Al-Jami' al-WajizAn‑Nisa · 4:161–176

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:161–176

4:161Page 103

وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١

And [for] their taking of usury while they had been forbidden from it, and their consuming of the people's wealth unjustly. And We have prepared for the disbelievers among them a painful punishment.

١٦١ - ﴿وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ﴾ في التوراة، فإن الله قد حرم عليهم الربا، فاحتالوا عليه، وأخذوه من غير أهل ملتهم. والربا هنا: الزيادة المشروطة عند الاستحقاق في الديون .﴿وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ﴾ كالرشوة في الحكم، والسحت، والنهب، ونحو ذلك من الوجوه المحرمة. ﴿وَأَعۡتَدۡنَا﴾ أي : هيأنا و أعددنا ﴿لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ أي: مؤلماً، يوم القيامة.

4:162Page 103

لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢

But those firm in knowledge among them and the believers believe in what has been revealed to you, [O Muḥammad], and what was revealed before you. And the establishers of prayer [especially] and the givers of zakāh and the believers in Allāh and the Last Day - those We will give a great reward.

١٦٢ - ﴿لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ﴾ أي: الثابتون في الدين، المستبصرون فيه ، الذين لهم قدم راسخة في العلم النافع. ﴿مِنۡهُمۡ﴾ أي: من مسلمي أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيه، وأسد بن سعيه، وأسد بن عبيد، الذين دخلوا في الإسلام وصدقوا بمحمد ﷺ وبما أرسل به. ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ أي: من أهل الكتاب، أو المسلمون من المهاجرين والأنصار، أو منهم جميعاً ﴿يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ﴾ من القرآن ﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ﴾ على سائر الأنبياء من الكتب والشرائع ﴿وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ﴾ أي: وأخص المقيمين الصلاة بالذكر، أو بالمدح، القائمين بأركانها وشروطها وواجباتها ومستحباتها باطناً وظاهراً، فهو منصوب على المدح ﴿وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ﴾ الواجبة والنافلة لمستحقيها ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ المصدقون بالبعث بعد الموت، وبالجزاء على الأعمال خيرها وشرها ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ أي: الذين جمعوا بين العلم والإيمان والعمل الصالح ﴿سَنُؤۡتِيهِمۡ﴾ [و في قراءة : بالياء (سيؤتيهم)] ﴿أَجۡرًا عَظِيمًا﴾ أي: ثواباً جزيلاً، هو الجنة.

4:163Page 104

۞ إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣

Indeed, We have revealed to you, [O Muḥammad], as We revealed to Noah and the prophets after him. And We revealed to Abraham, Ishmael, Isaac, Jacob, the Descendants,1 Jesus, Job, Jonah, Aaron, and Solomon; and to David We gave the book [of Psalms].

١٦٣ - ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ﴾ يا محمد هذا القرآن ﴿كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ﴾ وخصه بالذكر، لكونه أول نبي شُرعت على لسانه الشرائع ﴿وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ﴾أي: من بعد نوح ﴿وَ﴾ كما ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ﴾ وهما ابنا إبراهيم ﴿وَيَعۡقُوبَ﴾ ابن إسحاق ﴿وَٱلۡأَسۡبَاطِ﴾ وهم: أولاد يعقوب عليه السلام ، أو ذريته. والمراد من الإيحاء إليهم: الإيحاء إلى الأنبياء منهم. وفي نبوّة من عدا يوسف من أبناء يعقوب لصلبه- خلافٌ، والراجح- كما قال الآلوسي-: عدمها. ﴿وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا﴾ أباه ﴿دَاوُۥدَ زَبُورٗا﴾[وفي قراءة بضم الزاي:(زُبورا)].والزبور- بالفتح-: اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود عليه السلام، وبالضم: مصدر بمعنى: مزبورٌ، أي: مكتوبٌ. ولم يكن فيه أحكام ولا حلال ولا حرام ، بل فيه تقديس وتحميد وثناء على الله عز وجل، ومواعظ وحكم.و الإيحاء يأتي في اللغة على معان:منها:الإشارة ، كقوله تعالى:(فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا)مريم(١١).الإلهام ، كقوله تعالى: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) القصص(٧).و على ما يكون غريزة، كقوله تعالى:(و أوحى ربك إلى النحل)النحل(٦٨).و على الإعلام في خفاء،كقوله تعالى:(شياطين الإنس و الجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا) الأنعام(١١٢).و المراد بالإيحاء في الآية: ما يُلقى إلى الأنبياء من عند الله بواسطة أو بغيرها.وفي الآية بيان : أن محمداً ﷺ ليس ببدع من الرسل، بل أرسل الله قبله العدد الكثير والجمَّ الغفير منهم. و قد جاء في سبب نزول هذه الآية -كما قال ابن عباس-: أن عدي بن زيد- من أحبار يهود- قال: يا محمد، ما نعلم أن الله أنزل على بشر من شيء بعد موسى، فأنزل الله الآية. وأنه أوحي إليه، كما أوحي إليهم في الأصول والأحكام، فبعضهم يُصدِّق بعضاً ، ويوافق بعضهم بعضاً. وأن دعوتهم واحدة، ومصدرهم واحد، وغايتهم واحدة ودينهم واحد، وهو الإسلام والتوحيد وإخلاص العبودية لله.

4:164Page 104

وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤

And [We sent] messengers about whom We have related [their stories] to you before and messengers about whom We have not related to you. And Allāh spoke to Moses with [direct] speech.

١٦٤ - ﴿وَرُسُلٗا﴾ أي: وأرسلنا رسلاً ﴿قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ﴾ أي: قصصنا أخبارهم عليك في هذه السورة وغيرها ﴿وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ﴾ أي: وأرسلنا رسلاً لم نقصص عليك من أخبارهم ولم نُسمِّهم لك في القرآن، وهذا يدل على كثرتهم. والواجب: الإيمان بالأنبياء والمرسلين جملة ، بمن لم يسمِّهم الله تعالى، وتفصيلاً، بمن سماهم ، كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ . ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ﴾ مشافهة بلا واسطة ﴿تَكۡلِيمٗا﴾ حقيقة لا مجازاً. وتخصيص موسى بالتكليم، تشريف لقدره، ولذا سُمي موسى:«كليم الله». وقد روى ابن مردويه في «تفسيره» عن أبي ذر قال:«قلت: يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف، وأربعة وعشرون ألفاً، قلت: كم الرسل منهم؟ قال: ثلاثمائة وثلاثة عشر، جم غفير».و أخرجه أيضا ابن حبان في «صحيحه» وصححه، وابن أبي حاتم عن أبي أمامة.

4:165Page 104

رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٦٥

[We sent] messengers as bringers of good tidings and warners so that mankind will have no argument against Allāh after the messengers. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

١٦٥ - ﴿رُّسُلٗا﴾ بدل من«رسلاً» قبله ﴿مُّبَشِّرِينَ﴾من أطاع الله، واتبع رضوانه بسعادة الدارين ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ من عصى الله، وخالف أمره وكذَّب رسله، بشقاوة الدارين. ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ﴾ أي: معذرة يعتذرون بها يوم القيامة ﴿بَعۡدَ﴾ إرسال ﴿ٱلرُّسُلِۚ﴾ إليهم وإنزال الكتب عليهم، فيقولوا: (ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين)القصص(٤٧)، فبعثناهم لئلا يبقى لمعتذر عند الله عذر على ترك الإيمان والطاعة .﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا﴾ في ملكه وقهره وانتقامه ممن خالف أمره وعصى رسله. ﴿حَكِيمٗا﴾ في شرعه وأمره وقدره. وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ :«لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين». وفي لفظ:«من أجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه».

4:166Page 104

لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا ١٦٦

But Allāh bears witness to that which He has revealed to you. He has sent it down with His knowledge, and the angels bear witness [as well]. And sufficient is Allāh as Witness.

١٦٦ - ﴿لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ﴾ من النبوة، والرسالة، والكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. أي: يشهد لك على صحة ما جئت به، من النبوة والرسالة، والكتاب، وأنه: ﴿أَنزَلَهُۥ﴾ عليك متلبساً ﴿بِعِلۡمِهِۦۖ﴾ أي: مشتملاً على علمه، من البينات والهدى والفرقان، وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلوم الإلهية، والأحكام الشرعية، والأخبار الغيبية، مما هو من علم الله تعالى، الذي علّم به عباده. أو: أنزله صادراً عن علمه التام، وحكمته البالغة، بما يعلم من مصالح عباده في الدنيا والآخرة. ﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ﴾ مع شهادة الله بصدق ما جاءك به، وأوحى به إليك، وأنزله عليك. ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ على صحة نبوتك، وصدق رسالتك، فلا تحزن لتكذيب من كذّبك من الكفار وأهل الكتاب، فإن شهادة الله لك كافية، ومعجزاته التي أيّدك بها وافية.

4:167Page 104

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧

Indeed, those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh have certainly gone far astray.

١٦٧ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالله ورسوله، فلم يتبعوا الحق في أنفسهم ﴿وَصَدُّواْ﴾ الناس ﴿عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾أي: عن دين الإسلام وعن اتباعه والاقتداء به، وهم أئمة الكفر، ودعاة الضلال الذين ضلوا وأضلوا ﴿قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا﴾ عن الحق، وبعدوا منه بُعداً عظيماً، فأي ضلال أعظم من ضلال من ضل بنفسه، وأضل غيره، فباء بالإثمين، ورجع بالخسارتين.

4:168Page 104

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨

Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a path,

١٦٨ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالله وآياته وكتابه ورسوله ﴿وَظَلَمُواْ﴾ أنفسهم بكفرهم وبصدهم عن سبيل الله، وبارتكاب مآثمه، وانتهاك محارمه وأقاموا على ذلك. أو ظلموا غيرهم بإضلالهم وصدهم عن سبيل الله. أو ظلموا محمداً ﷺ بكتمانهم نبوّته وصفته ونعته. وهذا الظلم هو زيادة على كفرهم، وإلا فالكفر - عند إطلاق الظلم - يدخل فيه.والمراد بالظلم هنا: أعمال الكفر والاستغراق فيه. ﴿لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ﴾ لإصرارهم على كفرهم، واستمرارهم عليه إلى الممات، وهذا كقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به)النساء(٤٨). ﴿وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا﴾ أي: سبيلاً إلى الخير.

4:169Page 104

إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٦٩

Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allāh, is [always] easy.

١٦٩ - ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ أي:لكن يهديهم الطريق المؤدي إليها، لفساد استعدادهم، وسوء اختيارهم، وفرط شقائهم. وهو استثناء منقطع. ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ﴾ أي: ماكثين فيها إذا دخلوها مكثاً دائماً لا نهاية له، ولا انقطاع عنه. ﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ﴾ أي: خلودهم في جهنم أبدا ﴿عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا﴾ أي: هيناً سهلاً، لأنه سبحانه لا يصعب ولا يعسر عليه شيء ولا يستعظمه. والتعبير بالهداية في جانب طريق جهنم، ضرب من التهكم بهم.

4:170Page 104

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧٠

O mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allāh Knowing and Wise.

١٧٠ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ﴾ محمد ﷺ ﴿ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُواْ﴾ بالله ورسوله وبما جاءكم به، واتبعوه، يكن الإيمان ﴿خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ﴾ في دنياكم وأخراكم مما أنتم عليه من الكفر والمخالفة ﴿وَإِن تَكۡفُرُواْ﴾ بالله ورسوله، وتستمروا على كفركم، وتُصرُّوا عليه ﴿فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ﴾ ملكاً وخلقاً وعبيداً وتصريفاً وتدبيراً، فلا يضره كفركم، كما لا ينفعه إيمانكم. و الآية كقوله: (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد)إبراهيم(٨). ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه، ممن يستحق الهداية، فيهديه، ومن يستحق الغواية، فيغويه. ﴿حَكِيمٗا﴾ في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره.

4:171Page 105

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ١٧١

O People of the Scripture, do not commit excess in your religion1 or say about Allāh except the truth. The Messiah, Jesus the son of Mary, was but a messenger of Allāh and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allāh and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allāh is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

١٧١ - ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ خطاب للنصارى، زجراً لهم عما هم عليه من الضلال ﴿لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ﴾ أي: لا تتجاوزوا الحد ولا تفرطوا في الدين. والغلو: مجاوزة الحد والإفراط،أو التفريط في القدر المشروع إلى غير المشروع، والمراد: غلوّ النصارى في عيسى حتى جعلوه إلهاً. والنهي عن الغلو في الدين ، ليس خاصاً بأهل الكتاب، بل إن أمة محمد ﷺ منهيَّة أيضاً عن الغلو في دينها. فقد أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله ﷺ:«لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله».ولقد ضل كثيرون في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فأبغضه قوم حتى أكفروه، وهم الخوارج، وغالى في حبه آخرون حتى ألَّهوه، وفي هاتين الطائفتين أخرج البخاري في «تاريخه»، والحاكم وصححه، عن علي، قال: قال لي النبي ﷺ :«إن لك في عيسى مثلاً، أبغضته اليهود، حتى بهتوا أمه - أي: رموها كذباً بالزنا - وأحبته النصارى حتى أنزلوه المنزل الذي ليس له»، وهو رفعه عن مقام النبوة والرسالة إلى مقام الربوبية الذي لا يليق بغير الله. فالتقصير والتفريط والإفراط والغلو في الدين، كلها من المنهيات.﴿وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا﴾ القول ﴿ٱلۡحَقَّۚ﴾ من تنزيهه تعالى عن الشريك والولد، فإن اليهود قالت: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، فلا تفتروا على الله، وتجعلوا له صاحبة وولدا، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. وفي الآية أمران منهي عنهما، وهما: الافتراء على الله والكذب عليه.والقول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وشرعه وأمره. وثالث مأمور به، وهو: قول الحق على الله في هذه الأمور كلها. ﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ﴾ أي: هو عبد الله ورسوله ﴿وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ﴾ أي: أوصلها إليها بواسطة جبريل عليه السلام حيث خلقه الله بكلمة: كن، من غير توسط سبب عادي، فكان بشراً من غير أب، فلم يكن عيسى تلك الكلمة، وإنما كان بها، أي: بقول الله له: كُن، فكان. وإضافة الكلمة إلى الله من باب إضافة التشريف والتكريم.﴿وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ﴾ أي: وذو روح من أمر الله تعالى، مخلوقة لله كسائر الأرواح، التي خلقها الله، إذ أرسل الله جبريل عليه السلام إلى مريم فنفخ في جيب درعها، فحملت بإذن الله بعيسى عليه السلام. وهذه الإضافة- أيضاً- أي: إضافة الروح إلى الله تعالى، للتفضيل والتكريم والتشريف، وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى وأمره. ولذا قيل لعيسى عليه السلام: كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن مُتولِّداً عن أب، وإنما هو ناشىء عن الكلمة التي قال الله له بها: كن، فكان بأمر الله، والروح التي أرسل بها جبريل عليه السلام. وفي الصحيح عند البخاري من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال:«من شهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».فائدةقوله في الآية : (وروح منه)، كقوله: (وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه)الجاثية(١٣) أي: من خلقه، ومن أمره، ومن عنده، وليست «من» هنا للتبعيض - كما تقول النصارى، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً - بل هي لابتداء الغاية. فعيسى مخلوق من روح مخلوقة لله، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف والتكريم لعيسى، كما أضيفت الناقة والبيت إلى الله في قوله: (هذه ناقة الله)الأعراف(٧٣) وقوله: (وطهر بيتي للطائفين)البقرة(١٢٥). وفي الحديث الصحيح:«فأدخل على ربي في داره» فأضاف الدار إلى الله إضافة تشريف و تكريم. و قوله:(و كلمته ألقاها إلى مريم): فيه أن عيسى عليه السلام لم يكن هو الكلمة، وإنما كان بها، أي: بالكلمة التي جاء بها جبريل عليه السلام إلى مريم فنفخ فيها بإذن الله، فكان عيسى عليه السلام. وإضافة الكلمة إلى الله، إضافة تشريف وتكريم أيضاً.﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ﴾ أي: فصدِّقوا بأن الله سبحانه إله واحد، لا ولد له ولا صاحبة، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤاً أحد، وكذا صدِّقوا رسله بلا تمييز ولا غلوّ، ولا تكذبوهم ولا تغلوا فيهم، واعلموا وتيقنوا أن عيسى عبد الله ورسوله. ﴿وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ﴾ أي: ولا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، كما في قوله تعالى:(لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة)المائدة(٧٣). ﴿ٱنتَهُواْ﴾ عن ذلك كله، يكن ﴿خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ﴾ وأقوم. أو: (انتهوا) عن الكفر والشرك، وأتوا (خيراً لكم) منه، وهو التوحيد. ﴿إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ﴾ لا شريك له المنفرد بالألوهية، فلا معبود بحق سواه ﴿سُبۡحَٰنَهُۥٓ﴾ أي: تنزه تعالى وتقدس عن ﴿أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ﴾ أو أن تكون له صاحبة ﴿لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾ خلقاً وملكاً وعبيداً، وتدبيراً وتصريفاً، والملكية تنافي البنوَّة والشراكة، وهذا كقوله: (بديع السموات والأرض أنى يكون له ولد)الأنعام(١٠١). و المملوك لا يكون شريكاً ولا ولداً. ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا﴾ أي: شهيداً على ذلك، قائماً بجميع أمور خلقه.

4:172Page 105

لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ١٧٢

Never would the Messiah disdain to be a servant of Allāh, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.

١٧٢ - ﴿لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ﴾ أي: لن يأنف، ولن يترفّع عن ﴿أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ﴾ بل تلك هي الكرامة حقاً ﴿وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ﴾ عند الله، أي: لن يستنكفوا أن يكونوا عباداً لله. ونفي الشيء إثبات ضده. والاستنكاف: الأنفة والترفع، يقال: استنكف، أي: استكبر، وأصله: من النكْف: وهو تنحية الدمع عن الخد بالإصبع، ورفعه عنه. وإنما ذكر الملائكة مع المسيح في هذه الآية، لأنهم اتُّخذوا آلهة مع الله، كما اتُّخِذ المسيح، فأخبر تعالى أنهم عبيد من عباده وخلق من خلقه، فالكل مفتقر لعبوديته وربوبيته وألوهيته. ﴿وَمَن يَسۡتَنكِفۡ﴾ أي: يأنف ويترفع ﴿عَنۡ عِبَادَتِهِۦ﴾ لله تعالى ﴿وَيَسۡتَكۡبِرۡ﴾ أي: يعد نفسه كبيراً عن العبادة والخضوع لله ﴿فَسَيَحۡشُرُهُمۡ﴾ أي: المستنكفين والمستكبرين عن عبادته، والمؤمنين ﴿إِلَيۡهِ جَمِيعٗا﴾ يوم القيامة، فيحكم بينهم بحكمه العدل، وجزائه الفصل.

4:173Page 105

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧٣

And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allāh any protector or helper.

١٧٣ - ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ﴾ أي: جمعوا بين الإيمان المأمور به، وعمل الصالحات، من واجبات ومستحبات، في حقوق الله، وحقوق عباده. ﴿فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ﴾ أي: ثواب أعمالهم، كل بحسب إيمانه وعمله، من غير نقصان ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ﴾ وإحسانه، وسعة رحمته، وامتنانه، من الثواب الذي لم تنله أعمالهم، ولم تصل إليه أفعالهم، ولم يخطر على قلوبهم. ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ﴾ أي: ترفعوا وامتنعوا عن طاعة الله وعبادته، وتكبروا عنها. ﴿فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا﴾ أي: مؤلماً، هو عذاب النار، ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ أي: من غيره ﴿وَلِيّٗا﴾يدفعه عنهم ﴿وَلَا نَصِيرٗا﴾ يمنعهم منه، وهذا كقوله سبحانه و تعالى : (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين)غافر(٦٠).

4:174Page 105

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤

O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.1

١٧٤ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ أي: نور ساطع ودليل قاطع للعذر، وحجة مزيلة للشُّبه، تُبيِّن الحق وتوضحه وتدل عليه، بما أنزله من الكتب، وبمن أرسله من الرسل، وبما نصب لهم من المعجزات، وهذا يشمل الأدلة العقلية والنقلية. أو: يكون البرهان محمد ﷺ وما جاء به من البينات من ربه، وعبر عنه ﷺ بذلك، لما معه من المعجزات الباهرة الشاهدة بصدقه، كما عبر عنه بالبينة في قوله سبحانه وتعالى: (حتى تأتيهم البينة)البينة(١).وفي قوله: ﴿مِّن رَّبِّكُمۡ﴾ ما يدل على شرف هذا البرهان وعظمته، حيث كان من ربكم الذي رباكم التربية الدينية والدنيوية، وأنزل إليكم البينات، ليهديكم بها إلى الصراط المستقيم، الموصل إلى رضوانه وجنته. ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا﴾ أي: ضياء بيناً، واضحاً، دالاً على الحق، وهو القرآن الكريم، لتهتدوا بهديه، وتحكموا بما أنزل الله فيه. وسمي القرآن نوراً، لأنه يُهتدى به في ظلمات الجهل والضلال.

4:175Page 105

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ١٧٥

So those who believe in Allāh and hold fast to Him - He will admit them to mercy from Himself and bounty and guide them to Himself on a straight path.

١٧٥ - ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ﴾ وأخلصوا له العبادة والطاعة من كل وجه ﴿وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ﴾ أي: لجأوا إلى الله، وتقوّوا بإيمانهم به واعتمدوا عليه، واستعانوا به، وتبرأوا من حولهم وقوتهم إلى حول الله وقوته، أي: جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم. وقيل: آمنوا بالله واعتصموا بالقرآن. ﴿فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ﴾ أي: يرحمهم، ويدخلهم الجنة بفضله، ويوفقهم للخيرات، ويجزل لهم المثوبات، ويدفع عنهم البليات.﴿وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا﴾ أي: طريقاً ﴿مُّسۡتَقِيمٗا﴾ واضحاً، قصداً، قواماً لا عوج فيه ولا انحراف، وهو التمسك بدين الإسلام، والتوفيق للعلم بالحق والعمل به. فهم في الدنيا على منهج الاستقامة وطريق السلامة، وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي بهم إلى جنات النعيم. وفي الحديث عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عن النبي ﷺ قال:«القرآن صراط الله المستقيم، وحبل الله المتين».

4:176Page 106

يَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ إِنِ ٱمۡرُؤٌاْ هَلَكَ لَيۡسَ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَهُۥٓ أُخۡتٞ فَلَهَا نِصۡفُ مَا تَرَكَۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهَا وَلَدٞۚ فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَۚ وَإِن كَانُوٓاْ إِخۡوَةٗ رِّجَالٗا وَنِسَآءٗ فَلِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ ١٧٦

They request from you a [legal] ruling. Say, "Allāh gives you a ruling concerning one having neither descendants nor ascendants [as heirs]." If a man dies, leaving no child but [only] a sister, she will have half of what he left. And he inherits from her if she [dies and] has no child. But if there are two sisters [or more], they will have two thirds of what he left. If there are both brothers and sisters, the male will have the share of two females.1 Allāh makes clear to you [His law], lest you go astray. And Allāh is Knowing of all things.

١٧٦ - أسباب نزول الآية:روى النسائي عن جابر قال: اشتكيت فدخل عليَّ رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، أُوصي لأخواتي بالثلث؟ قال: أَحْسِن، قلت: بالشطر، قال: أَحْسِن، ثم خرج، ثم دخل عليّ، فقال: لا أراك تموت في وجعك هذا، إن الله أنزل وبيّن ما لأخواتك، وهو الثلثان، فكان جابر يقول: نزلت هذه الآية: (يستفتونك) فيّ. قال الحافظ ابن حجر: هذه قصة أخرى لجابر، غير التي تقدمت في أول السورة، وفيها أنه قال: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا مريض لا أعقل، قال: فتوضأ ثم صبّ عليّ، فعقلت، فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة- أي: غير الأصول والفروع- فكيف الميراث؟ فأنزل الله آية الفرائض (آية (١٢) من سورة النساء). وفي بعض ألفاظ الحديث:«فنزلت آية الميراث: (يستفتونك)». رواه أحمد والشيخان. ﴿يَسۡتَفۡتُونَكَ﴾ يا محمد، أي: يطلبون منك الفُتيا في الكلالة، ويسألونك عن حكمها في الميراث. ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ﴾ فدلّ المذكور على المتروك، وهي الميت يموت، وليس له ولد صلب، ولا ولد ابن، ولا أب ولا جدّ، وقد تقدم بيانها في آية (١٢) من هذه السورة: حيث بيّن الله ميراث الكلالة فيما إذا ترك الميت إخوة أو أخوات لأم.فائدةوالكلالة: مأخوذة من الإكليل الذي يحيط بالرأس من جوانبه. وفسرها جمهور العلماء: بمن يموت وليس له ولد وارث ولا والد. وفي «الرحبية في علم الفرائض» (من الرجز): كلالة: مصدر كَلَّ وانفرد، أي: لم يرثه والد ولا ولد وقيل: الكلالة هم الورثة الحواشي غير الأصول والفروع. وذهب البعض: إلى أن الكلالة من لا ولد له، كما دلّت عليه الآية:(إن امرؤٌ هلك ليس له ولد). وفي الصحيحين عن عمر بن الخطاب، قال:«ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد- أي: ميراث الجد- والكلالة، وباب من أبواب الربا». وهي ما نزل من آيات الربا في آخر سورة البقرة، وكانت قد نزلت بعد آية آل عمران: (لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة)، فهل الربا فيهما واحد، أم هو في الأخيرة أعمُّ؟ هذا ما استشكله عمر في آيات الربا. وعنه قال: ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته في الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال:«أما تكفيك آية الصيف، التي في آخر سورة النساء؟». والمراد بآية الصيف: أنها نزلت في فصل الصيف. ﴿إِنِ ٱمۡرُؤٌاْ هَلَكَ﴾ أي: مات، قال تعالى: (كل شيء هالك إلا وجهه)القصص(٨٨). أي: كل شيء يفنى ولا يبقى إلا الله عز وجل ﴿لَيۡسَ لَهُۥ وَلَدٞ﴾ أي: لا ذكر ولا أنثى، لا ولد صلب، ولا ولد ابن، وكذلك ليس له والد، ولا جد. فائدةوقد تمسك بهذه الآية من ذهب إلى أنه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي وُجودَ الكلالة انتفاءُ الولد، وهو رواية عن عمر ابن الخطاب، رواها ابن جرير بإسناد صحيح. ولكن الذي يُرجع إليه في معنى الكلالة:قول الجمهور.وقضاء الصّدّيق رضي الله عنه: أنه الذي لا ولد له ولا والد.والاعتبار من النص، إذ الدليل على قول الجمهور: قوله تعالى:(وله أخت فلها نصف ما ترك) فلو كان معها أب لم ترث شيئاً، لأنه يحجبها بالإجماع، فدل هذا على أن الكلالة من لا ولد له بنص القرآن، ولا والد بالنص عند التأمل والاعتبار فيه، لأن الأخت لا يفرض لها النصف مع الوالد، بل ليس لها ميراث بالكلية معه، والآية أيضاً قد ورَّثت الإخوة- في حال الكلالة- وهم لا يرثون مع الوالد بالإجماع. فإذا هلك امرؤ، وليس له ولد، ولا والد- أي: لا أصول ولا فروع- ﴿وَلَهُۥٓ أُخۡتٞ﴾ شقيقة لأبوين أو لأب، لا لأم، فإنه قد تقدم حكمها في آية: (١٢) من هذه السورة. ﴿فَلَهَا نِصۡفُ مَا تَرَكَۚ﴾ أخوها، من نقود وعقار ونحو ذلك، وهذا من بعد الدَّيْن والوصية، كما تقدم. فائدةوفرض الأخت لأم- كما تقدم-: السدس. وقد ذهب الجمهور: إلى أن الأخوات لأبوين- أي: الشقيقات- أو لأب عَصَبة مع البنات، وإن لم يكن معهن أخ، فيرثن معهن باقي المال: ففي بنت وأخت- لأبوين أو لأب-: للبنت النصف، وللأخت النّصف. فقد رُوي عن ابن عباس وابن الزبير أنهما كانا يقولان في الميت ترك بنتاً وأختاً: إنه لا شيء للأخت، لقوله: (إن امرؤٌ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك) قالا: فإذا ترك بنتاً، فقد ترك ولداً، فلا شيء للأخت. ولكن الجمهور خالفهما في هذه المسألة، فقالوا: للبنت النصف بالفرض، وللأخت النّصف الآخر بالتعصيب، والدليل على وراثة الأخت بالتعصيب: ما رواه البخاري عن الأسود، قال:«قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ : النصف للبنت، والنصف للأخت». وفي بنت، وبنت ابن، وأخت- لأبوين أو لأب-: للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وللأخت الباقي تعصيباً.ففي صحيح البخاري أن ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن ابنة، وابنة ابن، وأخت، فقال:«أقضي فيها بما قضى النبي ﷺ : النصف للبنت، ولبنت الابن السدس، تكملة الثلثين، والباقي للأخت». وفي زوج وأخت- لأب وأم، أو لأب-: للزوج النصف، وللأخت النصف، لما رواه أحمد عن زيد بن ثابت، أنه سئل عن زوج، وأخت لأب وأم، فأعطى الزوج النصف، والأخت النصف، فَكُلِّم في ذلك، فقال: حَضَرْتُ رسول الله ﷺ قضى بذلك.﴿وَهُوَ﴾ أي: الأخ الشقيق، أو لأب ﴿يَرِثُهَآ﴾ أي: يرث أخته جميع ما تركت ﴿إِن لَّمۡ يَكُن لَّهَا وَلَدٞۚ﴾ ذكر، فإن كان للأخت ولد ذكر، فلا شيء للأخ، وإن كان للأخت ولد أنثى، فللأخ ما فَضَل عن نصيب البنت- وهو النصف- تعصيباً. وعليه: فالأخ يرث جميع مال أخته إذا ماتت كلالة- أي: ليس لها ولد ولا والد- لأنها إن كان لها والد لم يرث الأخ شيئاً، وكذا إن كان لها ولد ذكر، ويرث الأخ تعصيباً ما أبقى الفرض إن كان لها ولد أنثى. وقيل: لا يرث الأخ إن كانت للأخت ولدٌ أنثى.فائدةو يرث الأخ أيضاً ما أبقت الفروض، فلو كان للمرأة المتوفاة زوج- أي: صاحب فرض- أخذ زوجها النصف فرضاً، وأخذ أخوها النصف الآخر تعصيباً، وإن كان لها أخ من أمّ، أخذ السدس فرضاً، والباقي للأخ تعصيباً. وهذا شأن كل العصبات، يأخذون كل المال إن لم يكن معهم ذو فرض، أو عاصب يشاركه، وإلا فيأخذون الباقي بعد الفرض، لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رسول الله ﷺ قال:«ألحِقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض، فلأوْلى رجلٍ ذكر».﴿فَإِن كَانَتَا﴾ أي: الأختان ﴿ٱثۡنَتَيۡنِ﴾ فأكثر- لأنها نزلت في جابر بن عبد الله، وكان عنده سبع أخوات- ﴿فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَۚ﴾ الأخ، إن مات كلالة- أي: لا والد له ولا ولد- كما تقدم. وأخذ الجمهور من هذه الآية: حكم البنتين أن لهما الثلثان فرضاً، وكذا استُفيد حكم الأخوات، في اثنتين فصاعداً، من حكم البنات، في قوله سبحانه: (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك). ﴿وَإِن كَانُوٓاْ﴾ أي: الورثة ممن يرث الميت كلالة، أي: من يرث بالأخوّة.﴿إِخۡوَةٗ رِّجَالٗا وَنِسَآءٗ﴾ أي: مجتمعين مختلطين ذكوراً وإناثاً، لأبوين، أو لأب، لا لأم. ﴿فَلِلذَّكَرِ﴾ من الإخوة الوارثين ﴿مِثۡلُ حَظِّ﴾ أي: نصيـب ﴿ٱلۡأُنثَيَيۡنِۗ﴾ فيما يأخذونـه تعصيباً، فيسـقط فرض الإناث- النصف والثلثان- ويعصبُهُن إخوتهن بقاعدة: للذكر مثل حظ الأنثيين.وهذا حكم العصبات من البنين، وبني البنين، والإخوة، إذا اجتمع ذكورهم وإناثهم، أُعطي الذكر مثل حظ الأنثيين. ﴿يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ﴾ أحكام دينكم، ويوضـح لكم شرائعه، ويفرض لكم فرائضه، ويحدّ لكم حدوده، فضلاً منه ورحمة ﴿أَن تَضِلُّواْۗ﴾ أي: لئلا تضلوا عن الصراط المستقيم، والمنهج القويم، وعن الحق بعد البيان. ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ﴾ أي: هو سبحانه عالم بالغيب والشهادة، والأمور الماضية والمستقبلة، وعواقبها، ومصالح العباد في كل زمان ومكان. وفي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه: أنها آخر آية نَزلت، أي: من الفرائض. وعن قتادة، قال: ذُكر لنا أن أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه قال في خطبته: ألا إن الآية التي نزلت في أول سورة النساء في شأن الفرائض: أنزلها الله في الولد والوالد. والآية الثانية: أنزلها الله في الزوج والزوجة والإخوة والأخوات من الأم، والآية التي ختم بها سورة النساء: أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب والأم- أو من الأب- والآية التي ختم الله بها سورة الأنفال:أنزلها في أولي الأرحام، بعضهم أولى ببعض في كتاب الله مما جرت الرحم من العصبة. والله تعالى أعلم. انتهى تفسير سورة النساء.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском