Al-Jami' al-WajizAn‑Nisa · 4:32–42

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:32–42

4:32Page 83

وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا ٣٢

And do not wish for that by which Allāh has made some of you exceed others. For men is a share of what they have earned, and for women is a share of1 what they have earned. And ask Allāh of His bounty. Indeed Allāh is ever, of all things, Knowing.

٣٢ - أسباب نزول الآية : روى أحمد والترمذي والحاكم، عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث، فأنزل الله: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض) الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: أتت امرأة النبي ﷺ، فقالت: يا نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، أفنحن في العمل هكذا، إن عملت المرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة؟ فأنزل الله الآية. ﴿وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ﴾ في الأمور الدينية والدنيوية، فلا تتمنى النساء خصائص الرجال، ولا ذو الفقر والنقص، حالة الغنى والكمال، لئلا يؤدي هذا إلى التحاسد، والتباغض، والسخط على أقدار الله، والركون إلى الكسل والأماني الباطلة التي لا يقترن بها عمل ولا كسب. وإنما المحمود أمران:أن يسعى العبد على حسب قدرته آخذاً بالأسباب وبما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية.وأن يسأل الله تعالى من فضله، متكلاً عليه لا على نفسه، راضياً بما قسم الله له. والتمني: طلب حصول الشيء المرغوب فيه، المستبعد تحقيقه، و هو نوعان: مذموم ومحمود، فالمذموم منه: أن يتمنى أن تكون له عين نعمة الله على غيره مع تمني زوالها عن صاحبها. والمحمود منه: أن يتمنى أن تكون له مثل نعمة الله على غيره، دون أن يتمنى زوالها عن صاحبها.ويؤيده: ما ثبت في الصحيح: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلّطه على هلكته في الحق، فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثل عمله، فهما في الأجر سواء» الحديث. ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ﴾ أي:حظ و جزاء ﴿مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ﴾ من أعمالهم الدينية والدنيوية من الثواب والعقاب على الطاعة والمعصية، ﴿وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ﴾ من أعمالهن الدينية والدنيوية، على حسب ما تقتضيه إرادة الله وحكمته، فكل منهم لا ينال غير كسبه بحسبه، إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ﴿وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ﴾ [وفي قراءة: (وسلوا الله من فضله)] في جميع أموركم ومصالحكم الدينية والدنيوية، فبدلاً من الاشتغال بالتمني، اكتسبوا واسألوا الله الخير والإحسان والتوفيق لما يحب ويرضى. وفي الحديث عند الترمذي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يُسْأل، وإن أفضل العبادة انتظار الفَرَج». ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا﴾ فيعطــي الدنـيا مـن يريدها ويعمل لها، ويعطي الآخرة من يستحقها ويعمل لها، على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته. أي: كان ولم يزل متصفاً بذلك، جلا وعلا.

4:33Page 83

وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا ٣٣

And for all, We have made heirs to what is left by parents and relatives. And to those whom your oaths have bound [to you] - give them their share.1 Indeed Allāh is ever, over all things, a Witness.

٣٣ - ﴿وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ﴾ أي: ولكل واحد من الرجال والنساء جعلنا ورثة وعصبة من قراباته، يرثون ﴿مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ﴾ من المال. ويجوز أن يكون المعنى: ولكل مال مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالي، أي: ورثة وعصبة يلونه ويحوزونه. والعرب تسمي ابن العم مولى. والموالي: جمع مولى، وهم الذين يتولون الإنسان ويتولاهم بالتعزز، والنصرة، والمعاونة على الأمور، وهم قراباته، كابن العم ونحوه. وقوله (الأقربون): يشمل سائر الأقارب من الأصول والفروع والحواشي. وهؤلاء الموالي من الورثة و العصبة يرثون دون سائر الناس لما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأوْلي رجل ذكر». أي: اقسموا الميراث على أصحاب الفرائض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة. ﴿وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ﴾ [وفي قراءة: بإثبات الألف(عاقدت)] ﴿أَيۡمَٰنُكُمۡ﴾ وهم الحلفاء أو موالي الموالاة الذين عاقدتهم أيمانكم، أو تحالفتم و تعاهدتهم معهم بالأيمان المؤكدة، على النصرة والنجدة والمساعدة والمعونة والإرث. وأيْمانكم: جمع يمين، بمعنى: اليد أو القَسَم. والمراد به: عقد الموالاة، أو المعاهدة، أو الحلف، وكانوا يتماسكون بالأيدي عند المعاقدة والمعاهدة والمحالفة، وكان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل الأجنبي عنه على التوارث، فيقول له: «ترثني وأرثك». ﴿فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ﴾ أي: حظهم من الميراث، بسبب ما كان بينكم وبينهم من العهود والأحلاف في عقد الموالاة. وكان قد جُعل لعقد الموالاة في بدء الإسلام: السدس من جميع المال، والباقي للورثة. ثم نزل قوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)الأنفال(٧٥)، فبقي للحليف النصرة والوصية والمعروف في غير معصية الله، لقوله تعالى: (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً)الأحزاب(٦).وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: (والذين عقدت أيمانكم): كان المهاجرون لما قدموا المدينة، يرث المهاجريُّ الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوّة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت: (ولكل جعلنا موالي) نُسخت، ثم قال: (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث- أي: بين المتحالفيْن- ويوصي له- أي: وبقيت الوصية له-. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا﴾ أي: شاهداً عليكم مطلعاً على جميع أموركم وأحوالكم ومجازيكم عليها.فائدة فقهيةواختُلف في حكم التوارث بالحِلْف على قولين: الأول: فذهب الحنفية: إلى القول بالتوارث بالحِلْف، وهو ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، وقالوا: إذا أسلم رجل على يد رجل آخر، وتعاقدا على أن يرثه صح ذلك، وله إرثه إن لم يكن له وارث أصلاً. الثاني: وذهب الجمهور - مالك والشافعي وأحمد -: إلى القول بعدم التوارث بالحلف بعد نزول قوله تعالى: (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) فذهب التوارث بالحلف وبقي تأثيره من النصرة والرفادة والنصيحة والمعونة .قلت : وهو الراجح عندي، لما تقدم عن ابن عباس.و الله تعالى أعلم.

4:34Page 84

ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا ٣٤

Men are in charge of women1 by [right of] what Allāh has given one over the other and what they spend [for maintenance] from their wealth. So righteous women are devoutly obedient, guarding in [the husband's] absence what Allāh would have them guard.2 But those [wives] from whom you fear arrogance3 - [first] advise them; [then if they persist], forsake them in bed; and [finally], strike them [lightly].4 But if they obey you [once more], seek no means against them. Indeed, Allāh is ever Exalted and Grand.

٣٤ - أسباب نزول الآية:أخرج ابن مردويه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أتى رسول الله ﷺ رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت: يا رسول الله، إنه ضربني، فأثَّر في وجهي، فقال رسول الله ﷺ: «ليس له ذلك»، وفي رواية أنه قال: «القصاص»، فأنزل الله:﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ﴾ عناية و رعاية ، قيام الولاة المصلحين على الرعية، بإلزامهن بحقوق الله تعالى، من امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وعليهن إطاعتهم فيما يأمرونهن به من المعروف، في غير معصية الله.جمع قوَّام: و هو القائم بالمصالح و التدبير و التأديب و الإرعاء والعناية، فالرجال أهل قيام على نسائهم رعاية و عناية. ﴿بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾ أي: إنما استحق الرجال القوامة على النساء، بسبب تفضيل الله لهم عليهن، من كون النبوة والرسالة مختصة بالرجال دون النساء، وكذلك الولايات والقضاء، لما رواه البخاري من قوله ﷺ: «لن يُفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة».واختصاصهم بكثير من العبادات، كالجهاد والأعياد، والجمع، وبما خصهم الله به من البسطة في العلم والجسم، والحكمة، والحزم والعزم، وحسن التدبير، والنظر في عواقب الأمور، وغير ذلك ﴿وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ﴾ أي: وبما خصهم الله به من الإنفاق عليهن من أموالهم وكفاية مؤونتهن في المأكل، والمشرب، والمسكن ، والكسوة ، وسوْق مهورهن. وحذف المفعول ، ليدل على عموم النفقة التي أوجبها الله عليهم لهن في كتابه وسنة نبيه.﴿فَٱلصَّٰلِحَٰتُ﴾ من النساء، المستقيمات العاملات بالخير ﴿قَٰنِتَٰتٌ﴾ أي: مطيعات لله ولأزواجهن، قائمات بما يجب عليهن من حقوق الله وحقوق أزواجهن. ﴿حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ﴾ أي: صائنات يحفظن في غيبة أزواجهن ما يجب حفظه في النفس والعرض والمال. أو :حافظات لأسرار أزواجهن، وهي ما يقع بينهم وبينهن في الخلوة. أو: حافظات لحقوق أزواجهن في حضوره وغيابه. ف «اللاّم» بمعنى: في، والغيب بمعنى: الغيبة. ﴿بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ﴾ أي: بحفظ الله لهن، وتوفيقه وتسديده، أو بما حفظ الله لهن من حقوقهن على أزواجهن، والمحفوظ من حفظه الله. [وفي قراءة: (بما حفظ اللهَ) بنصب لفظ الجلالة].وفي الحديث الصحيح: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة، إن نظر إليها سرّته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها و ماله». وعند أحمد من حديث عبد الرحمن بن عوف: «إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت». ﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أي: عصيانهن لكم وسوء عشرتهن، وترفعهن عن مطاوعتكم، بالقول والفعل، و استعلاءهن عما أوجب الله عليهن لأزواجهن من حق و طاعة، وذلك بظهور أماراته وعلاماته. يقال: نشزت المرأة تنشُز وتنشِز، إذا عصت زوجها وامتنعت عليه.والنشوز: العصيان، وأصله: الارتفاع، والمرأة الناشز: المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المعرضة عنه، المبغضة له ، المانعة نفسها عنه بلا عذر، الخارجة من بيته بغير إذنه، ونحو ذلك. ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ بالقول أي: ذكروهن بما أوجبه الله عليهن لأزواجهن من الطاعة في المعروف، وحسن العشرة، ورغبوهن في طاعة الله ومُروهُن بتقوى الله، ورهبوهن معصيته ومخالفة أمره. أي: رغبوهن في الثواب، ورهبوهن من العقاب في الآخرة ﴿وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ﴾ أي: تباعدوا عن مضاجعتهن وأعرضوا عن مجامعتهن، بما يحصل به علاج نشوزهن. وقيل: هو أن يولِّيها ظهره في الفراش عند الاضطجاع. وفي «المسند» و «السُّنن» عن معاوية بن حيدة قال: يا رسول الله، ما حق امرأة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تُقبِّح، ولا تهجر إلا في البيت». ﴿وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ﴾ ضرباً غير مُبرِّح، ضرب تأديب وإصلاح وهو الذي لا يتبيّن أثره، وهذا إن لم يرتدعن بالموعظة الحسنة، ولا بالهجر في الفراش، لما ثبت في « صحيح مسلم» عن جابر عن النبي ﷺ، أنه قال في حجة الوداع: «واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان- أي: أسيرات، شبههن بذلك شفقة ورحمة- ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن، فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف» الحديث.وقوله: «ضرباً غير مبرح» قال الحسن البصري: أي غير مؤثر. وفي الحديث عند أبي داود والنسائي وابن ماجه: أن رسول الله ﷺ لما رخَّص في ضرب النساء، لما ذئرن على أزواجهن، أطاف بآله ﷺ نساء كثير يشتكين أزواجهن، فقال رسول الله ﷺ: «لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين أزواجهن، ليس أولئك بخياركم». ﴿فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ﴾ في الله وفيما يجب لكم عليهن من الحقوق والواجبات بالمعروف، وتركن النشوز ﴿فَلَا تَبۡغُواْ﴾ أي: فلا تطلبوا ﴿عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ﴾ أي: تعِلَّة وطريقاً إلى توبيخهن وهجرانهن وضربهن، بعد طاعتهن لكم في المعروف، فلا تكلفوهن ما ليس في وسعهن وقدرتهن في القول والفعل. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا﴾ له العلوُّ المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات: عُلو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر، وعُلو القدرة ، و عُلو الصفات ﴿كَبِيرٗا﴾ أي: كبير الذات والصفات، فلا أكبر و لا أجل ولا أعظم منه سبحانه وتعالى. فاذكروا قدرة الله عليكم، فإنها فوق كل قدرة. وفي الآية: تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله وليهن، وهو منتقم لهن ممن ظلمهن وبغى عليهن.

4:35Page 84

وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا ٣٥

And if you fear dissension between the two, send an arbitrator from his people and an arbitrator from her people. If they both desire reconciliation, Allāh will cause it between them. Indeed, Allāh is ever Knowing and Aware.

٣٥ - ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا﴾ أي: وإن علمتم، أو ظننتم خلافاً ومباعدة ومجانبة بين الزوجين ومشاقَّة كل واحد منهما صاحبه- و هو إتيانه ما يشق عليه- حتى لكأن كل واحد منهما في شق وجانب. والإضافة في قوله: (شقاق بينهما) على التوسع في اللغة، لأن الأصل: «شقاقاً بينهما»، فأضيف المصدر إلى ظرفه، مثل: «مكر الليل» أي: «مكر في الليل». ﴿فَٱبۡعَثُواْ﴾ إلى الزوجين ﴿حَكَمٗا﴾ يحكم بينهما، وينظر في أمرهما، ممن يصلح لذلك عقلاً، وديناً، وإنصافاً، وعدلاً وصلاحاً ﴿مِّنۡ أَهۡلِهِۦ﴾ أي: من أقاربه ﴿وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ﴾ أي: من أقاربها. وقد نصَّ الله على كون الحكمين من أهل الزوجين، لأنهما أعرف بأحوالهما، وأحفظ لخاصة أسرارهما، وأحرص على الصلح بينهما واستقامة حالهما. فيحكمان بينهما بما يريانه مصلحة لهما من الجمع أو التفريق:فإذا تبين المسيء منهما، فإن الحكمين يأخذان لصاحبه الحق منه،وإن لم يتبين المسيء منهما، وأشكل أمرهما، فإن الحكمين يسعيان لإصلاح ذات البَيْن جهدهما، فإن قدرا على ذلك، عَمِلا عليه بفرض نفقة قليلة أو كثيرة، أو تلافي قصور ما، أو حجب النفقة أو نحو ذلك. فإن أعياهما إصلاح حالهما ورأيا التفريق بينهما، جاز لهما ذلك. وقيل: يرفعان الأمر إلى القاضي ولا يتم التفريق إلا بحكمه.﴿إِن يُرِيدَآ﴾ أي: الحكمان. وقيل: الزوجان ﴿إِصۡلَٰحٗا﴾ بين الزوجين بصدق نيتهما في ذلك وإخلاص نصحهما لهما جميعاً. ﴿يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ﴾ أي: بين الزوجين، ويؤلف بينهما على الألفة والمودة وحسن العشرة، ويقدِّر لهما الخير من إصلاح وتوفيق، أو فراق وتطليق.و قيل:هما الحكمان يوفقهما الله للتوفيق بين الزوجين وإصلاح ذات البَيْن. وإذا اختلف الحكمان في الجمع أو التفريق لم ينفذ حكمهما. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بكل شيء ﴿خَبِيرٗا﴾ بجميع الظواهر والبواطن، مطلعاً على النوايا والسرائر. فائدة فقهيةواختُلف في الحكمين: هل لهما الجمع والتفرقة، أم الجمع دون التفرقة؟ على قولين: الأول: فذهب الجمهور: إلى أن الحكَمَين لهما الجمع والتفرقة، وحكمهما نافذ فيهما. قال إبراهيم النخعي: إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو طلقتين أو ثلاث، فَعَلا، وهو رواية عن مالك. وقد نقل ابن كثير عن ابن عبد البر: أن الإجماع منعقد على نفاذ قولهما في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان. واختلف في نفاذه في التفرقة والجمهور : على نفاذه فيها -أيضاً-من غير توكيل. الثاني: وذهب الحسن البصري وقتادة، وزيد بن أسلم، ومرويّ عن أحمد بن حنبل وأبي ثور وداود الظاهري: إلى أن الحكمين يحكمان في الجمع لا في التفرقة. واستدلوا بقوله تعالى: ( إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما ) قالوا: ذكر الإصلاح- أي: الجمع- ولم يذكر التفريق. قلت : والقول الأول أظهر حجة عندي.و الله تعالى أعلم. إذا كان الحكمان موكّلين من جهة الزوجين، فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة، بلا خلاف. وأما اشتراط التوكيل: فعند الأحناف والشافعية: يشترط التوكيل، لأن مهمة الحكمين عندهم مُنحصرة في الإصلاح، وليس لهما أن يفرقا بين الزوجين إلا بتفويض منهما. وأما عند المالكية: فيمنح الحكمان حق الحكم بالتفريق، دون اشتراط توكيل الزوجين لهما. واختلف في الحكمين: هل هما منصوبان من جهة الحاكم فيحكمان وإن لم يرض الزوجان؟ أو هما وكيلان من جهة الزوجين؟ على قولين- أيضاً-: الأول: فذهب الجمهور: إلى أنهما منصوبان من جهة الحاكم- أي: القاضي- فيحكمان وإن لم يرض الزوجان لقوله تعالى: (فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها)، فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهو ظاهر الآية، وعليه أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي في «الجديد». الثاني: وذهب البعض: إلى أن الحكمين وكيلان من جهة الزوجين، واستدلوا بما رواه ابن أبي حاتم: أن علياً رضي الله عنه جاءته امرأة وزوجها، فقال عليٌّ للحكمين: إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، فقالت المرأة: رضيت بكتاب الله لي وعَليَّ، وقال الزوج: أما الفرقة فلا. فقال علي رضي الله عنه : كذبت حتى تقرَّ بما أقرَّت- أي: حتى ترضى بكتاب الله لك وعليك- قالوا: فلو كانا حكمين لما احتاج إلى إقرار الزوج. قلت : والقول الأول أظهر. والله تعالى أعلم.

4:36Page 84

۞ وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا ٣٦

Worship Allāh and associate nothing with Him, and to parents do good, and to relatives, orphans, the needy, the near neighbor, the neighbor farther away, the companion at your side,1 the traveler, and those whom your right hands possess. Indeed, Allāh does not like those who are self-deluding and boastful,

٣٦ - ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّه﴾ وحده لا شريك له مخلصين له الدين كله. ويدخل في عبوديته: امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، مع المحبة والإخلاص له، في العبادات الظاهرة منها والباطنة، القولية منها والفعلية، و الخضوع له وحده والخشية منه. ﴿وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ﴾ من مخلوقاته، أياً كانت طبيعته أو صفته، لكونهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، حتى يكون العمل كله لله. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ بن جبل: «أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم قال: أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ أن لا يعذبهم». ﴿وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا﴾ أي: وأحسنوا إليهما قولاً وفعلاً، ببرِّهما ولين الجانب لهما، وطاعة أمرهما في المعروف، في غير معصية الله، والإنفاق عليهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما. وكثيراً ما يقرن الله بين عبادته والإحسان إلى الوالدين كقوله: (أن اشكر لي ولوالديك)لقمان(١٤)، و قوله : (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً )الإسراء(٢٣). ﴿وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ أي: وأحسنوا إلى جميع القرابات أيضاً من الرجال والنساء، قولاً وفعلاً، بالإنفاق عليهم، والإحسان إليهم، وصلة الرحم. وفي الحديث عند النسائي، عن سلمان بن عامر: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم صدقة وصلة». ﴿وَٱلۡيَتَٰمَىٰ﴾ الذين فقدوا آباءهم صغاراً- سواء كانوا أقارب، أو غير ذلك- فأحسنوا إليهم، بكفالتهم، و الحنُوِّ عليهم، وبرِّهم قولاً وفعلاً، ورعاية مصالحهم في دينهم ودنياهم.﴿وَٱلۡمَسَٰكِينِ﴾ الذين أسكنتهم الحاجة والفقر، ولا يجدون من يقوم بكفايتهم، فأحسنوا إليهم ، بسدِّ خُلَّتهم، ودفع فاقتهم، والقيام بمساعدتهم ومعونتهم، بما يسدُّ كفايتهم، وتزول به ضرورتهم. ﴿وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ أي: القريب منك في الجوار أو في النسب. فإن كان له مع الجوار في الدار قرب النسب، فله حقان. وقيل: هو الجار المسلم. ﴿وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ﴾ أي: البعيد عنك في الجوار أو في النسب.و الجُنُب : من الجنابة، ضد القرابة. يقال: اجتنب فلان فلاناً، إذا بعُد عنه. والجنب يستوي فيه المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث. ويقابله: الجار ذو القربى، أي: القريب سكنًا أو نسبًا. وقيل: هو الجار اليهودي أو النصراني. وكلما كان الجار أقرب باباً، كان آكد حقاً. فينبغي للجار أن يتعاهد جاره بالهدية والصدقة، والدعوة الطيبة، واللطف في الأقوال والأفعال، وعدم الأذية في القول أو الفعل. ففي الصحيحين عن عبد الله ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورِّثه». وعند أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره». وفي الحديث الصحيح عند أهل السنن : «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُؤْذ جاره». وروى البزار عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ قال: «الجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو أدنى الجيران حقاً، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقاً. فأما الجار الذي له حق واحد: فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار، وأما الجار الذي له حقان: فجار مسلم له حق الإسلام وحق الجوار،وأما الذي له ثلاثة حقوق: فجار مسلم ذو رحم، له حق الإسلام، وحق الجوار، وحق الرحم». وعند أحمد والبخاري عن عائشة، أنها سألت رسول الله ﷺ فقالت: إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابًا». ﴿وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ﴾ أي: الرفيق في الحضر والسفر، والرفيق في أمر حسن، كتحصيل علم، أو تعلم صناعة، أو مباشرة تجارة، أو نحو ذلك، ويشمل الزوجة أيضاً. وعلى العموم فهو الصاحب مطلقاً الذي يكون في جنبك وجوارك ويصحبك في كل ذلك. والإحسان إليه: مساعدته ومعونته على أمور دينه ودنياه، والنصح له، والوفاء لصحبته في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، وأن يحب له ما يحب لنفسه، وكلما زادت الصحبة، زاد الحق وتأكد. ﴿وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: المسافر المجتاز بك، ماراً، سواء انقطع به السبيل- أي: الطريق- أو لم ينقطع. وقيل: هو الغريب الذي احتاج في بلد الغربة، أو لم يحتج. أو هو الضيف الذي يمر بك فتكرمه. وأياًّ كان فله حق المسلمين، لشدة حاجته، وكونه في غير وطنه، بتبليغه إلى مقصوده، وإكرامه، وتأنيسه.﴿وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ﴾ من الأرقاء أو المماليك، وهم العبيد والإماء، فقد أوصى بهم رسول الله ﷺ في مرض موته بقوله: «الصلاة، الصلاة وما ملكت أيمانكم». وفي الصحيحين من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «إخوانكم خَوَلُكم- أي: خدمكم- جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلِّفوهم ما يغلبهم، فإن كلَّفتموهم فأعينوهم». وعند مسلم في «صحيحه» من حديث أبي هريرة: «للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق». والإحسان إليهم يكون بكفايتهم، وعدم تحميلهم ما يشق عليهم وإعانتهم على عملهم، وتأديبهم لما فيه مصلحتهم. وقد يكون الإحسان إليهم بالعتق أو بالمكاتبة- و هو المساعدة على العتق بالمال-. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا﴾ أي: متكبراً على الناس تيهاً وزهواً ﴿فَخُورًا﴾ أي: معجباً بنفسه، مثنياً عليها، مادحاً لها، معدِّداً لمناقبها، متطاولاً بها على الناس. فالله لا يحب أهل الفخر والخيلاء. وفي الحديث عن أبي ذر ، مرفوعا: «إياك وإسبال الإزار، فإن إسبال الإزار من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة».

4:37Page 84

ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ وَيَكۡتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ٣٧

Who are stingy and enjoin upon [other] people stinginess and conceal what Allāh has given them of His bounty - and We have prepared for the disbelievers a humiliating punishment -

٣٧ - ﴿ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ﴾ بما أوجب الله عليهم وأمرهم به من الحقوق، وأداء الواجبات، كالبخل بالإنفاق في سبيل الله أو في وجوه الخير من برِّ الوالدين والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين ونحوهم.﴿وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ﴾ في القول والعمل وينهونهم عن الإحسان، كأنهم يجدون في صدورهم من جود غيرهم حرجاً وغضاضة.[وفي قراءة: بفتح الباء والخاء: (بالبَخَل)]. وفي الحديث: «إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا». ﴿وَيَكۡتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ﴾ من العلم، فيظهرون لهم من الباطل، ما يحول بينهم وبين الحق، فجمعوا بين البخل بالمال والإحسان، والبخل بالعلم والنصيحة. وقيل: يتظاهرون بالفقر والمسكنة، لئلا يطلع إليهم أهل الحاجة فينتفعون منهم. ﴿وَأَعۡتَدۡنَا﴾ أي: هيأنا وأعددنا ﴿لِلۡكَٰفِرِينَ﴾ بأنعم الله، من فضل علم أو مال بالبخل والإخفاء ﴿عَذَابٗا مُّهِينٗا﴾ أي: ذا إهانة وخزي. وفي الحديث: «إن الله إذا أنعم نعمة على عبد ، أحب أن يظهر أثرها عليه».رواه البيهقي من حديث عمران بن حصين. وقد أخرج ابن جرير بسنده عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في اليهود، كانوا يقولون للأنصار: «لا تنفقوا أموالكم على محمد، فإنا نخشى عليكم الفقر في ذهابها، ولا تسارعوا في النفقة، فإنكم لا تدرون ما يكون». وكانوا أيضاً يكتمون ما علموه من صدق النبي ﷺ، ولا يقولون الحق وهم يعلمونه.

4:38Page 85

وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا فَسَآءَ قَرِينٗا ٣٨

And [also] those who spend of their wealth to be seen by the people and believe not in Allāh nor in the Last Day. And he to whom Satan is a companion - then evil is he as a companion.

٣٨ - ﴿وَٱلَّذِينَ﴾ عطف على «الذين» قبله ﴿يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ﴾ [وفي قراءة: بالياء بدلا من الهمزة: (رياء الناس)] قاصدين بإنفاقها الرياء، والسمعة والمدح بالكرم، لا يريدون بذلك وجه الله تعالى. والرياء: هو الشرك الأصغر الذي يبطل ثواب العمل الصالح. ﴿وَلَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ﴾ فليس إنفاقهم صادراً عن إخلاص لله، وإيمان به، ورجاء لثوابه، إنما كان للناس والدنيا ﴿وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا﴾ أي: صاحباً وخليلاً يعمل بأمره، مؤثراً هواه على طاعة الله والإخلاص له ﴿فَسَآءَ﴾ أي: بئْس ﴿قَرِينٗا﴾ أي: مصاحباً ملازماً له في الدنيا والآخرة - فعيل بمعنى مفاعل، كخليط بمعنى مخالط- لأنه يورده موارد الهلاك ويسعى فيه أشد السعي، فيأمره بالفخر والخيلاء، والبخل بالحقوق والواجبات، والإنفاق والبذل رياء وسمعة، فيحرمه أجر الإنفاق في الحق، ويتلف له ماله وثوابه بإنفاقه في الباطل، فبئس الصاحب مثل هذا. وفي الحديث: «ثلاثة أول من تُسجر بهم النار يوم القيامة: العالم والغازي والمنفق» وفيه: «يقول صاحب المال ما تركت من شيء تحب أن يُنفق فيه إلا أنفقت في سبيلك، فيقول الله: كذبت، إنما أردت أن يقال: جواد، وقد قيل».و في الآية: دليل على وجوب الإخلاص لله في العمل، لما في الحديث القدسي عند مسلم، عن أبي هريرة مرفوعا:«قال الله تعالى:أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه» .

4:39Page 85

وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا ٣٩

And what [harm would come] upon them if they believed in Allāh and the Last Day and spent out of what Allāh provided for them? And Allāh is ever, about them, Knowing.

٣٩ - ﴿وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ﴾ أي: وأي ضرر عليهم؟ وأي حرج ومشقة تلحقهم؟ وماذا يضيرهم؟ والاستفهام للإنكار ﴿لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾ مخلصين له الدين حنفاء ﴿وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُۚ﴾ وأنعم عليهم في وجوه البر و الخير والإحسان، ابتغاء رضوانه وامتثالاً لأمره، عادلين عن الرياء والسمعة إلى الإخلاص والإيمان بالله. و«لو» مصدرية: أي: لا ضرر فيه، وإنما الضرر فيما هم عليه من البخل بالمال والعلم والبذل، رياء وسمعة. ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا﴾ أي: بنيَّاتهم وأحوالهم، فيجازيهم بما عملوا. كان ولا زال متصفاً بذلك.

4:40Page 85

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٤٠

Indeed, Allāh does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

٤٠ - ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ﴾ أحداً من خلقه شيئاً، ولو كان ﴿مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ﴾ أي: وزن ذرة أو مقدارها، بأن ينقصها من حسناته أو يزيدها في سيئاته. والذرَّة: واحدة الذرّ: وهي النملة الصغيرة التي لا تكاد ترى، أو هي جزء من أجزاء الهباء في الكوّة ونحوها. ومثقال الشيء: ميزانه من مثله،وجمعه: مثاقيل. وهو مثل ضربه الله لأقل الأشياء، فلا يبخس الله الناس من ثواب أعمالهم، ولا يزيد في عقاب ذنوبهم وزن ذرة فضلاً عما فوقها، فهو متصف بكل كمال، منزه عن كل نقص، ومثله قوله: (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ٧ ومن عمل مثقال ذرة شراً يره)الزلزلة(٧و٨). والظلم: النقص وتجاوز الحد. ﴿وَإِن تَكُ﴾ أي: الذرة ﴿حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا﴾ الله أضعافاً كثيرة، فضلاً منه و رحمة، ولا تضاعف السيِّئة.والحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعين ضعفاً، إلى أضعاف كثيرة لا يعلمها إلا الله.[و في قراءة: بالرفع:(حسنةٌ) . و في أخرى: (يُضعِّفْها)بالتشديد].﴿وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ﴾ أي: من عنده، مع مضاعفة الحسنة للمؤمنين ﴿أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ لا يقدره أحد، وهو الجنة. ومضاعفة الحسنات بحسب حالها ونفعها، وحال صاحبها، إخلاصاً ومحبة لله، وكمالاً. وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ- في حديث الشفاعة الطويل- وفيه: «فيقول الله عز وجل: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار، قال: فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقول أبو سعيد: اقرأوا إن شئتم: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة)». وعند مسلم في «صحيحه» من حديث أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: « إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يُثاب عليها الرزق في الدنيا، و يجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة». ورواه أحمد أيضاً.

4:41Page 85

فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and We bring you, [O Muḥammad], against these [people] as a witness?

٤١ - ﴿فَكَيۡفَ﴾ يكون الأمـر والحـال يوم القيامـة ﴿إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ﴾ يشهد عليها بعملها وبتصديقها أو تكذيبها، وهو: نبيُّها ﴿وَجِئۡنَا بِكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ﴾ الذين بلغتهم رسالة ربك ﴿شَهِيدٗا﴾ يوم القيامة. وهذا كقوله: (وجيء بالنبيين والشهداء)الزمر(٦٩)، وقوله: (ويوم نبعث في كل أمة شهيداً عليهم من أنفسهم)النحل(٨٩).والمعنى: كيف بكم إذا أقام الله يوم القيامة الحجة على عباده بشهادة الأنبياء، وشهادة محمد ﷺ؟ وفي الحديث عند البخاري والنسائي عن عبد الله بن مسعود، قال: «قال لي رسول الله ﷺ: اقرأ علي، فقلت: أقرأ عليك وعليك أُنزل؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) فقال: حسبك الآن، فإذا عيناه تذرفان».

4:42Page 85

يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا ٤٢

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allāh a [single] statement.

٤٢ - ﴿يَوۡمَئِذٖ﴾ أي: يوم القيامة، عند المجيء إلى الموقف الأعظم ﴿يَوَدُّ﴾ أي: يتمنى ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالله ورسوله ﴿وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ﴾ وخالفوا أمره ﴿لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ﴾ أي: لو سوّاهم الله والأرض، بأن انشقت و ابتلعتهم، فيدفنوا فيها، ويكونوا تراباً مثلها، أي: هم و الأرض سواء، فلا يبعثون، لما يرون من هول الموقف، ولما يحل بهم من الخزي والفضيحة على رؤوس الأشهاد. وهذا كقوله: (ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً)النبأ(٤٠). [وفي قراءة بفتح التاء: (تَسَوَّى) وبفتحها وتشديد السين: (تَسَّوَّى)، وأصلها تتسوى، وفيه إدغام التاء في الأصل في السين]. ﴿وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا﴾ مما عملوه في الدنيا، بل يعترفون بجميع ما عملوا، فأسرارهم معروضة عليه، وأحاديثهم فيما بينهم معروفة لديه، إذ تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. روى ابن جرير عن ابن عباس: أن رجلاً جاء يسأله عن قوله تعالى: (ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين )الأنعام(٢٣)، مع قوله: (ولا يكتمون الله حديثاً) وقد كتموا- أي: بقولهم: والله ربنا ما كنا مشركين- فقال ابن عباس: إنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام- وفي رواية: لا يدخل الجنة إلا أهل الإسلام- ويغفر الذنوب، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا يغفر شركاً، جحد المشركون، فقالوا: (والله ربنا ما كنا مشركين) رجاء أن يغفر لهم، فيختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك (يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً ).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском