Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:43–53
4:43Page 85
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ٤٣
O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying1 or in a state of janābah,2 except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women [i.e., had sexual intercourse] and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allāh is ever Pardoning3 and Forgiving.
٤٣ - سبب نزول الآية :روى الحاكم وصححه- و وافقه الذهبي- عن علي قال: «دعانا رجل من الأنصار، قبل تحريم الخمر، فحضرت صلاة المغرب، فتقدم رجل فقرأ: (قل يا أيها الكافرون) فالتبس عليه، فأنزل الله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)». وروى نحوه الترمذي وأبو داود، وابن أبي حاتم. ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ﴾ أي: لا تصلوا حال السكر، أو لا تقربوا المساجد وأنتم على تلك الحال من السكر. والمراد بالصلاة هنا: إما الهيئة المخصوصة، وإما مواضعها: وهي المساجد. وسكارى: جمع سكران. ﴿حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ أي: حتى يزول عنكم أثر السكر، وتكونوا في حالة من يعلم ما يقول، فإن السكران لا يدري ما يقول، فلا تجوز له صلاة، ولا عبادة، لاختلاط عقله، وعدم علمه وتدبره بما يقول، إذ الفهم شرط التكليف، كما تقرر في الأصول . وفي حديث تحريم الخمر: ما يدل على أن الله تدرَّج في حكم تحريمها على ثلاث مراحل: فقد نزل قوله تعالى: (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس )البقرة(٢١٩)، فلما تلاها رسول الله ﷺ على عمر، قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فلما نزل قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) وتلاها عليه، قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة، وكان منادي رسول الله ﷺ إذا قامت الصلاة ينادي: أن لا يقربن الصلاة سكران، حتى نزل قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) إلى قوله تعالى: (فهل أنتم منتهون)المائدة: (٩١،٩٠) فقال عمر: انتهينا انتهينا. ويؤخذ من معنى الآية: النهي عن الدخول في الصلاة في حال النعاس المفرط، الذي لا يشعر صاحبه بما يقول ويفعل. وفي الحديث عند أحمد والبخاري عن أنس، قال رسول الله ﷺ: «إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فلينصرف ولينم، حتى يعلم ما يقول». وفي بعض ألفاظه: «فلعله يذهب يستغفر، فيسبُّ نفسه».وفيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل يشغل فكره، كمدافعة الأخبثين، والتوْق إلى الطعام، ونحو ذلك. ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ أي: ولا تقربوا الصلاة حال كونكم جنباً بجماع، أو إيلاج، أو إنزال باحتلام أو غيره وهو الحدث الأكبر الموجـب للغسـل ﴿إِلَّا عَابِرِي﴾ أي: مجتـازي ﴿سَبِيلٍ﴾ أي: طريق ﴿حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ﴾ غسل الجنابة. والمعنى: ولا تصلوا وأنتم في حالة الجنابة، حتى تغتسلوا غسل الجنابة، إلا أن تكونوا مسافرين ولم تجدوا ماءً فتيمموا للصلاة وصلوا. أو: ولا تقربوا المساجد حال كونكم جنباً، إلا أن تكونوا مجتازي المسجد من باب أو جانب إلى آخر من غير مكث فيه، حتى تغتسلوا. والجُنُب: من أصابته الجنابة أو الحدث الأكبر، وهي أثر كل جماع، أو إيلاج، أو إنزال باحتلام أو غيره.ويستوي فيه الواحد و الجمع، والمذكر و المؤنث. وعابر السبيل: مجتاز الطريق مراً و قطعاً، وهو المسافر، أو من يعبر الطريق من جانب إلى جانب. يقال: عبرت بهذا الطريق، فأنا أعبره عبْراً وعُبوراً، ومنه: عَبَر فلان النهر: إذاً قطعه وجاوزه، ومنه قيل للناقة القوية على الأسفار: عبر الأسفار، لقوتها على قطع الأسفار.فائدة فقهيةقوله تعالى: (ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) اختُلف في تفسيره على قولين: الأول: قال ابن عباس: لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل- أي: مجتازي طريق- قال: تمر به مرًّا ولا تجلس. وقد روي أن رجالاً من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تُصيبُهم الجنابة، ولا ماء عندهم، فيردون الماء، ولا يجدون ممراً إلا في المسجد، فأنزل الله: (ولا جنباً إلا عابري سبيل). الثاني: وعن علي قال: لا يقرب الصلاة إلا أن يكون مسافراً تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي حتى يجد الماء. ويشهد له: ما رواه أحمد وأهل السنن عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم تجد الماء عشر حجج، فإذا وجدت الماء فأمسَّه بشرتك، فإن ذلك خير لك». و الجمهور : على أن القول الأول: أظهر- وهو جواز المرور للجنب في المسجد دون المكث فيه- لما سيأتي بيانه من حكم المسافر، إذا عدم الماء وهو جنب، وهو ظاهر الآية. قال ابن كثير: فكأنه تعالى نهى عن تعاطي الصلاة على هيئة ناقصة تنافي مقصودها، وعن الدخول إلى محلها على هيئة ناقصة، وهي الجنابة المباعدة للصلاة ولمحلها أيضاً.قلت: و عندي أن القول الثاني أظهر، لأن المراد بقوله:(ولا جنبا): النهي عن الصلاة حال الجنابة، لا عن قربان محالِّها و مواضعها، فإن لفظ «الصلاة» حقيقة في هيئتها، مجاز في مواضعها. و الله تعالى أعلم.واختلف في جواز المرور للجُنُب وعدمه، على أقوال ثلاثة: الأول: فذهب الجمهور: إلى أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد ويجوز له المرور فيه - وكذا الحائض والنفساء أيضاً فإنهما في معناه- لما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «ناوليني الخُمْرَة - الفراش الذي يُسجد عليه- من المسجد» فقلت: إني حائض، فقال: «إن حيضتك ليست في يدك». ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها، دون مكث فيه . الثاني: وذهب البعض: إلى أنه يحرُم المرور في المسجد على الجنب- والحائض والنفساء كذلك، لاحتمال التلويث- واستدلوا بما رواه أبو داود عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إني لا أُحلّ المسجد لحائض ولا لجنب». قال الخطابي: ضعَّف هذا الحديث جماعة من العلماء. وقد رواه ابن ماجه أيضا عن أم سلمة. قلت: والحديث ضعيف عندي، فلا ينتهض للدلالة. الثالث: وذهب آخرون: إلى القول بأنه إن أمنت كل واحدة من الحائض والنفساء التلويث في حال المرور، جاز لها المرور في المسجد وإلا فلا. قلت: و القول بجواز المكث في المسجد للجنب و الحائض والنفساء أولى عندي ، لعدم انتهاض دليل صحيح صريح على التحريم. والله تعالى أعلم. قوله: (حتى تغتسلوا): اختلف فيه على قولين: الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك، والشافعي: إلى أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم- إن عدم الماء، أو لم يقدر على استعماله بطريقة أو بأخرى- واستدلوا بهذه الآية، فجعلوا الغسل أو ما يقوم مقامه عند عدم الماء- وهو التيمم- غاية المنع من قربان الصلاة، أو المكث في المسجد. الثاني: وذهب أحمد: إلى أنه متى توضأ الجنب- أي: دون غسْل- جاز له المكث في المسجد، لما روى سعيد بن منصور في «سننه» عن عطاء بن يسار قال: «رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضئوا وضوء الصلاة». وإسناده صحيح على شرط مسلم. قلت: و هو عندي أظهر دلالة، لعدم التسليم بأن الغسل غاية للمنع من المكث في المسجد ، بل من قربان الصلاة.و الله تعالى أعلم.ثم بيّن الأعذار المبيحة للتيمم وكيفيته بقوله: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ﴾ على معنيين: مرضاً مبيحاً للتيمم: وهو الذي يُخشى معه من استعمال الماء- التلف في النفس، أو الضرر في الحال أو المآل، أو زيادة المرض، أو إرجاء البرء.أو : مرضاً مجرداً مطلقاً: وهو عموم المرض- لعموم الآية- مع وجود الماء وعدمه. فالعلة في إباحة التيمم إذن هو عموم المرض، لا خصوصه، كالضعيف في بدنه الذي لا يقدر على الوصول إلى موضع الماء، ويشق عليه ذلك. وعن مجاهد قال: نزلت في رجل من الأنصار، كان مريضاً، فلم يستطع أن يقوم فيتوضأ، ولم يكن له خادم يناوله فأتى النبي ﷺ، فذكر ذلك له، فأنزل الله الآية. ﴿أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين، وأنتم جنب، أو محدثون، وذكر السفر لأنه مظنّة فقد الماء. فإذا فقد المسافر الماء، ووجد ما يتعلق بحاجته، من شرب ونحوه، جاز له التيمم، والمراد بالسفر: مطلق السفر فلا يشترط فيه أن يكون سفر قصْر. ﴿أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ﴾ محدثاً الحدث الأصغر الموجب للوضوء- وهو التبول أو التغوط الخارج من أحد السبيلين- .والغائط: المكان المطمئن من الأرض، المعد لقضاء الحاجة، وكانوا يأتونه لذلك، وكني به عن الحدث. ﴿أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ﴾ أي: واقعتموهن كناية عن الجماع- وفيه النص على جواز التيمم للجنب عند عدم الماء، أو المشقة باستعماله، حضراً وسفراً- [ وفي قراءة: ( أو لمستم ) بدون ألف] أي: ماسستم بشرتهن ببشرتكم، بالتقبيل، والجسّ باليد، أو غيرها من البدن، بغرض التمتع وقضاء الشهوة والتلذذ- فيكون مقيَّداً بمظنة خروج المذي، المقتضي للوضوء، لا للغسل-. ﴿فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ﴾ تتطهرون به للصلاة، في الحضر والسفر، وذلك بعد طلبكم الماء عند دخول الوقت، أو كان استعمـاله لكـم، شاقـاً عليكم مضـراً بكـم ﴿فَتَيَمَّمُواْ﴾أي: اقصـدوا بعـد دخـول وقـت الصلاة ﴿صَعِيدٗا﴾ هو كل ما صعد على وجه الأرض، تراباً كان أو غيره، وسواءٌ كان له غبار، أم لا. والصعيد: وجه الأرض البارز، تراباً كان أو غيره، لأنه غاية ما يُصعد إليه من الأرض. وقيل: هو التراب. ﴿طَيِّبٗا﴾ أي: طاهراً ﴿فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ﴾ من ذلك الصعيد الطيب الطاهر بضربة واحدة مع مسح الوجه والكفين ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ أي: كثير العفو- وهو محو السيئة-﴿غَفُورًا﴾ أي: كثير المغفرة لعباده -وهو سترها- حيث شرع لكم التيمم، وأباح لكم فعل الصلاة به إذا فقدتم الماء، رخصة لكم، وتوسعة عليكم. وفي الآية: تنزيه الصلاة أن تفعل على هيئة ناقصة من سكر حتى يصحو المكلف، ويعقل ما يقول، أو جنابة حتى يغتسل، أو حدث حتى يتوضأ إلا أن يكون مريضاً أو عادماً للماء. وفيها الرخصة في التيمم بدل الماء عند عدمه مطلقاً في الحضر والسفر، أو عدم القدرة على استعماله بمرض ونحوه.و في الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ:«أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي» و ذكر منها: «وجُعلت لي الأرضُ مسجداً وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل» .و في رواية أخرى :«فعنده مسجده وطهوره».و روى البخاري في سبب نزول مشروعية التيمم-حديث عائشة في انقطاع عقد لها في بعض أسفار رسول اللهﷺ، فأقام رسول اللهﷺ و الناس على التماسه و ليسوا على ماء و ليس معهم ماء، فأنزل الله آية التيمم، فتيمموا. فائدة فقهيةقوله تعالى: (أو لامستم النساء) وفي قراءة: (أو لمستم)- بدون الألف- اختلف في معنى اللمس على قولين: الأول: اللمس والملامسة: كناية عن الجماع. وروي عن ابن عباس قوله: اللمس والمس والمباشرة: الجماع ولكن الله يكني ما شاء بما شاء. واستدلوا على ذلك: بقوله: (و إن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن)البقرة(٢٣٧)، وقوله: (إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن)الأحزاب(٤٩).وعليه: فإن كان المراد باللمس الجماع- وهو الظاهر- فهو موجب للغسل، وعدم الماء أو عدم القدرة على استعماله، موجب للتيمم. الثاني: اللمس لغة وشرعاً: الجس باليد، واستدلوا لذلك: بقوله تعالى: (ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس فلمسوه بأيديهم)الأنعام(٧) أي: جسوه. وقوله ﷺ لماعز حين أقرّ بالزنا -يُعرِّض له بالرجوع عن الإقرار-: «لعلك قبَّلت أو لمست». وقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «واليد زناها اللمس». و قول عائشة رضي الله عنها: «قَلَّ يوم إلا رسول الله ﷺ يطوف علينا، فيُقبِّل و يلمس». و ما ثبت في الصحيحين :«أنه نهى عن بيع الملامسة» وهو يرجع إلى الجس باليد. وروي عن ابن مسعود قوله: القبلة من المس، وفيه الوضوء. وروى الطبراني عنه قال: يتوضأ الرجل من المباشرة- أي: مسُّ البشرة البشرة- ومن اللمس بيده، ومن القبلة. و روى مالك في « الموطأ »، عن عبد الله بن عمر، عن أبيه، أنه كان يقول: قُبلة الرجل امرأتَه، وجسُّه بيده، من الملامسة، فمن قبَّل امرأته أو جسّّها بيده، فعليه الوضوء. وروى الدارقطني عنه نحوه. ولكن روي عنه من وجه آخر أنه كان يُقبِّل امرأته، ثم يصلي ولا يتوضأ. فيحمل قوله بالوضوء على الاستحباب.وعليه: فقد ذهب الشافعي ومالك والمشهور عن أحمد: إلى القول بوجوب الوضوء من المس- وهو الجس باليد-. الترجيح في المسألة: قال ابن جرير: وأولى القولين بالصواب: قول من قال: إن اللمس كناية عن الجماع لصحة الخبر عن رسول الله ﷺ بذلك ومنه: ما ثبت في الصحيح: «أنه قَبَّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ».و قول عائشة: «كان رسول الله ﷺ يتوضأ ثم يُقبِّل، ثم يصلي ولا يتوضأ». و حديث عائشة: «أن رسول الله ﷺ قبَّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه. .و حديث أم سلمة: «أن رسول الله ﷺ كان يُقبِّلها وهو صائم ثم لا يفطر ولا يُحدث وضوءاً». قلت: وهو المترجح عندي، فقراءة اللمس هنا محمولة على قراءة الملامسة، والمراد بها: الجماع ، لا الجس باليد.و الله تعالى أعلم. قوله: (فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً): استدل كثير من الفقهاء- من هذه الآية- أنه لا يجوز التيمم لعادم الماء إلا بعد طلب الماء، فمتى طلبه فلم يجده، جاز له التيمم. واستدلوا بما رواه أحمد في «مسنده» من حديث عمران بن حصين: «أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك أن تصلي مع القوم، ألست بمسلم؟ قال: بلى، ولكن أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد الطيب فإنه يكفيك». والتيمم لغة: القصد، وشرعاً: مسح الوجه واليدين بالصعيد، وهي العبادة التي تقوم مقام الوضوء والغسل عند عدم الماء، أو عدم القدرة على استعماله. واختلف في الصعيد على ثلاثة أقوال: الأول: فذهب مالك: إلى أن الصعيد: هو كل ما صعد على وجه الأرض، فيدخل فيه التراب والرمل، والشجر والنبات.الثاني: وذهب أبو حنيفة: إلى أن الصعيد ما كان من جنس التراب، كالرمل، والزرنيخ، والنُّورة. الثالث: و ذهب الشافعي وأحمد: إلى أن الصعيد: هو التراب فقط، واحتجوا: بقوله تعالى: (فتصبح صعيداً زلقاً)الكهف(٤٠). أي: تراباً أملساً. وبما ثبت في «صحيح مسلم» من حديث حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ: «فُضّلنا على الناس بثلاث: جُعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجُعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجُعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء».قالوا: فخصَّص الطهورية بالتراب في مقام الامتنان، فلو كان غيره يقوم مقامه لذكره معه. قلت: والراجح عندي ما ذهب إليه مالك، لما ثبت في الصحيح: من أنه ﷺ تيمّم فمسح على حائط. قوله: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم): فالتيمم بدل عن الوضوء- والغسل- في التطهير به، وليس بدلاً منه في جميع أعضائه. بل يكفي مسح الوجه واليدين فقط بالإجماع. ولكن اختلف في كيفية التيمم على أقوال ثلاثة: الأول: فذهب الشافعي في «الجديد»: إلى أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى المرفقين بضربتين. واستدل: بأن لفظ اليدين يصدق إطلاقها: أ - على ما يبلغ المنكبين. ب - وعلى ما يبلغ المرفقين- كما في آية الوضوء في المائدة- (وأيديكم إلى المرافق)المائدة(٦).ج - وعلى ما يبلغ الكفين كما في آية السرقة: (فاقطعوا أيديهما)المائدة(٣٨). قال: و حَمْلُ ما أُطلق هنا- في قوله: (وأيديكم)- على ما قُيّد في آية الوضوء أوْلى، لجامع الطهورية. وبما روى أحمد والدارقطني عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين». الثاني: وذهب الشافعي في «القديم»: إلى أنه يجب مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربتين. الثالث: وذهب أحمد: إلى أنه يكفي مسح الوجه واليدين إلى الكفين بضربة واحدة، لما روي: «أن رجلا أتى عمر، فقال: إني أجنبت، فلم أجد ماء، فقال عمر: لا تُصَلِّ، قال عمار بن ياسر: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية، فأجنبنا فلم نجد ماء، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمَعَّكت- وفي رواية: فتمرَّغت- في التراب، فصليت، فلما أتينا النبي ﷺ، ذكرت ذلك له، فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا، وضرب النبي ﷺ بيده الأرض، ثم نفخ فيها، ومسح بها وجهه وكفيه». رواه أحمد والنسائي.قلت: و هو الراجح دليلا عندي، لأن عمارا كان يُفتي به في زمن الصحابة. وأما قوله في المائدة: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه)المائدة(٦) فقد استدل به الشافعي على أنه لا بُدّ في التيمم أن يكون بتراب طاهر له غبار يعلق بالوجه واليدين منه شيء.قلت: و لا دليل عليه من المرفوع إليه ﷺ .
4:44Page 85
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ٤٤
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?
٤٤ - ﴿أَلَمۡ تَرَ﴾ أي: ألم ينته علمك يا محمد ﴿إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا﴾ أي:أعطوا حظاً ﴿مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: من علم التوراة وهـم: اليهـود، والمراد بهـم: يهود المدينـة ﴿يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ﴾ بالهدى، والكفر بالإيمان، والشقاء بالسعادة، فيُعرضون عما أنزل الله على رسوله، ويتركون ما بأيديهم من العلم في صفة محمد ﷺ ونعته، ليشتروا به ثمناً قليلاً من حطام الدنيا ومتاعها. ﴿وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ﴾ أي: ويودون- مع ضلالهم- أن يتوصلوا بكتمهم الحق، وجحدهم له، ومكرهم، وحرصهم على إضلالكم وبذلهم الجهد في ذلك إلى أن تخطئوا- أيها المسلمون- الطريق الحق، لتكونوا مثلهم.
4:45Page 86
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا ٤٥
And Allāh is most knowing of your enemies; and sufficient is Allāh as an ally, and sufficient is Allāh as a helper.
٤٥ - ﴿وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ﴾ منكم- أيها المسلمون- وبما يريدونه بكم من الضلال والإضلال، فيخبركم بهم ويُحذِّرُكم منهم، لتجتنبوهم، وتتقوا غوائلهم. ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا﴾ لمن تولاه، حافظاً لكم منهم، يتولى أموركم وييسر أحوالكم. ﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا﴾ لمن استنصره، مانعاً لكم من كيدهم، ينصركم ويعينكم عليهم. فاكتفوا بولايته ونصره، ولا تتولوا غيره، أو تستنصروه دونه.
4:46Page 86
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ٤٦
Among the Jews are those who distort words from their [proper] places [i.e., usages] and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Rāʿinā,"1 twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allāh has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.2
٤٦ - ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ﴾ أي: من اليهود قومٌ. ف «من» هنا لبيان الجنس، كقوله: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)الحج(٣٠). ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾ أي: يُميلونه، و يُزيلونه و يُغيِّرونه عن مواضعه التي وُضع عليها، وأرادها الله، ويجعلون مكانه غيره، إما بتغيير اللفظ، أو المعنى، أو هما جميعاً. أو: بصرف اللفظ عن المعنى الحق إلى الباطل. أو: يتأولونه على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله عز وجل، قصداً منهم، واتباعا لأهوائهم، وافتراء على الله. وهذا حالهم مع العلم. والتحريف: التغيير، ومنه قولهم: طاعونٌ يُحرِّف القلوب، أي: يميلها ويجعلها على حرف، أي: جانب وطرف، وأصله من الحرْف، يُقال: حرف الشيء عن وجهه، إذا صرفه عنه. والكلم: هو ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد ﷺ ونعته، ولزوم اتباعه. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ للنبي محمد ﷺ، إذا أمر بشيء ﴿سَمِعۡنَا﴾ قولك ﴿وَعَصَيۡنَا﴾ أمرك. وهذا حالهم مع العمل والانقياد، غاية في الكفر والعناد. ﴿وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ﴾ هي كلمة ذات وجهين، حالٌ، بمعنى الدعاء على النبي ﷺ، وتحتمل معنيين:الأول: اسمع! مدعُوًّا عليك بلا سمعت، أو غير مُسمَع كلاماً ترضاه. والثاني: اسمع منا غير مُستَمَع مكروهاً. وكان اليهود يخاطبون بها النبي ﷺ استهزاءً به، واستهتاراً بشأنه، مضمرين إرادة المعنى الأول، مظهرين له إرادة المعنى الثاني-قاتلهم الله أني يأفكون-. ﴿وَرَٰعِنَا﴾ أي: وكانوا يخاطبونه ﷺ بهذه الكلمة كذلك، وهي محتملة لمعنيين: الأول: راعنا سمعك، أي: راقبنا وانتظرنا نكلّمك.والثاني: السبُّ بالرعونة والحمق والطيش. أو تنقيصه ﷺ بإرادة: راعي غنمنا، مظهرين إرادة المعنى الأول، مضمرين له الثاني.وقد نهى الله المؤمنين عن خطابه ﷺ بها في قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا)البقرة(١٠٤). ﴿لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ﴾ أي: كانوا يخاطبونه- بما سبق من قولهم- فتْلاً بألسنتهم وانحرافا بها، بصرف الكلام عن جانب الخير إلى جانب الشر- كما كانوا يُحيُّونه تعريضاً، بقولهم: «السام عليك»، يعنون به الموت-وأصله: لوْياً، من لوى الشيء-كرمى- إذا فتله. وهو مفعول به، أو حال، أي: لاوين بألسنتهم، ﴿وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ﴾ أي: وقدْحاً في دين الإسلام استهزاء وسخرية وذماً، ثم أرشدهم إلى ما هو خيـر لهم مـن ذلك فقـال: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا﴾ قولك ﴿وَأَطَعۡنَا﴾ أمرك بدلاً من قولهم: «عصينا»، ﴿وَٱسۡمَعۡ﴾ ما نقول فقط، دون قولهم: «غير مسمع» ﴿وَٱنظُرۡنَا﴾ أي: راقبنا وانظر إلينا، أو انتظرنا نكلمك، بدلاً من قولهم: «و راعنا». ﴿لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ﴾ مما قالوه وعرَّضوا به ﴿وَأَقۡوَمَ﴾ أي: وأعدل وأصوب، وأسدّ وأليق، وأولى من قولهم الأول وتعريضهم. وذلك لما تضمنه الإرشاد الرباني، من حسن الخطاب والأدب اللائقين بمخاطبة النبي ﷺ، وحسن التلطف في طلب العلم منه، بسماع سؤالهم والاعتناء بأمرهم. ﴿وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ﴾ أي: طردهم وأبعدهم عن رحمته، لما لم يسلكوا المسلك الحسن مع الله ورسوله بكفرهم وعنادهم ﴿فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ أي: لا يؤمنون إيماناً نافعاً لهم في الدار الآخرة. أو: فلا يؤمن منهم إلا نفراً قليلاً. أو:لا يؤمنون إلا إيماناً جزئياً ببعض الكتب والرسل دون بعض، فلا إخلاص فيه.
4:47Page 86
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا ٤٧
O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Prophet Muḥammad (ﷺ)], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers.1 And ever is the matter [i.e., decree] of Allāh accomplished.
٤٧ - ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ﴾ من اليهود والنصارى ﴿ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا﴾ على محمد ﷺ من القرآن والوحي ﴿مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم﴾ أي: موافقاً لما معكم من كتب الله المنزلة قبله، كالتوراة والإنجيل، فإن كتب الله يصدِّق بعضها بعضاً. وفي الآية: حث لهم على الإيمان بالله ورسوله، ومتابعته على دينه، لأنهم أهل كتاب وعلم، وفيه إنذار ووعيد لهم على عدم الإيمان لعلمهم الحق وعملهم بنقيضه. ولذا تهددهم وتوعدهم بقوله: ﴿مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا﴾ أي: نمحو ما فيها من معالم الأنف والفم والعين والحاجب ﴿فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ﴾ بعد الطمس، بأن نجعل وجوههم في ناحية أقفيتهم، أي: نقلبها وجهاً لقفا- وهو الطمس و الردُّ الحسي- فنرد الوجوه إلى موضع القفا.وأصل الطمس: الصرف، والإفساد والتحويل. وهو مثل سوء ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق، وردهم إلى الباطل، ورجوعهم على أعقابهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلال والهلاك. فكان جزاءهم من جنس عملهم، فكما تركوا الحق، وآثروا الباطل، وقلبوا الحقائق رأساً على عقب، فجعلوا الحق باطلاً، والباطل حقاً، جوزوا عدلاً من جنسه، بطمس وجوههم وردها على أدبارها. ونظيره قوله تعالى: (و جعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون )يس(٩). وعن مجاهد قال: المراد: طمس وجه القلب، أي: من قبل أن نطمس قلوباً عن صراط الحق، فنردها على أدبارها في الضلال. و هو الطمس أو الرد المعنوي. والأوّل أوْلى.﴿أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ﴾ بالطرد من رحمة الله، ومعاقبتهم بالمسخ قردة وخنازير﴿كَمَا لَعَنَّآ﴾ أي: كما طردنا من رحمتنا، ومسخنا ﴿أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ﴾ منهم، قردة وخنازير. وهم الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على اصطياد الحيتان، ف(قلنا لهم كونوا قردة خاسئين)الأعراف(١٦٦). وسيأتي ذكرهم في سورة الأعراف، إن شاء الله. ﴿وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ﴾ أي: قضاؤه و قدره ﴿مَفۡعُولًا﴾ نافذاً لا محالة، أي: لا رادّ له، فمتى أراد كان. وهذا كقوله: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)يس(٨٢).
4:48Page 86
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا ٤٨
Indeed, Allāh does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allāh has certainly fabricated a tremendous sin.
٤٨ - ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ﴾ أي: لا يغفر لعبد أشرك بالله وبعبادته أحداً من خلقه، ومات على شركه دون توبة إلى الله ورجعة عنه. والمراد بالشرك هنا: مطلق الكفر الشامل، فيدخل فيه كفر اليهود والنصارى وغيرهم من باب أوْلى، فالله لا يغفر لكافر، كفر بالله، ومات على كفره. ﴿وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ﴾ أي: ما سوى الشرك والكفر من الذنوب والمعاصي والآثام، صغيرها وكبيرها، ﴿لِمَن يَشَآءُۚ﴾ أن يغفر له من عباده، ممن مات على الذنوب والمعاصي- دون الشرك والكفر- من غير توبة، فمن مات من عصاة المسلمين على الذنوب والمعاصي- دون الشرك والكفر- من غير توبة، فهو في خطر المشيئة، إن شاء الله عفا عنه، وأدخله الجنة بلا عذاب، بفضله وإن شاء عذبه بذنوبه، ثم أدخله الجنة بعدله. أما قوله: (إن الله يغفر الذنوب جميعاً)الزمر(٥٣) فمقيّدٌ بمشيئة الله وحكمته، وبما عدا الشرك والكفر لمن مات مصراً عليه. ﴿وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ﴾ وبعبادته، أحداً من خلقه ﴿فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا﴾ أي: اختلق ذنباً ﴿عَظِيمًا﴾ أي: كبيراً. وأيُّ ظلم أعظم ممن سوَّى بين المخلوق والخالق. ومثله قوله: (إنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار)المائدة(٧٢) أي: لمن مات مصراً على الشرك من غير توبة. وأما التائب، فإنه يغفر له الشرك فما دونه، لقوله: (إن الله يغفر الذنوب جميعاً)الزمر(٥٣) أي: لمن تاب إليه وأناب. فالناس ثلاثة: كافر مات مصراً على كفره وشركه، فهذا لا يُغفر له. كافر تاب إلى الله توبة نصوحاً وأناب عن كفره وشركه، فهذا يُغفر له. عاص مات على الذنوب والمعاصي- دون الشرك والكفر- ودون توبة، فهذا تحت المشيئة: إن شاء الله عذّبه، وإن شاء عفا عنه.فائدة حديثيةوقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة ومنها: ما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: «الظلم ثلاث: فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره، وظلم لا يترك الله منه شيئاً، فأما الظلم الذي لا يغفره الله، فالشرك، وقال: (إن الشرك لظلم عظيم)لقمان(١٣) و أما الظلم الذي يغفره الله، فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه، فظلم العباد بعضهم بعضاً، حتى يدين لبعضهم من بعض». وما رواه أحمد والشيخان من حديث أبي ذر الطويل، وفيه: أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: «من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قال أبو ذر: وإن زنى وإن سرق؟ قال رسول الله ﷺ: وإن زنى وسرق». وفي رواية عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنى وسرق؟ قال: وإن زنى وسرق، على رغم أنف أبي ذر». وحديث أبي إدريس، قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ، يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً». وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه ، قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئاً وجبت له الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً وجبت له النار».
4:49Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩
Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allāh purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].
٤٩ - ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ﴾ أي: ألم ينته علمك. و هو تعجيب من الله لنبيه ﷺ، أو لكل سامع، من ادعاء اليهود والنصارى فضائل ليست لهم، وأنهم أزكياء عند الله تعالى بقولهم: (نحن أبناء الله وأحباؤه)المائدة(١٨)، وقولهم: (لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى)البقرة(١١١)، مع ما هم فيه من الكفر والذنب العظيم.و التزكية: التبرئة من كل قبيح قولا و عملا.وفي الآية: ذم التمادح والتزكية والثناء على النفس، ففي صحيح مسلم ، عن المقداد بن الأسود قال: « أمرنا رسول الله ﷺ أن نحثو في وجوه المداحين التراب». وفي الصحيحين عن عبد الله بن أبي بكرة، عن أبيه، أن النبي ﷺ سمع رجلاً يُثني على رجل فقال: «ويحك! قطعت عنق صاحبك»، ثم قال: «إن كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة فليقل: أحسبه كذا، ولا يزكي على الله أحدا». وعند أحمد من حديث معاوية بن أبي سفيان : «وإياكم والتمادح، فإنه الذبح». وروى ابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: «إن أخوف ما أخاف عليكم، إعجاب المرء برأيه». ﴿بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ﴾ من عباده بالإيمان والعمل الصالح، لكونه أعلم بحقائق الأمور، وبالعباد من أنفسهم. ﴿وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: لا ينقص من ثواب أعمالهم ، ولا يزادُ فيها مقدار فتيل. والفتيل: هو الخيط الرقيق الذي في شق النواة- أي: نواة التمر- يُضرب مثلاً في القلة والحقارة، كالنقير: للنقرة في ظهر النواة، والقطمير: لقشرة النواة الرقيقة. وفي الكلام جملة مطوية، أي: يعاقبون على تلك التزكية الكاذبة عقاباً عادلاً، لا يُظلمون فيه أدنى ظلم وأصغره.
4:50Page 86
ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠
Look how they invent about Allāh untruth, and sufficient is that as a manifest sin.
٥٠ - ﴿ٱنظُرۡ﴾ يا محمد متعجبا ﴿كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ﴾ أي: يختلقون علىه الكذب في تزكيتهم أنفسهم، ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقولهم : (لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى)البقرة(١١١) وقولهم: (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات)البقرة(٨٠)، واتكالهم على أعمال آبائهم الصالحة، وقد قضى الله أن أعمال الآباء، لا تنفع الأبناء ولا تغني عنهم شيئاً. ﴿وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا﴾ أي: وكفى بصنيعهم هذا من الكذب والافتراء على الله، ذنباً بيِّناً ظاهراً واضحاً، لدلالتة على فجور فاعله وارتكابه المعصية عمداً.
4:51Page 86
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in jibt [superstition] and ṭāghūt [false objects of worship] and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?
٥١ - أسباب نزول الآية: أخرج أحمد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف- من علماء اليهود- مكة، قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه، يزعم أنه خيرٌ منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية- يعنون: النبي ﷺ- قال: أنتم خير، فأنزل الله: (إن شانئك هو الأبتر)الكوثر(٣). ونزل (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب) الآية. ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا﴾ أي: حظاً ﴿مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ وهم: اليهود، وكان كعب بن الأشرف وغيره من أحبار يهود، قد قدموا مكة وشاهدوا قتلى بدر، وحرّضوا المشركين على الأخذ بثأرهم، ومحاربة النبي ﷺ. ﴿يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ﴾ أي: يصدِّقون بكل عبادة لغير الله، وكل معبود من دون الله، وكل مطاع في معصية الله، وكل حكم بغير شرع الله، ويدخل في ذلك السحر والكهانة والأصنام وطاعة الشيطان. والجبت في الأصل: اسم صنم، واستعمل في كل معبود غير الله تعالى. قال الجوهري في «الصحاح»: الجبت: كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر، ونحو ذلك. وفي الحديث: «الطيرة والعيافة والطرق من الجبت». والطاغوت: يطلق على كل باطل، وعلى كل ما عبد من دون الله، أو كل من دعا إلى ضلالة. فاليهود يصدقون بأن الجبت والطاغوت آلهة، يشركونهما في العبادة مع الله، ويطيعونهما في الباطل. ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: يقول اليهود لكفار قريش، حين قالوا لهم: أنحن أهدى سبيلاً- ونحن ولاة البيت، نسقي الحاج، ونقري الضيف، ونفك العاني- أي: الأسير- أم محمد، وقد خالف دين آبائه وقطع الرحم، وفارق الحرم؟ ﴿هَٰٓؤُلَآءِ﴾ أي: أجابوهم تملقاً ومداهنة وبغضاً للإيمان بقولهم: أنتم ﴿أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ بمحمد ﴿سَبِيلًا﴾ وأقوم طريقاً.
4:52Page 87
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ٥٢
Those are the ones whom Allāh has cursed; and he whom Allāh curses - never will you find for him a helper.
٥٢ - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ﴾ أي: طردهم من رحمته، وأخزاهم وأبعدهم عن مغفرته، وأحل عليهم نقمته. وذلك أنهم فَضَّلوا قريشاً- مع كفرهم بالله وعبادتهم الأصنام- على رسول الله ﷺ والمؤمنين، فناقضوا الحق لأجل الهوى، مع علمهم بذلك، وما فعلوه إلا لتنصرهم قريشٌ على رسول الله وأصحابه. ﴿وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ﴾ أي: ومن يطرده الله من رحمته ﴿فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا ﴾ يتولاه في الدنيا ولا في الآخرة، أو مانعاً يحفظه من المكاره، ويدفع عنه عذاب الله وسخطه.
4:53Page 87
أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣
Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.
٥٣ - ﴿أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ﴾ أي: بل، ألهم نصيب من الملك؟ وهو استفهام إنكاري، والمعنى: ليس لهم نصيب من الملك ألبتة، لأنه لو كان لهم منه نصيب وتصرّف، لكانوا من شدة حرصهم وبخلهم وعظيم شحهم، بحيث لو أوتوا شيئاً منه ﴿فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا﴾ أي: لما أعطوا الناس منه شيئاً، ولو كان قدر النقرة قي ظهر النواة وهو مثل في القلة والحقارة. وهذا كقوله: (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذاً لأمسكتم خشية الإنفاق )الإسراء(١٠٠).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences