Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:24–31
4:24Page 82
۞ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٢٤
And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess.1 [This is] the decree of Allāh upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation2 as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
٢٤ - أسباب نزول الآية: روى أحمد و مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري، قال: أصبنا سبايا من سبي أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، ولهن أزواج، فسألنا النبي ﷺ، فنزلت:(والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) يقول: إلا ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بها فروجهن. وفي رواية مسلم: أصاب أصحاب رسول اللهﷺ سبياً يوم أوطاس لهن أزواج من أهل الشرك فكان أناس من أصحاب رسول الله كفّوا وتأثّموا من غشيانهن ، فنزلت الآية. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: نزلت يوم حنين، أصاب المسلمون نساء من نساء أهل الكتاب لهن أزواج، فسُئل النبي ﷺ عن ذلك، فنزلت الآية. ﴿وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ أي: وحرّمت عليكم ذوات الأزواج من النساء أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهم لهنّ، فإن فارقها زوجها بطلاق، أو موت، وانقضت عدتها، حلّ نكاحها، يستوي في ذلك الحرائر من المسلمات، أو الكتابيات. وسُمِّين محصنات: لأن الأزواج أحصنوهن عن الفاحشة، أو هن أحصن أنفسهن عنها.مأخوذ من الإحصان: وهو المنع الشديد، وأصله من الحصن: وهو المكان المنيع الحمى. يقال: أحصنت المرأة، وحصنت، أي: عفّت، فهي حاصِن وحاصِنَة و حَصَان. وأحصنها زوجها فهي مُحصَنة. ويقال: رجل مُحصَن: إذا تزوج. وقد قيل: إن المراد بقوله: (والمحصنات من النساء) أي: العفائف حرام عليكم، حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي، واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً. والقول الأول: أرجح وأظهر، والله تعالى أعلم. ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ﴾ أي: من الإماء بالسبي في دار الحرب، فلكم وطؤهن بعد الاستبراء بحيضة واحدة - براءة للرحم من الحمل-وإن كنّ ذوات أزواج، لارتفاع النكاح بينهن وبين أزواجهن بمجرد السبي. ويستوي في ذلك المسبيات اللاتي سُبين ولهنّ أزواج في دار الحرب، أو سُبين وحدهن دون أزواجهن، فيحل لمالكهن وطؤهن بعد استبرائهن بحيضة لئلا تختلط الأنساب. والآية استثناء من تحريم نكاح ذوات الأزواج.و المراد بالحرب: الحرب الدينية بين المسلمين و الكفار. و اشترط الأحناف في نكاح المسبية اختلاف الدار بينها و بين زوجها، فلو سُبيت هي و زوجها، لم تحل لغيره.و الإحصان في القرآن جاء على أربعة معانٍ : الزواج:كما في قوله تعالى: (والمحصنات من النساء) أي: المتزوجات.العفة:كما في قوله تعالى:(محصنين غير مسافحين) أي: متعففين.الحرية : كما في قوله تعالى:(ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات) أي: الحرائر، لا الإماء.الإسلام: كما في قوله تعالى:(فإذا أحصن) أي : أسلمن ، عند طائفة من العلماء.فائدة فقهية واختلف في بيع أو هبة الأمة المتزوجة للمالك، هل يحل له وطؤها مع أنها ذات زوج؟ على قولين: الأول: ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة للمالك يكون طلاقاً لها من زوجها، لعموم قوله تعالى:(إلا ما ملكت أيمانكم). قال ابن جرير: وكان ابن مسعود يقول: بيعها طلاقها، ويتلو هذه الآية. وعن ابن مسعود قال: إذا بيعت الأمة ولها زوج، فسيدها أحق بِبُضْعِها. وعن ابن المسيِّب في قوله: (والمحصنات من النساء) قال: هذه ذوات الأزواج حرم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك، فبيعها طلاقها. وعليه: فيحل لمالكها وطؤها وإن كانت ذات زوج. الثاني: وذهب الجمهور: إلى أن بيع الأمة لا يعد طلاقاً لها من زوجها، لأن المالك المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة، وباعها مسلوبة عنها. واستدلوا لمذهبهم بحديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما، وفيه:«أن عائشة اشترتها وأعتقتها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيّرها رسول الله ﷺ بين الفسخ والبقاء - أي: على نكاحها دون فسخ - فاختارت الفسخ» فلو كان بيع الأمة طلاقها لما خيّرها ﷺ بين الفسخ والبقاء، فتخييره إياها دليل على بقاء النكاح بعد البيع.قلت: وهو الصواب، وعليه: فلا يحل لمالكها وطؤها إلا أن يفارقها زوجها بموت أو طلاق.﴿كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ﴾ أي: كتب الله عليكم تحريم هذه المحرمات المذكورات - في الآية - كتاباً، وفرضه فرضاً، فالزموا كتابه وشرعه، ولا تخرجوا عن حدوده، ولا تغيروا فرضه. ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ﴾ [وفي قراءة: بالبناء للفاعل (وأَحلَّ)أي: الله لكم ما وراء ذلكم].و المعنى: وما سوى المحرّمات من النساء المذكورات في هذه الآية، والتي قبلها، وما بيّنته السُّنة- فهنّ حلال لكم. ويدخل في الحل:المشركة إذا أسلمت و المطلقة ثلاثا و المختلعة. وهذه الآية هي التي احتج بها من قال: بتحليل الجمع بين الأختين في ملك اليمين- وهو عثمان بن عفان- وتحليل الجمع بين الأم وابنتها في ملك اليمين- وهو ابن عباس- حين قالا: أحلتهما آية- وهي هذه الآية- وحرّمتهما آية- وهي قوله: (وربائبكم اللاتي في حجوركم) وقوله: (وأن تجمعوا بين الأختين)-. ﴿أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم﴾ أي: وأُحل لكم أن تطلبوا بالمهور من أموالكم أو بالأثمان منها، ما طاب لكم من النساء- إلى أربع- أو السراري دون تقييد عدد، بما شرع الله ﴿مُّحۡصِنِينَ﴾ أي: حال كونكم متعففين عن الزنا، ومُعفّين أنفسكم بمن تطلبوهن بأموالكم عن الاستمتاع المحرم. ﴿غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ﴾ أي: غير زانين. فالمراد بالإحصان هنا: العفة، وتحصين النفس من الوقوع في الفاحشة. وبالسفاح: الزنا، من السفح وهو صب الماء وسيلانه، وسمي به الزنا، لأن الزاني لا غرض له إلا صب النطفة فقط، دون النسل. و«محصنين» و«غير مسافحين» حالان من فاعل «تبتغوا» .﴿فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ﴾ أي: فمن تزوجتموهم، وتمتعتم بهن، وتلذذتم بجماعهن ومباشرتهن من النساء بالنكاح الشرعي﴿فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن- في مقابلة استمتاعكم بهن- التي فرضتم لهن كاملة ﴿فَرِيضَةٗۚ ﴾ مقدرة مفروضة من الله تعالى. والمهر يجب بالعقد، أو بالدخول، وعند البعض: بالخلوة الصحيحة. ﴿وَلَا جُنَـاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيـمَا تَرَٰضَيۡتُم﴾ أنتم وهنّ ﴿بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ﴾ من زيادة، أو نقصان في المهر، عن رضا وطيب نفس. فإذا فرضت لها صداقاً، فأبرأتك منه، أو عن شيء منه، فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك. وعن ابن عباس قال: التراضي أن يوفيها صداقها، ثم يخيرها في المقام، أو الفراق. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بخلقه وما يصلح حالهم ومآلهم ﴿حَكِيمٗا﴾ في أمره ونهيه، وحكمه وشرعه، أي: كان و لا يزال متصفا بذلك.فائدة فقهيةاستدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ويؤيده: قول مجاهد: نزلت هذه الآية في نكاح المتعة، وهي قوله: (فما استمتعتم به منهن) أي: من النساء بنكاح المتعة- وهو نكاح مؤقت بوقت معلوم- وبلفظ المتعة: «كمتّعتُك». (فآتوهن أجورهن) أي: مهورهن التي تراضيتم عليها عن هذا النكاح المؤقت، فإذا انقضى الأمد الذي بينهما، وتراضيا بعد الفريضة، فلا حرج عليهما. ولكن الله فرض على الأزواج الذين ابتغوا الزوجات، محصنين غير مسافحين، أن يعطوهن مهورهن عوضاً عن انتفاعهم بهن، والمعلوم أن النكاح الذي يحقق الإحصان، ولا يكون الزوج به مسافحاً، هو النكاح الصحيح الدائم- لا المؤقت- المستوفي شرائطه، فبطل نكاح المتعة بهذا القيد، لأنه لا يحقق الإحصان ولا يُقصد به إلا سفح الماء، وقضاء الشهوة والوطر. وجملة القول في المتعة: أنها أحلت في السفر للضرورة، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة، وهو يوم أوطاس- واد في ديار هوازن، جنوبي مكة بنحو ثلاث مراحل، وكانت وقعتها بعد فتح مكة بشهر- ثم حرمت بعد ذلك تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة. فمتعة النساء كانت مشروعة في ابتداء الإسلام للضرورة، ثم حرمت بعد ذلك. وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء: إلى أنه أبيح ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ مرتين، وقال آخرون: إنما أبيح مرة، ثم نسخ ولم يُبَح بعد ذلك. والعمدة في تحريم نكاح المتعة: ما ثبت في الصحيحين من حديث علي بن أبي طالب قال:«نهى النبي ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر». وما ثبت عند أحمد ومسلم في «صحيحه» وابن أبي شيبة في «المصنف» من حديث سبرة بن معبد الجهني أنه غزا مع النبي ﷺ يوم فتح مكة، فقال:«أيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء، فليُخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً». وأما ما نسب إلى ابن عباس من أنه كان يُحل نكاح المتعة مطلقاً، فغير صحيح، لما ثبت أنه ما كان يحلها إلا للمضطر- والقول بإباحتها للضرورة، رواية عن الإمام أحمد- وكان يقول: ما هي إلا كالميتة والدم، ولحم الخنزير. على أنه قد ثبت وصح رجوعه عن القول بحلها للمضطر، بقوله- فيما رواه الترمذي والبيهقي والطبراني عنه-:«إن المتعة كانت في أول الإسلام، حتى نزلت الآية: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم)المؤمنون(٦) و المعارج: (٣٠) فكل فرج سواهما فهو حرام». والله تعالى أعلم.
4:25Page 82
وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢٥
And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allāh is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation [i.e., mahr] according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears affliction [i.e., sin], but to be patient is better for you. And Allāh is Forgiving and Merciful.
٢٥ - ﴿وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ﴾ أي: ومن لم يجد ﴿مِنكُمۡ﴾أيها الأحرار من المسلمين﴿طَوۡلًا﴾ أي: غنى وسعة في ماله- وهو كناية عما يُصرف من المهر والنفقات- وقدرة في حاله يتمكن بها ﴿أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ﴾ [و في قراءة بكسر الصاد : (المحصِنات)] ﴿ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ﴾ أي: الحرائر العفائف المسلمات. ف«المحصنات» هنا: بمعنى الحرائر، بدليل مقابلتهن بالإماء المملوكات، وعبر عنهن بذلك، لأن حريتهن أحصنتهن عن نقص الإماء. وأما «المؤمنات»: فجرى مجرى الغالب، فلا قيد فيه، إذ يجوز نكاح المحصنات من أهل الكتاب. ﴿فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ﴾ أي: فتزوجوا من إمائكم المسلمات، المملوكات لغيركم من المسلمين. وفي الآية دليل: على حرمة نكاح الأمة إذا كان المسلم الحر مستطيعاً قادراً على نكاح الحرة، كما أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية ولا المشركة.و الاستطاعة:كون الشيء في طوعك لا يتعاصى عليك.و الطوْل: الغنى و السعة في المال. و في قوله:«فتياتكم» بدلا من «إمائكم»: إشارة إلى كونهن كالأخوات فيعاملن معاملة كريمة.﴿وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ﴾ أي: هو أعلم بحقائق الأمور من ظواهر وبواطن، فاكتفوا بظواهر إيمانهن، وكلوا السرائر إلى الله، فهو أعلم بالمؤمن الصادق من غيره، و رُبَّ أمة تفضل الحرة في إيمانها وتقواها، وهذا تأنيس بنكاح الإماء ﴿بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ﴾ أي: أنتم وهن سواء في الدين، فلا تستنكفوا من نكاح الإماء عند الضرورة الملجئة إلى ذلك ﴿فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ﴾ أي: فانكحوا الإماء المملوكات بإذن مواليهن وأربابهن المالكين لهن، سواء أكان السيد واحداً، أو متعدداً. وفي الآية دليل: على أن السيد ولي أمته لا تُزوّج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده- مملوكه- فليس له أن يتزوج بغير إذنه. وفي الحديث: «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر- أي: زان- ».فإن كان مالك الأمة امرأة زوّجها من يُزوِّج المرأة بإذنها، لما جاء في الحديث: «لا تُزوج المرأةُ المرأةَ، ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها».و قيل : (بإذن أهلهن): أي:من له ولاية عليهن، كالأب و الجد والقاضي و الوصي. ﴿وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ﴾ أي: وأدوا إليهن، أو ادفعوا إلى مواليهن مهورهن وصداقهن بالمعروف شرعاً وعرفاً، عن طيب نفس منكم، دون مطل أو نقص أو مضارة لهن، ولا تبخسوا منه شيئاً، استهانة بهن لكونهن مملوكات. وفي الآية: دليل على وجوب المهر للأَمَة، كوجوبه للحرة. والجمهور:على أن مهر الحرة لنفسها و مهر الأَمَة لسيدها. ولا يجوز نكاح الإماء إلا إذا كن ﴿مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ﴾ أي: عفائف غير معلنات أو مجاهرات بالزنا ﴿وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ﴾ أي: ولا مصاحبات أخلاء، وأصدقاء يزنون بهن سرا. جمع خدن: وهو الصاحب والخليل. وكانوا في الجاهلية يحرمون ما ظهر من الزنا، ويستحلون ما خفي منه، فحرمهما الله بقوله: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)الأنعام: (١٥١). و «محصنات» منصوب على الحال من المفعول في قوله: «فانكحوهن» أي: حال كونهن محصنات غير مسافحات.و جاء التقييد بقوله:(محصنات غير مسافحات) في حق الإماء،لكونهن أقرب إلى الوقوع في الفاحشة من الحرائر . و جاء التقييد بقوله:(محصنين غير مسافحين)النساء(٢٤) في حق الرجال-عند الكلام عن الحرائر- لأن الرجال أكثر منهن انقيادا لدواعي الفاحشة وهم الذين يطلبونها من النساء غالبا.﴿فَإِذَآ أُحۡصِنَّ﴾ أي: زُوِّجْن- بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم يُسمَّ فاعله- [وفي قراءة: (أَحصنَّ)- بفتح الهمزة والصاد- أي: تَزوَّجن، فعل لازم، بالبناء للفاعل]. والمراد بفعل الإحصان هنا: الإماء، أي: فصرن ممنوعات الفروج من الحرام بالأزواج. ﴿فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ﴾ أي: زنين بعد الإحصان، وهو التزويج. وقيل: الإسلام ﴿فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ﴾أي: الحرائر الأبكار إذا زَنيْن ﴿مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ﴾ أي: من الحد، فيجلدن خمسين جلدة فقط، لأن حد الحرة البكر مائة جلدة- ويُغرَّبْن نصف عام، ويقاس عليهن العبيد، فيكون المراد بقوله: (من العذاب) أي: الذي يمكن تنصيفه، وهو الجلد، أما الرجم: فليس على الإماء رجم وإن أحصن، لأنه لا يتنصف، وعليه فلم يجعل الإحصان شرطاً لوجوب الحد، بل لإفادة أنه لا رجم عليهن أصلاً. وكذلك العبيد.و إنما كانت الأَمَة على النصف من حد الحرة، لأنها ضعيفة المقاومة والحرة أبعد عن داعية الفاحشة.فائدة فقهيةواختلف في معنى الإحصان على قولين: الأول: المراد بالإحصان: الإسلام، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عمر. الثاني: المراد بالإحصان: التزويج، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وغيرهم. وفي رواية عن مجاهد قال: إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة. و فصَّل ابن جرير فقال: إن معنى القراءتين متباين: فمن قرأ: (أُحصنَّ)- بضم الهمزة- فمراده: التزويج، ومن قرأ: (أَحصنَّ)- بفتح الهمزة- فمراده: الإسلام.قلت: والقول الثاني: هو الأرجح والأظهر، لأن سياق الآية يدل عليه. واختلف في حد الزنا على الأمة إن كانت مسلمة أو كافرة، بكراً أو محصنة ( أي: متزوجة )، على قولين: الأول: فذهب الجمهور: إلى أن الأمة إذا زنت فحدها خمسون جلدة- على النصف من حد الحرة البكر- سواء كانت مسلمة أو كافرة، بكراً أو محصنة، مع أن مفهوم الآية: (فإذا أحصن) يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة من الإماء- أي: أنه لا يحد من الإماء في الزنا إلا المحصنة- واستدل الجمهور لمذهبهم فقالوا: إن المنطوق مقدم على المفهوم- كما تقرر في الأصول- قالوا: قد ورد في السنة أحاديث في إقامة الحد على الإماء- غير المحصنات- فقُدِّم منطوق هذه الأحاديث على مفهوم الآية، ومنها: ما رواه مسلم في «صحيحه» عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب فقال: يا أيها الناس، أقيموا الحد على إمائكم من أحصن منهن، ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله ﷺ زنت، فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إن جلدتها أن أقتلها. فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: «أحسنت، اتركها حتى تتماثل» .وفي رواية: «فإذا تعافت من نفاسها، فاجلدها خمسين». حديث أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا زنت أمة أحدكم، فتبين زناها، فليجلدها الحد ولا يُثرِّب عليها، ثم إن زنت الثانية، فليجلدها الحد ولا يُثرِّب عليها، ثم إن زنت الثالثة، فتبين زناها، فليبعها ولو بحبل من شعر». قالوا: فمنطوق هذه الأحاديث بإقامة الحد على الأمة- سواء أحصنت أم لم تحصن- مقدم على مفهوم الآية. الثاني: و ذهب ابن عباس وطاووس وسعيد بن جبير وغيرهم: إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن- بالزواج أو الإسلام- فلا حد عليها، فجعلوا الحد على الأمة المحصنة فقط،أما غير المحصنة- أي: البكر- والكافرة فلا حد عليها، إنما تضرب تأديباً وتعزيراً لردعهن عن فعل الفاحشة. واستدلوا:بمفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند الأكثر، فقُدِّم على العموم. وبما أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد، أن رسول الله ﷺ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فقال: « إن زنت فحدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير- أي: بحبل-» قالوا: فلم يُؤقِّت فيه عددا كما أقَّت في المحصنة من الإماء بنصف ما على المحصنات الحرائر. فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك. قلت: والأول عندي أولى وأظهر دليلا. والله تعالى أعلم.﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: نكاح الإماء المملوكات إنما يباح للحر المسلم بالشروط المتقدمة- وهي: الإيمان، والعفة ظاهراً وباطناً، وعدم استطاعة طوْل الحرة-﴿لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ﴾ أيها الأحرار، أي: لمن خاف على نفسه ودينه الإثم والمشقة والضرر بالزنا، أو الوقوع فيه، بسبب غلبة الشهوة، وعدم تمكنه من قضاء وطره بالزواج من الحرائر، وشق عليه الصبر عن الجماع. والعنت: المشقة والضرر، وأصله: انكسار العظم بعد جبر، فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من مواقعة المآثم، وسمي به الزنا، لأنه سبب المشقة والضرر، بالحد في الدنيا أو العقوبة في الآخرة.﴿وَأَن تَصۡبِرُواْ﴾ عن نكاح الإماء المملوكات وعلى تحمل تلك المشقة متعففين عن نكاحهن ﴿خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ﴾ من نكاحهن، لأن نكاحهن يفضي إلى إرقاق الولد لسيدها، والغضِّ من النفس، لما في معنى الرق و العبودية من المهانة، والإسلام يطلب العزة لأتباعه.وعند الشافعي في «القديم»: إذا كان الزوج غريباً فلا يكون أولاده منها أرقاء ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٞ﴾ لذنوب عباده التائبين.وفيه إشارة إلى أن الحدود كفارات يغفر الله بها الذنوب. ﴿رَّحِيمٞ﴾ بهم و بالتوسعة عليهم في أحكامه وشرعه. وفي الآية: كراهة نكاح الأمة- لقوله: (وأن تصبروا خير لكم)- عند اجتماع الشروط. فائدةوخلاصة القول: أنه لا يجوز للحر المسلم نكاح الأمة إلا بشروط أربعة، ذكرها الله في هذه الآية: كون الأمة مسلمة، لقوله: (من فتياتكم المؤمنات)، فيخرج بهذا الشرط: الإماء الكافرات المشركات والكتابيات. وعليه : فلا يحل للمسلم الحر نكاح الأمة الكافرة، أو الكتابية، ولو عَدِم القدرة وخاف العنت. كون الأمة عفيفة ظاهراً وباطناً، لقوله: (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان). عدم استطاعة طوْل الحرة، مسلمة كانت أو كتابية. خوف العنت والمشقة، والوقوع في الزنا. واختلف في جواز نكاح الإماء بالشروط المتقدمة، على قولين: الأول: فذهب الجمهور: إلى جواز ذلك بالشروط المتقدمة، ولكن الصبر على نكاحهن أفضل، لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيه من الدناءة والعيب في العدول عن الحرائر إليهن، فإن لم يمكن الصبر عن الحرام، إلا بنكاحهن، وجب ذلك. الثاني: وذهب أبو حنيفة وأصحابه: إلى عدم اشتراط الأمور المتقدمة، وقالوا: متى لم يكن الحر المسلم متزوجاً بحرة- مسلمة أو كتابية- جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضاً، سواء كان واجداً لطول الحرة، أم لا، وسواء خاف العنت، أم لا. وحجتهم فيما ذهبوا إليه: عموم قوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)المائدة(٥)، أي: العفائف، وهو يعم الحرائر والإماء. قلت: والراجح: أن آية النساء ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور. والله تعالى أعلم.حكم العبد المملوك في الحد المذكور، حكم الأمة، لعدم الفارق بينهما.
4:26Page 82
يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٢٦
Allāh wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allāh is Knowing and Wise.
٢٦ - ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ﴾ شرائع دينكم ومصالح أمركم، فيما أحل لكم وحرم عليكم. ﴿ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ أي: يرشدكم إلى مناهج وطرائق من تقدمكم من الذين أنعم الله عليهم، من الأنبياء وأتباعهم وأهل الرشد والصلاح، لتقتدوا بهم وتسلكوا مسلكهم.جمع سُنَّة: وهي الطريقة والمنهج والشريعة. ﴿وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ﴾ من الإثم والمحارم، فيرجع بكم عن معصيته إلى طاعته وامتثال أمره،والوقوف عند حدوده. ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما يصلح أموركم وأحوالكم ﴿حَكِيمٞ﴾ في شرعه وقدره، وأمره ونهيه، وقوله وفعله.
4:27Page 83
وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا ٢٧
Allāh wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.
٢٧ - ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ﴾ توبة شاملة، تلمّ شعثكم، وتجمع متفرقكم، وتُقرّب بعيدكم وتَرُدَّكم إلى الطاعة عن المعصية ﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ من أتباع الشياطين، كالكفرة والعصاة، المقدمين لأهوائهم على طاعة الله. ﴿أَن تَمِيلُواْ﴾ أي: تعدلوا عن الحق إلى الباطل ﴿مَيۡلًا عَظِيمٗا﴾ بارتكاب ما حرّم الله، دون تقيُّد بشرعه، ولا امتثال لأمره ولا نظر في العواقب، فتكونوا مثلهم وتنهجوا نهجهم. والمراد بالشهوات هنا: ما حرمه الشرع دون ما أحله.
4:28Page 83
يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨
And Allāh wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.
٢٨ - ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ﴾ أي: يسهل عليكم أحكام شرعه، وأمره ونهيه، وما يُقدره لكم، لذا أباح لكم نكاح الإماء بشروط، كما تقدم. ﴿وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا﴾ لا يصبر عن الشهوات، ولا على مشاق الطاعات، فكان من رحمة الله تعالى به التخفيف عنه في التكاليف، لضعفه في نفسه، وضعف همته وعزمه، وضعف إيمانه وصبره. أخرج البيهقي عن ابن عباس قال: ثماني آيات نزلت في سورة النساء، هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: وعدّ هذه الآيات الثلاث: (٢٨،٢٧،٢٦)، والرابعة: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم)، والخامسة: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة)، والسادسة: (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً)، والسابعة: ( إن الله لا يغفر أن يشرك به)، والثامنة: (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم).
4:29Page 83
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩
O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.
٢٩ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ أي: لا يأخذ بعضكم أموال بعض بالحرام غير الشرعي وبما يخالف حكم الله، كالربا و الميسر والقمار، والرشوة والغصب، والسرقة، وشهادة الزور والغش والنجش، والخيانة والظلم، والإسراف والتبذير والبطر، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، والمكاسب الرديئة والخبيثة. و عبّر عن الأخذ بالأكل، لأنه مقصود المال و معظمه. و في إضافة المال إلى الجميع في قوله:﴿ أموالكم﴾ إشارة إلى أن مال الفرد مال الأُمّة، والاعتداء على مال الفرد اعتداء على مال الأُمّة.﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً﴾ أي: لكن أن تكون الأموال أموال تجارة صادرة ﴿عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ﴾ وطيب نفس- ضمن حدود الشرع- فيحل لكم أن تأكلوها. [وفي قراءة: (تجارةٌ)بالرفع]. والمعنى: لكن أن تقع تجارة صادرة عن تراض وطيب نفس منكم، فلكم أن تأكلوها. فقوله: ( إلا أن تكون....) استثناء منقطع، كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال وأكلها، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض- من البائع والمشتري- فافعلوها، فإنه مباح لكم أكل أموالها، وهذا كقوله: (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق)الإسراء(٣٣). والتجارة: التكسب بالبيع والشراء. ونص عليها دون سائر أنواع المعاوضات وأسباب التملك والمكاسب، لكونها أغلب وقوعاً وأكثر حدوثاً، فخرجت مخرج الغالب. والتراضي: علم كل من المتبايعين بما يأخذ اختيارا، دون غش ولا تدليس ولا كذب ولا خداع، ولا كتمان لعيب ولا مقامرة ولا مراباة، ثم يفترقان بعد التبايع راضيين.وقيل: إذا تعاقدا راضيين حلَّ، ولو لم يفترقا. ومن تمام الرضا أن يكون المعقود عليه بين المتعاقديْن معلوماً مقدوراً على تسليمه، لأنه إن كان مجهولاً، غير مقدور عليه، فبيعُ غرر لا ينفذ عقده. وفي الحديث عند البيهقي، عن معاذ ابن جبل، أن رسول الله ﷺ قال: «أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يُعسِّروا». ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ﴾ أي: ولا تهلكوها- في الدنيا والآخرة- بارتكاب الآثام والمحارم، وتعاطي المعاصي أياً كان نوعها، ومنها: أكل الأموال بالباطل، وقتل النفس التي حرم الله بغير حق، وقتل الإنسان نفسه حقيقة، ويدخل في ذلك: الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وفعل الأخطار المفضية إلى التلف والهلاك.و في قوله:(ولا تقتلوا أنفسكم) إشارة إلى قوله تعالى:(من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا)المائدة(٣٢).﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا﴾ أي: فيما أمركم به، ونهاكم عنه، فمن رحمته بكم أن عصم دماءكم وأموالكم، وصانها، ونهاكم عن انتهاكها، وعن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ذلك الحدود والكفارات. وفي قوله: (لا تأكلوا أموالكم) وقوله: (ولا تقتلوا أنفسكم): دليل على أن المؤمنين كالجسد الواحد، لما فيه من إضافة الأموال والأنفس إلى عموم المؤمنين.و قد ورد في معنى هذه الآية أحاديث:منها: ما رواه أحمد وأبو داود، عن عمرو بن العاص، لما بعثه النبي ﷺ عام «ذات السلاسل» قال: «احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمَّمْت، ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: «يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنب؟» قلت: يا رسول الله، تذكرت قول الله عز وجل: (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً) فتيممت ثم صليت، فضحك رسول الله ولم يقل شيئاً». وفي الصحيحين : «من قتل نفسه بشيء عُذّب به يوم القيامة». وفي الصحيحين -أيضاً- عن جندب بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله ﷺ: «كان رجلٌ ممن كان قبلكم، وكان به جرح، فأخذ سكيناً فحز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، فقال الله عز وجل: بادرني عبدي بنفسه، حرّمت عليه الجنة». وعند البخاري و ابن مردويه، و اللفظ له، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قتل نفسه بحديدة، فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة، في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسمٍّ، فسُمُّه في يده، يتحسَّاه في نار جهنم، خالداً مخلداً فيها أبداً».فائدة فقهيةقوله تعالى: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) على قولين: الأول : احتج بها الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول، لأنه يدل على التراضي نصاً، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا. الثاني : وخالف الجمهور -أبو حنيفة ومالك وأحمد-في ذلك ، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، فكذلك الأفعال تدل عليه في بعض المحال. فصححوا بيع المعاطاة مطلقاً، ومنهم من قال : يصح بيع المعاطاة في المحقّرات وفيما يعدّه الناس بيعاً. ومنه قول مجاهد: (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) أي: بيعاً أو عطاءً يعطيه أحدٌ أحداً. وأخرج ابن جرير مرسلاً عن رسول الله ﷺ: «البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلماً». ومن تمام التراضي: إثبات خيار المجلس، لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا» وفي لفظ البخاري: «إذا تبايع الرجلان، فكل واحد منهما بالخيار، ما لم يتفرقا». وبه قال الشافعي وأحمد وجمهور السلف والخلف، ومن ذلك أيضاً مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام بحسب حال البيع، ولو إلى سنة، كما هو المشهور في مذهب الإمام مالك.شرط الرضا في العقود:أن تنعقد بما دل عليها، من قول أو فعل، فبأي طريق حصل به التراضي، انعقد به العقد.
4:30Page 83
وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠
And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allāh, is [always] easy.
٣٠ - ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ﴾ مما نهى الله عنه، من أكل الأموال بالباطل، وقتل النفوس ﴿عُدۡوَٰنٗا﴾ أي: اعتداء متعمداً بغير حق، ﴿وَظُلۡمٗا﴾ أي: تجاوزاً للحلال ، كأخذ المال نهباً وغصباً، وقتل النفس في غير حدٍّ ولا قصاص ولا ردَّة، عالماً بتحريمه، متجاسراً على انتهاكه ﴿فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗا﴾ أي: ندخله ناراً عظيمة- كما يفيده التنكير- ونحرقه بها ﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ﴾ أي: إصلاؤه النار ﴿عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا﴾ أي: سهلاً هيناً غير عسير، لأنه تعالى لا يعجزه شيء. والعدوان: التعدي على الغير مع القصد. والظلم: تجاوز الحق بالفعل.
4:31Page 83
إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ٣١
If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].
٣١ - ﴿إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ﴾ أي: تتركوا كبائر الذنوب والآثام التي نهاكم الله عنها، ﴿نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ﴾ أي: نمحُ عنكم صغائر ذنوبكم- بدليل مقابلتها بالكبائر- ونتجاوز عنها بالمغفرة بعد التوبة والإنابة والطاعة. ﴿وَنُدۡخِلۡكُم﴾ في الآخرة ﴿مُّدۡخَلٗا﴾ [و في قراءة: بفتح الميم: (مَدخلاً)] أي: موضعاً ومكاناً، أو: إدخالاً ﴿كَرِيمٗا﴾ أي: حسناً شريفاً مرضياً، وهو الجنة. واجتناب الشيء: المباعدة عنه، وتركه جانباً. وكبائر الذنوب: ما عظم منها، وعظمت عقوبته، مما كان فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو نفي إيمان، أو ترتيب لعنة أو غضب، كالشرك بالله، وقتل النفس بغير حق، والزنا والربا والسرقة، ونحو ذلك. وعن ابن عباس قال: «الكبيرة: كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب ». والسيئات: جمع سيئة، وهي الفعلة القبيحة التي تسوء صاحبها أو غيره، عاجلاً أو آجلاً، وضدها: الحسنة، ومنه قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات)هود(١١٤). فائدة حديثيةوقد ورد في السنة أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة: منهاما رواه النسائي والحاكم وابن حبّان من حديث أبي هريرة وأبي سعيد بلفظ: «ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع، إلا فُتحت له أبواب الجنة، ثم قيل له: ادخل بسلام». وما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ : «الصلوات الخمس و الجمعة إلى الجمعة، و رمضان إلى رمضان مكفّرات لما بينها، ما اجتُنبت الكبائر». و في الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات- أي: المهلكات- قيل: وما هن؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات». و في الصحيحين -أيضا- من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر، عن أبيه، قال: قال النبي ﷺ: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى، يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا و شهادة الزور، ألا وقول الزور، فما زال يكررها، حتى قلنا: ليته سكت». و في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك، ثم قرأ: (والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر.....)- إلى قوله-: (إلا من تاب وآمن)». الفرقان(٧٠). وفي الصحيحين - أيضاً- من حديث عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: «من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قالوا: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه». و في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وعند ابن أبي حاتم من حديث عبد الله بن أنيس أن رسول الله ﷺ ذكر من الكبائر: «اليمين الغموس».وعند ابن جرير من حديث أبي أمامة أنه ذكر: «الغلول». وعليه: فالنص في بعض الأحاديث على أن الكبائر سبعٌ ، لا ينفي ما عداهن. فقد روى عبد الرزاق في «مصنّفه» عن ابن عباس أن رجلاً قال له: الكبائر سبع؟! قال:«هنّ إلى السبعين أقرب». وفي رواية: «غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار». إذ الإصرار على الصغائر، يُصيِّرها كبائر.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences