Al-Jami' al-Wajiz · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:36–77
43:36Page 492
وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ ٣٦
And whoever is blinded from remembrance of the Most Merciful - We appoint for him a devil, and he is to him a companion.
٣٦ - ﴿وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾ أي: يتعام ويتغافلْ ويعرضْ عن القرآن، فلا ينظر في حججه وبراهينه إلاّ كنظر من عشا بصره.﴿نُقَيِّضۡ﴾ - بالنون و الياء، قراءتان -﴿لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا﴾ أي: نُتحْ، أو نُهيىء، أو نُسبّب له شيطاناً أو نسلّطه عليه، يستولى عليه استيلاء القيض على على البيض، فيُغويه. والشيطان قد يكون جنيّاً أو إنسياً.﴿فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ﴾ أي: مصاحب له، لا يفارقه، فيعده ويُمنّيه، ويؤزّه إلى المعاصي أزّا.والعشا في العين: ضعف بصرها، والمراد هنا: عشا البصيرة، يقال: عشا – كدعا - وعشي - كرضي -: إذا ضعف بصره، وأظلمت عينُه، كأن عليه غشاوة، ومنه: ناقة عشواء.
43:37Page 492
وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ ٣٧
And indeed, they [i.e., the devils] avert them from the way [of guidance] while they think that they are [rightly] guided
٣٧ - ﴿وَإِنَّهُمۡ﴾ أي: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمۡ﴾ أي: ليصدّون العاشين المتعامين عن ذكر الله ﴿عَنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي: عن طريق الهدى وعن الصراط المستقيم والدين القويم، فيزينون لهم الضلالة.﴿وَيَحۡسَبُونَ﴾ أي: الكفّار بسبب تزيين الشياطين للباطل، وتحسينهم له ﴿أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ﴾ أي: في أنفسهم. فهذه حالة المعرض عن ذكر الله في الدنيا، مع قرينه، وهي الضلال والغيّ وانقلاب الحقائق.
43:38Page 492
حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ ٣٨
Until, when he comes to Us [at Judgement], he says [to his companion], "How I wish there was between me and you the distance between the east and west; and what a wretched companion."
٣٨ - ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا﴾ أي: هذا العاشي المتعامي عن ذكر الله، بقرينه يوم القيامة [و في قراءة (حتى إذا جاءانا) أي: العاشي وقرينه] ﴿قَالَ﴾ أي: العاشي لقرينه: ﴿يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ﴾ أي: مثل بُعد ما بين المشرق والمغرب.﴿فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ﴾ أنت لي، أي: بئس الصاحب الملازم للإنسان شيطانه.والمراد بالمشرقين هنا: المشرق والمغرب، وإنما استُعمل تغليباً، كما يقال: القمران، أي: الشمس والقمر، والأبوان، أي: الأب والأم.قاله ابن جرير وغيره.والآية كقوله:(ويوم يعضّ الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً)الفرقان(٢٧).
43:39Page 492
وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩
And never will it benefit you that Day, when you have wronged, that you are [all] sharing in the punishment.
٣٩ - قال تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿إِذ ظَّلَمۡتُمۡ﴾ أي: لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا، بشرككم ﴿أَنَّكُمۡ﴾ أي: المعرضون عن ذكر الله مع قرنائكم ﴿فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ﴾ أي: كونكم مشتركين في العذاب وإيلامه.والمعنى: لن ينفعكم اليوم من شدّة العذاب وأليم العقاب، لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا، اشتراكُكُم في العذاب أنتم وقرناؤكم، واجتماعكم فيه، أي: بخلاف الحال في الدنيا، فإن المصيبة فيها إذا عمّت هانت، واشترك فيها المعاقبون بتحمّل أعبائها، أمّا مصيبة الآخرة، فإنها جمعت كلّ عقاب.و يحتمل أن يكون المعنى: و لن ينفعكم التمني وقت حلول العذاب و استحقاق العقاب في الآخرة، لأنكم مشتركون في العذاب، لاشتراككم في سببه.
43:40Page 492
أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٠
Then will you make the deaf hear, [O Muḥammad], or guide the blind or he who is in clear error?
٤٠ - ﴿أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ﴾ وقد سُلبوا استماع حجج الله وهداه ﴿أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ﴾ وقد سلبوا إبصار آيات الله والاعتبار بها ﴿وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ أي: بيّن واضح جليّ؟ لا.أي: ليس لك ذلك وليس عليك هداهم، إنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب.أي: فلا يضيق صدرك بكفرهم، فإنهم لا يؤمنون، لإفراطهم في الضلالة، وتمكّنهم من الجهالة والمكابرة والعناد. والآية إنكار تعجيب من أن يكون ﷺ قادرا على هدايتهم.
43:41Page 492
فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ ٤١
And whether [or not] We take you away [in death], indeed, We will take retribution upon them.
٤١ - ﴿فَإِمَّا﴾ فيه إدغام نون «إن» الشـرطيّـة في «ما» ﴿نَذۡهَبَنَّ بِكَ﴾ أي: بالموت، قبل أن ينزل العذاب بهم، أو قبل أن نُظهرك عليهم.﴿فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ بالعذاب، إمّا في الدنيا، أو في الآخرة.
43:42Page 492
أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدۡنَٰهُمۡ فَإِنَّا عَلَيۡهِم مُّقۡتَدِرُونَ ٤٢
Or whether [or not] We show you that which We have promised them, indeed, We are Perfect in Ability.
٤٢ - ﴿أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدۡنَٰهُمۡ﴾ به من العذاب، قبل موتك، أو الظهور والانتصار عليهم ﴿فَإِنَّا عَلَيۡهِم مُّقۡتَدِرُونَ﴾ أي: على عذابهم قادرون، وقد أراه الله ذلك يوم بدر، وتعجيل العذاب أو تأخيره متوقف على اقتضاء الحكمة لذلك.
43:43Page 492
فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٣
So adhere to that which is revealed to you. Indeed, you are on a straight path.
٤٣ - ﴿فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ﴾ أي: القرآن، قولاً وعملاً وحالاً ﴿إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ أي: طريق قويم، موصل إلى الله تعالى وإلى جنات النّعيم.
43:44Page 492
وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ ٤٤
And indeed, it is a remembrance1 for you and your people, and you [all] are going to be questioned.
٤٤ - ﴿وَإِنَّهُۥ﴾ أي: الذي أوحي إليك، وهو القرآن ﴿لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ﴾ أي: لشرف عظيم لك ولقومك من قريش، أو: للعرب عامّة، أو: لأمّتك.وفي الحديث عن معاوية مرفوعا: «إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلاّ أكبّه الله تعالى على وجه ما أقاموا الدين».رواه البخاري.ومعناه: أنه شرف لهم من حيث أنه أُنزل بلغتهم، فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به، وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من المهاجرين السابقين الأولين ومن على شاكلتهم. أفادة ابن كثير.وقيل: معناه: وإنه لتذكرة أو تذكير لك ولقومك، تذكّرون به أمر الدين، وتعملون بمقتضاه.وتخصيص قومه بالذكر لا ينفي من سواهم، كقوله تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم)الأنبياء(١٠) وكقوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين)الشعراء(٢١٤).﴿وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ﴾ يوم القيامة عنه، وعمّا جعله الله لكم من الشرف بإنزاله إليكم، وعن القيام بحقّه والعمل بما فيه، والاستجابة له.
43:45Page 492
وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ ٤٥
And ask those We sent before you of Our messengers; have We made besides the Most Merciful deities to be worshipped?
٤٥ - ﴿وَسۡـَٔلۡ﴾ يا محمد ﴿مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ﴾؟ قيل: المراد: سؤاله ﷺ الأنبياء ليلة الإسراء، حين جمعهم الله له، فأمّهم وصلّى بهم.وقيل: المراد: واسأل أمم من قد أرسلنا قبلك من الرّسل: هل أذن الله بعبادة الأوثان في ملّة من الملل؟ وهل سوّغ ذلك لأحد منهم؟أو: اسأل مؤمني أهل الكتابين، فالكلام بتقدير مضاف، أي: اسأل أممهم المؤمنين. ولم يسألْ ﷺ على واحد من القولين، لأن المراد من الأمر بالسؤال: التقرير لمشركي قريش أنه لم يأت رسول من الله، ولا كتاب بعبادة غير الله، حتى يكون لهم حجّة يتبّعون فيها أحداً من الرسل.أي: فإنك لو سألتهم، واستخبرت عن أحوالهم، لم تجد أحداً منهم يدعو إلى اتخاذ إله آخر مع الله، بل إن جميع الرسل دعوْا إلى ما دعوت الناس إليه، من عبادة الله وحده لا شريك له، ونهوْا عن عبادة الأصنام والأنداد والأوثان، فلست بدعاً من الرسل في دعوتك.و الآية كما قال تعالى: (ولقد بعثنا في كلّ أمّة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)النحل(٣٦).
43:46Page 492
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٦
And certainly did We send Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, and he said, "Indeed, I am the messenger of the Lord of the worlds."
٤٦ - ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ﴾ وهي الآيات التسع التي تقدّم بيانها في سورة الإسراء: اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقُمّل، والضفادع، والدم، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، والسنين.﴿إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ﴾ من الأشراف، والسادة، والقادة، والأتباع، من القبط.﴿فَقَالَ﴾ لهم: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ فدعاهم إلى الإقرار بعبادة الله، ونهاهم عن عبادة ما سواه.
43:47Page 492
فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ ٤٧
But when he brought them Our signs, at once they laughed at them.
٤٧ - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ﴾ الدالّة على صدقه وصحّة رسالته ﴿إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ﴾ استهزاء وسخرية.
43:48Page 493
وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤٨
And We showed them not a sign except that it was greater than its sister, and We seized them with affliction that perhaps they might return [to faith].
٤٨ - ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ﴾ من آيات العذاب، أو المعجزات ﴿إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ﴾ أي: قرينتها التي قبلها، وأعظم قدرا، مع كون التي قبلها عظيمة في نفسها.وقيل: المعنى: أنه إذا ضُمّت الآية المتأخرة إلى السابقة، كانت أكثر وضوحاً وجلاءً.﴿وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ﴾ الدنيوي، كالسّنـين ونحـوه ﴿لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ﴾ عن الكفر إلى الإسلام.
43:49Page 493
وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ ٤٩
And they said [to Moses], "O magician, invoke for us your Lord by what He has promised you. Indeed, we will be guided."
٤٩ - ﴿وَقَالُواْ﴾ لموسى لمّا رأوا العـذاب ينـزل بهم: ﴿يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ﴾ أي: العالم، وكانوا يسمّون العلماء في زمانهم سحرة، ويوقّرونهم ويعظّمونهم، لأن السحر عندهم علم عظيم - فليس قولهم ذلك على سبيل الانتقاص، وإنما هو تعظيم لموسى في زعمهم، كما قال ابن كثير -.﴿ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ﴾ من كشف العذاب عنّا، إن آمنّا واهتدينا.﴿إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ﴾ أي: فيما يستقبل من الزمان، ومؤمنون بما جئت به.
43:50Page 493
فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ ٥٠
But when We removed from them the affliction, at once they broke their word.
٥٠ - ﴿فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ﴾ أي: رفعناه عنهم بدعاء موسى ربّه ﴿إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ﴾ أي: ينقضون عهدهم بالإيمان والاهتداء، فلا يؤمنون، ويصرّون على كفرهم. وأصل النكث: نكث الأكسية والغزْل، وهو قريب من النّقض: فاستعير لنقض العهد.وهذا كقوله في سورة الأعراف:(ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربّك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمننّ لك ولنرسلن معك بني إسرائيل ١٣٤ فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون ١٣٥)الأعراف(١٣٤ -١٣٥).
43:51Page 493
وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ ٥١
And Pharaoh called out among his people; he said, "O my people, does not the kingdom of Egypt belong to me, and these rivers flowing beneath me; then do you not see?
٥١ - ﴿وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ﴾ مستعلياً بباطله، مفتخراً بملكه ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ﴾ لا ينازعني في ملكها أحد ﴿وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ﴾ أي: من تحت قصري، وهي أنهار النّيل.﴿أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ ذلك، فتستدلّون به على قوة ملكي، وعظيم قدري، وضعف موسى ومن معه عن مقاومتي؟ أو: أفلا تبصرون ما أنا فيه من النعيم والخير وما فيه موسى من الفقر؟
43:52Page 493
أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ ٥٢
Or am I [not] better than this one [i.e., Moses] who is insignificant and hardly makes himself clear?1
٥٢ - ﴿أَمۡ﴾ تبصرون؟ وحينئذ ﴿أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا﴾ أي: موسى ﴿ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ﴾ أي: ضعيف حقير، لا عزّ له ولا ملك ولا سلطان ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ الكلام، أي: لا يُفصح عنه ولا يُظهره، من لُثْغة كانت في لسانه.أو: لا يكاد يُفهم الكلام، لمخالفة اللغة العبرانية اللغة القبطية، وقد كذب فرعون في قوله هذا كذباً واضحاً بيّناً.وقوله: «أم» أي: أم تبصرون؟ ولمّا لم تُذكر جملة «تبصرون»، أُقيم مقامها جملة «أنا خير»، لأنهم إذا قالوا ذلك، كانوا عنده بُصراء، فأقيم السّبب مقام المسبّب.وقيل: المعنى: بل أنا خير من هذا الذي هو مهين، فإن بعض نُحاة البصرة قالوا: إن «أم» ههنا بمعنى:بل.وقوله: (مهين): كذب وافتراء، بل هو المهين الحقير، وموسى هو الصادق الشريف البار الكريم.وقوله: (ولا يكاد يُبين): كذب واختلاق أيضاً، فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من جهة تلك الجمرة، فقد سأل الله عز وجل أن يحلّ عقدة من لسانه، ليفقهوا قوله، وقد استجاب الله له ذلك في قوله: (قد أوتيت سؤلك يا موسى)طه(٣٦).وإنما هو الترويج على الرعيّة، والتقليل لهم، والاستخفاف بعقولهم.
43:53Page 493
فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ ٥٣
Then why have there not been placed upon him bracelets of gold or come with him the angels in conjunction?"
٥٣ - ﴿فَلَوۡلَآ﴾ أي: فهلاّ ﴿أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ﴾ أي: على موسى إن كان صادقاً ﴿أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ﴾ جمع سوار، وهو كناية عن تمليكه.وكانوا إذا سودوا رجلاً، سوّروه بسوارين، وطوّقوه بطوق من ذهب، علامة لسيادته وتمليكه.أي: فهلاّ حُلّي بأساور الذهب إن كان صادقاً .[وفي قراءة: (أساورة) جمع «أسورة» كأغربة، جمع سوار].﴿ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ﴾ أي: مقرونين به، متتابعين، يعينونه على أمره، ويشهدون بصدقه.فأوهم قومه أن الرّسل لابدّ أن يكونوا على هيئة العظماء من السّادة، المحفوفين بالملائكة الشاهدين لهم بالنبوّة والرسالة، فصدّقوه في هذا الوهْم والزّعم.
43:54Page 493
فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٥٤
So he bluffed his people, and they obeyed him. Indeed, they were [themselves] a people defiantly disobedient [of Allāh].
٥٤ - ﴿فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ﴾ أي: طلب منهم الخفّة والسرعة لإجابته ومتابعته.أو: حملهم على الخفّة والجهل والسّفه، بقوله وكيده وغروره. أو: فاستفزهم بهذه المغالطات وحملهم على أن يخفوا له و يصدقوه.﴿فَأَطَاعُوهُۚ﴾ فيما أمرهم به، وزيّن لهم، وقبلوا قوله، وكذّبوا موسى ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ﴾ أي: خارجين عن طاعة الله، باستجابتهم لمن استخفّ عقولهم ودعاهم إلى الضلالة.
43:55Page 493
فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥٥
And when they angered Us, We took retribution from them and drowned them all.
٥٥ - ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾ أي: أسخطونا، وأغضبونا أشدّ الغضب، بإفراطهم في الفساد والعصيان.منقول بالهمزة، من أسف أسفاً: إذا اشتدّ غضبه.﴿ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ في البحر.
43:56Page 493
فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ ٥٦
And We made them a precedent and an example for the later peoples.
٥٦ - ﴿فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا﴾ أي: قدوة لمن عمل بعملهم من الكفّار في استحقاق مثل عقابهم. وهو مصدر وُصف به مبالغة، ولذا يُطلق على القليل والكثير، يقال: سلف – كطلب - سلفاً، أي: تقدّم ومضى، وسلف له عمل صالح: أي: تقدّم، ومنه الأسلاف: أي: المتقدّمون.وقيل: هو اسم جمع لسالف – كخادم وخَدَم – أي: جعلناهم سابقين عبرة، أو: حجّة للهالكين بعدهم.[وفي قراءة: بضم السين و اللام (سُلُفا)].﴿وَمَثَلٗا﴾ أي: عظة وعبرة ﴿لِّلۡأٓخِرِينَ﴾ أي: لمن يأتي بعدهم، أو للناجين، يتمثّلون بحالهم، معتبرين متّعظين، فلا يقدمون على مثل أفعالهم. أو: قصّة عجيبة تجري مجرى الأمثال لمن بعدهم.وفي الحديث عند ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر مرفوعاً: أن رسول الله ﷺ قال:«إذا رأيت الله يعطي العبد ما يشاء، وهو مقيم على معاصيه، فإنما ذلك استدراج له منه» ثم تلا ﷺ: (فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين).
43:57Page 493
۞ وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ ٥٧
And when the son of Mary was presented as an example,1 immediately your people laughed aloud.
٥٧ - ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا﴾ أي: جُعل مثلاً، وذلك حين نزل قوله تعالى:(إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنّم)الأنبياء(٩٨) فقال المشركون: أليست النّصارى يعبدون المسيح، وقد كان نبيّاً، كما تزعم، فقد رضينا أن تكون آلهتنا في النّار مع عيسى، لأنه عُبد من دون الله!.﴿إِذَا قَوۡمُكَ﴾ أي: المشركون من قريش ﴿مِنۡهُ﴾ أي: من المثل ﴿يَصِدُّونَ﴾ – بكسر الصاد وضمّها، قراءتان – أي: يضجّون ويصيحون فرحاً وجذلاً بذلك المثل المضروب. يقال: صدّ يصِدّ ويصُدّ - بكسر الصاد وضمها -: إذا ضجّ وصاح.وأخرج أحمد بسند صحيح والطبراني وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ قال لقريش: «إنه ليس أحد يُعبد من دون الله فيه خير» فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً وعبداً صالحاً وقد عُبد من دون الله! فأنزل الله: (ولما ضُرب ابن مريم مثلاً) الآية.و قيل: إن مثله المضروب: كونه كآدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون، فهو عبد مخلوق منعم عليه بالنبوة، فعبادته كفر و دعاؤه شرك.(إذا قومك منه) أي: من مثله المضروب (يصدون) أي: يعرضون و لا يعُون.
43:58Page 493
وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ ٥٨
And they said, "Are our gods better, or is he?"1 They did not present it [i.e., the comparison] except for [mere] argument. But, [in fact], they are a people prone to dispute.
٥٨ - ﴿وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ﴾ أي: عيسى عليه السلام، فإذا كان هو في النّار، لكونه عُبد من دون الله، فنحن نرضى أن نكون وآلهتنا معه.وقد أبطل الله قولهم هذا بقوله:﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ﴾ أي: المثل في عيسى ﴿إِلَّا جَدَلَۢاۚ﴾ أي: خصومة بالباطل ومراءً، لأجل الجدل والخصومة والغلبة في القول بالباطل، لا لطلب الحقّ، وذلك لعلمهم أن «ما» في قوله: (إنكم وما تعبدون) لغير العاقل، فلا يتناول عيسى عليه السلام، ولأن الآية خطاب لقريش وهم إنما يعبدون أصناماً وأوثاناً ولم يكونوا يعبدون المسيح حتى يوردوه في مثلهم.﴿بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ أي: لُدّ، شداد الخصومة، مجبولون على اللجاج والجدل في الباطل.جمع خََصِم – بفتح فكسر – وهو المجادل، أو: شديد الخصومة، كثير اللّدد، عظيم الجدل.وفي الحديث عند أحمد وابن ماجه والترمذي – وقال: حسن صحيح – أن رسول الله ﷺ قال: «ما ضلّ قوم بعد هدىً كانوا عليه إلاّ أورثوا الجدل - وفي لفظ: إلا أوتوا الجدل - ثم تلا ﷺ هذه الآية: (ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون)». ورواه ابن جرير عن أبي أمامة بنحوه. و قيل: إن المعنى: (وقالوا ءآلهتنا) أي: الملائكة الذين عبدوهم من دون الله و زعموا أنهم بنات الله (خيرٌ أم هو) أي: عيسى عليه السلام.و مرادهم: أنهم خيرٌ من عيسى وأفضل، لأن الملائكة من الملأ الأعلى، فإذا جازت عبادة المفضول - و هو عيسى - فعبادة الأفضل في زعمهم - و هم الملائكة - بالأولى والأحرى.
43:59Page 493
إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩
He [i.e., Jesus] was not but a servant upon whom We bestowed favor, and We made him an example for the Children of Israel.
٥٩ - ﴿إِنۡ هُوَ﴾ أي: ما عيسى عليه السلام ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ﴾ بالنبوّة والرسالة ﴿وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي: آية وعبرة لهم وحجة عليهم، أو: كالمثل في غرابته، حيث خلقناه من غير أب، دليلاً وحجة وبرهاناً على كمال قدرتنا على ما نشاء.
43:60Page 493
وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ ٦٠
And if We willed, We could have made [instead] of you angels succeeding [one another]1 on the earth.
٦٠ - ﴿وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم﴾ أي: بدلاً منكم، أو: بدلكم ﴿مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ﴾ أي: يخلفونكم فيها ويعمرونها، وذلك بأن نهلككم، ولكن من رحمة الله بكم أن أرسل إليكم رسلاً من جنسكم تتمكّنون من الأخذ عنهم، ولم يرسل لكم ملائكة رسلاً.
43:61Page 494
وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١
And indeed, he [i.e., Jesus] will be [a sign for] knowledge of the Hour, so be not in doubt of it, and follow Me.1 This is a straight path.
٦١ - ﴿وَإِنَّهُۥ﴾ أي: عيسى عليه السلام ﴿لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ﴾ يُعلم قربها بنزوله، أي: لَتُعْلَمُ به الساعة، وذلك بنزوله من السماء، فإن نزوله قبل يوم القيامة إماماً عادلاً، وحكماً مقسطاً، كما تواترت به الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ، آيةٌ للساعة، وعلامة من علاماتها، وأمارة على قرب وقوعها.و قيل: إن الضمير في قوله: (و إنه لعلم للساعة) متوجه للقرآن، أي وإن القرآن يُعْلِم بالساعة و يُخبِر عنها و عن أهوالها. و في جعله عين العلم مجاز. والعلم بمعنى العلامة.﴿فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا﴾ أي: فلا تشكُّنَّ في قيامها ﴿وَٱتَّبِعُونِۚ﴾ على التوحيد، بامتثال ما آمركم به، واجتناب ما أنهاكم عنه ﴿هَٰذَا﴾ أي: الذي آمركم به وأدعوكم إليه، أو: القرآن ﴿صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ﴾ أي: طريق قويم قيّم لا عوج فيه موصل إلى الحق، وإلى جنات النّعيم.
43:62Page 494
وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٦٢
And never let Satan avert you. Indeed, he is to you a clear enemy.
٦٢ - ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ﴾ أي: لا يصرفنّكم عن دين الله، وعن اتباع الحقّ الذي جئتكم به، بوساوسه وشبهه التي يلقيها في قلوبكم، ولا يعدلنّ بكم عن طاعتي﴿إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ﴾ أي: بيّن العداوة، مظهرها لكم، غير متحاش عن ذلك ولا متكتّم به.
43:63Page 494
وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ٦٣
And when Jesus brought clear proofs, he said, "I have come to you with wisdom [i.e., prophethood] and to make clear to you some of that over which you differ, so fear Allāh and obey me.
٦٣ - ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ﴾ أي: بالمعجزات الواضحات، الدالّة على صدق نبوّته، وصحّة ما جاء به، من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص – بإذن الله - ونحو ذلك من الآيات والشرائع، وهو الإنجيل، ﴿قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ﴾ أي: بالنبوّة والرسالة.﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ﴾ من أحكام التوراة، من أمر الدّين وغيره، فجاء مكمّلاً ومتمماً لشريعة موسى عليه السلام.﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ فيما آمركم به، وأنهاكم عنه ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما جئتكم به من التوحيد والشرائع.
43:64Page 494
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦٤
Indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. This is a straight path."
٦٤ - ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ﴾ هذا بيان لما أمرهم بأن يطيعوه فيه.وفيه: الإقرار بتوحيد الربوبية، وأن الله هو المربّي جميع خلقه بأنواع النّعم الظاهرة والباطنة، والإقرار بتوحيد العبودية، بالأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والإخبار بأن عيسى عبد من عباد الله.﴿هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به من عبادة الله وحده لا شريك له، وإفراده بالألوهية والعمل بشرائعه، طريق قويم، موصل إلى الله وإلى جنّته.
43:65Page 494
فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ ٦٥
But the denominations from among them differed [and separated], so woe to those who have wronged from the punishment of a painful Day.
٦٥ - ﴿فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ﴾ أي: من بين من بُعث إليهم من بني إسرائيل، اختلفوا في أمر عيسى: أهو الله، أو ابن الله، أو ثالث ثلاثة؟ تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيراً.والأحزاب: هي الفرق أو الشيع المتحزّبة، أي أنهم صاروا في أمره فرقاً وشيعاً متحزبة، منهم من يقرّ بأنه عبد الله ورسوله، ومنهم من يدّعي خلاف ذلك.﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ أي: هلاك، أو شدة عذاب، أو حسرة، أو فضيحة، للذين ظلموا أنفسهم بالكفر من هؤلاء المختلفين فيه، وهم الذين أشركوا بالله، ولم يعملوا بشرائعه، وزعموا في عيسى تلك المزاعم الباطلة ﴿مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم موجع، هو يوم القيامة.
43:66Page 494
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٦٦
Are they waiting except for the Hour to come upon them suddenly while they perceive not?
٦٦ - ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ﴾ أي: هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذبون للرسل، والأحزابُ ﴿إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ﴾ أي: فجأة ﴿وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ﴾ بوقت مجيئها، ولا يفطنون لذلك؟ استفهام إنكاري يفيد النفي، أي: لا ينتظرون إلاّ قيام الساعة!
43:67Page 494
ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ ٦٧
Close friends, that Day, will be enemies to each other, except for the righteous
٦٧ - ﴿ٱلۡأَخِلَّآءُ﴾ أي: الأصدقاء الذين تخلّلت المحبّة قلوبهم في الدنيا ﴿يَوۡمَئِذِۭ﴾ أي: يـوم القيامـة، ﴿بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ للشرك والمعاصي، المتحابّين في الله، المجتمعين على طاعته، فإن محبّتهم تدوم في الدنيا والآخرة، بدوام من كانت المحبّة لأجله.وسبب انقطاع خلّة أولئك يوم القيامة: أنها كانت في الدنيا خلّةً لغير الله وفي غير ذات الله، بل على الكفر والتكذيب ومعصية الله، فانقلبت يوم القيامة عداوة.قال ابن كثير: كل صداقة وصحابة لغير الله، فإنها تنقلب يوم القيامة عداوة، إلاّ ما كان لله عز وجلّ، فإنه دائم بدوامه، كما قال إبراهيم عليه السلام لقومه:(إنما اتخذتم من دون الله أوثاناً مودّة بينكم في الحياة ا لدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين)العنكبوت(٢٥).
43:68Page 494
يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ ٦٨
[To whom Allāh will say], "O My servants, no fear will there be concerning you this Day, nor will you grieve,
٦٨ - ﴿يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ﴾ فيما تستقبلون من الأمور﴿وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ﴾على ما مضى منها. أي: يقال لهؤلاء المتقين المتحابين في الله هذه المقالة، يوم القيامة، فيذهب عنهم خوفهم ويرتفع حزنهم.
43:69Page 494
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ ٦٩
[You] who believed in Our verses and were Muslims.
٦٩ - ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ وصف لقولـه:«يـا عـباد» ﴿بِـَٔايَٰتِنَا﴾ أي: القرآن، وهذا شامل للتصديق بها، و العلم بمعناها، والعمل بمقتضاها ﴿وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ﴾ لله، منقادين له في جميع أحوالهم، فجمعوا بين الاتّصاف بعمل الظاهر والباطن. أي: آمنت قلوبهم وبواطنهم، وانقادت لشرع الله جوارحهم وظواهرهم.
43:70Page 494
ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ ٧٠
Enter Paradise, you and your kinds,1 delighted."
٧٠ - ﴿ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ﴾ أي: يقال لهم ذلك ﴿أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ﴾ أي: نظراؤكم، وقرناؤكم، ومن كان على شاكلتكم في الإيمان، من زوجة، وولد، وصاحب، وغيرهم ﴿تُحۡبَرُونَ﴾ أي: تَفْرحون وتُسرّون سروراً يظهر حَِباره – بفتح الحاء وكسرها - أي: أثره على وجوهكم نضْرة وحُسناً. من الحَبَر – بفتحتين – وهو الأثر.أو: تُزّينون، من الحَِبْر – بفتح الحاء وكسرها وسكون الباء – وهو الزينة وحسن الهيئة.أو: تنعّمون وُتكرمون وتسعدون.
43:71Page 494
يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٧١
Circulated among them will be plates and vessels of gold. And therein is whatever the souls desire and [what] delights the eyes, and you will abide therein eternally.
٧١ - ﴿يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ﴾ أي: بقصاع ﴿مِّن ذَهَبٖ﴾ فيها طعامهم ﴿وَأَكۡوَابٖۖ﴾ أي: أقداح لا عُرى لها ولا خراطيم، أي: من ذهب أيضاً فيها شرابهم، والمراد: يُطاف عليهم بأطعمة وأشربة في أوانٍ من ذهب. ولم تُذكر الأطعمة والأشربة للعلم بها، ولأنه لا معنى للإطافة بالصّحاف والأكواب من غير أن يكون فيها شيء.جمع صحفة وكوب. والصّحفة: القصعة، وهو إناء الطعام.والكوب: إناء لا عروة له يُستعمل للشراب.﴿وَفِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ﴾ [وفي قراءة: (ما تشتهي الأنفس)] من مطاعم ومشارب وملابس ومناكح، ونحوها، مما تطلبه النفس وتهواه، كائناً ما كان ﴿وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ﴾ من مناظر حسنة، وأشجار محدقة، ونعم مؤنقة، وقصور مزخرفة، ونحوها.﴿وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيها، لا تخرجون منها، ولا تبغون عنها حولاً.
43:72Page 494
وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧٢
And that is Paradise which you are made to inherit for what you used to do.
٧٢ - ويقال لهم على وجه التفضّل والامتنان: ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا﴾ أي: صارت إليكم، كما يصير الميراث إلى الوارث ﴿ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ في الدنيا من الأعمال الصالحة.أي: أن الله أورثكم إيّاها بسبب أعمالكم الصالحة، والتي كانت سبباً لشمول رحمة الله إيّاكم، فإنه لا يدخل أحداً عملُه الجنّة، ولكن برحمة الله وفضله.وفي الحديث عند ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة، مرفوعاً: قال ﷺ:«وما من أحد إلاّ وله منزل في الجنّة ومنزل في النار، الكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله تعالى: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعلمون)».
43:73Page 494
لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٣
For you therein is much fruit1 from which you will eat.
٧٣ -﴿ لَكُمۡ فِيهَا ﴾ أي: في الجنّة، ﴿ فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ ﴾ أي: من جميع الأنواع والأصناف، سوى الطعام والشّراب، ﴿مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ﴾ أي: من تلك الفواكه والثمار تأكلون وتتخيّرون.
43:74Page 495
إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ٧٤
Indeed, the criminals will be in the punishment of Hell, abiding eternally.
٧٤ - ﴿إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ بكفرهم وتكذيبهم ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ﴾ أي: ماكثون فيه، لا ينقطع عنهم العذاب أبداً.
43:75Page 495
لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٥
It will not be allowed to subside for them, and they, therein, are in despair.
٧٥ - ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ﴾ أي: لا يخفّف عنهم العذاب ولا يسكن فترة ليستريحوا منه ﴿وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ﴾ أي: آيسون من كلّ خير، أو من النجاة، أو من تخفيف العذاب عنهم، قد استسلموا للعذاب.من الإبلاس: وهو الحزن المعترض من شدّة اليأس.أو: ساكنون أو حزينون من شدة اليأس.
43:76Page 495
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٦
And We did not wrong them, but it was they who were the wrongdoers.
٧٦ - ﴿وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ﴾ أي: ما عذّبناهم بغير ذنب جنوه، ولا بزيـادة عـلى ما يستحقّونه من العذاب، ﴿وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ لأنفسهم، بما فعلوا من الذنوب والأعمال السيئة، بعد قيام الحجّة عليهم وإرسال الرسل إليهم، فجوزوا بذلك جزاء وفاقاً، وما ربك بظلاّم للعبيد.
43:77Page 495
وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ ٧٧
And they will call, "O Mālik,1 let your Lord put an end to us!" He will say, "Indeed, you will remain."
٧٧ - ﴿وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ﴾ هو خازن النّار ﴿لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ﴾ بالموت، أي: ليُمتْنا، فنستريح مما نحن فيه من العذاب. من قضى عليه: إذا أماته.فإنهم كما قال تعالى عنهم: (لا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يخفّف عنهم من عذابها)فاطر(٣٦) وقال: (ثم لا يموت فيها ولا يحيى)الأعلى(١٣).﴿قَالَ﴾ لهم مالك: ﴿إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ﴾ أي: مقيمون لابثون في العذاب، لا خروج لكم منه، ولا محيد لكم عنه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences