Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
غافر
Ghafir
The Forgiver · Meccan · 85 ayahs
١ - ﴿حمٓ﴾ هي من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وهي للبيان والتنبيه والتحدي والإعجاز، والله تعالى أعلم بمراده بذلك. وقد تقّدم الكلام على هذه الحروف المقطّعة في أوّل سورة البقرة.والسور المبتدأة ب «حم» سبع متواليات: غافر وفصّلت والشورى والزخرف والدخان و الجاثية والأحقاف، وكلّها مكيّة إلا آيات. وتسمّى آل حم، أو ذوات حم، أي السّور المصحوبة بهذا اللفظ، كما تسمّى الحواميم. نقله السيوطي في «الدر المنثور» عن ابن عباس.
40:2Page 467
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٢
The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Knowing,
٢ - ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ أي: القرآن، مبتدأ، خبره: ﴿مِنَ ٱللَّهِ﴾ أي: من عند الله ﴿ٱلۡعَزِيزِ﴾ في ملكه، الغالب على أمره، القاهر لخلقه ﴿ٱلۡعَلِيمِ﴾ أي: البالغ العلم بخلقه، في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.
40:3Page 467
غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣
The forgiver of sin, acceptor of repentance, severe in punishment, owner of abundance. There is no deity except Him; to Him is the destination.
٣ - ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ﴾ للمؤمنين، أي: ساتره.من الغَفْر، وهو السّتر والتغطية. يقال: غفر الله ذنبه يغفره غَفْراً ومغفرة وغُفْراناً وغفيراً: غطّى عليه، وعفا عنه.والذنب: كلّ فعل تُستوخم عقباه، أخذاً من ذَنَب الشيء، وجمعه: ذنوب، والله تعالى غافر وغفّار وغفور وذو مغفرة للذنوب.﴿وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ﴾ أي: الرّجوع عن الذنب والتوبة منه، يقبل توبة من تاب وأناب إليه.مصدر كالأوْب بمعنى: الرّجوع، أو: اسم جمع لتوبة. ﴿شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ﴾ للكافرين، أي: مشدّده. كما قال سبحانه وتعالى قارناً بين الرجاء والخوف: (نبئ عبادي أنّي أنا الغفور الرحيم ٤٩ وأن عذابي هو العـذاب الأليم ٥٠)الحجر(٤٩ -٥٠).﴿ذِي ٱلطَّوۡلِۖ﴾ أي: ذي الفضل والإحسان، أو المنّ بالثواب والإنعام.أو: بهما وبترك العقاب.والطوْل: السّعة والغنى، أو: القدرة، أو: الإنعام، أو: الخير الكثير.والمعنى: أنه المتفضّل على عباده، المتطوّل عليهم بما هم فيه من المن والإنعام، وهو تعالى موصوف على الدوام بكلّ من هذه الصّفات الجليلة.﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ﴾ أي: لا معبـود بحقّ سواه ﴿ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ﴾ أي: المرجع والمآب في الآخرة، فيجازي كل عامل بعمله.والآيات فيها بيان أربع صفاتٍ للاسم الجليل، وكلّها للترغيب، إلاّ الثالثة (شديد العقاب) فإنها للترهيب، ومجموعها للحث على ما هو المقصود من إنزال الكتاب، وهو المذكور بَعْدُ: من التوحيد والإيمان بالبعث، المستلزم للإيمان بما سواهما، والإقبال على الله تعالى.
40:4Page 467
مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٤
No one disputes concerning the signs of Allāh except those who disbelieve, so be not deceived by their [uninhibited] movement throughout the land.
٤ - ﴿مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ﴾ أي: ما يخاصم في القرآن بالباطل لدفع الحقّ وتكذيبه ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: جحدوا آيات الله وحججه وبراهينه، بإنكارها ﴿فَلَا يَغۡرُرۡكَ﴾ أي: فلا يَخْدعْك يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ﴾ أي: تصرّفهم وتردّدهم فيها، بأنواع التجارات والمكاسب، وسلامتُهم فيها مع كفرهم، فإنه استدراج لهم، وعمّا قريب يؤخذون بكفرهم، أخْذ من سبقهم من الأمم المكذّبة.وهو تسلية للرسول ﷺ على تكذيبهم، ووعيد لهم بسوء العاقبة.والتقلّب: الخروج من أرض إلى أخرى. والآية كقوله: (لا يغرنّك تقلّب الذين كفروا في البلاد ١٩٦ متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ١٩٧)آل عمران(١٩٦ -١٩٧) وقوله: (نمتّعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ)لقمان(٢٤).والجدال المذموم في الآية: هو الجدال بالباطل والقصد إلى دحض الحقّ وردّه، وأمّا الجدال لاستيضاح الحق، ورفع اللّبس، وردّ الخصم إلى الحقّ، فهو من أعظم القرب. قال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن)العنكبوت(٤٦).
40:5Page 467
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٥
The people of Noah denied before them and the [disbelieving] factions after them, and every nation intended [a plot] for their messenger to seize him, and they disputed by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth. So I seized them, and how [terrible] was My penalty.
٥ - ﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ﴾ أي: قبل مشركي قريش ﴿قَوۡمُ نُوحٖ﴾ وهو أوّل رسول بعثه الله ينهى عن عبادة الأوثان ﴿وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ﴾ أي: وكذّبت الأحزاب الذين تحزّبوا على الرسل وناصبوهم من بعد قوم نوح، كعاد وثمود، وغيرهما.﴿وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ﴾ من الأمم المكذّبة ﴿بِرَسُولِهِمۡ﴾ الذي أُرسل إليهم ﴿لِيَأۡخُذُوهُۖ﴾ أي: ليتمكّنوا منه ومن الإيقاع به فيقتلوه .﴿وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ أي: خاصموا رسولهم بالباطل من القول الذي لا حقيقة له ﴿لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ﴾ أي: ليزيلوا ويُبطلوا به الحقّ الذي جاءهم به الرسول ﴿فَأَخَذۡتُهُمۡۖ﴾ بالعقاب، أي: هؤلاء المجادلين رسلهم بالباطل بسبب تكذيبهم وكفرهم﴿فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ﴾ لهم ونكالي بهم؟ أي: هو واقع موقعه.وفي الحديث عند الطبراني عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «من أعان باطلاً، ليدحض به حقاً، فقد برئت منه ذمّة الله تعالى، وذمّة رسوله ﷺ».
40:6Page 467
وَكَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٦
And thus has the word [i.e., decree] of your Lord come into effect upon those who disbelieved that they are companions of the Fire.
٦ - ﴿وَكَذَٰلِكَ﴾ أي: وكما حقّت كلمة العذاب على الأمم الماضية المكذّبة لرسلهم، و وجب حُكْمُه تعالى بإهلاكهم ﴿حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ [و في قراءة: (كلمات ربك)] أي: وجبت وثبتت ﴿ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ﴾ من قومك، الذين كذّبوك وخالفوك، يا محمد، بطريق الأوْلى ﴿أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ﴾ أي: وتلك الكلمة التي حقّت على الذين كفروا من قومك هي: أنهم مستحقّون للنار، فلا تحزن عليهم. والآية وعيد لهم وتهديد.
40:7Page 467
ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٧
Those [angels] who carry the Throne and those around it exalt [Allāh] with praise of their Lord and believe in Him and ask forgiveness for those who have believed, [saying], "Our Lord, You have encompassed all things in mercy and knowledge, so forgive those who have repented and followed Your way and protect them from the punishment of Hellfire.
٧ - ﴿ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ﴾ أي: الملائكة الحاملون لعرش الرحمن.وهو مبتدأ. ﴿وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ﴾ أي: والملائكة الحافّون بالعرش. عطف عليه.ويقال لهؤلاء الملائكة: الكَروُبيّون – أي: الأقربون – جمع كَرُوبّي، من كَرَبَ بمعنى: قرُب.قال تعالى:(ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)الحاقة(١٧).فالملائكة الذين هم حملة العرش، والذين هم حوله ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ﴾ أي: ينزّهونه تعالى عن كلّ مالا يليق بجلاله وكماله، متلبّسين بحمده والثناء عليه، يقولون: سبحان الله وبحمده، فيقرنون بين التسبيح الدالّ على نفي النقائص، والتحميد المقتضي لإثبات صفات الكمال والجلال. وهو خبر المبتدأ.﴿وَيُؤۡمِنُونَ بِـهِۦ﴾ أي: بالله تـعـالى إيـمـانـاً كـامـلا ﴿وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ﴾ مثلَهم، أي: يستغفرون الله لعباده المؤمنين به، فهم مثابرون على ولاية المؤمنين ونصرتهم. وفي هذا تسلية للرسول ﷺ، وتعزيز للمؤمنين.﴿رَبَّنَا وَسِعۡتَ﴾ أي: يقولون في استغفارهم للمؤمنين: ربّنا وسعت ﴿كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا﴾ أي: وسعتْ رحمتك وعلمُك كلّ شيء، فرحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم، و علمك محيط بجميع أقوالهم وأعمالهم وأحوالهم.﴿فَٱغۡفِرۡ﴾ أي: بمقتضى سَعَة رحمتك وعلمك ﴿لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾ أي: علمت منهم التوبة من الذنوب والإنابة إليك ﴿وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ﴾ أي: سبيل الهدى الذي دعوت إليه، وهو دين الإسلام.﴿وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ﴾ أي: احفظهم منه، بتوقّي العذاب نفسه، و توقي أسبابه.
40:8Page 468
رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٨
Our Lord, and admit them to gardens of perpetual residence which You have promised them and whoever was righteous among their forefathers, their spouses and their offspring. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise.
٨ - ﴿رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ﴾ أي: إقامة دائمة.من عَدَن بالمكان يَعْدِن ويعدُن عَدْناً، إذا لزمه فلم يبرح منه. ومنه المَعْدِن المعروف لاستقراره في الأرض.وهذا من تمام دعاء الملائكة المقرّبين لعباد الله المؤمنين: أن يدخلهم جنّات عدن ﴿ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ﴾ إيّاها في الآخرة، على ألسنة رسلك.﴿وَمَن صَلَحَ﴾ بالإيمان والعمل الصالح ﴿مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ﴾ أي: وأدخل معهم في جنّات عدن من صَلَح من هؤلاء، بأن كان مؤمناً موحدا قد عمل الصالحات، تكميلاً لنعمتك عليهم، وتتميماً لسرورهم وابتهاجهم.﴿إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ﴾ في ملكك وسلطانك، الغالب على أمرك ﴿ٱلۡحَكِيمُ﴾ في صنعك، تضع الأمور مواضعها وتُنزل الأشياء منازلها، فأنت الذي لا يُمانع ولا يُغالب.والآية كقوله سبحانه و تعالى:(والذين آمنوا واتّبعتهم ذرّيتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء)الطور(٢١) أي: ساوينا بين الكلّ في المنزلة، لتقرّ أعينهم، وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني، بل رفعنا ناقص العمل، فساويناه بكثير العمل، تفضلاً منّا ومنّة.
40:9Page 468
وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩
And protect them from the evil consequences [of their deeds]. And he whom You protect from evil consequences that Day - You will have given him mercy. And that is the great attainment."
٩ - ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ﴾ أي: وجنّب هؤلاء المؤمنين الأعمال السّيئة واصرف عنهم سوء عاقبتها وجزاءها – وهو عذاب النّار – لأنها تسوء صاحبها، أو: جنّبهم فعل السيئات ووبالها، أي: عذابها وعقوباتها، بأن تغفرها لهم، ولا تؤاخذهم بها، وأن تقيهم ما يسوؤهم من العذاب ﴿وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ﴾ أي: في يوم القيامة بأن تصرف عنه جزاءها ﴿فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥ﴾ برحمتك الواسعة من عذابك، ولطفت به، ونجيّته من العقوبة، لأنّ من وقيته السيئات، فقد وفّقته للحسنات وجزائها الحسن، وهو الجنّة ﴿وَذَٰلِكَ﴾ أي: وقايتهم من جزائها، وتوفيقهم للحسنات وصالح الأعمال ﴿هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ الذي لا فوز بعده.وفي الآيات: (٧ -٩) إخبار من الله تعالى عن كمال لطفه بعباده المؤمنين، وما قيّضه لأسباب سعادتهم من استغفار الملائكة المقرّبين لهم، ودعائهم لهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم. وفي ضمن ذلك: الإخبار عن شرف حملة العرش ومن حوله، وقربهم من ربّهم، وكثرة عبادتهم، ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن الله يحبّ ذلك منهم. أفاده السّعدي في تيسيره.وفي الآيات إشارة أيضاً إلى حديث مسلم في صحيحه: «إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب، قال الملك: آمين، ولك بمثله».
40:10Page 468
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ ١٠
Indeed, those who disbelieve will be addressed, "The hatred of Allāh for you was [even] greater than your hatred of yourselves [this Day in Hell] when you were invited to faith, but you disbelieved [i.e., refused]."
١٠ - ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ﴾ أي: من قِبل الملائكة، حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة، فيقال لهم – وقد مقتوا أنفسهم الأمّارة بالسوء التي أوقعتهم في هذا العذاب الأليم وأبغضوها غاية البغض -: ﴿لَمَقۡتُ ٱللَّهِ﴾ إيّاكم وبغضه لكم، وغضبه عليكم في الدنيا ﴿أَكۡبَرُ﴾ أي: أعظم وأشدّ ﴿مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ﴾ اليوم وبغضكم لهـا وغضبكـم عليـها ﴿إِذۡ تُدۡعَوۡنَ﴾ أي: في الدنيا على ألسنة الرّسل ﴿إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ﴾ بالله ﴿فَتَكۡفُرُونَ﴾ به و برسله.والمعنى: أن مقت الله أهل الضلالة حين دعاهم إلى الإيمان به في الدنيا، فتركوه وأبوا أن يقبلوه، أكبر ممّا مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة.والمقت: أشدّ البغض، يقال: مَقَته مَقْتاً ومقّته، فهو مقيت وممقوت.
40:11Page 468
قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ ١١
They will say, "Our Lord, You made us lifeless twice and gave us life twice, and we have confessed our sins. So is there to an exit any way?"
١١ - ﴿قَالُواْ﴾ أي: الكفّار وهم في النّار: ﴿رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ﴾ أي: إماتتين اثنتين، أرادوا بالأولى: خلقهم مادّة لا روح فيها، وهم نطف في الأرحام، وبالثانية: قبض أرواحهم عند انقضاء آجالهم في الدنيا. والإماتة: جَعْل الشيء عادم الحياة، سُبق بحياة أم لا.﴿وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ﴾أي: إحياءتين اثنتين، أرادوا بالأولى: نفخ أرواحهم في أبدانهم، وهي في الأرحام، وبالثانية: نفخ الأرواح فيها يوم البعث والنشور.والآية نظير قوله سبحانه و تعالى:(كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون)البقرة(٢٨).﴿فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا﴾ التي أسلفناها في الدنيا، من تكذيب الرسل، والإشراك بالله، وإنكار البعث.أي: اعترفوا حين لا ينفعهم الاعتراف، وندموا حيث لا ينفعهم النّدم! ﴿فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ﴾ من النّار ورجوع إلى الدنيا ﴿مِّن سَبِيلٖ﴾ أي: طريق إلى الدنيا، فنعمل غير الذي كنّا نعمل ؟ لا.
40:12Page 468
ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُواْۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ ١٢
[They will be told], "That is because, when Allāh was called upon alone, you disbelieved; but if others were associated with Him, you believed. So the judgement is with Allāh, the Most High, the Grand."
١٢ - ﴿ذَٰلِكُم﴾ أي: العذاب الذي أنتم فيه ﴿بِأَنَّهُۥٓ﴾ أي: بسبب أنّه في الدنيا ﴿إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ﴾ أي: دُعي لتوحيده وإخلاص العبادة والدين له ﴿كَفَرۡتُمۡ﴾ به، وتركتم توحيده وإخلاص العمل له.﴿وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ﴾ أي: يُجعل له شريك من الأصنام والأنداد والأوثان وغيرها ﴿تُؤۡمِنُواْۚ﴾ أي: تصدّقوا بهذا الإشراك وتذعنوا وتقرّوا به، وتجيبوا الداعي إليه.﴿فَٱلۡحُكۡمُ﴾ في تعذيبكم وخلودكم في النّار، والقضاءُ ﴿لِلَّهِ﴾ وحده دون غيره ﴿ٱلۡعَلِيِّ﴾ على خلقه، الذي له العلوّ المطلق من جميع الوجوه: علوّ الذات وعلوّ القدر، وعلوّ القهر، المتعالي عن أن يكون له مماثل في ذاته أو صفاته.﴿ٱلۡكَبِيرِ﴾ أي: العظيم، الذي له الكبرياء والعظمة في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، المتنزّه عن كلّ آفة وعيب ونقص، فهو الحاكم في خلقه، العادل الذي لا يجور، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ويرحم من يشاء، ويعذّب من يشاء، بفضله وإحسانه، وعدله وعلمه وحكمته.وعلّة المنع بأنّه لا سبيل إلى العودة والرجوع إلى الدار الدنيا: أن سجاياهم لا تقبل الحقّ ولا تقتضيه، بل تمجّه وتنفيه، كما قال تعالى:(ولو ردّوا لعادوا لما نُهوا عنه وإنهم لكاذبون)الأنعام(٢٨).
40:13Page 468
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣
It is He who shows you His signs and sends down to you from the sky, provision. But none will remember except he who turns back [in repentance].
١٣ - ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ﴾ أي: يُظهر لكم دلائل توحيده، وعلامات قدرته، في العالمين العلويّ والسفليّ، الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها.﴿وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ﴾ أي: مطراً، فإنه سبب الأرزاق والنّعم كلّها.وفي الآية جمعٌ بين إظهار الآيات، وإنزال الأرزاق، فإنه بإظهار الآيات، قوام الأديان، وبإنزال الأرزاق، قوام الأبدان.﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ أي: يتعظ ويعتبر ويتفكّر في هذه الآيات، ويستدلّ بها على عظمة خالقها سبحانه ﴿إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ أي: يرجع إلى طاعة الله، وإخلاص العبادة له، بما يستفيده من النظر والتفكّر في آيات الله.
40:14Page 468
فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١٤
So invoke Allāh, [being] sincere to Him in religion, although the disbelievers dislike it.
١٤ - ﴿فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ خطاب للمنيبين، أي: إذا كان الأمر كما ذُكر من اختصاص التذكير بمن ينيب، فاعبدوه أيها المؤمنون، مخلصين له العبادة والدّين والدعاء، عن شوب الشرك والرياء.والإخلاص: تخليص القصد لله تعالى في جميع العبادات الواجبة منها والمستحبّة، فلا يُصرف منها شيء إلاّ لله. والدعاء في قوله: (فادعوا الله): شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة.﴿وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ إخلاصكم له، أي: وإن غاظهم ذلك منكم، فلا تبالوا بهم، ولا تلتفتوا إليهم.وفي الصحيح عند مسلم وأحمد والترمذي والنسائي عن عبد الله ابن الزبير قال: كان ﷺ يقول في دُبر كل صلاة حين يسلّم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوّة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلاّ إياه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إله إلاّ الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون».وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة مرفوعا، أن النبي ﷺ قال: «ادعو الله تبارك وتعالى وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاءً من قلب غافل لاهٍ».
40:15Page 468
رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥
[He is] the Exalted above [all] degrees, Owner of the Throne; He places the inspiration of His command [i.e., revelation] upon whom He wills of His servants to warn of the Day of Meeting.
١٥ - ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ﴾ أي: هو تعالى المرتفع بعظمته وعلوّ شأنه وسلطانه، في صفات جلاله وكماله، ووحدانيته وإلاهيّته عن كلّ ما سواه.وقيل: رافع السماوات بعضها فوق بعض.وقيل: رفيع درجات عرشه، وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش، كقوله:(من الله ذي المعارج)المعارج(٣).﴿ذُو ٱلۡعَرۡشِ﴾ أي: صاحب العرش: خالقه ومالكه والمتصرّف فيه، وذلك يقتضي علوّ شأنه، وعظيم سلطانه. والآية إخبار عن عظمة الله تعالى، وكبريائه، وعظيم صفاته، وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته. والعرش: أعظم المخلوقات على الإطلاق، والله جلّ وعلا مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه.﴿يُلۡقِي ٱلرُّوحَ﴾ أي: ينزّل الوحي ﴿مِنۡ أَمۡرِهِۦ﴾ تعالى، أي: من شرائعه ﴿ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ﴾ وهم رسله، الذين اختارهم واختصّهم لوحيه، ودعوة عباده.أو: ينزل الكتب المنزّلة بقضائه، أو ينزّل جبريل عليه السلام من أجل تبليغ أمره تعالى وشرائعه، التي يوحي بها إلى أنبيائه ورسله.وسُمّي الوحي روحاً، لأن الناس يحيون به من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالأرواح.والآية كقوله: (ينزّل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون)النحل(٢) وقوله: (نزل به الرّوح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين)الشعراء(١٩٣).﴿لِيُنذِرَ﴾ أي: ليُخوّف الرّسلُ النّاسَ ﴿يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ﴾ – بحذف الياء وإثباتها – أي: يوم القيامة، يوم الاجتماع في المحشر، الذي يلتقي فيه أهل السماء والأرض، والأوّلون والآخرون، والخالق والخلق، والخلق بعضهم مع بعض، والعاملون وأعمالهم وجزاؤهم، من خير وشرّ.
40:16Page 468
يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ١٦
The Day they come forth nothing concerning them will be concealed from Allāh. To whom belongs [all] sovereignty this Day? To Allāh, the One, the Prevailing.1
١٦ - ﴿يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ﴾ أي: خارجون من قبورهم، أو: ظاهرون، بادون كلّهم، لا يسترهم شيء ولا يظلهم ﴿لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ﴾ أي: من أعمالهم التي عملوها في الدنيا وأحوالهم، فلا يخفى عليه ما تكنّ صدورهم وما يعلنون.﴿لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ﴾؟ يقوله الجبّار تبارك وتعالى عند فناء جميع الخلق، ثم يجيب نفسه: ﴿لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ﴾ أي: المنفرد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا شريك له في شيء منها بوجه من الوجوه، القهّار لجميع خلقه، الذي دانت له المخلوقات كلّها، وذلّت وخضعت لديه.فالسائل والمجيب: هو الله تبارك وتعالى.وفي حديث ابن عمر المتقدّم – في أواخر سورة الزّمر -: «أنه تعالى يطوي السموات والأرض بيده، ثم يقول أنا الملك، أنا الجبّار، أنا المتكبّر، أين ملوك الأرض؟ أين الجبّارون؟».رواه الطبري.وفي حديث الصّور عند الطبراني: «أنه تعالى إذا قبض أرواح جميع خلقه، فلم يبق سواه، وحده لا شريك له، حينئذ يقول: (لمن الملك اليوم)؟ ثلاث مرّات، ثم يجيب نفسه قائلاً: (لله الواحد القهّار). أي: الذي قهر كلّ شيء وغلبه».
40:17Page 469
ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٧
This Day every soul will be recompensed for what it earned. No injustice today! Indeed, Allāh is swift in account.
١٧ - ﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ﴾ أي: في الدنيا، من خير وشرّ، قليل أو كثير.وهو إخبار عن كمال عدله في حكمه بين خلقه.﴿لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ﴾ على أحد، بنقص من ثوابه وحسناته، أو بزيادة في عقابه وسيئاته.كما قال تعالى:(ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً)الأنبياء(٤٧) أي: لا تُظلم نفس مثقال ذرة من خير، ولا من شرّ.وقد ثبت في صحيح مسلم قوله تعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا».وفيه: «يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفّيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلاّ نفسه».﴿إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ﴾ يحاسب الخلائق كلّهم كما يحاسب نفساً واحدةً، كما قال تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلاّ كنفس واحدة)لقمان(٢٨) لإحاطة علمه بكل شيء، وكمال قدرته.وفي الحديث عند ابن حبّان في صحيحه: « أنه تعالى يحاسب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا مقداره خمسون ألف سنة».
40:18Page 469
وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ ١٨
And warn them, [O Muḥammad], of the Approaching Day, when hearts are at the throats, filled [with distress]. For the wrongdoers there will be no devoted friend and no intercessor [who is] obeyed.
١٨ - ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ﴾ يا محمد، أي: حذّرهم وخوّفهم ﴿يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ﴾ أي: يوم القيامة، لقُربها. وأصل معنى الآزفة: القريبة، من أَزِف الرحيل – كفرح - أزَفاً وأُزوفاً: دنا وقرُب، ثم جُعلت اسماً للقيامة لقربها بالإضافة إلى ما مضى من عمر الدنيا، أو لما بقي، كما قال تعالى: (أزفت الآزفة)النجم(٥٧).﴿إِذِ ٱلۡقُلُوبُ﴾ مرتفعةٌ عن مواضعها من صدورهم ﴿لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ﴾ أي: عند حناجرهم وتراقيهم، متشبّثة بحلوقهم ﴿كَٰظِمِينَۚ﴾ أي: ممسكين عليها لا تخرج مع أنفاسهم - كما يُمسك صاحب القربة فمها لئلا يُهراق الماء منها – وهو كناية عن شدّة الفزع وفرط الغمّ، وبيان لشدة الهول وفظاعة الأمر، كقوله سبحانه و تعالى: (وبلغت القلوب الحناجر)الأحزاب(١٠)أي: وقفت القلوب في الحناجر من الخوف، فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها.أو (كاظمين): مغمومين مكروبين أو ممتلئين غمّا وكرباً.وهي حال من القلوب، عوملت بالجمع بالياء والنّون، معاملة أصحابها.وقيل: (كاظمين) أي:ساكتين لا يتكلّم أحد إلاّ بإذنه، كما قال تعالى: (لا يتكلّمون إلاّ من أذن له الرحمن وقال صواباً)النبأ(٣٨).والحناجر: جمع حُنْجُور، أو: حَنْجرة، وهي الحلقوم.﴿مَا لِلظَّٰلِمِينَ﴾ أي: في ذلك اليوم ﴿مِنۡ حَمِيمٖ﴾ أي: قريب مشفق، أو صديق، أو محبّ ينفعهم ويهتم بهم ﴿وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ﴾ في شفاعة لهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كلّ خير.فإن الشفعاء لا يشفعون في الظالمين، ولو قدّرت شفاعتهم، فإن الله لا يرضى شفاعتهم ولا يقبلها منهم.وقوله: (حميم): يقال: احتمّ فلان لفلان، أي: احتدّ، فكأنه الذي يحتدّ حماية لذويه، ومنه قيل لخاصّة الرجل: حامّته، ولذا فُسّر الحميم بالصديق.
40:19Page 469
يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩
He knows that which deceives the eyes and what the breasts conceal.
١٩ - ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ﴾ أي: هو تعالى يعلم النظرة الخائنة، وهو النظر الذي يخفيه العبد عن جليسه ومُقارنه، كمسارقة النظر إلى ما نهى الله عنه وما لا يحلّ النظر إليه.﴿وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ﴾ أي: ويعلم الذي تخفيه الصّدور وتكنّه وتسرّه الضمائر من المكنونات والأسرار، فيجزي كلّ نفس بما كسبت.والآية إخبار عن علم الله التامّ المحيط بجميع الأشياء، وما تنطوي عليه خبايا الصّدور والقلوب من الضمائر والسرائر والمكنونات والنّوايا، ليحذر الناس ربّهم، ويتقوه حقّ تقواه، ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه.
40:20Page 469
وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ٢٠
And Allāh judges with truth, while those they invoke1 besides Him judge not with anything. Indeed, Allāh - He is the Hearing, the Seeing.
٢٠ - ﴿وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ﴾ أي: يحكم بالعدل، لإحاطة علمه بكل شيء.كما قال تعالى:(ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى)النجم(٣١).﴿وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ﴾ – بالياء والتاء، قراءتان – أي: يدعون غير الله دعاء عبادة ومسألة، من الأصنام والأنداد والأوثان، وكلّ ما عُبد من دون الله ﴿لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍۗ ﴾ أي: لا يحكمـون بشيء ولا يملكون شيئاً، لأنهم لا يعلمون شيئاً، ولا يقدرون على شيء، لكمال عجزهم وعدم استطاعتهم، فكيف يكونون شركاء لله؟ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ﴾ لأقوال خلقه ﴿ٱلۡبَصِيرُ﴾ بأفعالهم، فيهدي من يشاء، ويضلّ من يشاء، وهو الحاكم العادل في جميع ذلك.
40:21Page 469
۞ أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٢١
Have they not traveled through the land and observed how was the end of those who were before them? They were greater than them in strength and in impression on the land, but Allāh seized them for their sins. And they had not from Allāh any protector.
٢١ - ﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ﴾ أي: هؤلاء المكذّبون برسالتك يا محمد ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ سير نظر واعتبار وتفكّر في الآثار ﴿فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾ من الأمم المكذّبة لرسلهم، وما حلّ بهم من العذاب والنكال، فإن الذين مضوا من الكفّار ﴿كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ ﴾ أي: أشدّ من هؤلاء الحاضرين من الكفّار قوّة، في العَدد والعُدد.[وفي قراءة: (كانوا هم أشدّ منكم قوة)] ﴿وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: وأشدّ آثارا فيها، بما أثّروا في الأرض وعمّروا فيها من المعالم والحصون، والمصانع والقصور، وقوّة الآثار تدلّ على قوّة المؤثر فيها، وعلى تمنّعه بها، كما قال تعالى:(وأثاروا الأرض وعمروها أكثر ممّا عمروها)الروم(٩).﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ﴾ أي: مع هذه القوة العظيمة والبأس الشديد، أهلكهم ﴿بِذُنُوبِهِمۡ﴾ أي: بسبب ذنوبهم وكفرهم برسلهم.﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ﴾ يقيهم بأس الله، أي: من دافع يدفع عنهم عذاب الله، ويحفظهم منه، ولا رادٍّ يردّه عنهم. يقال: وقاه وقاية: أي: صانه وحفظه، ومنع عنه ما يضرّه. وهو وعيد شديد للمكذّبين، وتهديد أكيد.
40:22Page 469
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٢
That was because their messengers were coming to them with clear proofs, but they disbelieved, so Allāh seized them. Indeed, He is Powerful and severe in punishment.
٢٢ - ﴿ذَٰلِكَ﴾ أي: أخذهم بذنوبهم ﴿بِأَنَّهُمۡ﴾ أي: بسبب أنهم ﴿كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ أي: بالمعجزات الظاهرات، والدلائل الواضحات، والحجج والبراهين القاطعات، الدالّة على صدقهم ﴿فَكَفَرُواْ﴾ بما جاؤوهم به، أي: مع هذا البيان والبرهان، كفروا وجحدوا ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ﴾ أي: أهلكهم ودمّرها عليهم.﴿ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ﴾ أي: ذو قوّة وبطش شديدين، يفعل ما يشاء، فلا يعجزه شيء أراده ﴿شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾ لمن عصاه ولم يرجع إليه بالتوبة والإنابة.
40:23Page 469
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٢٣
And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1
٢٣ - ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا﴾ الدالّة على صدقه وصدق ما أرسل به، وهي الآيات التسع التي تقدّم ذكرها في سورة الأعراف: العصا واليد والسنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد و القمّل و الضفادع و الدم.﴿وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ﴾ أي: حجّة بيّنة، وبرهان ظاهر واضح.
40:24Page 469
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ ٢٤
To Pharaoh, Hāmān and Qārūn, but they said, "[He is] a magician and a liar."
٢٤ - ﴿إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ﴾ وزير فرعون في مملكته ﴿وَقَٰرُونَ﴾ وكان من قوم موسى فبغى عليهم بماله وتجارته ﴿فَقَالُواْ﴾ هو ﴿سَٰحِرٞ كَذَّابٞ﴾ أي: فيما جاءهم به من الآيات البيّنات، والدلائل الواضحات، وخصّ هؤلاء بالذكر دون غيرهم، لأنهم رؤساء المكذّبين بموسى عليه السلام.وقولهم عن موسى: إنّه ساحر كذّاب، كما قال تعالى: (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلاّ قالوا ساحر أو مجنون)الذاريات(٥٢).والآيات شروع في قصّة موسى مع فرعون وملئه، وتسلية لرسول الله ﷺ في تكذيب مَن كذّبه مِن قومه، وبشارة له بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة، كما جرى لموسى بن عمران عليه السلام.
40:25Page 469
فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ٢٥
And when he brought them the truth from Us, they said, "Kill the sons of those who have believed with him and keep their women alive." But the plan of the disbelievers is not except in error.
٢٥ - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم﴾ موسى ﴿بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا﴾ أي: بالصدق، والبرهان القاطع الدالّ على أن الله تعالى أرسله إليهـم، وهـي: معجـزاتـه الظاهـرة الواضحـة ﴿قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ﴾ أي: قال فرعون ومن معه: أعيدوا على بني إسرائيل ما كنتم تفعلونه بهم أوّلا - قبل ولادة موسى – من قتل الذكور من أولادهم، كي تصدّوهم عن مظاهرة موسى ومتابعته. فالقتل في بني إسرائيل وقع مرّتين: الأولى: قبل ولادة موسى تحرزاً من وجوده.والثاني: بعد مبعثه، لإذلالهم، وإهانتهم، وتقليل عددهم، ولكي يتشاءموا بموسى عليه السلام.ولهذا قالوا:(أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا)الأعراف(١٢٩).﴿وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ﴾ أي: استبقوا الإناث من أولادهم للخدمة، كما فعلتم بهم من قبل.﴿وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ﴾ أي: ما مكرهم وقصدهم، الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا يُنصروا عليهم، إلاّ ذاهب في ضياع وهلاك، وخسران وبُطلان، ووبال.
40:26Page 470
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦
And Pharaoh said, "Let me kill Moses and let him call upon his Lord. Indeed, I fear that he will change your religion or that he will cause corruption1 in the land."
٢٦ - ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ﴾ لقومه: ﴿ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ﴾ أي: اتركوني ودعوني حتى أقتل لكم موسى ﴿وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ﴾ الذي يزعم أنه أرسله إلينا، فليمنعه منّي إن قدر على ذلك.ثم ذكرالحامل له على إرادة قتله، وأنه ناصح لقومه، فقال:﴿إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ﴾ موسى ﴿دِينَكُمۡ﴾ أي: يُغيّر دينكم الذي أنتم عليه، فيدعوكم إلى عبادة الله وحده، بدلاً من عبادة غيره!﴿أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ﴾ بأن يوقع بين الناس الفتنة والخلاف، و المراد بالأرض: أرض مصر.أي إن فرعون مشفق على الناس من أمر موسى ودعوته ![وفي قراءة:(وأن يُظهِر في الأرض الفسادَ) وفي أخرى: بفتح الياء والهاء، وضمّ الدالّ:(أو أن يَظْهر في الأرض الفسادُ) و في رابعة: (وأن يَظهر في الأرض الفسادُ)].
40:27Page 470
وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧
But Moses said, "Indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord from every arrogant one who does not believe in the Day of Account."
٢٧ - ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ﴾ أي: لمّا بلغـه قول فـرعـون: (ذروني أقتل موسى)، قال موسى عليه السلام:﴿إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم﴾ أيها المخاطبون، أي: لجأت إليه، واستجرت به، أو: اعتصمت وتحصّنت به ﴿مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ﴾ أي: من شرّ كل مستكبر عن الإذعان للحقّ، متعظّم عن الإيمان.﴿لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ﴾ أي: كافر بالبعث والجزاء، ويدخل فرعون في هذا العموم دخولاً أوليّاً.يقال: عاذ به واستعاذ، لجأ إليه، واستجار به.وفي الحديث عن أبي موسى: أن رسول الله ﷺ كان إذا خاف قوماً قال:«اللهمّ إنا نعوذ بك من شرورهم، وندرأ بك في نحورهم». رواه النسائي في «الكبرى».
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences