴾ وهذا شرط جميع الأعمال- القلبية منها والبدنية- فلا تكون صالحة، ولا تقبل عند الله، ولا يترتب عليها الثواب، ولا يندفع بها العقاب إلا بشرط الإيمان. فمطلق العمل مقيد بشرط الإيمان.﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ﴾ الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح ﴿يَدۡخُلُونَ﴾ [وفي قراءة: بالبناء للمفعول:(يُدخَلون)] ﴿ٱلۡجَنَّةَ﴾ يوم القيامة، المشتملة على ما تشتهي الأنفس، وتلذ الأعين.﴿وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا﴾ أي: ولا يبخسـون من ثواب أعمالهم، ولا ينقصون من حسناتهم شيئاً، ولو كان قدر النقير. وهي: النقرة في ظهر نواة التمرة.وقد تقدم الكلام على الفتيل: وهو الخيط في شق نواة التمرة، والقطمير: وهو اللفافة التي على نواة التمرة. وعبَّر عن النقير و الفتيل و القطمير، بالشيء التافه الحقير.
4:125Page 98
وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥
And who is better in religion than one who submits himself to Allāh while being a doer of good and follows the religion of Abraham, inclining toward truth? And Allāh took Abraham as an intimate friend.
١٢٥ - ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا﴾ أي: لا أحد أحسن ديناً ﴿مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ﴾ أي: أخلص نفسه وتوجُّهه وعبادته وعمله لله، فانقاد لله واستسلم له، وأناب بقلبه وقالبه، وعمل إيماناً واحتساباً ﴿وَهُوَ﴾ على هذا الإخلاص والاستسلام والانقياد لله، في نفسه وعمله ﴿مُحۡسِنٞ﴾ أي: متَّبع ما شرعه الله، وما أرسل به رسله، وأنزل به كتبه من الهدى ودين الحق. وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما:أن يكون خالصاً لله تعالى. وأن يكون صواباً موافقاً ومتابعاً لشريعة الله. فيصح ظاهر العمل بالمتابعة والموافقة للشرع، وباطنه بالإخلاص لله. وعليه: فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمن فقد الإخلاص كان منافقاً مرائياً، ومن فقد المتابعة كان ضالاً جاهلاً، ومن جمعهما كان مؤمناً محسناً. ﴿وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ﴾ أي: دينه وشرعه الموافق للإسلام، وهم محمد ﷺ وأتباعه إلى يوم القيامة- كما قال تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي)آل عمران(٦٨)، وكقوله: (ثم أو حينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين)النحل(١٢٣)- حال كون المتَّبَع- وهو إبراهيم عليه السلام- ﴿حَنِيفٗاۗ﴾ أي: مائلاً عن الأديان الباطلة كلها إلى دين الحق، وهو الإسلام. والحنيف: هو المائل عن الشرك قصداً- أي: تاركاً له عن بصيرة- إلى التوحيد- أي: مقبلا على الحق والتوحيد بكُلِّيته، لا يصده عنه صاد، ولا يرده عنه راد- المائل عن التوجه للخلق، إلى الإقبال على الخالق. ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾ أي: صفياً له ، خالص المحبة له. مشتق من الخُلة: وهي صفاء المودة، التي توجب الاختصاص بتخلُّل الأسرار. وهذا من باب الترغيب في اتباعه، لأنه إمام يُقتدى به في الدين، فقد وفىَّ بما أُمر به (وإبراهيم الذي وفىَّ)النجم(٣٧)، وقام بما ابتُلي به على التمام والكمال (وإذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن)البقرة(١٢٤)، و وفىَّ كل مقام من مقامات العبادة (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين)النحل(١٢٠)، ومرتبة الخُلة- وهي أعلى مراتب المحبة- حصلت للخليلين محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام. أما المحبة من الله فهي حاصلة لعموم المؤمنين. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ خطب المسلمين آخر خطبة خطبها فقال:«أما بعد، أيها الناس، فلو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله».و في الآية:إثبات صفة الخُلَّة لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله و عظمته.
4:126Page 98
وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦
And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh, of all things, encompassing.
١٢٦ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً، وتصرفاً في الأمور وتقديـراً وتدبيـراً ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا﴾ علماً وقدرة، أي: كان ولم يزل متصفاً بذلك، أحاط علمه بكل شيء، وقهر عزه سلطانه وقدرته كل شيء. فهو المالك لكل شيء، وما عداه مملوك له.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences