Al-Jami' al-WajizAn‑Nisa · 4:127–140

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:127–140

4:127Page 98

وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا ١٢٧

And they request from you, [O Muḥammad], a [legal] ruling concerning women. Say, "Allāh gives you a ruling about them and [about] what has been recited to you in the Book concerning the orphan girls to whom you do not give what is decreed for them1 - and [yet] you desire to marry them - and concerning the oppressed among children and that you maintain for orphans [their rights] in justice." And whatever you do of good - indeed, Allāh is ever Knowing of it.

١٢٧ - أسباب نزول الآية : روى البخاري عن عائشة في هذه الآية: (ويستفتونك في النساء)، قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، وهو وليها ووارثها، قد شركته في مالها حتى في العَذْق، فيرغب أن ينكحها، ويكره أن يزوجها رجلاً آخر، فيشركه في مالها، فيعضلها. فنزلت الآية.و روى أيضا عن عروة قال: قالت عائشة: «و إن الناس استفتوا رسوال الله ﷺ بعد هذه الآية: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) فأنزل الله: (ويستفتونك في النساء)». ﴿وَيَسۡتَفۡتُونَكَ﴾ أي: ويطلبون منك الفتوى، أي: تبيين المشكل والمبهم من الأحكام. والاستفتاء: طلب السائل من المسئول بيان الحكم الشرعي في الأمر المسئول عنه .﴿فِي ٱلنِّسَآءِۖ﴾ أي: في حق النساء وشأنهن من الميراث وغيره. وكان أهل الجاهلية لا يورِّثون المرأة، ولا المولود الذكر حتى يكبر. ﴿قُلِ﴾ لهم يا محمد ﴿ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ﴾ أي: في شأنهن، ويبيِّن لكم حكم ما سألتم عنه، فاعملوا بما أفتاكم الله به، في جميع شئون النساء، من القيام بحقوقهن، وترك ظلمهن، عموماً وخصوصاً، وهذا أمر عام، يشمل جميع ما شرع الله في حق النساء، أمراً ونهياً، الزوجات وغيرهن، كالميراث والصداق والنفقة والعشرة، ونحو ذلك. ﴿وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: و يفتيكم ما يُتلى عليكم في القرآن ﴿فِي﴾ شأن ﴿يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أي: تمنعوهن ما فُرض لهن عليكم من الحقوق، كالميراث والمهر وغيرهما ﴿وَتَرۡغَبُونَ﴾ أيها الأولياء أو الأوصياء ﴿أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ أي: وترغبون في نكاحهن لمالهن وجمالهن، بأقلَّ من صداق أمثالهن، فيفتيكم الله أن لا تفعلوا ذلك إلا أن تُقسطوا لهن في مهورهن، وتعطوهن صداقهن كاملاً كأمثالهن.أو: و ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن، وتعضلوهن عن التزوج طمعاً في أموالهن، فيفتيكم الله ويبيِّن لكم أن لا تفعلوا شيئاً من ذلك. فقوله: (وترغبون) أي: في نكاحهن، أو عنه، مراد على سبيل البدل . وعند ابن أبي حاتم من حديث عروة بن الزبير عن عائشة، قالت:«و الذي ذكر الله أنه يُتلى عليه في الكتاب، هو الآية الأولى- من سورة النساء- التي قال الله فيها: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء)النساء(٣)». قالت عائشة:«وقول الله عز وجل: (وترغبون أن تنكحوهن) رغبة أحدكم عن يتيمته التي تكون في حجره ، حين تكون قليلة المال والجمال، فنُهوا أن ينكحوا من رغبوا في مالها وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كُنَّ قليلات المال و الجمال».و رواه البخاري بنحوه عن عروة عنها. والمراد من قول عائشة أمران: الأول: أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له أن يتزوجها، فتارة يرغب في مالها وجمالها فيتزوجها دون أن يعطيها مهر مثلها، ويقسط في صداقها- لكونها يتيمة عنده، وهو وليها- فنهى الله عن ذلك، وأمره أن يمهرها مثلها، أسوة بغيرها من النساء، فإن لم يفعل، فليعدل إلى غيرها من النساء- مثنى وثلاث ورباع- فقد وسَّع الله عليه في ذلك. وهذا المعنى هو في الآية الأولى من سورة النساء. الثاني: وتارة لا يكون له رغبة فيها، لدمامتها عنده، أو لعدم رغبته في الزواج منها، فيعضلها عن التزوج بغيره من الأزواج، خشية أن يشركوه في مالها، فنهى الله عز وجل عن ذلك أيضا. وعن ابن عباس في قوله: (في يتامى النساء): كان الرجل في الجاهلية، تكون عنده اليتيمة، فيلقي عليها ثوبه، فإن فعل ذلك، لم يقدر أحد أن يتزوجها أبداً، فإذا كانت جميلة وهويها، تزوجها وأكل مالها، وإن كانت دميمة منعها الرجال أبداً حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرَّم الله ذلك، ونهى عنه. ﴿وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ﴾ أي: ويفتيكم أيضاً في شأن الصغار من الوالدان أن تعطوهم حقوقهم من الميراث وغيره، وأن لا تستولوا على أموالهم على وجه الظلم والاستبداد. وكانوا في الجاهلية لا يورِّثون النساء، ولا الولدان، وإنما يورِّثون الرجال الكبار القائمين بالقتال وسائر الأمور. ومعنى: (وما يتلى عليكم في يتامى النساء)، وفي (المستضعفين من الولدان): هو قوله: (يوصيكم الله في أولادكم). ﴿وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ﴾ أي: ويفتيكم أيضاً في شأن اليتامى- ذكوراً أو إناثاً- أن تقوموا بالعدل في ميراثهم وصداقهم وسائر أموالهم، وأحوالهم وحقوقهم ومصالحهم الدينية منها والدنيوية- كتنمية أموالهم، وعدم القرب منها إلا بالتي هي أحسن- ﴿وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ﴾ في حقوق المذكورين ومصالحهم- سواء كان الخير متعدياً أو لازماً، قليلاً أو كثيراً- أو في حقوق غيرهم ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا﴾ فيجازيكم بحسبه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

4:128Page 99

وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٢٨

And if a woman fears from her husband contempt or evasion, there is no sin upon them if they make terms of settlement between them - and settlement is best. And present in [human] souls is stinginess.1 But if you do good and fear Allāh - then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

١٢٨ - أسباب نزول الآية:روى أبو داود والحاكم عن عائشة- والترمذي مثله عن ابن عباس- قالت: فَرَقت سودة أن يفارقها رسول الله ﷺ حين أسنَّت، فقالت: يومي لعائشة، فأنزل الله الآية. وأخرج الحاكم بسند موصول عن سعيد بن المسيب، أن رافع بن خديج كره من زوجه أمراً، إما كبراً أوغيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني، واقسم لي ما بدا لك، فأنزل الله الآية. وهذه الآيات (١٢٨- ١٣٠) فيها تشريع لحال الزوجين: تارة في حال نفور الرجل ونشوزه وإعراضه عن المرأة .وتارة في حال اتفاقه معها، وتخييره لها بين الإقامة والفراق .وتارة في حال فراقه لها. فالحالة الأولى هي قوله: ﴿وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ﴾ أي: توقعت ﴿مِنۢ بَعۡلِهَا﴾ أي: من زوجها ﴿نُشُوزًا﴾ أي: تكبراً وتعالياً وترفُّعاً عنها، ونفوراً منها، وبغضاً لها ومجافاة عنها، وتقصيراً في حقوقها المادية والمعنوية، بأن يمنعها نفسه ونفقته ومودته، فيهجر مضجعها، كارهاً لها، وراغباً في فراقها، أو يؤذيها بسبٍّ أو ضرب ﴿أَوۡ إِعۡرَاضٗا﴾ عنها بوجهه، بأن يقلّل محادثتها ومؤانستها- والإعراض أخف من النشوز- إما لكرهه لها، أو رغبة في الزواج من غيرها ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ﴾ أي: لا إثـم ولا حـرج عليهمـا ﴿أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ﴾ في القسم أو النفقة أو الكسوة أو المسكن أو المبيت أو المهر أو غيره من الحقوق والواجبات: وذلك بأن تسقط عنه حقها أو بعضه طلباً لبقاء الصحبة معه دون فراق. فإن رضيت فله أن يقبل ذلك منها: إذ لا حرج عليها في بذل ذلك له، ولا عليه في قبوله منها. وإلا فعلى الزوج أن يوفِّيها حقها، أو يُفارقها.[و في قراءة: (أن يصَّالحا) وأصله: أن يتصالحا ، وفيه إدغام التاء في الأصل في الصاد ] .﴿وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ﴾ من الفرقة والنشوز والإعراض، فالصلح الذي تسكن إليه النفوس، ويزول به الخلاف، خير من الفرقة والخصام. ويؤخذ من عموم اللفظ والمعنى: أن الصلح والتراضي في الحقوق والواجبات، وفي جميع الأشياء، خير من استقصاء كل صاحب حق على كل حقه، لما فيه من الإصلاح، وبقاء الألفة والمودة، والاتصاف بصفة السماح. والصلح جائز في جميع الأشياء، إلا إذا أحل حراماً، أو حرم حلالاً، فإنه يكون جوراً لا صلحاً. وفي الصحيحين عن عائشة قالت:«لما كبُرت سودة بنت زمعة، وهبت يومها لعائشة، فكان النبي ﷺ يقسم لها - أي: لعائشة - بيوم سودة».فائدةروى ابن جرير عن عائشة - في الآية - قولها:«هذا في المرأة تكون عند الرجل، فلعله لا يكون بمستكثر منها، ولا يكون لها ولد، ويكون لها صحبة، فتقول: لا تطلقني، وأنت في حلٍّ من شأني». وعن ابن عباس عند الترمذي والطيالسي:«فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز». وأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب: أن السُّنة في نشوز الرجل وإعراضه عن امرأته، أن يعرض عليها أن يطلقها أو تستقر عنده على أثرة في القسم من ماله ونفسه.ثم أخبر تعالى عن النفس البشرية بحكم طبيعتها وما جبلت عليه فقال: ﴿وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ﴾ أي: جُبلت النفوس على الإفراط في الحرص والبخل، فكأنه حاضرها لا ينفك عنها بحال ولا تغيب عنه. والشح: شدة الحرص والبخل، والمراد به: عدم رغبة الإنسان في بذل الحق الذي عليه أو التنازل عنه، أو عن بعضه، والحرص على الحق الذي له وعدم التفريط فيه، فالرجل-بحكم الجبلِّة والطبيعة والخلقة - يشح و يضنُّ على المرأة بحقه عليها، من حسن العشرة والنفقة ونحوهما، والمرأة - بحكم ذلك - تضن وتشح على الرجل بحقها عليه، فلا تكاد تسمح بنصيبها من زوجها، ولا تترك له من حقوقها شيئاً. فائدةوعن ابن عباس في قوله:(والصلح خير) يعني: التخيير، وهي الحالة الثانية: وفيها يخيِّر الزوجُ زوجه بين الإقامة والفراق، إذ هو خير من تمادي الزوج على أثرة غيرها عليها. وظاهر الآية: أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبوله ذلك منها، خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي ﷺ سودة بنت زمعة، على ترك يومها لعائشة، فلم يفارقها، بل تركها من جملة نسائه. وفعلُه يدل على مشروعية ذلك وجوازه، لأن الوفاق أحب إلى الله من الفراق.وفي الحديث عند أبي داود وابن ماجه عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ :«أبغض الحلال إلى الله الطلاق». كل حكم من الأحكام الشرعية، لا يتم ولا يكمل، إلا بوجود مقتضيه، وانتفاء موانعه، «كحكم الصلح»، فالمقتضى له: نشوز الرجل وإعراضه عن امرأته، وقد نبه على أنه خير، ورغَّب فيه. وأما المانع فقوله: (وأحضرت الأنفس الشح) وانتفاء ذلك هو: السماحة، وهو بذل الحق الذي عليه أو بعضه، والقناعة ببعض الحق الذي له. ﴿وَإِن تُحۡسِنُواْ﴾ عشرة النساء ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ ما لا يجوز في حقهن من النشوز والإعراض و الجور عليهن، أو تحسنوا في عبادة الله، بأن تعبده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، وتحسنوا إلى الخلق بجميع طرق الإحسان، من نفع بمال أو علم أو جاه، وتتقوا الله بفعل جميع المأمورات، وترك جميع المحظورات ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا﴾قد أحاط بكل شيء علماً وخبراً، فيجازيكم به أتم الجزاء وأوفره، ويثيبكم عليه.

4:129Page 99

وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٢٩

And you will never be able to be equal [in feeling] between wives, even if you should strive [to do so]. So do not incline completely [toward one] and leave another hanging.1 And if you amend [your affairs] and fear Allāh - then indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

١٢٩ - ﴿وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ﴾ أيها الأزواج ﴿أَن تَعۡدِلُواْ﴾أي: تُسوُّوا ﴿بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ في المحبة والميل القلبي والمؤانسة والشهوة والمتعة والجماع، فالعدل المطلق الكامل بينهن في ذلك غير مستطاع ﴿وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ﴾ عليه أتم الحرص، وتعاهدتموه أشد المعاهدة. وفي الحديث عند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل، ثم يقول:«اللهم هذا قسمي فما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني: محبة القلب. ولكن لا عذر للزوج في عدم العدل في القسم و المبيت والنفقة بجميع أنواعها: فعدم المساواة بينهن في ذلك ظلم، ففي الحديث عند أبي داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:«من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما- أي: الميل غير القلبي- جاء يوم القيامة، وأحد شقيه ساقط». ولذا لم يكلف الله الأزواج بالعدل القلبي، إذ التكليف الشرعي لا يكون إلا في الوسع والطاقة لقوله: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)البقرة(٢٨٦). ﴿فَلَا تَمِيلُواْ﴾ على واحدة منهن في حقوق الزوجية وواجباتها. أو: لا تميلوا إلى التي تحبونها في القسم والنفقة والمبيت ﴿كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا﴾ أي: فتتركـوا الممـال عنهـا ﴿كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ﴾ فلا هي مطلقة أو أيِّم لا زوج لها، ولا هي ذات زوج، فإن في ذلك ضرر كبير. فالواجب إذن العدل في حدود الاستطاعة: فالنفقة والكسوة والقسم والمبيت ونحوها يجب العدل فيها بين النساء لأن ذلك مستطاع، بخلاف الحب والميل القلبي والجماع ونحوه، فلا يجب فيه عدل، لكونه غير مستطاع، وقد عفا الله عن ذلك. والحد المستطاع من العدل هو الذي يُباح معه تعدد الزوجات. ﴿وَإِن تُصۡلِحُوا﴾ بالعدل والمساواة فيما تملكون و تُطيقون، احتسابا وقياماً بحق الزوجية ﴿وَتَتَّقُواْ﴾ الله فيما تأتون وتذرون، وتتقوا الظلم والجور والميل كله وعـدم المساواة بينهن ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا﴾ لمـا في قلوبكـم مـن الميل إلـى بعـض النسـاء دون بعــض ﴿رَّحِيمٗا﴾ بكم، فلا يؤاخذكم بما فرطتم وقصرتم- عن غير عمد- في الحقوق والواجبات.

4:130Page 99

وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا ١٣٠

But if they separate [by divorce], Allāh will enrich each [of them] from His abundance. And ever is Allāh Encompassing and Wise.

١٣٠ - ثم ذكر الحالة الثالثة بين الزوجين، وهي: حالة الفراق، فقال: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا﴾ أي: الزوجان- عند تعذر الاتفاق- بطلاق، أو فسخ أو خلع أو غير ذلك ﴿يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا﴾ من الزوجين عن صاحبه ﴿مِّن سَعَتِهِۦۚ﴾ أي: من فضله وإحسانه وغناه ورزقه، بأن يهيئ للرجل امرأة توافقه، وتقر بها عينه، وتعرف حقه وفضله، وللمرأة رجلاً يحسن عشرتها، ويعرف لها حقها، وحسن صحبتها، ويرزقهما من فضله رزقاً، يغنيهما به عن كل شيء. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا﴾ لخلقه في فضله وإحسانه، عظيم المنِّ عليهم ﴿حَكِيمٗا﴾ في أمره وشرعه، وتقديره وتدبيره.

4:131Page 99

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدٗا ١٣١

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allāh. But if you disbelieve - then to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh Free of need and Praiseworthy.

١٣١ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً، فالجميع تحت أمره وقهره وسلطانه، قدراً وشرعاً ﴿وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ أي: أمرناهم فيما أنزلنا عليهم من الكتب ﴿وَإِيَّاكُمۡ﴾ يا أهل القرآن ﴿أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ أي: أمرناهم وأمرناكم بتقوى الله، ولزوم طاعته، وامتثال أمره، واجتناب نهيه، وتحكيم شرعه، ﴿وَإِن تَكۡفُرُواْ﴾ بما وصاكم به من امتثال أمره، واجتناب نهيه، فتركتم التقوى، وأعرضتم عن شرعه، وأشركتم به ما لم ينزِّل به عليكم سلطاناً ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ ملكاً و خلقاً وعبيداً، فلا يضره كفركم ولا ينفعه إيمانكم، ولا ينقص ملكه أو يزيد بسببكم. وفائدة التكرير هنا: التأكيد على سعة ملكه، وأنه غني عن خلقه، وأنه عليهم قادر، وأن حقه على العباد أن يُوحَّد فلا يُشرك به، ويُطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يُكفر، ويُذكر فلا يُنسى. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا﴾ عن خلقه وعبادتهم، ﴿حَمِيدٗا﴾ أي: محموداً في جميع ما شرع وقدر، فهو الكامل في غناه، والمستحق لكل حمد ومحبة، وثناء وإكرام، المحمود على كل حال.ومثله قوله- إخباراً عن موسى وقومه-: (إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله لغنيٌ حميد)إبراهيم(٦) وقوله سبحانه و تعالى: (فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد)التغابن(٦).

4:132Page 99

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا ١٣٢

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1

١٣٢ - ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ كرره تأكيداً لتقرير موجب التقوى ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي: شهيداً أو رقيبا على كل شيء، أو قيِّماً كفيلاً بالأمر، مُعْتَمَداً عليه، فهو القيوم على كل نفس بما كسبت وبتدبير كل شيء، على وجه الحكمة والمصلحة، وهذا من تمام الوكالة، فإن الوكالة تستلزم العلم بما هو وكيل عليه، والقوة والقدرة على تنفيذه وتدبيره، وكون ذلك التدبير على وجه الحكمة والمصلحة. يقال: وكل فلان فلاناً، إذا استكفاه أمره، ثقة بكفايته أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه.

4:133Page 99

إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا ١٣٣

If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allāh competent to do that.

١٣٣ - ﴿إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ﴾ أي: يُفْنكم ويُمتْكم ويستأصلكم يا ﴿أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ﴾ أي: بقوم آخرين غيركم، ثم لا يكونوا أمثالكم، فهم خير وأطوع لله منكم ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا﴾ أي: هو قادر على إذهابكم، وإبدالكم بغيركم إذا عصيتموه، فله القدرة الكاملة، والمشيئة النافذة فيكم. وفي الآية تهديد ووعيد للناس، إن هم أقاموا على كفرهم وأعرضوا عن ربهم، فإن الله لا يعبأ بهم شيئاً، لكنه يملي لهم ويُمهل، ولا يُهمل. ومثله قوله: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم)محمد(٣٨)وقوله: (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ١٩ وما ذلك على الله بعزيز ٢٠)إبراهيم(١٩ و ٢٠) أي: بممتنع عليه.

4:134Page 99

مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ١٣٤

Whoever desires the reward of this world - then with Allāh is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allāh Hearing and Seeing.

١٣٤ - ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ﴾ أي: يطلب بعمله ﴿ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: نصيبه وحظه منها قاصراً همته على السعي لها، كالمجاهد يطلب الغنيمة دون الأجر . ومثله قوله: (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق)البقرة(٢٠٠)، وقوله: (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب)الشورى(٢٠)، وقوله: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد)الإسراء(١٨). ﴿فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ﴾ لمن أراده، وعمل له بجد وسعي وإخلاص، فما باله يقتصر على أدنى الثوابين، وأقل الأجرين؟ وهلاَّ طلب بعمله وإخلاصه ما عند الله، وهو ثواب الدنيا والآخرة، فإنه لا يُنال ما عنده إلا بطاعته، ولا تُدرك سعادة الدارين إلا بامتثال أمره واجتناب نهيه، ولا تُدرك الأمور الدينية والدنيوية إلا بالاستعانة به وسؤاله، والافتقار إليه على الدوام، فلتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا﴾ لأقوالكم ﴿بَصِيرٗا﴾ بأحوالكم وأفعالكم ومقاصدكم، فله الحكمة في الإعطاء والمنع، والضر والنفع ، والتوفيق والخذلان.

4:135Page 100

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ١٣٥

O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allāh, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allāh is more worthy of both.1 So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

١٣٥ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ﴾ في كل أحوالكم وجميع أموركم ﴿قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ﴾ أي: قائمين بالعدل والاستقامة في حقوق الله، وحقوق عباده، لا تميلون عنه، ولا يصرفكم عنه صارف، متعاونين ومتناصرين فيه، لا تأخذكم في الله لومة لائم. والقسط في حقوق الله: أن يُستعان بنعمه على طاعته، وأن لا تصرف في معصيته، والقسط في حقوق العباد: أن تؤدي جميع الحقوق التي عليك لهم- كأداء النفقات الواجبة، والديون، ورد المظالم، ومعاملة الناس بما تحب أن يعاملوك به- وهذا الأمر بالقوامة بالقسط والعدل يشمل الولاة والقضاة. والقوَّام: المبالغ المجتهد في القيام بالشيء حتى يأتيه على خير وجه.﴿شُهَدَآءَ﴾ بالحق ﴿لِلَّهِ﴾ مراقبين له، طالبين مرضاته، قائمين بالشهادة وبأدائها ابتغاء وجه الله، خالية من التحريف والتبديل والكتمان، كقوله: (وأقيموا الشهادة لله)الطلاق(٢) أي: أدوها ابتغاء وجه الله، محتسبين بها الثواب والأجر.﴿وَلَوۡ﴾ كانت الشهادة ﴿عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ﴾ فاشهدوا عليها بإقرار الحق وعدم كتمانه، ولو عاد ضررها عليك، فإن الله جاعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه. والعدل في الشهادة على النفس: هو الإقرار بما عليها من الحقوق لله أو للعباد. ﴿أَوِ﴾ على ﴿ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ﴾ أي: وإن كانـت الشهادة المؤداة من قِبلك على والديك وقرابتك، فلا تراعهم فيها بل اشهد بالحق، ولو عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد. و العدل في الشهادة على الوالدين: أن يشهد عليهما بحق لله أو للغير، وذكر الأبوين، لوجوب برهما وكونهما أحب الخلق إليه.والعدل في الشهادة على الأقربين: أن يشهد عليهم كذلك بحق لله أو للغير، وذكر الأقربين، لأنهم مظنة المودة والتعصب، فإن شهدتم على هؤلاء بما عليهم من حقوق، فالأجنبي من الناس أحرى أن تشهدوا عليه بالحق. ﴿إِن يَكُنۡ﴾ المشهود عليه ﴿غَنِيًّا﴾ فلا يُراعى لأجل غناه، استجلاباً لنفعه، أو استدفاعاً لضره ﴿أَوۡ فَقِيرٗا﴾ فلا يُراعى لأجل فقره، رحمة به، وإشفاقاً عليه، بل اشهدوا بالحق عليهما ﴿فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ﴾ أي: بكل واحد منهما-المشهود له والمشهود عليه- يتولاهما ويعلم ما فيه صلاحهما ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ﴾ أو العصبية في شهادتكم، والميل مع ما تشتهيه أنفسكم، من جلب النفع لها ولوالديكم والأقربين، ودفع الضرر عنكم وعنهم، ومحاباة الغني لغناه أو الفقير رحمة له، كراهة ﴿أَن تَعۡدِلُواْۚ﴾ أي: تميلوا عن الحق والصواب، إن اتبعتم الهوى ولم توفقوا للعدل. فإن الهوى إما أن يعمي بصيرة صاحبه، حتى يرى الحق باطلاً، والباطل حقاً، وإما أن يعرف الحق ويعدل عنه لأجل هواه. فلا يحملنكم الهوى والعصبية، وحب الناس، أو بغضهم، على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)المائدة(٨). وقيل: إن تقدير المعنى في الآية هو: أنهاكم عن اتباع أهواء نفوسكم، لتتصفوا- إذا انتهيتم عنها- بصفة العدل. كما يقال: لا تتبع هواك، لتُرضي ربك، أي: أنهاك عن اتباع هواك كيما ترضي ربك بتركه، وعليه يكون قوله: (أن تعدلوا) من العدل ضد الجور، لا الميل، وهو علة للنهي بتقدير اللام. ﴿وَإِن تَلۡوُۥٓاْ﴾ ألسنتكم عن الشهادة بالحق، بأن تحرِّفوها وتغيِّروها وتقيموها وتأوِّلوها على غير وجهها الذي تستحقه. من اللَّي وهو: الفتل والتحريف، كما في قوله: (ليّاً بألسنتهم)النساء(٤٦). [وفي قراءة: (تَلُوا)- بضم اللام وبواو واحدة-: من الولاية بمعنى: مباشرة الشهادة]. ﴿أَوۡ تُعۡرِضُواْ﴾ عن أداء الشهادة أصلاً، بكتمانها وترك إقامتها، أو ترك الحاكم لحكمه الذي يجب عليه القيام به. ومنه قوله سبحانه و تعالى : (ومن يكتمها فإنه آثمٌ قلبه)البقرة(٢٨٣). وفي الحديث:«خير الشهداء الذي يأتي بالشهادة قبل أن يُسألها». وهذه الآية في اللَّي والإعراض عن الشهادة تعم الشاهد والقاضي، أما الشاهد فظاهر، وأما القاضي فبإعراضه عن أحد الخصمين أو ليِّه بالكلام معه، أو تركه الحكم بالحق والقضاء به. ولذا توعدهم الله بقوله: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا﴾ فيجازيكم بما عملتم، لأنه يعلم خفي الأعمال والأقوال وجليلها. وفيه وعيد شديد للذي يلوي أو يعرض عن الشهادة أو الحكم، ومن باب أولى الذي يحكم بالباطل أو يشهد بالزور، لأن الأول تارك للحق، والثاني قائم بالباطل.

4:136Page 100

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٣٦

O you who have believed, believe1 in Allāh and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allāh, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.

١٣٦ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ﴾ أي: اثبتوا وداوموا على الإيمان وازدادوا يقيناً ﴿بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ﴾ فليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل، وتقريره، وتثبيته، والاستمرار عليه، بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه، وأركانه ودعائمه، كقوله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله)الحديد(٢٨). فالأمر إذا وُجِّه لمن لم يدخل في الشيء ولم يتصف به، فهو أمر له بالدخول فيه والاتصاف بأوصافه، كقوله: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم)النساء(٤٧). وإذا وُجِّه لمن دخل في الشيء واتصف ببعض أوصافه، فهو أمر له بالثبات والمداومة والاستمرار عليه والاتصاف بجميع أوصافه، وتصحيح منهجه بالإخلاص والمتابعة، وتجنب المفسدات والمحظورات، وطلب العلم والاستزادة منه، حتى يوافق الظاهر الباطن. ﴿وَ﴾ آمنوا ب ﴿ٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ﴾ محمد ﷺ، وهو القرآن [وفي قراءة: (نُزِّلَ) بالبناء للمفعول]. ﴿وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ﴾ على الرسل، والكتاب: اسم جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة. [وفي قراءة: (أُنْزِل) بالبناء للمفعول أيضاً]. وهذا الأمر بالإيمان بالله ورسله وكتبه من الإيمان الواجب، الذي لا يتم إيمان العبد إلا به، إجمالاً فيما لم يصل إليه تفصيله، وتفصيلاً فيما علم من ذلك بالتفصيل. وقال في القرآن: (نزَّلَ) لأنه نزل مفرقاً منجماً على الحوادث والوقائع بحسب حاجة العباد إليه في معاشهم ومعادهم، وحالهم ومآلهم. وقال في الكتب المتقدمة: (أنزل) لأنها كانت تنزل على الرسل جملة واحدة. ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ والقدر خيره وشره، فيكفر بها جميعاً أو بشيء منها- لأن الكفر بشيء منها، كالكفر بها جميعاً، لتلازمها، وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض- ﴿فَقَدۡ ضَلَّ﴾ عن القصد والهدى و بعُد عن الحق والصواب ﴿ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا﴾ فعليه أن يراجع طريق الهداية والرشاد.

4:137Page 100

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا ١٣٧

Indeed, those who have believed then disbelieved, then believed then disbelieved, and then increased in disbelief - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a way.

١٣٧ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ فاهتدوا ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ بالرجوع عن الإيمان، فضلوا ﴿ثُمَّ ءَامَنُواْ﴾ بعد الكفر، فأبصروا ﴿ثُمَّ كَفَرُواْ﴾ بعد الإيمان فعموا عن الحق والهدى ﴿ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا﴾ بتكرر الارتداد منهم، وإصرارهم على الكفر، وتماديهم في الغي، واستمرارهم على الضلال حتى ماتوا على كفرهم، دون توبة وإنابة، ﴿لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ﴾ ما أقاموا عليه من الكفر والضلال، لأن الله لا يغفر أن يشرك به ﴿وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا﴾ أي: طريقاً إلى الحق والهدى، فلا يجعل لهم مما هم فيه فرجاً ولا مخرجاً، أو طريقاً إلى الجنة، لأنهم ليسوا من أهلها، لسوء اختيارهم، وفساد استعدادهم. ومثله قوله: (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً ١٦٨ إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً ١٦٩)النساء(١٦٨-١٦٩). وهؤلاء يبعد منهم كل البعد أن يخلصوا لله في العبادة ويؤمنوا إيماناً صحيحاً، فإن هذا الاضطراب والتردد منهم بين الكفر والإيمان، ثم الاستمرار على الكفر والجحود، يدل على أنهم متلاعبون بالدين، ليست لهم فيه نية صحيحة، ولا قصد خالص. وعن ابن عباس:«لا يغفر لهم إن استمروا على كفرهم حتى ماتوا». ولكن إن رجعوا إلى الإيمان بعد الكفر، وعادوا إلى التوبة، والإنابة بعد المعصية وقبل الموت، عاد الله عليهم بالمغفرة والرحمة. وعن علي بن أبي طالب أنه قال:«يستتاب المرتد ثلاثاً» ثم تلا هذه الآية.

4:138Page 100

بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨

Give tidings to the hypocrites that there is for them a painful punishment -

١٣٨ - ﴿بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ﴾ الذين أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر، فطبع على قلوبهم أي: أنذرهم ﴿بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي: مؤلماً، هو عذاب النار يوم القيامة. والبشارة تستعمل في الخير، ولكن في الشر بقيد، وأمره بتبشيرهم بذلك تهكُّمٌ بهم وتقريع لهم، والنفاق قسمان: نفاق عملي، أي: في الأعمال، كمثل ما جاء في الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله ﷺ قال:«أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» متفق عليه. ونفاق العمل معصية، لا تخرج فاعلها من الإيمان. نفاق اعتقادي، وهو إظهار الإسلام- كالشهادتين و الصلاة- وإبطان الكفر، ونفاق الاعتقاد، كفر مخرج عن ملة الإسلام، أعاذنا الله تعالى منه.

4:139Page 100

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ١٣٩

Those who take disbelievers as allies instead of the believers. Do they seek with them honor [through power]? But indeed, honor belongs to Allāh entirely.1

١٣٩ - ﴿ٱلَّذِينَ﴾ بدل ، أو نعت للمنافقين ﴿يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ﴾ يوالونهم على كفرهم، وأصفياء يمالئونهم على ضلالهم، وأنصاراً يستنصرون بهم ﴿مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ﴾ لما يتوهمون فيهم من القوة والمنعة، وما ذاك إلا لسوء ظنهم بالله، وضعف يقينهم بنصر الله لعباده، فلا يتخذون المؤمنين أولياء.﴿أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ﴾ أي: أيطلب المنافقون من الكفار الذين يوالونهم ويستنصرون بهم، المنعة والقوة والغلبة؟ كلا، فليس عندهم من ذلك شيء. وأصل العزة: الشدة. يقال: عز علي أن أكون كذا، أي: اشتد علي ذلك، ومنه: استعز عليه المرض، أي: اشتد عليه وغلبه، والعزاز للأرض: الصلبة الشديدة. والاستفهام في الآية للإنكار، وقيل: للتعجب. ﴿فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ﴾ والمنعة والقوة والغلبة والنصرة ﴿لِلَّهِ جَمِيعٗا﴾ في الدنيا والآخرة، ولا ينالها إلا أولياؤه وأهل طاعته. وهذا كقوله: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعا)فاطر(١٠) وقوله: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)المنافقون(٨). والمراد من قوله: (فإن العزة لله جميعاً) الترغيب في طلب العزة والنصرة من الله، والإقبال على عبوديته، والانتظام في جملة عباده وأوليائه. وفي الآية: الترهيب من موالاة الكافرين، وترك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من صفات المنافقين، فالإيمان يقتضى محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم والبراءة منهم ومما يعبدون من دون الله.

4:140Page 100

وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ١٤٠

And it has already come down to you in the Book [i.e., the Qur’ān] that when you hear the verses of Allāh [recited], they are denied [by them] and ridiculed; so do not sit with them until they enter into another conversation. Indeed, you would then be like them.1 Indeed, Allāh will gather the hypocrites and disbelievers in Hell all together -

١٤٠ - ﴿وَقَدۡ نَزَّلَ﴾ [وفي قراءة: (نُزِّل) بالبناء للمفعول ] ﴿عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: في القرآن، الحُكم الشرعي عند حضور مجالس الكفر والمعاصي، وهو قوله تعالى: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره)الأنعام(٦٨)، ففيه النهي عن مجالسة المشركين- لأن سورة الأنعام مكية- الذين يخوضون في آيات الله بالباطل، وهو يستلزم النهي أيضاً عن موالاتهم. ﴿أَنۡ﴾ أي: أنه- و«أن» مخففة واسمها محذوف- ﴿إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ أي: القرآن ﴿يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا﴾ أي: ينتقص منها، ويستهان بها . ﴿فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ﴾ أي: مع الكافرين والمستهزئين بآيات الله، إذ الواجب على كل مُكلَّف في آيات الله: الإيمان بها، وإجلالها، وإكبارها، وتعظيمها، و تفخيمها، وإنزالها حق منزلتها. والنهي عن القعود في مجالس الكافرين والمنافقين، يشمل كذلك النهي عن حضور مجالس الفسق والمعاصي والابتداع، لما فيها من الاستهانة بأوامر الله ونواهيه، والخوض فيها بالباطل. ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم وحضور مجالسهم ﴿حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ﴾ أي: يشرعوا ويتحدثوا في غير حديث الكفر والاستهزاء بآيات الله. ﴿إِنَّكُمۡ إِذٗا﴾ إن فعلتم ذلك، وارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيتم بالجلوس معهم على المذكور من حالهم، ﴿مِّثۡلُهُمۡۗ﴾ في الإثم، لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم، وأقررتموهم على ذلك، والراضي بالمعصية، المقر بها، كالفاعل لها في المأثم. وفي الحديث:«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر». والواجب على من حضر مجلساً يُعصى الله فيه: الإنكار مع القدرة، أو القيام عنه مع عدم القدرة على الإنكار. والخوض في الأصل: الدخول في مائع، كالماء والطين، يقال: خاض يخوض خوضاً، دخل، واسم المكان منه: مخاض، جمع مخاضة ثم صار اسماً لكل دخول فيه تلويث، وتُجُوِّز به إلى القول الباطل، واستعماله في ضده للمشاكلة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء بآيات الله، وموالاة بعضهم بعضاً على ذلك. وفي الآية: النهي عن مجالسة أهل الباطل عامة عند خوضهم في باطلهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском