Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:141–160
4:141Page 101
ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١
Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allāh, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allāh will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allāh give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].1
١٤١ - ﴿ٱلَّذِينَ﴾ بدل من «الذين» قبله ﴿يَتَرَبَّصُونَ﴾ أي: ينتظرون ﴿بِكُمۡ﴾ الدوائر، وما يحدث لكم والحالة التي تصيرون عليها، وتنتهون إليها، من خير أو شر، ونصر أو هزيمة، قد أعدوا لكل حالة جواباً، بحسب نفاقهم، فهم ينتظرون زوال دولتكم وذهاب ملتكم، وظهور الكفار عليكم ﴿فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ أي: نصر وتأييد، وظفر وغنيمة ﴿قَالُوٓاْ﴾ أي: المنافقون لكم ﴿أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ﴾ في الدين والجهاد، فأعطونا نصيباً من الفيء والغنيمة. والفتح لغة : النصر. ﴿وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ﴾ أي: دولة وظهور على المؤمنين من ظفر وغلبة، ولم يقل: فتح، لأنه لا فتح ولا نصرة لهم، بل غاية ما يكون، أن يكون لهم نصيب وحظ غير مستقر ولا مستمر من ظفر وغلبة، لحكمة يعلمها الله، فإن الرسل وأتباعهم يُبْتلون، ثم تكون لهم العاقبة.﴿قَالُوٓاْ﴾ أي: المنافقون للكافرين تودداً إليهم ﴿أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ﴾ أي: ألم نغلبكم، ونستول عليكم، ونقدر على أخذكم، ونتمكن من قتلكم وأسركم، فأبقينا عليكم؟ ﴿وَ﴾ ألم ﴿نَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ﴾ أي:ألم ندفع المؤمنين عنكم، بتخذيلهم وتثبيطهم، ومراسلتنا إياكم بأخبارهم وأسرارهم، ومظاهرتنا في الباطن لكم، فما ألوْناهم خبالاً حتى انتصرتم عليهم، وظفرتم بهم، وضعفت قلوبهم عن الدفع، وعجزوا عن الانتصاف منكم، فأعطونا نصيباً مما أصبتم منهم. والاستحواذ: الاستيلاء والغلبة، يقال: استحوذ عليه، أي: غلب عليه، ومنه قوله: (استحوذ عليهم الشيطان)المجادلة(١٩). وهذا شأن المنافقين، فهم يميلون مع من له الغلب والظفر، لضعف إيمانهم وقلة يقينهم بالله، يصانعون هؤلاء وهؤلاء، ليحظوا عندهم ويأمنوا كيدهم. وشبيه به التملق والتودد، والخضوع والذلة لمن له حظ في الدنيا من مال أو جاه. ﴿فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ﴾ وبينهم بالحق والعدل ﴿يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ﴾ لما يُعلم من حقيقة أهل النفاق وبواطنهم، في يوم تبلى فيه السرائر، وتظهر فيه الضمائر. ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا﴾ أي: حجة يوم القيامة. وقيل: في الدنيا، فلا حجة لهم يغلبون بها المؤمنين، لأنهم على الباطل و المؤمنون على الحق. وقيل: المراد بالسبيل: النصر والغلبة والعاقبة في الدنيا والآخرة، ومنه قوله: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)غافر(٥١). ويجوز أن يكون المعنى أيضاً: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين طريقاً بالاستئصال في الدنيا، والاستيلاء عليهم، فلا يُسلطوا عليهم تسليط استيلاء واستئصال بالكلية، فإن انتصروا عليهم أحياناً فهو نصر مؤقت لا يدوم، بل لا تزال طائفة من المؤمنين على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، و فيه رد على المنافقين فيما أمَّلوه ورجوه وانتظروه من زوال دولة المؤمنين، وفيما سلكوه من مصانعة الكافرين، خوفاً على أنفسهم منهم، إذا هم ظهروا على المؤمنين فاستأصلوهم. و الآية كقوله: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة)المائدة(٥٢). والسبيل: الطريق، وما يتوصل به إلى الشيء، وأطلق على الحجة مجازاً. فائدة وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على أصح قولي العلماء وهو: المنع من بيع العبد المسلم للكافر، لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال. ومن قال منهم بصحة بيع العبد المسلم للكافر، فإنه يأمره بإزالة ملكه عنه في الحال.
4:142Page 101
إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٤٢
Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allāh, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allāh except a little,
١٤٢ - ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ﴾ بإظهار الإيمان، وإبطان الكفر، ليدفعوا عن أنفسهم أحكامه الدنيوية، كالقـتل والأسـر. فهـذا الفعل منهـم فعل مخادعـة لله ﴿وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ﴾ على ما يليق بجلاله وكماله و عظمته، أي: مجازيهم على خداعهم، بافتضاح أمرهم في الدنيا، ومعاقبتهم عليه في الآخرة. وقيل: هو تعالى فاعل بهم ما يفعل الغالب في الخداع- أي: يخادع من خادعه- حيث تركهم في الدنيا معصومي الدماء والأموال تجري عليهم أحكام الإسلام بحسب الظاهر، وأعد لهم في الآخرة الدرك الأسفل من النار. فهم لضعف إيمانهم وقلة يقينهم يُخادعون من لا يُخادع. وقيل: (وهو خادعهم) أي: هو الذي يستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويمكر بهم، ويخذلهم عن الحق، والوصول إلى الهدى في الدنيا والآخرة. وخادع: اسم فاعل، من خادعته فخدعته، إذا غلبته وكنت أخدع منه.و في الآية:إثبات صفة المخادعة لله تعالى بالمنافقين على الوجه اللائق بجلاله و كماله و عظمته. ﴿وَ﴾ من صفاتهم أنهم: ﴿وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ﴾ مع المؤمنين ظاهراً ﴿قَامُواْ﴾ إليها ﴿كُسَالَىٰ﴾ متثاقلين عنها، ومتبرمين بها، لا يرجون ثواباً، ولا يخافون عقاباً، وهذا كقوله: (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى)التوبة(٥٤). ﴿يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ﴾ بأقوالهم وأفعالهم وصلاتهم، لمرض بواطنهم، فلا إخلاص لله، ولا معاملة مع الله، ولا اتباع لأمر الله، إنما يقصدون رؤية الناس وتعظيمهم واحترامهم وسمعتهم ومصانعتهم. وفي الحديث عند أبي يَعْلى عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال:«من أحسن الصلاة حيث يراه الناس، وأساءها حيث يخلو، فتلك استهانة استهان بها ربه عز وجل». والرياء: إظهار الجميل ليراه الناس، وهو الشرك الأصغر الذي يحبط ثواب الطاعة. ﴿وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ﴾ في صلاتهم ﴿إِلَّا قَلِيلٗا﴾ رياءً وسمعة، فهم في صلاتهم ساهون لاهون، لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون. وفي الحديث عند مالك في «الموطأ» عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ وصف صلاة المنافق فقال:«يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقر أربعاً، لا يذكر الله فيها إلا قليلا». و عند مسلم: «إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوْهما ولو حبْواً».
4:143Page 101
مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا ١٤٣
Wavering between them, [belonging] neither to these [i.e., the believers] nor to those [i.e., the disbelievers]. And whoever Allāh sends astray - never will you find for him a way.
١٤٣ - ﴿مُّذَبۡذَبِينَ﴾ أي: مردَّديـن محيَّريـن أو متردِّديـن متحيِّرين ﴿بَيۡنَ ذَٰلِكَ﴾ الكفـر والإيمان أو بين المؤمنين والكافرين ﴿لَآ﴾ منسوبين ﴿إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ﴾ المؤمنين ظاهراً وباطناً ﴿وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ ﴾ الكافرين ظاهرا و باطنا ، فلا مخلصين الإيمان ولا مصرحين بالكفر، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين. وفي الحديث عند أحمد ومسلم في صحيحه عن ابن عمر مرفوعاً «مثل المنافق، كمثل الشاة العائرة - أي: المترددة والحائرة - بين الغنميْن، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة».وأصل الذبذبة: حكاية صوت الحركة للشيء المعلق، ثم استعير لكل حركة واضطراب. أو تردد بين شيئين. يقال: ذبذبه ذبذبة ، أي: تركه حيران متردداً، كالشاة العائرة- أي: المترددة- بين قطيعين، لا تدري أيهما تتبع. ﴿وَمَن يُضۡلِلِ﴾ ـه ﴿ٱللَّهُ﴾ أي: يخذله ويسلبه التوفيق، ويصرفه عن الحق والهدى ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا﴾ أي: طريقاً موصلاً إلى الهداية والنجاة، ولا وسيلة منقذة من الغي والضلال. ومثله: (من يضلل الله فلا هادي له)الأعراف(١٨٦).
4:144Page 101
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا ١٤٤
O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allāh against yourselves a clear case?
١٤٤ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ﴾ وأصفياء وخاصة لكم، وبطانة توالونهم، وتسرون إليهم بالمودة والمناصحة. ﴿مِن دُونِ﴾ إخوانكم ﴿ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ﴾ كما يفعل المنافقون. ومثله قوله: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين)آل عمران(٢٨). ﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُـواْ لِلَّهِ عَلَيـۡكُمۡ﴾ بمـوالاتهـم ﴿سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا﴾ أي: حجة واضحة ظاهرة، أو برهاناً بيِّناً، في عقوبته إياكم، بسبب موالاتكم لهم. وفي الآية: دليل على كمال عدل الله، وأنه لا يعذب أحداً قبل قيام الحجة عليه، وفيه أيضاً التحذير من المعاصي فإن فاعلها يجعل لله عليه سلطاناً مبيناً، موجباً لعقابه.
4:145Page 101
إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا ١٤٥
Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -
١٤٥ - ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ﴾ [وفي قراءة: بفتح الراء: (الدّرَك)] أي: الطبق ﴿ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ أي: من أطباقها، وهو قعرها. وسميت دركات، لكونها متداركة، أي: متتابعة بعضها تحت بعض.والدّرْك لغة في الدّرَك، وهو كالدرج، إلا أن الدرج يقال باعتبار الصعود، والدّرك باعتبار النزول والحدور، ولذا قيل: درجات الجنة، ودركات النار. ﴿وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا﴾ أي: مانعاً من العذاب، ومنقذاً لهم مما هم فيه من أليم العقاب.
4:146Page 101
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١٤٦
Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allāh, and are sincere in their religion for Allāh, for those will be with the believers. And Allāh is going to give the believers a great reward.
١٤٦ - ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ﴾ عن النفاق، فآمنوا ﴿وَأَصۡلَحُواْ﴾ مـا أفسـدوا مـن أحوالهـم وأعمالهـم، ظاهراً وباطـناً ﴿وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ﴾ أي: التجأوا إليه في جلب منافعهم، ودفع المضار عنهم، فتمسكوا بأمره وشرعه، ووثقوا بوعده ﴿وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ﴾ الإسلام و الإيمـان والإحسـان ﴿لِلَّه﴾ فقصدوا وجه الله، بأعمالهم الظاهرة والباطنة، وعبدوه وفق ما شرع وأمر، وسلموا من الرياء والنفاق. وفي الحديث عند ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل، أن رسول الله ﷺ قال:«أخلص دينك، يكفك القليل من العمل». فذكر الاعتصام والإخلاص مع دخولهما في جملة الإصلاح، لتوقف الأعمال الظاهرة، والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة إليهما في هذا المقام. ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ﴾ أي: في زمرتهم وجماعتهم وإجراء أحكام الإسلام عليهم في الدنيا و الآخرة، ﴿وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ هو الجنة. ولم يقل:«وسوف يؤتيهم أجراً عظيماً»، لأن التائب المخلص من المنافقين داخل في زمرة المؤمنين، وله ثوابهم، فإذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن يرتب عليه ثواباً أو عقاباً، وكان ذلك مشتركاً بينه وبين الجنس الداخل فيه، رتب الثواب أو العقاب في مقابلة الحكم العام الذي تندرج تحته تلك الجزئية، لئلا يُتوهم اختصاص الحكم بالأمر الجزئي.
4:147Page 101
مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا ١٤٧
What would Allāh do with [i.e., gain from] your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allāh Appreciative1 and Knowing.
١٤٧ - ﴿مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ﴾ أي: أيّ منفعة تعود عليه في عذابكم وعقابكم؟ فالعاصي لا يضر إلا نفسه، والمطيع لا ينفع إلا نفسه ﴿إِن شَكَرۡتُمۡ﴾ نعمه، وأخلصتم الطاعة، وأصلحتم العمل له ﴿وَءَامَنتُمۡۚ﴾ به وبرسوله، فإن ذلك لا يزيد في ملكه، كما أن كفركم ونفاقكم لا ينقص من سلطانه. والاستفهام هنا بمعنى النفي، أي: لا يعذبكم إن شكرتم وآمنتم، فهو يريد منكم التوبة والإنابة، فإذا تبتم وأنبتم إليه، فأي شيء يفعل بعذابكم؟ ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا﴾ لعباده المؤمنين على طاعتهم، وإخلاصهم، وصلاح أعمالهم، بالقبول والإثابة. والشكر منه تعالى: المجازاة والثناء الجميل ﴿عَلِيمٗا﴾ بهم و بحالهم ومآلهم. والشكر من العبد: خضوع القلب، واعترافه بنعم الله، وثناء اللسان على المشكور، وعمل الجوارح بطاعته، وأن لا يستعان بنعمه على معاصيه.وفي الآية: إخبار عن كمال غناه تعالى عمن سواه، وسعة حلمه، ورحمته وإحسانه بعباده، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم لا لحاجة في نفسه. وفي الحديث القدسي عند مسلم عن أبي ذر:«إنما هي أعمالكم، أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه».
4:148Page 102
۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ١٤٨
Allāh does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allāh Hearing and Knowing.
١٤٨ - ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ﴾ أي: إعلانه وإظهاره وكذا الإسرار به، أي: يبغض ذلك، ويمقته، ويعاقب عليه ﴿مِنَ ٱلۡقَوۡلِ﴾ كالسباب و الشتائم، والقذف، ونحو ذلك، فيشمل جميع الأقوال السيئة، ومثله الفعل. فهذا كله من المنهي عنه، الذي يبغضه الله. ويدل مفهومها: على أن الله يحب الحسن من القول، كالذكر والكلام الطيب، وكذا الفعل. ﴿إِلَّا مَن ظُلِمَۚ﴾ أي: لكن يباح للمظلوم أن يجهر بما في ظالمه من السوء ليدفع عن نفسه شره وظلمه وضرره ويستوفي حقه، من غير أن يكذب عليه، أو يزيد فيما يجهر به من سوء ظالمه، على مقدار حقه ومظلمته، أو يتعدى على غير ظالمه، ومع ذلك، فعفوه عمن ظلمه، وصبره عليه، وعدم مقابلته السوء بالسوء، أولى، لقوله تعالى:(فمن عفا وأصلح فأجره على الله)الشورى(٤٠).وكذا يجوز للمظلوم أن يدعو على من ظلمه، من غير أن يعتدي، أو يفتري عليه، لقوله تعالى:(ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل)الشورى( ٤١). وفي الصحيحين من حديث معاذ ابن جبل:«واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». وعند النسائي :«ليُّ الواجد- أي: مماطلة الغني- ظلم، يُحل- أي: للدائن- عرضه وعقوبته». وعند أبي داود و مسلم ، من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال:«المستبَّان ما قالا، فعلى البادىء منهما، ما لم يعتد المظلوم». وعن مجاهد -في الآية- عند هنّاد ابن السري في «كتاب الزهد»، قال: هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يُحسن. و قد روى الجماعة - إلا النسائي والترمذي - عن عقبة بن عامر قال: قلنا: يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يُقْرونا-أي: يضيِّفونا- فما ترى في ذلك؟ قال:«إذا نزلتم بقوم، فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم». وفي الحديث عند أحمد:«أيما مسلم ضاف قوماً، فأصبح الضيف محروماً، فإن حقاً على كل مسلم نصره، حتى يأخذ بقرى ليلته من زرعه وماله».وقد ذهب أحمد وغيره، لجملة هذه الأحاديث، إلى القول بوجوب الضيافة.وفي معنى الآية - أيضاً- : ما رواه أبو داود والبزار عن أبي هريرة: أن رجلاً أتى النبي ﷺ ، فقال: إن لي جاراً يؤذيني، فقال له ﷺ :«أخرج متاعك، فضعه على الطريق»، ففعل، فكان كل من مر به قال: مالك؟ قال: جاري يؤذيني، فيقول: اللهم العنه، اللهم اخزه، فقال الرجل لجاره: ارجع إلى منزلك، والله لا أوذيك أبداً. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمًا﴾ بنياتكم وأفعالكم وأحوالكم، وفيه وعد للمظلوم، ووعيد للظالم.
4:149Page 102
إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا ١٤٩
If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allāh is ever Pardoning and Competent.1
١٤٩ - ﴿إِن تُبۡدُواْ﴾ أي: تُظهروا ﴿خَيۡرًا﴾ وهو شامل لكل خير وبر وطاعة ، قولي وفعلي، ظاهر وباطن، من واجب ومستحب. ﴿أَوۡ تُخۡفُوهُ﴾ أي: تعملوه سراً ﴿أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ﴾ أي: عن ظلم ونحوه، فتعفو عمَّن أساء إليكم بقول أو فعل في أبدانكم وأموالكم وأعراضكم، وتسمحوا عنه، فإن الجزاء من جنس العمل، فمن عفا لله، عفا الله عنه، ومن أحسن، أحسن الله إليه ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا﴾ عن عباده ﴿قَدِيرًا﴾ على عقابهم والانتقام منهم، بسبب ظلمهم وكسب أيديهم. أي: فاقتدوا به سبحانه، فإنه يعفو مع القدرة. وفي الآية: ترغيب لفعل الخير، والعفو عند القدرة، وإرشاد إلى التدبر في معاني أسماء الله وصفاته، وأن الخلق والأمر صادر عنها، وهي مقتضية له، ولذا يُعلل الأحكام بالأسماء الحسنى، والصفات العليا. فلما ذكر عمل الخير والعفو عن الإساءة والمسيء، رتَّب على معرفة أسمائه وصفاته والاقتداء به، ما يغني عن ذكر ثوابها الخاص بها. وفي الحديث عند مسلم ومالك والترمذي:«ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، ولا تواضع عبد لله إلا رفعه الله». وإبداء الخير حسنٌ لمن يأنسُ من نفسه الإيمان والإخلاص وعدم الرياء ، فهو بهذا القيد قدوة لغيره. وإخفاء الخير حسن إن خاف شيئاً من الرياء والنفاق، وكان فيه حفظ للكرامة وستر على الفقراء والمحتاجين.
4:150Page 102
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠
Indeed, those who disbelieve in Allāh and His messengers and wish to discriminate between Allāh and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -
١٥٠ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ﴾ هم اليهود الذين آمنوا بالتوراة و بموسى وكفروا بالإنجيل و بعيسى والقرآن و محمد ﷺ، والنصارى الذين آمنوا بالإنجيل وبعيسى وكفروا بالقرآن و بمحمد ﷺ، وقد أمرهم الله بالإيمان بجميع كتبه و رسله، فلما كفروا بالبعض دون غيرهم، كان ذلك كفراً بالله وبجميع الرسل، حتى الذين آمنوا بهم، فإن من تولى الله حقيقة، تولى جميع رسله، لأن ذلك من تمام تولِّيه، ومن عادى أحداً من رسله، وكفر به، فقد عادى الله وكفر به، وعادى جميع رسله وكفر بهم. ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ﴾ في الإيمان، فيؤمنون ببعض الرسل دون بعض، فكان ذلك سبباً لكفرهم بالله و بجميع رسله.﴿وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ﴾ من الرسل والأنبياء ﴿وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ﴾ منهم، وهم اليهود والنصارى، رائدهم في ذلك الهوى والأماني، وما ألْفوْا عليه آباءهم. ﴿وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ﴾ الكفر والإيمان ﴿سَبِيلًا﴾ أي: ديناً وسطاً وطريقاً يذهبون إليه، ومسلكاً يسيرون عليه، ليتخلصوا بذلك من الحجة اللازمة لهم.
4:151Page 102
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١
Those are the disbelievers, truly. And We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment.
١٥١ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ﴾ أي: الكاملون في الكفر الراسخون في الضلال، الذين كفروا كفراً حقيقياً ثابتاً لا ريب فيه، فمن كفر برسول، فقد كفر بجميع الرسل، بل وبالرسول الذي يزعم أنه به مؤمن، فكُفْرُهم محقق، حتى بمن ادَّعوا الإيمان بهم، لأنه ليس إيماناً شرعياً.﴿وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا﴾ أي: هيأنا وأعددنا لهم عذاباً ذا إهانة وخزي، وهو عذاب النار، فكما استهانوا بمن كفروا به - إما لعدم نظرهم فيما جاءهم به من الله، وإعراضهم عنه، وإقبالهم على الدنيا، وإما لكفرهم به بعد علمهم بنبوته بغياً وحسداً - أهانهم الله بالعذاب الأليم المخزي.
4:152Page 102
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢
But they who believe in Allāh and His messengers and do not discriminate between any of them - to those He is going to give their rewards. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
١٥٢ - ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ﴾ جميعهم، وهذا يقتضي الإيمان بكل ما جاءت به الرسل من الأخبار والأحكام ﴿وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ﴾ بل آمنوا بهم جميعاً، وهم المسلمون الذين يؤمنون بكل كتاب أنزله الله، وبكل نبي بعثه الله.﴿أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ﴾ [و في قراءة: بالنون (نؤتيهم أجورهم)] أي: يعطيهم ثواب أعمالهم، وجزاء إيمانهم بالله ورسله، وما ترتب عليه من قول حسن، وعمل صالح، كل على حسب حاله. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا﴾ لأوليائه وذنوبهم ﴿رَّحِيمٗا﴾ بأهل طاعته، يغفر الذنوب و الزلات، ويرحم عباده بقبول الحسنات.
4:153Page 102
يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣
The People of the Scripture ask you to bring down to them a book from the heaven. But they had asked of Moses [even] greater than that and said, "Show us Allāh outright," so the thunderbolt struck them for their wrongdoing. Then they took the calf [for worship] after clear evidences had come to them, and We pardoned that. And We gave Moses a clear authority.
١٥٣ - ﴿يَسۡـَٔلُكَ﴾ يا محمد ﴿أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ وهم أحبار اليهود تعنتاً وعناداً وكفراً ﴿أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ﴾ [وفي قراءة: بالتخفيف: (تُنْزِل عليهم كتابا من السماء)] جملة واحدة، كما نزلت التوراة والإنجيل، ومثله قوله: (وقال الذين كفروا لولا نُزِّل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا)الفرقان(٣٢). ﴿فَقَدۡ سَأَلُواْ﴾ أي: آباؤهم أو أسلافهم ﴿مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ﴾ أي: أعظم منه ﴿فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ﴾ أي: عياناً بالبصر ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ﴾ وهي نار نزلت عليهم من السماء فأهلكتهم، أو صيحة منها، عقاباً لهم ﴿بِظُلۡمِهِمۡۚ﴾ أي: بسبب ظلمهم، وطغيانهم، وبغيهم، و عتوهم، وعنادهم، وتعنتهم في السؤال وجرأتهم على الله، وذلك لامتناع الرؤية عياناً في الدنيا، وهذا لا يستلزم امتناع رؤية العباد لربهم يوم القيامة، فقد جاءت بها الأحاديث المتواترة، ومنها قوله ﷺ : «إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تُضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، فافعلوا». وهذه الآية مُفسَّرة في سورة البقرة، في قوله تعالى: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون)البقرة(٥٥). ﴿ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ﴾ إلهاً ومعبوداً من دون الله ﴿مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ﴾ أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة، والأدلة القاهرة على وحدانية الله، والمعجزات من اليد والعصا وفلق البحر على يد موسى عليه السلام. وقصة عبادتهم العجل، الذي صنعه لهم السامري، بعد ذهاب موسى إلى الطور لمناجاة ربه عز وجل، مبسوطة و مُبيَّنة في سورة البقرة: (٥٤)، وسورة الأعراف: (١٤٨-١٥٣)، وسورة طه: (٨-٩٨). ثم تابوا ﴿فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ﴾ فضلاً منا ورحمة، فلم نستأصلهم بعذاب شامل، بل عفونا عما كان منهم من التعنت وعبادة العجل وقَبِلْنا توبتهم، حيث أحيا الله الذين سألوا رؤيته عياناً، وجعل توبة الذين عبدوا العجل: أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده، فقتل بعضهم بعضاً. ﴿وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا﴾أي: حجة ظاهرة بينة واضحة، وهي الآيات التي جاء بها وتسلطاً ظاهراً على إهلاك مخالفيه وخضوعهم له مع شدة تمردهم. وسميت الحجة سلطاناً، لأن من جاء بها قهر خصمه.
4:154Page 102
وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤
And We raised over them the mount for [refusal of] their covenant; and We said to them, "Enter the gate bowing humbly"; and We said to them, "Do not transgress on the sabbath"; and We took from them a solemn covenant.
١٥٤ - ﴿وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ﴾ أي: جبل الطور ، حين امتنعوا من قبول التوراة، والالتزام بأحكام الله. ﴿بِمِيثَٰقِهِمۡ﴾ أي: بسبب الميثاق والعهد المأخوذ عليهم، ليخافوا، فيقبلوا التوراة، ولا ينقضوا العهد والميثاق. و هذا كقوله تعالى: (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة)الأعراف: (١٧١). ﴿وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ﴾ أي: باب القرية - قيل: هي باب مدينة بيت المقدس - وقد أمرهم الله بدخولها، حين أَذِنَ لهم بافتتاحها بعد موسى عليه السلام، زمن يوشع بن نون ﴿سُجَّدٗا﴾ أي: خاضعين متذللين مستغفرين، قائلين: حِطَّة - أي: اللهم حُطَّ عنا ذنوبنا في تركنا الجهاد ونكولنا عنه - فخالفوا القول والفعل، فدخلوا يزحفون على مقاعدهم وهم يقولون: حنطة في شعرة .﴿وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ﴾ أي: لا تجاوزوا في يوم السبت ما أُبيح لكم من اصطياد الحيتان إلى ما حُرِّم عليكم. [وفي قراءة: (لا تَعَدُّوا) بفتح العين وتشديد الدال، وفيه إدغام التاء في الأصل في الدال] .أي: لا تعتدوا في يوم السبت باصطياد الحيتان، وذلك أن الله حرم عليهم صيد الحيتان في يوم السبت، فاحتالوا لذلك، بأن حفروا الخنادق يوم الجمعة، لتقع فيها الحيتان يوم السبت، فيأخذوها يوم الأحد. وهذا تحايل منهم على الحرام.وفي الحديث عند عبد الله بن بطة بإسناد جيد:«لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل». فالتحايل على الحرام حرام مثله .﴿وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا﴾ أي: عهداً وثيقاً مؤكداً بأن يطيعوا الله، ويلتزموا أحكام التوراة، فخالفوا وبدلوا، وعصوا، ونقضوا العهد، وتحيَّلوا على ارتكاب محارم الله. وقصة اعتدائهم في يوم السبت مبسوطة في سورة الأعراف ، آية (١٣٦).
4:155Page 103
فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥
And [We cursed them]1 for their breaking of the covenant and their disbelief in the signs of Allāh and their killing of the prophets without right and their saying, "Our hearts are wrapped" [i.e., sealed against reception]. Rather, Allāh has sealed them because of their disbelief, so they believe not, except for a few.2
١٥٥ - ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ﴾ أي: فبسبب نقضهم لعهدهم مع الله ﴿وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ وحججه وبراهينه والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء- عليهم السلام- ﴿وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ﴾ كيحيى وزكريا وغيرهما، واجترائهم على أنبياء الله. ﴿وَقَوۡلِهِمۡ﴾ للنبي ﷺ :﴿قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ﴾ أي: مغشاة في أغطية جبلِّية فلا نفقه ما تقول، وهذا كقول المشركين: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه)فصلت(٥). وقيل: معناه: أنهم ادَّعوْا أن قلوبهم غُلف للعلم، أي: أوعية للعلم، قد حوته وحصَّلته.وغُلْف: جمع أغلف، وهو المغطى بالغلاف. أي: فبسبب ذلك كله لعنهم وطردهم من رحمته وأبعدهم عن الهدى. ثم ردَّ عليهم قولهم، فقال: ﴿بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ﴾ أي: ختم عليها بسبب كفرهم، فحجبها عن العلم والإيمان، فلا تعي وعظاً. فعلى القول الأول: كأنهم يعتذرون للنبي ﷺ عن عدم قبولهم الحق بأن قلوبهم لا تعي ولا تفقه ما يقول، لأنها في أكنة وأغطية، فرد الله عليهم ذلك، بأنها مطبوع عليها بكفرهم. وعلى القول الثاني: رد عليهم ما ادَّعوه من كل وجه. ﴿فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ منهم، أو إلا إيماناً قليلاً، لأن قلوبهم تمرنت على الكفر وقلة الإيمان أو انعدامه.
4:156Page 103
وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦
And [We cursed them] for their disbelief and their saying against Mary a great slander1
١٥٦ - ﴿وَبِكُفۡرِهِمۡ﴾ ثانياً بعيسى ابن مريم- وكرر الباء، للفصل بينه وبين ما عطف عليه- ﴿وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا﴾ أي: كذباً وزوراً وباطلاً فاحشاً، حيث رموها بالزنا يوم حملت بالمسيح من غير زوج.والبهتان: الكذب الذي يبهت العقول ويُحيِّرها لفحشه عند سماعه.
4:157Page 103
وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧
And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus the son of Mary, the messenger of Allāh." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.1
١٥٧ - ﴿وَقَوۡلِهِمۡ﴾ مفتخرين، أو متهكِّمين مستهزئين: ﴿إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ في زعمهم.و حاصل المعنى: فبمجموع ذلك كله من أحوالهم وأفعالهم لعنَّاهم، وجعلنا قلوبهم قاسية. ولعل ذكره بالرسالة في قولهم:(رسول الله) إنما هو استهزاء وتهكم منهم، لأنهم ينكرون ذلك، ولا يعترفون بنبوته. قال تعالى تكذيباً لهم في زعمهم قتله وصلبه: ﴿إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ﴾ أي: شُبِّه لهم المقتول، بأن أُلقي عليه شبه عيسى عليه السلام - وهو شاب من تلاميذ المسيح ، كان أحدثهم سناً، رضي بأن يُلقى عليه شبه المسيح، ويُقتل مكانه، ليكون رفيقه في الجنة، جاء ذلك في حديث بإسناد صحيح، كما قال ابن كثير، أخرجه ابن أبي حاتم والنسائي عن ابن عباس موقوفاً- فلما دخلوا ليقتلوا عيسى، وجدوا الشبيه، فقتلوه وصلبوه، يظنونه المسيح، وما هو به في الواقع، إذ قد رفع الله عيسى إلى السماء، ونجاه من شرهم.وقيل: المعنى: ولكن التبس عليهم الأمر، حيث ظنوا المقتول عيسى، كما أوهمهم بذلك أحبارهم. ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ﴾ أي: فــي شــأن عيـسى ﴿لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ﴾ أي: من قتله، فهم مترددون مرتابون، فاليهود: قال بعضهم: قتلناه حقاً، وتردد فيه آخرون. والنصارى: قال بعضهم: صُلب الناسوت، و رُفع اللاهوت، وقال غيرهم: وقع القتل والصلب على المسيح بكماله: ناسوته ولاهوته.وقال فريق: قُتل، وفريق: رُفع.وكلهم في شكهم يعمهون، وفيه جهلهم وعمايتهم يتحيَّرون. ﴿مَا لَهُم بِهِۦ﴾ أي: بقتله وصلبه ﴿مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ﴾ أي: ولكنهم يظنون ظناً، ويتبعون وهماً وتخيلاً وشُبهاً، وهو استثناء منقطع. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا﴾ أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين. وهي حال مؤكدة بنفي القتل، فقتله ليس عندهم بيقين.
4:158Page 103
بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨
Rather, Allāh raised him to Himself. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.
١٥٨ - ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ﴾ بروحه و جسده إلى السماء في محل كرامته، التي لا حكم فيها إلا لله ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا﴾ في ملكه لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه ﴿حَكِيمٗا﴾ في جميع ما يُقدِّره ويقضيه من الأمور. وقد تقدم ذكر رفعه في سورة آل عمران: (٥٥).و في حديث الإسراء:«و رأيت في السماء الرابعة ابنا الخالة يحيى وعيسى».
4:159Page 103
وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩
And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.
١٥٩ - ﴿وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: وما أحد من أهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى عليه السلام آخر الزمان ﴿إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ﴾ أي: بعيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه ﴿قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ﴾ أي: قبل موت عيسى عليه السلام، وذلك بعد نزوله عند اقتراب الساعة وظهور علاماتها الكبرى. وقيل: إن الضمير في قوله: (قبل موته) عائد على أهل الكتاب، ويؤيده: ما جاء في قراءة أبي بن كعب: (قبل موتهم) فيكون المعنى: وما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى، قبل موت الكتابي، إما عند نزول عيسى آخر الزمان، أو حين يحضر الكتابي الموتَ ، ويعاين أسبابه، لكنه لا ينتفع بهذا الإيمان ساعتئذ، لأنه إيمان اضطرار لا اختيار. ﴿وَيَــوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَــةِ يَكُونُ﴾ عيـسى عليــه الســلام ﴿عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: على أهل الكتاب ﴿شَهِيدٗا﴾ أي: شاهداً على أعمالهم فيشهد على اليهود بالتكذيب له، وعلى النصارى بالغلوّ فيه. وقال قتادة: يشهد عليهم أنه بلغهم رسـالة ربهــم: (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم)المائدة(١١٧). فائدة حديثيةونزول عيسى عليه السلام آخر الزمان ثابت في الصحيحين، وهو من أشراط الساعة: فقد أخرج البخاري ومسلم- واللفظ للبخاري- من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ:«والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم، حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، وحتى تكون السجدة خيراً من الدنيا وما فيها». وعند مسلم:«كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمّكم» أي: بكتاب ربكم وسنة نبيكم، فيحكم بالإسلام وبشريعة محمد ﷺ.وعند أبي داود وأحمد بإسناد صحيح:«ويدعو الناس إلى الإسلام ويضع الجزية»، أي: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف. وفي رواية عند أحمد:«و يُهلك الله في زمانه الملل كلها، إلا الإسلام، ويُهلك الله في زمانه المسيح الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى ويُصلي عليه المسلمون». وعند مسلم وأحمد وأصحاب السنن:«لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم، والدجال، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن، تسوق الناس، تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا».
4:160Page 103
فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠
For wrongdoing on the part of the Jews, We made unlawful for them [certain] good foods which had been lawful to them, and for their averting from the way of Allāh many [people],
١٦٠ - ﴿فَبِظُلۡمٖ﴾ أي: فبسبب ظلم وبغي ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ﴾ وهم اليهود. وهادوا: أي: تابوا ورجعوا بعد عبادة العجل. وظلمهم: هو ما تقدم تعديده من الذنوب في الآيات السابقة: (١٥٣- ١٥٨). ﴿حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ﴾ وهذه الطيبات هي التي في قوله تعالى: (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون)الأنعام(١٤٦). فهذا تحريم عقوبة بسبب ظلمهم واعتدائهم، وبغيهم وطغيانهم، ومخالفتهم رسولهم، واختلافهم عليه ﴿وَبِصَدِّهِمۡ﴾ أنفسهم والناس ﴿عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: دينه، واتباع الحق، صداً ﴿كَثِيرٗا﴾.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences