Al-Jami' al-WajizAn‑Nisa · 4:90–98

Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:90–98

4:90Page 92

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا ٩٠

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allāh had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allāh has not made for you a cause [for fighting] against them.

٩٠ - ثم استثنى الله من المأمور بقتالهم من المنافقين فريقين هما:﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ أي: يلجأون ويتحيّزون ﴿إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ﴾ بالجوار والحلف، أي: عهد أمان ، أو عقْدُ مهادنة لهم ولمن وصل إليهم ، فلا تقتلوهم فإن العهد يشملهم . فمن ترك المحاربين من الأعداء ، و لحق بالمعاهَدين فإنه يكون معهم على عهدهم، ويدخل في حكمهم. ﴿أَوۡ﴾ وهم: الفريق الثاني ، الذين ﴿جَآءُوكُمۡ﴾ وقـد ﴿حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ﴾ أي: ضاقـت وانقبضـت عن ﴿أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ﴾ مع قومهم ﴿أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ﴾ معكم، أي: جاؤوكم ممسكين عن قتالكم وقتال قومهم ، فكفُّوا عنهم ولا تتعرضوا لهم بأخذ ولا قتل.يُقال: حصر صدره يحصر، إذا ضاق. [وفي قراءة على الصِّفة: (حصرةً صدورهم)أي:ضيقة]. ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ﴾ تسليطهم عليكم ﴿لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ﴾ ابتلاء منه لكم، واختبارا أو تمحيصا لكم ، أو عقوبة بذنوبكم ﴿فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ﴾ ولكن من لطفه بكم، كفَّ أيديهم عنكم ﴿فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ﴾ أي: تركوكم ولم يتعرضوا لكم ﴿فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ﴾ أي: المسالمة والانقياد والصلح والاستسلام ، فرغبوا في مسالمتكم ووضع الحرب بينكم وبينهم ﴿فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا﴾ أي: طريقا بالأخذ أسرا والقتل ، فلا يحل لكم أن تقاتلوهم ما دامت حالهم كذلك .و هذه الآية نزلت في قوم قدموا المدينة مهاجرين ثم ارتدوا بعد ذلك و رجعوا إلى مكة ، ونزلوا عند هلال بن عويمر الأسلمي ، حليف النبي ﷺ ، و هو الذي حُصر صدره أن يقاتل المسلمين، فرُفع عنهم القتل بهذه الآية.وفي الآية: نهي للمسلمين عن التعرض لقتال هاتين الطائفتين: وهم الداخلون في العهد المتمسكون به ، والمعتزلون للحرب الراغبون في عقد الصلح بينهم وبين المسلمين.وعن ابن عباس: أن هذا النهي عن التعرض لهم بالقتل منسوخ بآية السيف : (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)التوبة (٥).

4:91Page 92

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ٩١

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

٩١ - سبب نزول الآية: روى ابن جرير عن مجاهد قال: إن أناساً من أهل مكة كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قومهم فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا ههنا وههنا ، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصالحوا.﴿سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ﴾ من هؤلاء المنافقين ﴿يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ﴾ على أنفسهم بإظهار الإسلام لكم رياءً ومصانعةً ﴿وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ﴾ بالكفر إذا رجعوا إليهم، فهم يدارون ويصانعون كلا الطائفتين ليأمنوهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم. قيل: هم قوم من أهل تهامة ،وقيل: هم بنو أسد وغطفان، طلبوا الأمان من رسول اللهﷺ ليأمنوا عنده وعند قومهم.﴿كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ﴾ أي: دُعـوا إلى الشـرك والارتداد. وقيل: دُعوا من قبل قومهم إلى قتال المسلمين ﴿أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ﴾ أي: قُلبوا فيها أقبح قلب و أشنعه ،أو: وقعوا فيها أشد وقوع. وقيل: انقلبوا فيها فرجعوا إلى قومهم متحيرين ،هل يقاتلونكم أو يعتزلون؟ يقال: أركسته فرُكس، أي: قلبته على رأسه فقُلب. ﴿فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ﴾ بترك قتالكم ﴿وَ﴾ لم ﴿يُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ﴾ أي: المسالمة والمهادنة ، و الصلح والموادعة ﴿وَ﴾ لم ﴿يَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ﴾ عن قتالكم ﴿فَخُذُوهُمۡ﴾ أُسراء إذا قدرتم عليهم ﴿وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ﴾ أي: وجدتموهم وتمكنتم منهم ،في أي وقت ومكان، أو ظفرتم بهم. يقال: ثقفت الرجل في الحرب أثقفه: إذا أدركته وظفرت به. ﴿وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا﴾ أي: برهاناً بيّناً ظاهراً ، وحجة واضحة،تتسلطون بها عليهم قتلاً وأسراً ، وتقهرونهم بها ، بسبب غدرهم وارتكاسهم في الفتنة وعدم اعتزالهم ورغبتهم في المسالمة.

4:92Page 93

وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٩٢

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment [diyah] presented to his [i.e., the deceased's] family [is required], unless they give [up their right as] charity. But if he [i.e., the deceased] was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively,1 [seeking] acceptance of repentance from Allāh.2 And Allāh is ever Knowing and Wise.

٩٢ - سبب نزول الآية: أخرج ابن جرير عن عكرمة، قال: كان الحارث بن يزيد الغامدي، يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل، ثم خرج الحارث مهاجراً إلى النبي ﷺ، فلقيه عياش بالحرة، فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء النبي ﷺ فأخبره، فنزلت الآية. وأخرج نحوه عن مجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا﴾ أي: و ما ينبغي لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، فليس له أن يصدر منه ذلك أبداً. وهذه الصيغة من صيغ الامتناع، أي: يمتنع ويستحيل أن يصدر من مؤمن قتل أخيه المؤمن متعمداً ﴿إِلَّا خَطَـٔٗاۚ﴾ أي: إلا أن يكون مخطئاً في قتله من غير قصد، أو عمد. والاستثناء هنا منقطع. و وجوه الخطأ كثيرة، والضابط لها عدم القصد أو عدم العمد العدوان. وفي الآية:إخبار بشدة تحريم قتل المؤمن من أخيه المؤمن، وأنه مناف للإيمان، ولا يصدر ذلك إلا من كافر أو فاسق قد نقص إيمانه نقصاً عظيماً. فالإيمان الصحيح يمنع المؤمن من قتل أخيه المؤمن للأخوَّة الإيمانية التي بينهما والتي من مقتضاها محبته وموالاته، وإزالة ما يعرض له من الأذى. وفي الحديث الصحيح: «لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض». فعلم منه أن القتل من الكفر العملي. وأنه من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله، لحديث:«اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منها: «وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق». وفي الصحيحين عن ابن مسعود، أن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه، المفارق للجماعة». ولكن ليس لأحد من أفراد الرعية أن يقتله، إنما ذلك للإمام أو نائبه. واستثناء القتل الخطأ من عموم لفظ: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً) يدل على أن المخطيء الذي لا يقصد القتل، غير آثم، ولا مجترئ على محارم الله. ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا﴾ بأن قصد رمْي غيره، كصيد أو شجر،فأصابه، أو ضربه بما لا يقتل غالباً فقتله، سواء كان القاتل ذكراً أو أنثى، حراً أو عبداً، صغيراً أو كبيراً، عاقلاً أو مجنوناً، مسلماً أو كافراً، لأن لفظ «من» يفيد العموم. وسواء كان المقتول ذكراً أو أنثى، صغيراً أو كبيراً كما يفيده تنكير لفظ «مؤمنا» في سياق الشرط. ﴿فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ﴾ أي: فعليه إعتاق نسمة مؤمنة- عبد أو أمة- أي: تخليصها من الرق كفّارة عن قتل الخطأ، سواء في ذلك الصغير والكبير، والذكر والأنثى، لأنه أعدم نفساً فيُحي بالعتق نفساً مثلها. ﴿وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ﴾ أي: و عليه -أيضا- دية مؤداة مدفوعة ﴿إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ﴾ أي: إلى ورثة المقتول، يقتسمونها بينهم قسمة الميراث جبراً لقلوبهم، وتطيباً لخواطرهم ، و عوضا عن قتيلهم وإزالة للعداء وقطعا للبغضاء. و عند أبي داود من حديث جابر:«أن النبي ﷺ فرض في الدية على أهل الإبل، مائة من الإبل، و على أهل البقر، مائتي بقرة، و على أهل الشاء، ألفي شاة وعلى أهل الحلل، مائتي حُلة». و جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على أهل الذهب ألف دينار. ويجوز إخراج القيمة عن أهل الإبل والبقرو الغنم.﴿إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ﴾ أي: إلا أن يتصدق أهل القتيل و ورثته على أهل القاتل بالعفو عن الدية، فإنها تسقط ولا تجب على القاتل. وسمى العفو عن الدية: صدقة، للترغيب فيه. والدية: من الودي كالعدة من الوعد. يقال: ودى القاتل القتيل يديه دية، إذا أعطى وليه المال الذي هو بدل النفس. وسُمي المال دية: تسمية بالمصدر.فائدة فقهيةوفي الآية واجبان أمر الله بهما- في قتل الخطأ- القاتلَ وأهلَه: الأول: الكفارة: وتكون في مال القاتل، وهي عبارة عن عتق رقبة مؤمنة من الرق، وشرطها أن تكون مؤمنة، فلا تجزئ الكافرة. وتنكير لفظ «مؤمنة» يستوي فيه الصغير والكبير والذكر والأنثى، والصحيح والمعيب في قول بعض العلماء. ولكن الحكمة تقتضي أن لا يجزئ عتق المعيب بالكفارة، لأن المقصود بالعتق، نفع العتيق، ومِلْكَه منافع نفسه، فإذا كان يضيع بعتقه، وبقاؤه في الرق أنفع له، فإنه لا يجزئ عتقه. ويدل عليه أيضاً: قوله: (فتحرير رقبة)، لأن التحرير: تخليص من استحقت منافعه لغيره، أن تكون له. فإذا لم يكن في عتق المعيب منافع، لم يُتَصوَّر وجود التحرير معه.الثاني: الدِّية: وهو المال الذي يعطى لأهل القتيل وورثته عوضاً عن دمه وعما فاتهم من قتيلهم. وتجب الدية في القتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة القاتل، لا في ماله ،أي: أن الدية تلزم عاقلة القاتل، وليس القاتل نفسه. وعاقلة القاتل: هم عصبته من جهة الأب، إلا الأصل والفرع. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ: «أنه قضى بالدية على العاقلة»، ذكره الشافعي. وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا لرسول الله ﷺ، فقضى أن دية جنينها غُرَّة عبد أو أمة- أي: عتق عبد أو أمة- وقضى بدية المرأة على عاقلتها». ودية القاتل تجب أخماساً، لما رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود قال: «قضى رسول الله ﷺ في دية الخطأ: عشرين بنت مخاض- وهي أنثى الإبل التي أتمت السنة الأولى- وعشرين بني مخاض ذكوراً- وهو ذكر الإبل الذي أتم السنة الأولى- وعشرين بنت لبون- و هي التي أتمت السنة الثانية- وعشرين جَذَعَة- وهي التي أتمت الثالثة- وعشرين حِقَّة- و هي التي أتمت الرابعة-» فيكون المجموع مائة من الإبل أو قيمتها. أما حكم شبه العمد فهو حكم الخطأ المحض في وجوب الدية على عاقلة القاتل، لكنها تجب أثلاثاً لشبهة العمد. ثلاثون حِقَّة، وثلاثون جَذَعَة، وأربعون خَلِفة - وهي الإبل الحامل-. أما خطأ الإمام أو نائبه، فتكون الدية فيه في بيت مال المسلمين، لما ثبت في «صحيح البخاري» عن ابن عمر قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى بني جُذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا ، فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فرفع يديه وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، وبعث علياً فودى قتلاهم، وما أتلف من أموالهم، حتى ميلغة الكلب. فإن لم تف العاقلة بالدية في القتل الخطأ وشبه العمد، فمن بيت مال المسلمين، فإن تعذر ذلك فالوفاء على الجاني. والدية توزع على العاقلة على ثلاث سنين بحسب أحوالهم وطاقتهم. فقد وقع الإجماع على أن دية الخطأ مؤجلة على العاقلة. ولكن اختلف في الأجل، والأكثر على ثلاث سنين. ﴿فَإِن كَانَ﴾ المقتول خطأً ﴿مِن قَوۡمٍ﴾ كفارٍ﴿عَدُوّٖ لَّكُمۡ﴾ أي: محاربين لكم ﴿وَهُوَ مُؤۡمِنٞ﴾ أي: وكان هذا المقتول مؤمناً، وقد قتله مسلم لكونه بين أظهر قومه ﴿فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ﴾ أي: فعلى قاتله تحرير رقبة مؤمنة- عبداً أو أمة، صغيراً أو كبيراً- ولا دية له مؤدَّاة إلى أهله، لحرابتهم وعدم احترامهم في دمائهم وأموالهم، ولأنه لا وراثة بينه وبين أهله، فلا يعطى لهم مال يحاربون المسلمين به. وعليه: فالمؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الحربيين الذين كان منهم، ثم أسلم ولم يهاجر إلى رسول الله ﷺ فعلى قاتله كفارة: تحرير رقبة مؤمنة، دون دية مُسلَّمة إلى أهله، فتسقط الدية عن القاتل، لحرابة أهل المقتول وعدم احترام دمائهم وأموالهم، ولكون حرمة المؤمن الذي لم يهاجر، قليلة. ﴿وَإِن كَانَ﴾ المقتول خطأً ﴿مِن قَوۡمِۭ﴾ كفار﴿بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ﴾ أي: عهد مؤقت أو مؤبد من هدنة أو أمان، كأهل الهدنة أو الذمة، وهو مؤمن ﴿فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ﴾ أي: فعلى عاقلة القاتل دية مؤداة ﴿إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ﴾ أي: إلى ورثة المقتول من أهله المسلمين إن وُجدوا، ولا تُدفع إلى أهله الكفار، لأن الكافر لا يرث المسلم. ﴿وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ﴾ أي: وعلى القاتل في ماله كفَّارة، عتق نسمة- عبد أو أمة- مؤمنة، وذلك لاحترام أهله بما لهم عند المسلمين من العهد والميثاق والأمان. فإن كان المقتول ذمياً أو كافراً-يهودياً أو نصرانياً- فاختلف في ديته على أقوال ثلاثة: الأول: ذهب طائفة من العلماء: إلى أن دية الكافر أو الذمي تعدل دية المسلم. الثاني: وذهب بعضهم: إلى أن دية الكافر أو الذمي على النصف من دية المسلم، لما رواه أحمد والترمذي والنسائي عن النبي ﷺ قال: «عقل الكافر نصف دية المسلم». الثالث: وذهب آخرون إلى أنها ثلث دية المسلم. قلت: و القول الثاني أرجح عندي ، للحديث المتقدم. ﴿فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ﴾ رقبة يعتقها، بأن فقدها، أو فقد ثمنها، أي: لم يتسع ماله لشرائها، بأن كان معسراً ليس عنده ما يفضل عن مئونته ويفي بالرقبة. ﴿فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ﴾ أي: فعلى القاتل الذي لا يجد ما يعتق رقبة- إما بفقدها أو بفقد ثمنها- كفارة صيام شهرين، لا يفطر بينهما من غير عذر، بل يسرد صومهما إلى آخرهما دون أن يفصل بين يومين من أيام صومهما إفطار في نهار. فإن أفطر بغير عذر استأنف صيامه، لكونه لم يُحسب له ما مضى من صيامه.﴿تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ﴾ أي: شرع الله هذه الكفارات و أوجبها على القاتل خطأً توبة منه على عباده ورحمة بهم. وقيل: هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق، صام شهرين متتابعين.﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٗا﴾ فيما دبر وشرع لهم. فائدة فقهيةقوله تعالي:(فصيام شهرين متتابعين) اختلف في معنى التتابع على أقوال:إن أفطر لعذر من مرض أو حيض أو نفاس، فإن العذر لا يقطع التتابع، ولا يوجب الاستئناف. و إن أفطر من غير عذر، انقطع التتابع، و وجب عليه استئناف الصوم. و اختلف في عذر السفر: هل يقطع التتابع ويوجب الاستئناف، أم لا؟ على قولين: الأول: يقطع التتابع ويوجب الاستئناف. الثاني: لا يقطع. قلت: و الأول أولى و الله تعالى أعلم. واختلف فيمن لا يستطيع الصيام: هل يجب عليه إطعام ستين مسكيناً كما في كفارة الظهار أم لا؟ على قولين: الأول: يجب، كما في كفارة الظهار ولم يذكر الإطعام هنا، لأن المقام مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص. الثاني: لا يعدل إلى الطعام، لأنه لو كان واجبا لما أخَّر بيانه عن وقت الحاجة وإليه ذهب الشافعي في أصح قوليه. قلت: وهو الأولى عندي.

4:93Page 93

وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا ٩٣

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allāh has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

٩٣ - أسباب نزول الآية: أخرج ابن جرير عن عكرمة أن رجلاً من الأنصار قتل أخا مقيس ابن صبابة، فأعطاه النبي ﷺ الدية، فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله، فقال النبي ﷺ: «لا أؤمِّنه في حلٍّ ولا حرم»، فقُتل يوم الفتح. قال: وفيه نزلت هذه الآية . ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا﴾ قاصداً قتله بما يقتل غالباً مستحلاً ذلك، وهو يعلم أنه مؤمن. وعلامة القتل العمد أن يقتله بما يقتل مثله في العادة، كالسيف أو السم، ونحوهما. ﴿فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ﴾ يستحقها بسبب هذا الذنب ﴿خَٰلِدٗا فِيهَا﴾ والمراد بالخلود هنا:المكث الطويل لا الدوام، لتظاهر النصوص على أن عصاة المؤمنين لا يخلدون في النار. وفي حديث الشفاعة:«أنه يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان» .﴿وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ﴾ أي:أبعده وطرده من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا﴾ في النار،إلا من تاب إلى الله وأناب، وعمل عملاً صالحاً، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات.فائدة فقهيةواختلف في توبة قاتل المؤمن عمداً، على أقوال:الأول: ذهب ابن عباس: إلى أنه لا توبة لقاتل المؤمن عمداً، فحمل آية:(ومن يقتل مؤمنا متعمدا) على ظاهرها وقال- فيما رواه البخاري عنه-: هي آخر ما نزل وما نسخها شيء. وقال في آية: (و الذين لا يدعون مع الله آلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق)الفرقان(٦٨): نزلت في أهل الشرك. و يُستدل لهذا المذهب بأحاديث: منها: ما رواه أحمد من حديث معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافراً، أو الرجل يقتل مؤمناً متعمداً». وما ثبت عن رسول الله ﷺ قوله: «لو اجتمع أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم، لأكبهم الله في النار». وما ثبت في الحديث: «من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» رواه ابن ماجه. ولعله نظر إلى أن الآية لم تذكر لقاتل المؤمن عمداً توبة ولا كفارة، كما ذكرتهما للقاتل المخطيء، فدل على انتفائهما. وقيل: إن هذا محمول على التغليظ في الزجر. الثاني: و ذهب الجمهور: إلى أن قاتل المؤمن عمداً له توبة، فإذا تاب وأناب، وعمل عملاً صالحاً بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته، وأرضاه عن طلابته، واستدلوا لمذهبهم: بقوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر)- إلى قوله-: (إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً) الفرقان(٦٨-٧٠). قالوا: و هذا خبر لا يجوز نسخه وحمله على المشركين، لأنه خلاف الظاهر، وحمله عليهم يحتاج إلى دليل. وبقوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)الزمر(٥٣)، قالوا: وهذا عام في جميع الذنوب من كفر وشرك وشك ونفاق، وقتل وفسق، وغير ذلك، فكل من تاب، تاب الله عليه. وبقوله تعالى: (إن لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)النساء(٤٨)، قالوا: وهذه الآية عامة في جميع الذنوب خلا الشرك بالله. وبما ثبت في الصحيحين من خبر الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، ثم سأل عالما عن توبة له، فأرشده إلى بلد يعبد الله فيه، فهاجر إليه فمات في الطريق، فقبضته ملائكة الرحمة. فإذا كان هذا في بني إسرائيل، فلأن يكون في هذه الأمة بطريق الأوْلى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم، وبعث نبيُّنا بالحنيفية السمحة. وأما قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمداً) فهذا مؤول بمن يستحله، أو: بأن هذا جزاؤه إن جوزي. الثالث: وذهب البعض: إلى أنه لا بد في توبة قاتل العمد من الندم والاعتراف بالقتل، وتسليم نفسه للقصاص منه إن كان واجباً أو تسليم الدية، إن لم يكن القصاص واجباً، وكان قادراً على تسليمها أو بعضها. أما مجرد التوبة من القاتل عمداً، وعزمه على أن لا يعود إلى القتل أبداً من دون اعتراف، ولا تسليم نفس للقصاص، أو تسليم للدية، فلا يقطع بقبولها. قلت: و الذي ذهب إليه الجمهور من توبة قاتل المؤمن عمدا، هو الراجح دليلا عندي، و الله تعالى أعلم.أما قاتل العمد فله أحكام في الدنيا وأحكام في الآخرة: أما في الدنيا: فتسليط أولياء المقتول عليه، لقوله تعالى: (ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً)الإسراء(٣٣)، فهم مخيرون بين ثلاث:القصاص: بأن يقتل أولياء المقتول القاتل.أو الدِّية، وتكون في مال القاتل،مغلظة- كدية شبه العمد- أثلاثاً: ثلاثون حقَّة، وثلاثون جَذَعة، و أربعون خَلِفَة.أو العفو بلا قصاص ولا دية. أما في الآخرة: فمطالبة المقتول القاتل بحقه يوم القيامة، إذ هو حق من حقوق العباد لا يسقط بالتوبة، ولكن لا بد من ردها إليهم في صحة التوبة، فإن تعذر ذلك، فلا بد من المطالبة بها يوم القيامة، لكنه لا يلزم من وقوع المطالبة، وقوع المجازاة، إذ قد يتفضل الله على عباده بما شاء. أما قتل شبه العمد- وهو وسط بين العمد والخطأ- وهو: أن يقتله بما لا يقتل غالباً، فقد بينته السنة فيما رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان: وحكمه أن لا قصاص فيه كالخطأ، ولكن لولي المقتول:أن يعفوأو أن يقبل الدية، وهي مغلظة كدية العمد- أثلاثاً- في الصِّفة، وكدية الخطأ في الحمل على العاقلة، وفي التأجيل ثلاث سنين. واختلف: هل تجب على القاتل عمداً كفارة عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام على أحد القولين- كما تقدم في كفارة الخطأ- على قولين. الأول: ذهب الشافعي وطائفة من العلماء: إلى أنه يجب عليه ذلك، لأنه إذا وجبت عليه الكفارة في الخطأ، فلأن تجب عليه في العمد بطريق الأولى والأحرى، وقاسوا هذا على اليمين الغموس. وقالوا بوجوب الكفارة فيها. واحتجوا بوجوب الكفارة في القتل العمد: بما رواه أحمد عن واثلة بن الأسقع قال: «أتى النبي ﷺ نفر من سُليْم، فقالوا: إن صاحباً لنا قد أوجب، قال: فليعتق رقبة يفدي الله بكل عضو منها عضواً منه من النار».الثاني: وذهب أحمد وآخرون: إلى أنه لا كفارة في قتل العمد، لأنه أعظم من أن يُكفَّر، وكذا اليمين الغموس لا كفَّارة فيها. قلت: ولعل هذا أظهر عندي، لعدم الدليل على الكفارة فيهما. والله أعلم.

4:94Page 93

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٩٤

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allāh, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace, "You are not a believer,"1 aspiring for the goods of worldly life; for with Allāh are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allāh conferred His favor [i.e., guidance] upon you, so investigate. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

٩٤ - أسباب نزول الآية:روى البخاري و أحمد والترمذي والحاكم، عن ابن عباس قال: مر رجل من بني سُليْم بنفر من أصحاب النبي ﷺ، وهو يسوق غنماً له، فسلّم عليهم، فقالوا: ما سلَّم علينا إلا ليتعوذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي ﷺ، فنزلت الآية. وأخرج البزار من وجه آخر عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود. فلما أتوا القوم، وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له النبي ﷺ: «كيف لك بلا إله إلا الله غداً؟». وأنزل الله هذه الآية. ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ أي: سافرتم وذهبتم أو خرجتم للجهاد في سبيل الله أو للتجارة، أو للهجرة. وقيل: إذا ضربتم بالسلاح قتالاً في سبيل الله ﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾ أي: فاطلبوا بيان الأمر في كل ما تأتون وتذرون. [وفي قراءة في الموضعين: (فتثبَّتوا) أي: اطلبوا التثبت والتبيُّن في جميع الأمور المشتبهة المشكلة . أو: فتحققوا وتدبروا]. ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ﴾ أي: لمن حياكم بتحية الإسلام، أو لمن استسلم وانقاد بقوله كلمة الإسلام، وهي: الشهادة. [وفي قراءة: (السَّلَم) بدون ألف]. ﴿لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا﴾ [وفي قراءة: بفتح الميم الثانية: (لست مؤمَناً) أي: على نفسك و مالك] وإنما فعلت ذلك تقيَّة، بل اقبلوا منه ما أظهر، وعاملوه بموجبه، وكِلوا سريرته إلى الله، فأمر القلوب بيده، وسرُّها لا يعلمه سواه. ﴿تَبۡتَغُونَ﴾ أي: تطلبون بذلك ﴿عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ أي: متاعها من الغنيمة، وهو عرض فان زائل سريع النفاد ﴿فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ﴾ مما هو حلال لكم وخيرٌ لكم عند ربكم من ارتكاب محظور لأجل ما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا. أي: فلا يحملنكم هذا العرض الفاني القليل على ارتكاب ما لا ينبغي، فيفوتكم ما عند الله من الثواب الباقي الجزيل، فما عند الله خير وأبقى.﴿كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ﴾ تُعصم دماؤكم وأموالكم بمجرد قولكم الشهادة. وقيل: كذلك كنتم من قبل تستخفون بإيمانكم، كما استخفى هذا الراعي بإيمانه. وقيل: كذلك كنتم من قبل كفاراً، فحقنت دماؤكم بالشهادة ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ﴾ بالهداية إلى الإيمان والاستقامة. وقيل: تاب الله عليكم، فهداكم بعد ضلالكم، فكذلك يهدي غيركم ﴿فَتَبَيَّنُوٓاْۚ﴾ أن تقتلوا مؤمناً، وافعلوا بالداخل في الإسلام كما فُعل بكم. وهو تأكيد لما تقدم من الأمر بالتبيين والتثبت، حتى يتضح ذلك ويتبيَّن الرشد والصواب. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا﴾ فيجازيكم به، بحسب علمه بأحوال عباده ونواياهم.

4:95Page 94

لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujāhideen, [who strive and fight] in the cause of Allāh with their wealth and their lives. Allāh has preferred the mujāhideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to all [i.e., both] Allāh has promised the best [reward]. But Allāh has preferred the mujāhideen over those who remain [behind] with a great reward -

٩٥ - سبب نزول الآية: روى البخاري عن البراء قال: لما نزلت: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين و المجاهدون في سبيل الله) دعا رسول الله ﷺ زيداً فكتبها. فجاء ابن أم مكتوم فشكى ضرارته- وكان ضريراً- فأنزل الله: (غير أولي الضرر).﴿لَّا يَسۡتَوِي﴾ في الدرجة والثواب ﴿ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ عن الجهاد في سبيل الله والمتخلِّفون عنه، لغير عذر. أو: لعذر: وهم الذين أُذن لهم في التخلف عن الجهاد. ﴿غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ﴾ [وفي قراءة: بالنصب على الاستثناء: (غَيْرَ أولي الضرر)] أي: غير أصحاب الأعذار، وهم أصحاب الأمراض والعلل الشرعية التي لا سبيل معها إلى الجهاد، من نحو عمىً، أو عرج أو زمانة، أو ضعف بدن، أو عجز عن الأُهْبة. فأهل الضرر: هم أهل الأعذار الذين أضرت بهم أعذارهم، حتى أقعدتهم عن الجهاد، وهؤلاء ليسوا بمنزلة القاعدين من غير عذر: فمن كان من أهل الضرر راضياً بقعوده، لا ينوي الخروج في سبيل الله، لولا وجود المانع، ولا يحدِّث نفسه بذلك، فإنه بمنزلة القاعد لغير عذر. وأما من كان عازماً على الخروج في سبيل الله، لولا وجود المانع، ويتمنى ذلك ويحدِّث به نفسه، فإنه بمنزلة من خرج للجهاد، لأن النية الجازمة، إذا اقترن بها مقدورها- من القول أو الفعل- يُنَزَّل صاحبها منزلة الفاعل. ﴿وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ﴾ أي: لا يستوي أولئك وهؤلاء، بل هؤلاء المجاهدون في سبيل الله أفضل من القاعدين لعذر ولغير عذر. فلا يستوي من جاهد بنفسه وماله، ومن لم يخرج للجهاد.وفيه الحث على الخروج للجهاد، والترغيب في ذلك، والترهيب من التكاسل والقعود عنه من غير عذر. ﴿فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ﴾ بعذر، وهم أهل الضرر. وقيل: على القاعدين بغير عذر ﴿دَرَجَةٗۚ﴾ أي: منزلة وفضيلة، وذلك لاستواء المجاهد والقاعد بعذر، في النية، وزيادة المجاهد عنه بالمباشرة. وأما المجاهد والقاعد بغير عذر، فقيل في بيانه: إن قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) كان مطلقاً بين القاعد لعذر ولغير عذر، فلما نزل قوله: (غير أولي الضرر) صار ذلك مُخرجاً لذوي الأعذار المبيحة لترك الجهاد من العمى والعرج والمرض، عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فكأن الله صرح بتفضيل المجاهدين على القاعدين لغير عذر بالدرجة، أي: الرفعة، وهذا تفضيل على وجه الإجمال، ثم صرح بعد ذلك بالتفضيل على وجه التفصيل، ووعدهم بالمغفرة والرحمة التي تشمل حصول كل خير واندفاع كل شر. ومما يشهد لهذا: ما ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، حبسهم العذر». وفي رواية: «لقد تركتم بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، حبسهم العذر». ﴿وَكُلّٗا﴾ من المجاهدين والقاعدين- لعذر ولغير عذر- ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ﴾ أي: الثواب الجزيل، وهو الجنة. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على الكفاية. ﴿وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ﴾ لغير عذر، ولغير ضرر ﴿أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ وثواباً جزيلاً، ويبدل منه:

4:96Page 94

دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٩٦

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allāh is ever Forgiving and Merciful.

٩٦ - ﴿دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ﴾ كثيرة، في غرف الجنة، ونزل الكرامة ﴿وَمَغۡفِرَةٗ﴾ للذنوب والزلات ﴿وَرَحۡمَةٗۚ﴾ منه لعباده إحساناً وتكريماً ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا﴾ لأوليائه ﴿رَّحِيمًا﴾ بأهل طاعته.وقيل: إن الله فضل المجاهدين على القاعدين بعذر درجة واحدة- وهي المذكورة في الآية السابقة- وفضل المجاهدين على القاعدين بغير عذر درجات كثيرة- وهي المذكورة في هذه الآية-. وفي الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري، أن رسول الله ﷺ قال: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض». وفي الآيات: حسن الانتقال من حالة إلى أعلى منها، فإنه نفى التسوية أولاً بين المجاهد وغيره، ثم صرح بعد ذلك بتفضيل المجاهد على القاعد درجة، ثم انتقل إلى تفضيله بالمغفرة والرحمة والدرجات. وهذا الانتقال من حالة إلى أعلى عند التفضيل والمدح- ويقابله النزول من حالة إلى ما دونها عند القدح والذم- أحسن لفظاً، وأوقع في النفس.و قد كتب الله للمجاهد في سبيله إحدى الحسنيين: النصر على العدو والظفر بالغنيمة أو الشهادة، ففي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن أعرابياً، قال: يا رسول الله، الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل ليُذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه- وفي رواية: يقاتل شجاعة ويقاتل حميَّة- فمن في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله».

4:97Page 94

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا ٩٧

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves1 - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." They [the angels] will say, "Was not the earth of Allāh spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

٩٧ - سبب نزول الآية: أخرج البخاري والنسائي وغيرهما عن ابن عباس: أن ناساً من المسلمين كانوا مع المشركين يكثِّرون سوادهم على عهد رسول الله ﷺ، يأتي السهم فيُرمى به فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه ،فيقتل، فأنزل الله الآية. وهؤلاء جماعة أسلموا ولم يهاجروا، وخرجوا مع المشركين إلى بدر يكثِّرون سوادهم على رسول الله ﷺ ، فقتلوا يوم بدر مع الكفار. ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ أي: تتوفاهم بقبض أرواحهم حين الموت. والتوفية: أخذ الشيء وافياً تاما .﴿ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ﴾ بالمقام بين الكفار، وتكثير سوادهم، ومظاهرتهم على المسلمين، وترك الهجرة إلى رسول الله ﷺ مع قدرتهم عليها. وهؤلاء هم الذين أسلموا ولم يهاجروا من مكة إلى المدينة، بل بقوا بين الكفار، يمنعونهم من إظهار إسلامهم وممارسة عبادتهم وشعائر دينهم، و ربما قتلهم المسلمون في الحرب مع الكفار، وهم لا يعلمون بإسلامهم ﴿قَالُواْ﴾ أي: تقول لهم الملائكة موبِّخين: ﴿فِيمَ كُنتُمۡۖ﴾ أي: في أي شيء كنتم من أمر دينكم؟ أو: على أي حال كنتم؟ وبأي شيء تميّزتم عن المشركين؟ وقيل: أكنتم في أصحاب رسول الله ﷺ أم كنتم مشركين؟ ﴿قَالُواْ﴾ معتذرين للملائكة: ﴿كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ﴾ أي: ضعفاء مقهورين مظلومين، عاجزين عن إقامة وإظهار الدين، وليس لنا قدرة على الهجرة، والذهاب في الأرض- وهم غير صادقين في دعواهم، لأن الله وبَّخهم وتوعَّدهم، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها- ﴿قَالُوٓاْ﴾ أي: قالت لهم الملائكة موبِّخين: ﴿أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ﴾ من أرض الكفر إلى بلد آخر، فتتخلصوا من ظلم الكفار لكم، وتعبدوا الله مع المسلمين من إخوانكم. والأرض: كل بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إليها، والمراد بالأرض الأولى: كل أرض ينبغي الهجرة منها. والاستفهام في الآية للتقرير، فإنه قد تقرر عند كل أحد أن أرض الله واسعة، فحيثما كان العبد في محل لا يتمكن فيه من إظهار دينه وإقامة شرع الله، فإن له فسحة ومتسعاً من الأرض يتمكن فيها من عبادة الله، كما قال تعالى: (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون)العنكبوت(٥٦). وفي الحديث عند أبي داود في «سننه»: «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله». قال الله تعالى عن هؤلاء الذين لا عذر لهم في ترك الهجرة: ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ﴾ المذكورون من ظالمي أنفسهم، ﴿مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ﴾ أي: لا مسكن لهم إلا النار ﴿وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ ومنقلباً هي. والآية عامة في كل من أسلم وأقام بين ظهراني الكفار وهو قادر على الهجرة وليس متمكناً من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراماً بالإجماع. فالآية إذن دليل على وجوب الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام لمن لم يكن قادراً على إقامة دينه وإظهار شرع الله في دار الكفر.فإن كان قادراً على ذلك مظهراً له، سقط عنه الوجوب. وفي الآية دليل أيضاً على أن كل من تُوفِّي، فقد استكمل واستوفى ما قُدِّر له من الرزق والأجل والعمل، لأنه لو بقي عليه شيء من ذلك لم يكن متوفِّياً.

4:98Page 94

إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way1 -

٩٨ - ﴿إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ﴾ حقيقة، الذين لا قدرة لهم على الهجرة بوجه من الوجوه، وهو اسـتثناء منقطـع ﴿مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ﴾ الذين ﴿لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ﴾ أي: لا قوة لهم على الهجرة ولا نفقة ﴿وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا﴾ أي: طريقاً يسلكونها إلى أرض الهجرة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском